Indexed OCR Text

Pages 141-160

قال البكّائي، عن ابن إسحاق(١) : حدثني نافع، عن ابن عمر،
قال: لما أسلم عمر، قال: أيُّ قريش أثْقَلُ للحديثِ؟ قيل: جميلُ بنُ
مَعمَر الجُمَحي. فغدا عليه، قال ابن عمر: وَغَدَوتُ أتبع أثره وأنا غلام
أعقِل، حتى جاءه، فقال: أعَلِمتَ أني أسلمتُ؟ فوالله ما راجعه حتى قام
يجرُّ رداءه، حتى قام على باب المسجد صرخ بأعلى صوته: يا معشر
قريش، ألا إنَّ ابنَ الخطاب قد صبأ. قال: يقول عمر من خلفه: كذبَ،
ولكنِّي أسلمتُ. وثاروا إليه فما برحَ يُقاتلهم، ويقاتلونه حتى قامت
الشمس على رؤوسهم. قال: وطَلِحَ(٢) فقعد وقاموا على رأسه وهو
يقول: افعَلُوا ما بَدَا لكم، فأحلف بالله أن لو كنّا ثلاث مئة رجل لقد
تركناها لكم أو تركتموها لنا. فبينا هو على ذلك إذ أقبل شيخ عليه حلّةً
حِبرة، وقميصٌ مُوشَّى، حتى وقف عليهم، فقال: ما شأنكم؟ قالوا:
صبأ عمر. قال: فمه! رجلٌ اختار لنفسه أمراً فماذا تريدون! أَترون بني
كعب بن عَدِي يُسْلِمُونه! خَلُوا عنه. قال: فَوَالله لكأنّما كانوا ثوباً كُشِطَ
عنه، فقلت لأبي بعد أن هاجر: يا أبَهَ، مَن الرجلُ الذي زَجَرَ القومَ
عنك؟ قال: العاص بن وائل.
أخرجه ابن حبان(٣) ، من حديث جرير بن حازم، عن ابن إسحاق.
وقال إسحاق بن إبراهيم الحُنَيِنِي، عن أسامة بن زيد بن أسلم، عن
أبيه، عن جدّه، قال: قال لنا عمر: كنت أشدَّ الناس على رسول الله
وَلّر، فبينا أنا في يوم حارّ بالهاجرة، في بعض طريق مكة، إذ لَقِيَني
رجلٌ فقال: عجباً لك يا ابن الخطاب، إنّك تزعم أنَّك وأنّكَ، وقد دخلَ
علينا الأمرُ في بيتك. قلت: وما ذاك؟ قال: أختك قد أسلمت. فرجعتُ
(١) ابن هشام ٣٤٨/١-٣٤٩.
(٢) أي: أعيا.
(٣) صحيح ابن حبان ٣٠٢/١٥ -٣٠٣ = (٦٨٧٩).
١٤١

مُغْضَباً حتى قرعت الباب، وقد كان رسولُ اللهِوََّ إذا أسلمَ الرجلُ
والرجلان ممّن لا شيء له ضَمَّهما إلى مَنْ في يده سَعَةٌ فينالان من فضلٍ
طعامه، وقد كان ضمّ إلى زوج أختي رجلين، فلمّا قرعتُ الباب قيل:
مَنْ هذا؟ قلتُ: عمر. فتبادروا فاختفوا مني، وقد كانوا يقرؤون صحيفةً
بين أيديهم تركوها أو نسوها، فقامت أختي تفتح الباب، فقلت: يا
عدوَّةَ نفسِها، أصبوتِ. وضربتُها بشيءٍ في يدي على رأسها، فسال
الدمُ وبَكَت، فقالت: يا ابن الخطاب ما كنتَ فاعلاً فافعلْ فقد
صبوتُ. قال: ودخلتُ حتى جلستُ على السرير، فنظرت إلى الصحيفة
فقلت: ما هذا ناولنيها. قالت: لستَ من أهلها، أنتَ لا تُطَهِّر من
الجَنَابةِ، وهذا كتابٌ لا يمَسُّهُ إلّ المُطهرون. فما زلت بها حتى
ناوَلَتْنِيها، ففتحتها، فإذا فيها (بسم الله الرحمن الرحيم) فكلَّما مررتُ
باسم من أسماء الله عز وجل ذُعِرتُ منه، فألقيتُ الصحيفة، ثم
رجعتُ إلى نفسي فتناولتها، فإذا فيها ﴿سَبِّحَ لِلَّهِ مَا فِى السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ
[الحديد] فذُعِرت، فقرأت إلى ﴿ءَامِنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، (3)﴾ فقلت: أشهدُ
أن لا إله إلا الله. فخرجوا إليه متبادرين وكبّروا، وقالوا: أبشِر فإنّ
رسولَ اللهِ وَّ دعا يوم الإثنين فقال: ((اللَّهُمَّ أعِزَّ دينكَ بأحب الرجلَين
إليكَ إمّا أبو جهل وإمّا عمر))، ودَلُّوني على النبي ◌َّ في بيتٍ بأسفل
الصّفا، فخرجتُ حتى قرعتُ الباب، فقالوا: مَنْ؟ قلت: ابن الخطاب،
وقد علموا شِدَّتي على رسول الله وَ﴿، فما اجترأ أحدٌ يفتح الباب،
حتى قال: ((افتحوا له)). ففتحوا لي، فأخذ رجلان بعَضُدي، حتى أتّيا
بي النبيِ وَّر فقال: خلُّوا عنه، ثم أخذ بمجامع قميصي وجذبني إليه،
ثم قال: ((أسلِم يا ابن الخطاب، اللهم اهدِه)). فتشهدتُ، فكبَّرَ
المسلمون تكبيرةٌ سُمِعت بفِجاج مكة، وكانوا مُستَخفين، فلم أشأ أنْ
أرى رجلاً يَضرِب ويُضرب إلّ رأيته، ولا يُصيبني من ذلك شيء، فجئت
١٤٢

خالي(١) وكان شريفاً، فقرعتُ عليه الباب، فقال: مَن هذا؟ قلت: ابن
الخطاب وقد صبوتُ. قال: لا تفعل. ثم دخل وأجاف البابَ دوني.
فقلتُ: ما هذا شيء. فذهبتُ إلى رجلٍ من عظماء قريش، فناديته،
فخرج إليَّ، فقلتُ مثلَ مقالتي لخالي، وقال لي مثلَ ما قال خالي،
فدخل وأجاف البابَ دوني فقلت: ما هذا شيء، إنَّ المسلمين يُضربون
وأنا لا أُضربَ، فقال لي رجلٌ: أتحبّ أن يُعلم بإسلامك؟ قلت: نعم.
قال: فإذا جلس الناس في الحِجر فَأْتِ فُلاناً - لرجلٍ لم يكن يكتم السِّرَّ -
فَقُلْ له فيما بينك وبينه: إنّي قد صبوتُ، فإنّه قَلَّما يكتم السِّرَّ. فجئت،
وقد اجتمع الناس في الحِجر، فقلتُ فيما بيني وبينه: إنّي قد صبوتُ.
قال: أَوَقَد فعلتَ؟ قلتُ: نعم. فنادى بأعلى صوته: إنّ ابن الخطاب قد
صبأ، فبادروا إليَّ، فما زلت أضربهم ويضربوني، واجتمع عليَّ النَّاسُ،
قال خالي: ما هذه الجماعةُ؟ قيل: عمر قد صبأ، فقام على الحِجر،
فاشار بكُمِّه: ألا إنّي قد أجرتُ ابنَ أختي، فتكشَّفوا عني، فكنتُ لا أشاء
أنْ أرى رجلاً من المسلمين يَضْربُ ويُضْرَب إلّ رأيته، فقلت: ما هذا
شيء حتى يصيبني، فأتيتُ خالي فقلت: جوارك ردّ عليك، فما زلتُ
أضرب وأُضرب حتى أعزَّ الله الإسلام.
ويُروَى عن ابن عباس بإسنادٍ ضعيف، قال: سألتُ عمر، لأيِّ شيءٍ
سُمِّيتَ الفاروق؟ فقال: أسلم حمزةُ قبلي بثلاثة أيام، فخرجتُ إلى
المسجد، فأسرع أبو جهلٍ إلى النبيِ بَلَّ يسبه، فأُخبرَ حمزةُ، فأخذ
قوسه وجاء إلى المسجد، إلى حلقة قريشٍ التي فيها أبو جهل، فاتكّاً
على قوسه مقابل أبي جهل، فنظر إليه، فعرف أبو جهلِ الشَّرَّ في وجهه،
فقال: ما لكَ يا أبا عُمارة؟ فرفع القوسَ فضرب بها أَخدَعيه (٢) ، فقطعه
(١) على هامش الأصل: خاله أبو جهل.
(٢) الأخدعان: عرقان في جانبي العنق.
١٤٣

فسالت الدّماء، فأصلحت ذلك قريشُ مخافةَ الشَّرّ، قال: ورسولُ اللهِوَل
مختفٍ في دارِ الأرقم بن أبي الأرقم المخزومي، فانطلق حمزةُ فأسلم.
وخرجتُ بعده بثلاثة أيام، فإذا فلان المخزومي فقلت: أَرغِبتَ عن دِین
آبائك واتَّبعتَ دِينَ محمد؟ قال: إنْ فعلت فقد فعله من هو أعظم عليك
حقّاً مني، قلت: ومَن هو؟ قال: أختك وخَتَنك. فانطلقت فوجدتُ
همهمةً، فدخلت فقلت: ما هذا؟ فما زال الكلامُ بيننا حتى أخذتُ برأس
خَتني فضربته وأدميتُه، فقامت إليَّ أختي فأخذت برأسه، وقالت: قد
كان ذلك على رغم أنفك. فاستحيّيتُ حين رأيتُ الدّماء، فجلست
وقلت: أروني هذا الكتاب. فقالت: إنّه لا يَمسَّهُ إلّ المُطهَّرون. فقمتُ
فاغتسلتُ، فأخرجوا إليَّ صحيفةً فيها (بسم الله الرحمن الرحيم) قلت:
أسماء طيّبةٌ طاهرة ﴿طه (جَ مَآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْءَانَ لِتَشْفَقَ !﴾﴾ إلى قوله ﴿لَهُ
اُلْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى ﴾ [طه]، فتعظَّمتْ في صدري، وقلت: مِنْ هذا فرَّت
قريش. فأسلمتُ، وقلت: أين رسول الله بَّرَ؟ قالت: فإنّه في دار
الأرقم. فأتيتُ فضربت الباب، فاستجمع القومُ، فقال لهم حمزة: ما
لكم؟ قالوا: عمر. قال: وعمر! افتحوا له الباب، فإنْ أقبل قبِلنا منه،
وإنْ أدبرَ قتلناه. فسمع ذلك رسولُ الله ◌َ ◌ّهِ، فخرج فتشهَّد عمر، فكبَّر
أهلُ الدَّار تكبيرةً سمعها أهلُ المسجد. قلت: يا رسول الله أَسنا على
الحق؟ قال: ((بلى)). قلتُ: ففيمَ الاختفاءُ. فخرجنا صَفَّين أنا في
أحدهما، وحمزة في الآخر، حتى دخلنا المسجدَ، فنظرت قريشُ إليّ
وإلى حمزة، فاصابتهم كابةٌ شديدةٌ، فسمّاني رسول الله وَّ (الفاروق)
يومئذٍ، وفرق بين الحقّ والباطل.
وقال الواقدي: حدثنا محمد بن عبدالله، عن الزُّهرِي، عن ابن
المسيب، قال: أسلم عمر بعد أربعين رجلاً وعشر نِسوة، فلما أسلم
ظهر الإسلام بمكة.
١٤٤

وقال الواقدي: حدثنا مَعمَر، عن الزُّهري أنّ عمر أسلم بعد أن
دخل النبي ◌َّ دار الأرقم، وبعد أربعين أو نيّقٍ وأربعين من رجال
ونساء، فلما أسلم نزل جبريل فقال: يا محمد استبشر أهلُ السماء
بإسلام عمر.
وقال يونس بن بُكَير، عن ابن إسحاق: كان إسلام عمر بعد خروج
مَنْ خرج من الصحابة إلى الحبشة. فحدثني عبدالرحمن بن
الحارث(١) ، عن عبدالعزيز ابن عبدالله بن عامر بن ربيعة، عن أمّه
ليلى، قالت: كان عمر من أشدِّ الناس علينا في إسلامنا، فلمّا تهيأنا
للخروج إلى الحبشة، جاءني عمر، وأنا على بعيرٍ، نريد أن نتوجَّه،
فقال: إلى أين يا أمَّ عبد الله؟ فقلت: قد آذيتمونا في ديننا، فنذهب في
أرض الله حيث لا نُؤْذى في عبادة الله. فقال: صَحِبَكُمُ الله، ثم ذهب،
فجاء زوجي عامرُ بنُ ربيعة فأخبرتُه بما رأيت من رِقَّة عمر بن الخطاب،
فقال: ترجين أن يُسلِم؟ قلت: نعم. قال: فَوَالله لا يُسلم حتى يُسلِمَ
حِمَارُ الخطاب. يعني من شِدَّته على المسلمين .
قال يونس، عن ابن إسحاق: والمسلمون يومئذٍ بضعٌ وأربعون
رجلاً، وإحدى عشرة امرأة (٢).
(١) انظر سيرة ابن هشام ٣٤٢/١ -٣٤٣.
(٢) كتب على هامش الأصل: ((بلغت قراءة)).
١٤٥

الهجرة الأولى إلى الحبشة
ثم الثانية
قال يعقوب الفَسَوي في ((تاريخه))(١): حدثني العباس بن
عبدالعظيم، قال: حدثني بشّار بن موسى الخفَّاف، قال: حدثنا الحَسَن
ابن زياد البُرْجُميّ - إمام مسجد محمد بن واسع -، قال: حدثنا قَتَادة،
قال: أوّل من هاجر إلى الله بأهله عثمان بن عفّان. قال: سمعتُ النَّضر
ابن أنَس يقول: سمعت أبا حمزة يعني أنَسَ ابن مالك، يقول: خرج
عثمان بِرُقيّة بنتِ رسولِ الله وَّرَ إلى الحبشة، فأبطأ خَبرُهُم، فقدِمَت
امرأةٌ من قريش، فقالت: يا محمد قد رأيت خَتَنَكَ ومعه امرأته، فقال:
((على أيِّ حالٍ رأيتهما)»؟ قالت: رأيتُه حملَ امرأته على حمارٍ من هذه
الدّبابة(٢)، وهو يسوقها، فقال رسول الله وَّهَ: صَحِبَهما اللهُ، إنَّ عثمان
أول من هاجر بأهلِه بعد لُوط .
ورواه يحيى بن أبي طالب، عن بشّار.
عن عبدالله بن إدريس، قال: حدثنا ابن إسحاق، قال: حدثني
الزُّهري، عن أبي بكر بن عبدالرحمن، وعُروة، وعبدالله بن أبي بكر،
وصلتُ الحديث عن أبي بكر، عن أم سَلَمة، قالت: لما أُمِرنا بالخروج
إلى الحَبَشَة، قال رسول الله وَّل حين رأى ما يصيبنا من البلاء: ((إلحقوا
بأرض الحَبَشَة فإنّ بها ملكاً لا يُظلم عنده أحدٌ، فأقيموا ببلاده حتى
(١) كتاب المعرفة والتاريخ ٢٥٥/٣.
(٢) على هامش الأصل: ((أي: ضعاف تدبُّ ولا تسرع)).
١٤٦

يجعل الله مخرجاً مما أنتم فيه)). فقدِمنا عليه فاطمَأْنَنَّا في بلاده ...
الحديثَ.
قال البغوي في تاسع ((المُخَلِّصِيّات)) (١): وروى ابن عَون، عن
عُمَير ابن إسحاق، عن عمرو بن العاص بعضَ هذا الحديث.
وقال البكّائي: قال ابن إسحاق(٢): فلما رأى رسولُ اللهِ وَلَّل ما
يصيب أصحابَهُ من البلاء، وما هو فيه من العافيةِ بمكانة من الله، ومن
عمه، وأنه لا يقدر أن يمنعهم من البلاء، قال لهم: لو خرجتم إلى أرضٍ
الحبشة، فإنّ بها ملِكاً لا يُظلم عنده أحدٌ وهي أرضُ صِدقٍ، حتى يجعلَ
الله لكم فرجاً مما أنتم فيه)). فخرج عند ذلك المسلمون مخافةً الفتنة،
وفراراً بدينهم إلى الله. فخرج عثمان بزوجته، وأبو حذيفة ولد عُتبة بن
ربيعة بن عبد شمس بزوجته سَهلَة بنت سُهَيل بن عَمرو فولدت له
بالحبشة محمداً، والزُّبيرُ بنُ العوَّامِ، ومُصعب بن عُمير العَبدَري،
وعبدالرحمن بن عَوف، وأبو سَلَمَة بن عبد الأسد المخزومي، وزوجته
أمّ سَلَمَة أمّ المؤمنين، وعثمان بن مظعون الجُمحِي، وعامر بن ربيعة
حليف آل الخطاب، وامرأته ليلى بنت أبي حَثْمة العَدَويَّة، وأبو سَبرَة بن
أبي رُهم بن عبد العُزَّى العامريّ، وسُهَيل بن بيضاء، وهو سُهَيل بن
وهب الحارثي، فكانوا أوّلَ من هاجر إلى الحبشة .
قال: ثم خرج جعفر بن أبي طالب، وتتابع المسلمون إلى الحَبَشَة.
ثم سمَّى ابنُ إسحاق(٣) جماعتهم، وقال: فكان جميع مَنْ لَحِق بأرض
الحَبَشَة، أو وُلد بها، ثلاثة وثمانين رجلاً، فعبدوا الله وحمدوا جوار
النَّجَاشي، فقال عبدالله بن الحارث بن قيس السَّهِمِيّ :
(١) هي أجزاء لأبي الطاهر المخلص الذهبي، وهي من الأجزاء العالية الإسناد.
(٢) ابن هشام ٣٢١/١.
(٣) ابن هشام ٣٢٣/١.
١٤٧

يا راكباً بَلِّغَنْ عنّي مغلغلةً
كُلَّ امرىء من عباد الله مضطَّهَدٍ
أنّا وجدنا بلادَ الله واسعةً
من كان يرجو بلاغَ الله والدين
ببطن مكةَ مقهورٍ ومفتونِ
تُنْجي من الذُّلِّ والمخزاة والُهُونِ
ي في الممات وعَيبٍ غير مأمونِ
فلا تُقيموا على ذُلّ الحياة وخزْ
قولَ النبي وعالوا في الموازينِ
إنّا تَبِعنا نبيَّ الله، واطَّرَحُوا
فاجْعَلْ عذابكَ في القوم الذين بَغَوا وعائذٌ بك أنْ يَعْلُوا فَيُطْغُوني
وقال عثمان بن مظعون يعاتب أُمَّيّة بن خَلَف ابن عمه، وكان يؤذيه :
أتيمَ بن عَوفٍ والذي جاء بِغْضَةً ومن دونه الشِّرْمانُ والبَرْكُ أكتعُ
أأخرجتني من بطنٍ مكّة أيمناً (١)
وتبري نبالاً ريشها لك أجمعُ
وأسْكَنتني في سرح بيضاءَ تقذُ
تَريشُ نبالاً لا يواتيك ريشُها
وأهلكتَ أقواماً بهم كنت تُفْزَعُ
وحاربتَ أقواماً كراماً أعِزَّةً
ستعلمُ إنْ نابتْك يوماً مُلِمَّةٌ وأسْلَمَكَ الأرياشُ(٢) ما كنت تصنع
وقال موسى بن عُقبة: ثم إنّ قريشاً ائتمروا واشتدَّ مَكرهم، وهمُّوا
بقتل رسول الله بَّ أو إخراجه، فعرضوا على قومه أن يُعطُوهم دِيَتَه
ويقتلوه، فأبوا حَمِيَّةً. ولما دخل رسول الله وَّهِ شِعبَ بني عبد المطلب،
أمر أصحابه بالخروج إلى الحَبَشَة فخرجوا مرَّتين؛ رجع الذين خرجوا
في المرة الأولى حين أُنزلت سورة ((النَّجم))، وكان المشركون يقولون:
لو كان محمد يذكر آلهتنا بخيرٍ قَرّرناه وأصحابه، ولكنه لا يذكر مَنْ
حالفه من اليهود والنّصارى بمثل ما يذكر به آلهتنا من الشتم، والشَّر.
١١٩)
وكان رسول الله وَّ﴿ يتمنّى هُدَاهم، فأُنزلت: ﴿أَفَرَّهَ يَتُمُ الَّتَ وَالْعُزَّى
وَمَنَوةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى ◌ْ﴾﴾ [النجم]، فألقى الشيطان عندها كلمات ((وإنَّهنَّ
(١) في سيرة ابن هشام: آمناً.
(٢) هكذا بخط المؤلف، وفي السيرة: الأوباش. وهو جمع راش، أي: ضعيف،
شُبّه بالريش ضعفاً، فما ذكره المؤلف هو الصواب، وإن كان الكل بمعنى.
١٤٨

الغَرانيقِ العُلا، وإنَّ شفاعتهُنَّ تُرْتَجَى (١) )) فوقعت في قلب كلّ مشركٍ
بمكة، وذلَّت بها ألسنتهم وتباشروا بها. وقالوا: إنّ محمداً قد رجع إلى
ديننا. فلمَّا بلغ آخرَ النَّجم سجد بََّ وسجد كل مَن حَضَر من مسلم أو
مُشركٍ، غير أنّ الوليد بن المُغيرة كان شيخاً كبيراً رفع مِلء كفّيه تراباً
فسجد عليه، فعجب الفريقان كلاهما من جماعتهم في السّجود، بسجود
رسول الله وَّل ، عجب المسلمون بسجود المشركين معهم، ولم يكن
المسلمون سمعوا ما ألقى الشيطان، وأمّا المشركون فاطمأنُّوا إلى رسول
اللهِ وَلَه وأصحابه، لما أُلقي في أُمنِيةِ رسول اللهِ وَّر؛ وحدثهم الشيطان
أنّ رسول الله وَ ◌ّه قد قرأها في السَّجدة، فسجدوا تعظيماً لآلهتهم.
وفَشَت تلك الكلمة في الناس، وأظهرها الشَّيطان، حتى بلغت أرضَ
الحبشة ومَن بها من المسلمين؛ عثمان بن مظعون وأصحابه، وحُدِّثُوا أنَّ
أهلَ مكة قد أسلموا كلّهم وصلُّوا، وأنّ المسلمين قد أمِنُوا بمكة،
فأقبلوا سراعاً، وقد نسخ الله ما ألقى الشيطانُ، وأُنزلت ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن
[الحج]
قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍ إِلَّ إِذَا تَمَنَّىَ أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِىَ أُمَُِّّتِهِ،
الآيات. فلما بيَّن الله قضاءه وبرَّأه من سَجع الشيطان انقلب المشركون
(١) كتب المصنف بخطه في حاشية نسخته تعليقاً على هذا الخبر نصه: ((هذه
اللفظة ينكرها أهل النظر، وهي منكرة، ولكنها في مغازي الحافظ موسى بن
عقبة، وفي السيرة رواية ابن إسحاق، وفي مصنف البيهقي، وغير ذلك، وكان
الحافظ المنذري يرد ذلك، وكان شيخنا الدمياطي يخالفه. ورواها أبو الفتح
اليَعمري في السيرة له، فقال: الذي عندي في هذا الخبر أنه جار مجرى ما
يذكر من المغازي والسير. وذهب كثير من أهل العلم إلى الترخّص في رواية
الرقاق، وما لاحكم فيه من أخبار المغازي إلى أن قال: وهذا الخبر ينبغي رَدُّه
إلا أن يثبت بسند قوي، فنرجع إلى تأويله. وقال فيه السهيلي: مَنْ صحح هذا
قال: إن الشيطان قال ذلك وأشاعه في الأسماع وما نطق به الرسول. وقيل:
بل قاله الرسول عليه السلام حاكياً عن الكفرة، وأنهم يقولون ذلك، فقالها
متعجباً من كفرهم. والله أعلم.
١٤٩

بضلالتهم وعداوتهم. وكان عثمان بن مظعون وأصحابه، فیمن رجع،
فلم يستطيعوا أن يدخلوا مكة إلّ بجوار، فأجار الوليدُ بن المغيرة عثمانَ
ابن مَظعون، فلما رأى عثمان ما يَلْقَى أصحابهُ من البلاء، وعُذِّب طائفةٌ
منهم بالسِّياط والنار، وعثمان مُعافى لا يعرض له، استحبَّ البلاءَ، فقال
للوليد: يا عمُّ قد أجَرتني، وأحبّ أنْ تخرجني إلى عشيرتك فتبرأ مني.
فقال: يا ابن أخي لعلّ أحداً آذاك أو شتمك؟ قال: لا والله ما اعترض لي
أحدٌ ولا آذاني. فلمّا أبى إلّا أنْ يتبرأ منه أخرجه إلى المسجد، وقريشٌ
فيه، كأحفلٍ ما كانوا، ولَبيد بن ربيعة الشاعر يُنشِدهم، فأخذ الوليد بيد
عثمان وقال: إنّ هذا قد حملني على أن أتبرأ من جواره، وإنّ أُشهدكم
أنّي برىءٌ منه، إلّا أن يشاء. فقال عثمان: صدق، أنا والله أكرَهتُهُ على
ذلك، وهو مني بريء. ثم جلس مع القوم فنالوا منه .
قال موسى: وخرج جعفر بن أبي طالب [وأصحابُه](١) فراراً
بدينهم إلى الحبشة، فبعثت قريش عمرو بن العاص، وعمارةَ بن الوليد
ابن المغيرة، وأمروهما أنّ يسرعا ففعلا، وأهدوا للنَّجاشِيِّ فَرَساً وجُبَّةً
دِيباج، وأهدوا لعُظماء الحبشة هدايا، فقبل النَّجاشِيُّ هديَّتَهم، وأجلس
عَمراً على سريره، فقال: إنّ بأرضك رجالاً منّا سُفَهاء ليسوا على دينك
ولا ديننا، فادفعهم إلينا. فقال: حتى أكلّمهم وأعلم على أيّ شيءٍ هُم.
فقال عمرو: هم أصحاب الرجل الذي خرج فينا، وإنّهم لا يشهدون أنّ
عيسى ابن الله، ولا يسجدون لك إذا دخلوا. فأرسل النَّجاشِيُّ إلى جعفر
وأصحابِهِ، فلم يسجدْ له جعفر ولا أصحابُه وحيّوه بالسّلام، فقال
عَمرو: ألم نُخبرك خبر القوم. فقال النَّجاشِيّ: حدثوني أيُّها الرَّهطُ، ما
لكم لا تُحَيُّوني كما يُحيّيني مَن أتاني من قومكم، وأخبِرُوني ما تقولون
في عيسى وما دِينكم؟ أَنَصَارى أنتم؟ قالوا: لا. قال: أفَيَهُود أنتم؟
(١) إضافة لابد منها لا يستقيم المعنى من غيرها.
١٥٠

قالوا: لا. قال: فعلى دين قومكم؟ قالوا: لا. قال: فما دينكم؟ قالوا:
الإسلام. قال: وما الإسلام؟ قالوا: نعبد الله وَحدَه ولا نُشرك به شيئاً .
قال: مَن جاءكم بهذا؟ قالوا: جاءنا به رجل منّا قد عرفنا وجهه ونَسَبَه،
بعثه الله كما بعث الرسل إلى مَن كان قبلنا، فأمرنا بالبِرَّ والصَّدقة والوفاء
والأمانة، ونهانا أنْ نعبدَ الأوثانَ، وأمرنا أنْ نعبدَ الله، فَصدَّقناه، وعرفنا
كلام الله، فعادانا قومُنا وعادَوه وكذَّبوه، وأرادونا على عبادة الأصنام،
فَفَرَرنا إليك بدِيننا ودمائنا من قومنا. فقال النّجَاشِيُّ: والله إنْ خرج هذا
الأمر إلّ من المشكاة التي خرج منها أمرُ عيسى. قال: وأمّا التحيّة فإن
رسولنا أخبرنا أنّ تحيّة أهلِ الجنّة السلام، فَحَيَّيناك بها، وأمّا عيسى فهو
عبدُ الله ورسولُه وكلمته ألقاها إلى مريم، وروحٌ منه وابن العذراء
البَتُول. فخفض النّجاشيُّ يدَه إلى الأرض، وأخذ عُوداً فقال: والله ما
زاد ابنُ مريم على هذا وزنَ هذا العود. فقال عظماء الحَبَشَة: والله لئن
سمعت هذا الحبشةُ لَتَخْلَعَنَّكَ. فقال: والله لا أقولُ في عيسى غيرَ هذا
أبداً، وما أطاع اللهُ الناسَ فيَّ حين ردّ إليَّ مُلكي، فأنا أطيع الناسَ في
دين الله! مَعاذَ الله من ذلك. وكان أبو النَّجاشي مَلِكَ الحبشة، فمات
والنجاشي صبيّ، فأوصى إلى أخيه أنَّ إليك مُلك قومِكَ حتى يبلغ ابني،
فإذا بلغ فله المُلك. فرغب أخوه في المُلك، فباع النجاشيَّ لتاجرٍ،
وبادر بإخراجه إلى السفينة، فأخذ الله عمه قَعْصَاً(١) فمات، فجاءت
الحبشة بالتاج، وأخذوا النجاشي فملَّكوه، وزعموا أنّ التاجر قال: ما
لي بدّ من غلامي أو مالي. قال النجاشي: صَدَق، ادفعوا إليه ماله.
قال: فقال النّجاشيّ حين كلّمه جعفر: رُدُّوا إلى هذا هديَّتَه - يعني
عَمراً - والله لو رشوني على هذا دَبرَ ذَهَبٍ - والدَّبر بلغته الجبل - ما
قبلتُهُ، وقال لجعفر وأصحابه: امكثُوا آمنين، وأمر لهم بما يصلحهم من
(١) قعصاً: أي: قتلاً سريعاً.
١٥١

الرِّزق. وألقى الله العداوةَ بين عَمرو وعمارة بن الوليد في مسيرهما،
فمكر به عَمرو وقال: إنّك رجل جميل، فاذهب إلى امرأة النجاشي
فتحدَّث عندها إذا خرج زوجُها، فإنّ ذلك عونٌ لنا في حاجتنا. فراسلها
عمارةُ حتى دخل عليها، فلمّا دخل عليها انطلق عَمرو إلى النّجاشيّ،
فقال: إنّ صاحبي هذا صاحب نساء، وإنّه يريد أهلك فاعلم عِلمَ ذلك.
فبعث النّجاشي، فإذا عمارة عند امرأته، فأمر به فنُفِخَ في إحليله
شَحْوةً(١) ثم أُلقي في جزيرةٍ من البحر، فَجُنَّ، وصار مع الوحش،
ورجع عَمرو خائب السَّعي.
وقال البكائي: قال ابن إسحاق(٢): حدثني الزُّهري، عن أبي بكر
ابن عبدالرحمن، عن أمّ سَلَمَة، قالت: لما نزلنا أرضَ الحبشة، جاورنا
بها خيرَ جارِ النّجاشيَّ، أمِنَّا على ديننا، وعَبَدنا الله تعالى، لا نُؤْذَى، ولا
تسمع ما نكره، فلما بلغ ذلك قريشاً ائتمروا أن يبعثوا إلى النَّجاشي
رجلَين جَلدين، وأنْ يُهدوا للنّجاشي، فبعثوا بالهدايا مع عبدالله بن أبي
ربيعة، وعمرو بن العاص. وذكر القصّة بطولها، وستأتي إنْ شاء الله،
رواها جماعة، عن ابن إسحاق.
وذكر الواقدي أنّ الهجرة الثانية كانت سنة خمس من المَبعَث .
وقال حُدَيج بن معاوية، عن أبي إسحاق، عن عبدالله بن عُتبة، عن
ابن مسعود، قال: بَعَثَنَا رسولُ الله ◌َّه إلى النجاشي، ونحن ثمانون
رجلاً، ومَعَنَا جعفر، وعثمان بن مظعون، وبعثت قريشُ عمارَة، وعَمرو
ابن العاص، وبعثوا معهما بهدّيةٍ إلى النجاشي، فلما دخلا عليه سجدا
(١) جَوّد المؤلف تقييد هذا اللفظ بخطه تقييداً متقناً، وشحا فاه: فَتَحَهُ، لعله
يريد: نُفِخَ في إحليله فَتْحاً. على أن الرواية المشهورة أن النجاشي أمر ساحراً
فنفخ في إحليله من سحره، عقوبة له (وانظر فتح الباري ١/ ٤٦٣).
(٢) ابن هشام ٣٣٤/١.
١٥٢

له، وبعثا إليه بالهدّية، وقالا: إنّ ناساً من قومنا رغِبوا عن دِيننا، وقد
نزلوا أرضَك. فبعث إليهم، فقال لنا جعفر: أنا خطيبُكُمُ اليومَ. قال:
فاتَّبعوه حتى دخلوا على النجاشي، فلم يسجدوا له، فقال: وما لكم لم
تسجدوا للملك؟ فقال: إنّ الله قد بعث إلينا نبيَّه، فأمرنا أن لا نسجد إلّ
لله. فقال النجاشي: وما ذاك؟ قال عَمرو: إنّهم يخالفونك في عيسى.
قال: فما تقولون في عيسى وأمّه؟ قال: نقول كما قال الله، هو روح الله
وكلمتُه ألقاها إلى العذراء البَتُول، التي لم يمسَّها بَشَرٌ، ولم يَفْرِضهَا
ولد. فتناول النجاشي عوداً، فقال: يا معشر القِسِّيسين والرُّهبان، ما
تزيدون على ما يقول هؤلاء ما يزنُ هذا، فمرحباً بكم وبِمَنْ جئتم من
عنده، وأنا أشهد أنه نبيٌّ، ولَوَدِدتُ أنّي عنده فأحمل نَعلَيه - أو قال
أخدمه - فانزلوا حيث شئتم من أرضي. فجاء ابن مسعود فشهد بدراً.
رواه أبو داود الطَّالسيّ في ((مُسنده)(١) عن حُدَيج.
وقال عُبيد الله بن موسى: أخبرنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن
أبي بُردَة، عن أبيه، قال: أَمَرَنَا رسولُ اللهِ وََّ أن ننطلِقَ مع جعفر إلى
الحبشة. وساق کحدیث حُدَیج.
ويظهر لي أنّ إسرائيل وَهِمَ فيه، ودخل عليه حديث في حديث،
وإلّ أين كان أبو موسى الأشعريّ ذلك الوقت.
رجعنا إلى تمام الحديث الذي سُقناه عن أمّ سَلَمَة قالت: فلم يَبقَ
بِطرِيقٌ من بطارقة النّجاشيِّ إلّ دفعا إليه هديّةً، قبل أنْ يُكَلِّما النّجاشيَّ،
وأخبرا ذلك البطريق بقصدهما، ليُشِير على الملك بدفع المسلمين
إليهم، ثم قرّبا هدايا النّجاشيّ فقبلها، ثم كلّماه فقالا: أيُّها الملِك إنّه
قدم إلى بلادك منّا غِلمانٌ سُفَهاء، فارقوا دينَ قومهم، ولم يدخلوا في
(١) مجمع الزوائد ٦/ ٢٤. وهو عند أحمد ١/ ٤٦١ .
١٥٣

دينك، جاءوا بدِينٍ ابتدعوه، لا نعرفه نحن، ولا أنت، فقد بَعَثَنَا إليك
فيهم أشرافُ قومهم من أقاربهم لتردَّهم عليهم، فهم أعلى بهم عيناً،
وأعلم بما عابوا عليهم. قالت: ولم يكن أبغض إلى عبدالله بن أبي ربيعة
وعمرو بن العاص من أنْ يسمع كلامهم النّجاشيّ، فقالت بطارقته
حوله: صَدَقا أيها الملك، قومُهم أعلى بهم عَيناً، وأعلم بما عابوا
عليهم من دِينهم، فأسلِمُهُم إليهما. فغضب ثم قال: لاها الله إذن لا
أُسلِّمُهُم إليهما، ولا يُكَادُ قومٌ جاوروني، ونزلوا بلادي، واختاروني
على مَن سِوايَ، حتى أدعوَهم فأسألهم عمّا تقولان. فأرسل إلى
الصّحابة فدعاهم، فلّما جاؤوا وقد دعا النّجاشيُّ أساقفتَه فنشروا
مصاحفهم، سألهم فقال: ما دينكم؟ فكان الذي كلَّمه جعفر، فقال:
أيُّها الملك، كنّا قوماً أهلَ جاهلية نعبد الأصنام، ونأكل المَيتَةَ، ونأتي
الفواحشَ، ونقطع الأرحام، ونُسِيء الجوار، ويأكل القويُّ منّا
الضعيف، فكنّا على ذلك، حتى بعث الله إلينا رسولاً منّا نعرف نَسَبَه،
وصِدقه، وأمانته، وعفافه، فدعانا إلى الله لنوحِّده ونعبده، ونخلع ما
كان يعبد آباؤنا من الحجارة، وأَمَرَنا بالصِّدق والأمانة وصلة الرَّحِم -
وعدَّد عليه أمور الإسلام - فصدَّقناه واتَّبَعناه، فعدا علينا قومُنا فعذَّبونا،
وفتنونا عن ديننا، وضيّقوا علينا، فخرجنا إلى بلادك واخترناك على مَنْ
سِواكَ، ورجَونا أن لا نُظلم عندك أيُّها الملك. قالت: فقال: وهل معك
مما جاء به عن الله من شيء؟ قال جعفر: نعم، وقرأ عليه صدراً من
﴿كَهِيعَصَ (٣٠)﴾ [مريم] فبكى والله النّجاشيُّ، حتى أخضَلَ لحيتَهُ،
وبكت أساقفته، حتى أخضلوا مصاحفهم، ثم قال النّجاشيُّ: إنّ هذا،
والذي جاء به موسى لَيَخرج من مِشكاةٍ واحدة، انطلِقا، فلا والله لا
أُسلمهم إليكما ولا يُكاد. قالت: فلمّا خرجا من عنده قال عَمرو: والله
لآتينَّهم غداً بما أستأصُل به خضراءهم. فقال له ابن أبي ربيعة، وكان
١٥٤

أتقى الرجُلَين فينا: لا تفعل، فإنّ لهم أرحاماً. قال: والله لأخبرنَّه أنّهم
يزعمُون أنّ عيسى عبد. ثم غدا عليه، فقال له ذلك، فَطَلَبَنا، قالت:
ولم ينزل بنا مثلها، فاجتمع القوم، ثم قال بعضهم لبعض: ما تقولون
في عيسى ابن مريم إذا سألكم عنه؟ قالوا: نقول، والله، ما قال اللهُ،
كائناً في ذلك ما كانَ، فلمّا دخلوا عليه قال لهم: ما تقولون في عيسى
ابن مريم؟ فقال له جعفر بن أبي طالب: نقول: هو عبدالله ورسوله،
وروحه، وكلمته، ألقاها إلى مريم العذراء البَتُول. فأخذ النّجاشيّ عوداً
ثم قال: ما عدا عيسى ما قلتَ هذا العود. فتناخرت بطارقتُه حوله،
فقال: وإنْ نَخَرتُم، والله، اذهبوا فأنتم سيوم بأرضي - والسّيوم:
الآمنون - مَنْ سَبَّكم غَرِم، ما أحبّ أن لي دَبراً (١) من ذَهَب، وأنّي آذيتُ
رجلاً منكم، رُدُّوا هداياهما فلا حاجة لي فيها، فَوَالله ما أخذ الله منّي
الرّشوةَ حين ردّ عليَّ مُلكي، فَاخذ الرشوةَ فيه، وما أطاعَ النّاسَ فيَّ
فأُطيعهم فيه. قالت: فخرجا من عنده مقبوحَين مردوداً عليهما ما جاءا
به. قالت: فإنّا على ذلك، إذ نزل به رجلٌ من الحبشة ينازعه في مُلكه،
فَوَالله ما علِمنا حُزْناً حَزِنَّا قَطُّ كان أشدّ علينا من حُزنٍ حزِنّاه عند ذلك،
تخوُّفاً أن يظهر ذلك الرجلُ على النّجاشيِّ، فيأتي رجلٌ لا يعرفُ من
حقّنا ما كان النّجاشيُّ يعرف منه. فسار إليه النّجاشي، وكان بينهما
عرض النّيل، فقال أصحاب رسول الله وَلَ: مَن رجلٌ يخرج حتى بحضر
الوقعةَ، ثم يأتينا بالخبر؟ فقال الزُّبَير: أنا، فنفخوا له قربةً، فجعلها في
صدره، ثم سبح عليها حتى خرج إلى ناحية النّيل التي بها يلتقي القوم،
ثم انطلق حتى حضرهم، ودعونا الله تعالى للنّجاشيّ، فإنّا لَعَلَى ذلك،
إذ طلع الزُّبَير يسعى فلمع بثوبه، وهو يقول: ألا أبشِرُوا، فقد ظهر
النجاشيّ، وقد أهلك الله عدوّه، ومگن له في بلاده.
(١) أي: جبلاً.
١٥٥

قال الزُّهري(١): فحدَّثتُ عُروة بن الزُّبير هذا الحديثَ فقال: هل
تدري ما قوله: ما أخذ الله مني الرّشوَةَ إلى آخره؟ قلت: لا. قال: فإنّ
عائشة أمَّ المؤمنين حدثتني أنّ أباه كان مَلِك قومه، ولم يكن له ولدٌ إلّ
النّجاشيّ، وكان للنّجاشي عمّ من صُلبه اثنا عشر رجلاً، فقالت الحبشة:
لو أنّا قتلنا هذا وملَّكنا أخاه، فإنّه لا ولد غير (٢) هذا الغلام، ولأخيه اثنا
عشر ولداً، فتوارثوا مُلكَه من بعده بقيت الحبشةُ بعده دهراً، فَعَدَوا على
أبي النّجاشي فقتلوه، وملَّكوا أخاه. فمكثوا حيناً، ونشأ النجاشي مع
عمّه، فكان لبيباً حازماً فغلب على أمر عمّه، ونزل منه بكلِّ منزلة، فلما
رأت الحبشةُ مكانه منه قالت بينها: والله لقد غَلَبَ هذا على عمّه، وإنّا
لَنَخَوَّفُ أن يُمَلِّكه علينا، وإنْ مَلَكَ لَيَقتُلنا بأبيه، فكلّموا الملك، فقال:
ويلكم، قتلتُ أباهُ بالأمس، وأقتُله اليوم!، بل أُخرِجه من بلادكم.
قالت: فخرجوا به فباعوه لتاجرٍ بست مئة دِرهم، فقذفه في سفينة
وانطلق به، حتى إذا كان آخر النّهار، هاجت سحابةٌ، فخرج عمّه
يستمطر تحتَها، فأصابته صاعقةٌ فقتلته، ففزعت الحبشةُ إلى ولده، فإذا
هو مُحْمَقٌ ليس في ولده خير، فَمَرِجَ الأمرُ، فقالوا: تعلموا، والله إنّ
مَلِكَكم الذي لا يُقيم أمرَكم غيره لَّلَّذِي بِعْتُمُوه غدوةً. فخرجوا في طلبه
فأدركوه، وأخذوه من التّاجر، ثم جاؤوا به فعقدوا عليه التّاجَ، وأقعدوه
على سرير مُلكه، فجاء التّاجر فقال: مالي. قالوا: لا نعطيك شيئاً،
فكلَّمَهُ، فأمرهم فقال: أعطوه دراهمه أو عبده. قالوا: بل نُعطيه
دراهمه، فكان ذلك أوّل ما خُبر من عدله، رضي الله عنه .
وروى يزيد بن رومان، عن عُروة، قال: إنّما كان يكلّم النّجاشيَّ
عثمانُ بن عفّان رضي الله عنه .
(١) ابن هشام ٣٣٩/١.
(٢) هكذا بخط المؤلف، وفي السيرة: ((لا ولد له غير)).
١٥٦

أخبرنا إبراهيم بن حَمْد، وجماعة، قالوا: أخبرنا ابن مُلاعب، قال:
حدثنا الأرمَوِيّ، قال: أخبرنا جابر بن ياسين، قال: أخبرنا المخلِّص،
قال: حدثنا البَغَوِيّ، قال: حدثنا عبدالله بن عمر بن أبان، قال: حدثنا
أسد بن عَمرو البَجَلي، عن مجالد، عن الشَّعبيّ، عن عبدالله بن جعفر،
عن أبيه، قال: بعثت قريش عَمراً وعُمارة بهديّة إلى النّجاشي ليُؤْذُوا
المهاجرين، وذكر الحديث، فقال النّجاشيّ: أعَبيدٌ هم لكم؟ قالوا: لا.
قال: فلكم عليهم دَيْنٌ؟ قالوا: لا. قال: فخلُّوهم. فقال عمرو: إنهم
يقولون في عيسى غير ما تقول. فأرسَلَ إلينا، وكانت الدعوة الثانية أشدّ
علينا، فقال: ما يقول صاحبكم في عيسى؟ قال: يقول: هو روح الله
وكلمتُه ألقاها إلى عذراء بتول. فقال: ادعوا لي فُلاناً القسّ، وفلاناً
الرَّاهب، فأتاه أُناسٌ منهم، فقال: ما تقولون في عيسى؟ قالوا: أنت
أعلَمُنا. قال: وأخذ شيئاً من الأرض، فقال: ما عدا عيسى ما قال هؤلاء
مثلَ هذا. ثم قال: أَيُؤْذِيكم أحد؟ قالوا: نعم. فنادى: مَن آذى أحداً
منهم فأَغرِموه أربعةَ دراهم، ثم قال: أيكفيكم؟ قلنا: لا. فأضعَفَها،
قال: فلمّا ظهر النبيُّ نَّهِ وهاجر أخبرناه، قال فزوَّدَنا وحملنا، ثم قال:
أخبِر صاحبَك بما صنعتُ إليكم، وأنا أشهد أن لا إله إلّ الله وأنّه رسول
الله، وقُلْ له يستغفر لي. فأتينا المدينةَ، فتلقّاني النبي ◌َّ فاعتنقني
وقال: ((ما أدري أنا بقدوم جعفر أفرح أم بفتح خَيبر))، وقال: ((اللَّهُمَّ
اغفِر للنّجاشيّ)) ثلاث مرّات، وقال المسلمون: آمين(١).
(١) كتب العلامة صلاح الدين الصفدي بخطه المليح على حاشية نسخة المؤلف
إعلاماً نصه: ((بلغت قراءة خليل بن أيبك في الميعاد الثالث على مؤلفه، فسح
الله في مدته)).
١٥٧

إسلامُ ضِماد
داود بن أبي هند، عن عَمرو بن سعيد، عن سعيد بن جُبير، عن ابن
عباس، قال: قدِم ضِمادٌ مكةَ، وهو من أَزْدِ شَنُوءَةَ، وكان يَرقِي من هذه
الرياح، فسمع سُفهاءَ من سُفهاء الناس يقولون: إنّ محمداً مجنون،
فقال: آتي هذا الرجلَ لعلَّ الله أنْ يشفيه على يديّ. قال: فلقيتُ محمداً
فقلت: إنّي أرقي من هذه الرياح، وإنّ الله يشفي على يدي مَن يشاء،
فَهَلُمَّ. فقال محمد: إنّ الحمد لله نَحمدُه ونستعينه، من يَهْدِه الله فلا
مُضِلّ له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلّ الله، وحده لا
شريك له (ثلاث مرات) ، وأنّ محمداً عبده ورسوله، أمّا بعد. فقال:
واللهِ لقد سمعتُ قولَ الكَهَنَة، وقولَ السَّحرَة، وقول الشعراء، فما
سمعت مثلَ هؤلاء الكلمات ولقد بَلَغنَ قاموس البحر(١) ، فَهَلُمّ يدَك
أبايعك على الإسلام. فبايعه رسول الله وَّل وقال له: ((وعلى قومك)).
فقال: وعلى قومي. فبعث رسول الله وَ ﴿ل سريّةً، فمرُّوا بقوم ضِماد،
فقال صاحب الجيش للسَّرِيَّة: هل أصبتم من هؤلاء شيئاً؟ فقال رجل
منهم: أصبت منهم مِطهَرَةً. فقال: رُدُّوها عليهم فإنّهم قوم ضِماد.
أخرجه مسلم (٢).
(١) كتب المصنف بخطه: ((في م: ناعوس)) يريد أنها كذلك عند مسلم. وقد قال
النووي في شرحه: ((ناعوس البحر ضبطناه بوجهين أشهرهما: ناعوس، هذا
هو الموجود في أكثر نسخ بلادنا، والثاني: قاموس، وهذا الثاني هو المشهور
في روايات الحديث في غير صحيح مسلم ... قال أبو عبيد: قاموس البحر:
وسطه. وقال ابن دريد: لجته. وقال صاحب كتاب العين: قعره الأقصى.
(٢) مسلم ١١/٣.
١٥٨

إِسلامُ الجِنِّ
قال الله تعالى: ﴿ وَإِذْ صَرَفْنَآ إِلَيْكَ نَفَرًا مِّنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْءَانَ
(٢٩ )
[الأحقاف] الآيات، وقال: ﴿يَمَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنِسِ أَلَمْ يَأْتِّكُمْ رُسُلٌ
[الأنعام] وأنزل فيهم سورة الجِنّ.
مِنْكُمْ (٢)
وقال أبو بشر، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس قال: ما قرأ
رسول الله وَ﴿ل على الجنّ ولا رآهم، انطلق رسول الله وَّل في طائفةٍ من
أصحابه عامدين إلى سوق عكاظ، وقد حيل بين الشياطين وبين خبر
السّماء، وأُرسِلَت عليهم الشُّهُب، فرجعت الشياطين إلى قومهم،
فقالوا: ما لكم؟ فقالوا: حِيل بيننا وبين خبر السماء وأُرسِلَت علينا
الشُّهُب، قالوا: ما حالَ بينكم وبين خبرِ السماء إلّ شيءٌ حدث،
فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها. قال: فانصرف أولئك النّفر الذين
توجَّهُوا نحو تهامة إلى رسول الله وهو بنَخلَة(١) ، عامداً إلى سوق
عُكاظ، وهو يصلّي بأصحابه صلاة الفجر، فلمّا سمعوا القرآنَ استمعوا
له، فقالوا: هذا والله الذي حال بينكم وبين خبر السماء، فهنالك حين
رجعوا إلى قومهم فقالوا: إنَّا سمعنا قرآناً عجباً يهدي إلى الرُّشد فآمنا به
جَ﴾ [الجن]. متَّفَقٌ
ولن نُشِرك بربِّنا أحداً، فأُنزلت ﴿قُلْ أُوْجِىَ إِلَّ الإِ
عليه (٢) .
ويُحمل قول ابن عباس: إنّ النبي ◌َِّ ما قرأ على الجنّ ولا رآهم،
(١) مكان قرب مكة المكرمة.
(٢) البخاري ١٩٥/١ و١٩٩/٦، ومسلم ٣٥/٢.
١٥٩

يعني أول ما سمعتِ الجنُّ القرآنَ، ثم إنّ داعي الجنّ أتى النبيَّ ◌َّ - كما
في خبر ابن مسعود، وابن مسعود قد حفظ القصَّتَين، فقال سفيان
الثَّورِيّ عن عاصم عن زِرّ، عن عبدالله قال: هبطوا على رسول الله وَال
وهو يقرأ القرآن ببطن نخلة، فلمّا سمعوه أنصتوا، قالوا: صَه، وكانوا
سبعة أحدهم زَوبَعَة، فأنزل الله تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَآ إِلَيْكَ نَفَرًا مِّنَ الْجِنّ
٢٩
[الأحقاف] الآيات.
وقال مِسعَر، عن معن، قال: حدثنا أبي، قال: سألت مسروقاً: مَن
اذن النّبيّ وَّ ليلة استمعوا القرآن؟ فقال: حدثني أبوك، يعني ابن
مسعود: أنّه آذَنَتَهُ بهم شجرة. مُتفقٌ عليه(١) .
وقال داود بن أبي هند، عن الشَّعبيّ، عن عَلقَمَة، قال: قلت لابن
مسعود: هل صحِبَ رسولَ اللهِ وَ﴿ ليلةَ الجنّ منكم أحدٌ؟ فقال: ما
صحِبَه منا أحدٌ، ولكنّا فقدناه ذات ليلةٍ بمكة، فقلنا اغتِيل، استُطِير، ما
فعل، فبتنا بِشرِّ ليلةٍ بات بها قومٌ، فلمّا كان في وجه الصّبح - أو قال في
السَّحَر - إذا نحن به يجيء من قِبلَ حِراء، فقلنا: يا رسول الله، فذكروا
الذي كانوا فيه، فقال: ((إنّه أتاني داعي الجن فأتيتُهم فقرأتُ عليهم))،
فانطلق فأرانا آثارَهم وآثارَ نِيرانهم. رواه مسلم (٢).
وقد جاء ما يخالف هذا، فقال عبدالله بن صالح: حدثني اللَّيثُ،
قال: حدثني يونس، عن ابن شهاب، قال: أخبرني أبو عثمان بن سَنَّة
الخُزَاعي من أهل الشام، أنّه سمع ابنَ مسعود يقول: إنّ رسول الله وَل
قال لأصحابه، وهو بمكة ((مَن أحبّ منكم أن يحضر اللَّيلةَ أمرَ الجنّ
فليفعل)). فلم يحضر منهم أحدٌ غيري حتى إذا كنّا بأعلى مكة خَطَّ لي
برِجله خطاً، ثمّ أمرني أن أجلس فيه، ثم انطلق حتى قام، فافتتح القرآنَ
(١) البخاري ٥٨/٥، ومسلم ٣٥/٢.
(٢). مسلم ٣٦/٢.
١٦٠