Indexed OCR Text

Pages 261-280

ثمّ سار كلٌّ منهما يريد الآخر، فالتقوا بصفِين لسبع بقين من
المحرَّمِ، وشبَّت الحربُ بينهم في أوّل صفر، فاقتتلوا أيّاماً .
فحدَّثني ابن أبي سَبْرَة، عن عبدالمجيد بن سُهَيْل، عن عُبَيْدالله بن
عبدالله، عن ابن عبّاس، قال: استعملني عثمان على الحجّ، فأقمت
للناس الحجَّ، ثمّ قدِمْتُ وقد قُتِلَ وبويع لعليّ، فقال: سرْ إلى الشّام فقد
ولَيْتُكَها. قلت: ما هذا برأي، معاوية ابنُ عمّ عثمان وعامله على الشام،
ولستُ آمنُ أن يضرب عُنُقي بعثمان، وأدنى ما هو صانعٌ أنْ يحبسني.
قال عليّ: ولِمَ؟ قلت: لقرابتي منك، وأنّ كلّ من حَمَل عليكَ حمل
عليّ، ولكن اكتبْ إلى معاوية فَمَنِّه وعِدْهُ. فأبى عليّ وقال: لا والله لا
كان هذا أبداً.
روى أبو عُبَيْد القاسم بن سلام، عمَّن حدّثه، عن أبي سنان
العِجْلي، قال: قال ابن عبّاس لعليٍّ: ابعثني إلى معاوية، فَوَالله لأفتلنّ له
حبلاً لا ينقطع وسطه، قال: لستُ من مَكْرك ومَكْره في شيء، ولا
أعطيه إلّ السَّيف، حتّى يغلب الحقُّ الباطلَ، فقال ابن عبّاس: أو غير
هذا؟ قال: كيف؟ قال: لأنه يُطاع ولا يُعْصَى، وأنت عن قليلٍ تُعْصَى
ولا تُطاع. قال: فلمّا جعل أهلُ العراق يختلفون على عليّ رضي الله عنه
قال: لله دَرّ ابن عباس، إنّه لَيَنْظُر إلى الغَيْب من سَتْرٍ رقيق.
وقال مجالد، عن الشَّعبي، قال: لمّا قُتِلَ عثمان، أرسلَتْ أم حبيبة
بنتُ أبي سُفيان إلى أهل عثمان: أرسِلُوا إليَّ بثياب عثمان التي قُتِلَ
فيها، فبعثوا إليها بقميصه مضَرَّجاً بالدَّم، وخُصْلة الشَّعْر التي نُتِفَتْ من
لِحْيَتِهِ، ثمّ دعتْ النُّعمان بن بشير، فبعثته إلى معاوية، فمضى بذلك
وبكتابها، فصعد معاوية المنبرَ، وجمع النّاس، ونشر القميص عليهم،
وذكر ما صُنِعَ بعثمان، ودعا إلى الطَّلب بدمه. فقام أهلُ الشام، فقالوا:
هو ابن عمّك وأنت وليُّه، ونحن الطَّالبون معك بدمه، وبایعوا له.
٢٦١

وقال يونس، عن الزُّهري قال: لمّا بلغ معاوية قتْلُ طلحة والزُّبير،
وظهورُ عليّ، دعا أهل الشَّام للقتال معه على الشُّورى والطَّلب بدم
عثمان، فبايعوه على ذلك أميراً غير خليفة .
وذكر يحيى الجُعْفيّ(١) في ((كتاب صِفِّين)) بإسناده أنَّ معاوية قال
لجرير بن عبدالله: اكتب إلى عليٍّ أنْ يجعلَ لي الشَّام، وأنا أبايع له،
قال: وبعث الوليد ابن عقبة إليه يقول:
بشامِكَ لا تُدْخِل عليك الأفاعيا
مُعَاوِيُ إِنَّ الشّام شامُك فاعتصمْ
ولا تَكُ مخشوشَ الذِّراعَيْنِ وانيا (٢)
وحام عليها بالقنابل والقنا
فأهْدِ له حَرْباً تُشِيب النَّوَاصيا
فإِنَّ عليّاً ناظرٌ ما تُجِيبُه
وحدّثني(٣) يَعْلَى بن عُبَيْد، قال: حدثنا أبي، قال: قال أبو مسلم
الخَوْلاني وجماعة لمعاوية: أنت تُنازع عليّاً! أم أنتَ مثلَةُ؟ فقال: لا
والله إنِّي لأعلمُ أنَّ عليّاً أفضلُ منِّي وأحقُّ بالأمر مني، ولكن ألَسْتُم
تعلمون أنَّ عثمان قُتِلَ مظلوماً، وأنا ابنُ عمِّه، وإنّما أطلبُ بدمه، فَأَتُوا
عليّاً فقولوا له، فلْيَدْفَعْ إليَّ قَتَلَة عثمان وأسَلِّم له. فأتَوْا عليّاً فكلَّموه
بذلك، فلم يدفعهم إليه .
وحدَّثني خلَّد بن يزيد الجُعْفيُّ، قال: حدثنا عَمْرو بن شِمْر، عن
جابر الجُعْفيِّ، عن الشَّعْبِيِّ - أو أبي جعفر الباقر شَكَّ خلَّد - قال: لمَّا
(١) هو يحيى بن سليمان الجعفي الكوفي المقرئ الحافظ نزيل مصر المتوفى سنة
٢٣٧ أو التي بعدها (تهذيب الكمال ٣٦٩/٣١).
(٢) القنابل: جمع القَنْبَل والقَنْبَلة، وهم الطائفة من الناس والخيل، ومحشوش -
بالخاء والشين المعجمتين-، أي: ولا تَكُ مقيد اليدين. من قولهم خش
البعير، إذا جُعل في أنفه الخشاش، وهو عود من خشب يجعل في أنف البعير
يُشد به الزمام.
(٣) القائل هو يحيى الجعفي، ويعلى بن عبيد شيخه.
٢٦٢

ظهر أمرُ معاوية دعا عليٍّ رضي الله عنه رجلاً، وأمره أنْ يسيرَ إلى
دمشق، فيعقل راحلته على باب المسجد، ويدخُلَ بهيئة السَّفر، ففعل
الرجل، وكان قد وصَّاه بما يقول، فسألوه: من أين جئتَ؟ قال: من
العراق، قالوا: ما وراءك؟ قال: تركتُ عليّاً قد حشدَ إليكم ونَهدَ في
أهل العراق. فبلغ معاوية، فأرسل أبا الأعور السُّلَمِيّ يحقِّقُ أمره، فأتاه
فسأله، فأخبره بالأمر الذي شاع، فنودي: الصَّلاةُ جامعة. وامتلأ النَّاسُ
في المسجد، فصعد معاويةُ المِنْبَرَ وتشهَّدَ، ثمّ قال: إنّ عليّاً قد نَهَدَ
إليكم في أهل العراق، فما الرَّأي؟ فضرب النَّاسُ بأذقانهم على
صُدُورهم، ولم يرفعْ إليه أحدٌ طَرْفَه، فقام ذو الكلاع الحِمْيرِيُّ، فقال:
عليك الرأيّ وعلينا أمْ فعال(١) - يعني الفِعال - فنزل معاوية ونُودِي في
النّاس: اخرجوا إلى مُعَسْكَركُم، ومَن تخلَّف بعد ثلاثٍ أحلَّ بنفسه.
فخرج رسولُ عليٍّ حتَّى وافاه، فأخبره بذلك، فأمر عليٍّ فنوديَ: الصَّلاةُ
جامعة. فاجتمع النَّاسُ، وصعِدَ المِنْبَرَ فحمِدَ الله وأثنى عليه، ثمَّ قال:
إنَّ رسولي الذي أرسلتُهُ إلى الشّام قد قَدِمَ عليَّ، وأخبرني أنَّ معاويةَ قد
نَهَدَ إليكم في أهل الشَّام، فما الرأيُ؟ قال: فأضَبَّ (٢) أهلُ المسجد
يقولون: يا أميرَ المؤمنين الرأي كذا، الرأي كذا، فلم يفهم على كلامهم
من كثرةٍ مَنْ تكلَّمَ، وكثُر اللَّغَط، فنزل وهو يقول: إنَّا لله وإنّا إليه
راجعون، ذهب بها ابن أكّالة الأكباد، يعني معاوية(٣).
وقال الأعمش: حدَّثني مَنْ رأى عليّاً يوم صِفِين يصفِّقُ بيديه،
ويعضُ عليها، ويقول: واعجباً! أُعْصَى ويُطاع معاوية .
(١) أهل حمير يجعلون لام التعريف ميماً.
(٢) أي تكلم أغلبهم بحيث لم يُفْهم على أحد.
(٣) أخرجه ابن عساكر ١٦ / الورقة ٣٧٥ وإسناده تالف، فإن عمرو بن شمر
متروك، وشيخه الجعفي ضعيف .
٢٦٣

وقال الواقديُّ: اقتتلوا أيّاماً حتّى قُتِلَ خلْقٌ وضجِروا، فرفع أهلُ
الشّامِ المَصَاحِف، وقالوا: ندعوكم إلى كتاب الله والحُكْم بما فيه. وكان
ذلك مكيدةً من عَمْرو بن العاص، يعني لمَّا رأى ظهورَ جيش عليٍّ،
فاصطلحوا كما يأتي.
وقال الزُّهْريُّ: اقتتلوا قتالاً لَم تَقْتَتِلْ هذه الأمَّةُ مثله قطُّ، وغلب
أهل العراق على قتلى أهل حمص، وغلب أهلُ الشَّام على قتلى أهل
العالية، وكان على ميمنة عليٍّ الأشعث بن قيس الكِنْدي، وعلى المَيْسَرة
عبدالله بن عبَّاس، وعلى الرَّجَّالة عبد الله بن بُدَيْل بن وَرْقاء الخُزَاعِيّ،
فقُتِلَ يومئذٍ. ومن أمراء عليٍّ يومئذٍ: الأحنفُ بن قيس التميمي، وعمّار
ابن ياسر العَنْسِيُّ، وسليمان بن صُرَد الخُزاعيُّ، وعَدِيُّ بن حاتم الطَّائيُّ،
والأشتر النَّخْعي، وعَمْرو بن الحَمِقِ الخُزَاعيُّ، وشبث بن رِبعيّ
الرِّياحيّ، وسعيد بن قيس الهَمْداني، وكان رئيس هَمْدان المهاجر بن
خالد بن الوليد المخزوميّ، وقيس بن مكشوح المُراديّ، وخُزَيْمة بن
ثابت الأنصاريّ، وغيرهم.
وكان عليّ في خمسين ألفاً، وقيل: في تسعين ألفاً، وقيل: كانوا
مئة ألف (١) .
وكان معاوية في سبعين ألفاً، وكان لواؤه مع عبدالرحمن بن خالد
ابن الوليد المخزوميّ، وعلى مَيْمَنَتَه عَمْرو بن العاص، وقيل ابنه عبدالله
ابن عَمْرو، وعلى الميسرة حبيب بن مَسْلَمَة الفِهْريِّ، وعلى الخيل
عُبَيْدالله بن عمر بن الخطاب، ومن أمرائه يومئذ: أبو الأعور السُّلميُّ،
وزُفَر بن الحارث، وذو الكَلاع الحِميرِيّ، ومَسْلَمَة بن مُخَلَّد، وبُشْر بن
أرطاة العامريُّ، وحابس بن سعد الطّائي، ويزيد بن هُبَيْرة السَّكونيُّ،
(١) تاريخ خليفة ١٩٣ .
٢٦٤

(١)
وغيرهم
قال عَمْرو بن مُرَّة، عن عبد الله بن سَلِمَة، قال: رأيت عمَّارَ بن ياسر
بصِفِّين، ورأى راية معاوية، فقال: إنَّ هذه راية قاتلتها مع رسول الله وَيّ
أربع مرّات. ثم قاتل حتَّى قُتِلَ.
وقال غيره: برز الأشعث بن قيس في ألفين، فبرز لهم أبو الأعور
في خمسة آلاف، فاقتتلوا: ثمّ غلب الأشعث على الماء وأزالهم
عنه(٢) .
ثمّ التقوا يوم الأربعاء سابع صفر، ثمَّ يوم الخميس والجمعة وليلة
السَّبْت، ثمّ رفع أهلُ الشّام لمَّا رأوا الكَسْرَة المَصَاحِفَ بإشارة عَمْرو،
ودعوا إلى الصُّلح والتّحكيم، فأجاب عليٍّ إلى تحكيم الحَكَمَين،
فاختلف عليه حينئذٍ جيشُه وقالت طائفة: لا حُكمَ إلّ لله. وخرجوا عليه
فهُمُ ((الخوارج)).
وقال ثُوَيْر بن أبي فاختة، عن أبيه، قال: قُتِلَ مع عليٍّ بصفِّين
خمسة وعشرون بَدْرياً. ثُوَيْر متروك.
قال الشَّعْبيُّ: كان عبد الله بن بُدَيْل يوم صِفِّين عليه دِرْعان ومعه
سَيْفان، فكان يضرب أهل الشام ويقول:
ثمّ التمشِّي في الرعيل الأوّلْ
لم يبق إلّ الصَّبْر والتَّوكُّلْ
والله يقضي ما يشا ويفعلْ
مَشْيَ الجِمَالِ في حياض المَنْهَلْ
فلم يَزَلْ يضرِب بسيفه حتَّى انتهى إلى معاوية فأزاله عن موقفه،
وأقبل أصحابُ معاوية يرمونه بالحجارة حتّى أثخنوه وقُتِلَ، فأقبل إليه
معاوية، وألقى عبدالله بن عامر عليه عمامته غطّاه بها وترحَّم عليه،
(١) تاريخ خليفة ١٩٥ - ١٩٦.
(٢) تاريخ خليفة ١٩٣ .
٢٦٥

فقال معاوية لعبدالله: قد وهَبْنَاهُ لكَ، هذا كَبْشُ القوم وربّ الكعبة،
اللَّهُمَّ أظْفِرْ بالأشتر والأشعث، والله ما مثل هذا إلّ كما قال الشاعر:
أخو الحرب إنْ عضَّتْ به الحرب عَضَّها وإنْ شَمَّرْت يوماً به الحربُ شَمّرا
كلَيْث هِزَبرٍ كان يحمي ذِمارَه رمَتْهُ المَنايا قَصْدَهَا فتقصَّرا
ثمّ قال: لو قدِرَت نساءُ خُزاعةَ أنْ تُقاتلني فضلاً عن رِجالها
لَفَعَلَتْ.
وفي ((الطبقات)) لابن سعد، من حديث عَمْرو بن شَرَاحيل، عن
حَنَش بن عبدالله الصَّنْعاني، عن عبدالله بن زُرَيْر الغافقيّ، قال: لقد
رأيتُنا يوم صفِّين، فاقتتلنا نحنُ وأهل الشَّام، حتّى ظَنَنْتُ أنّه لا يبقى
أحدٌ، فأسمع صائحاً يصيح: مَعْشَرَ النّاس، اللهَ اللهَ في النِّساء والوِلْدان،
مَن للروم ومَن للتُّرْك، الله الله. والتقينا، فأسمع حركةً من خلفي، فإذا
عليٌّ يَعْدُو بالرَّاية حتَّى أقامها، ولحِقَه ابنه محمد بن الخَنَفِيَّة، فسمعته
يقول: يا بُنَيَّ الْزِمْ رايَتَكَ، فإنِّي متقدِّمٌ في القوم، فأنظر إليه يضرب
بالسَّيف حتّى يُفْرَج له، ثمّ يرجع فيهم(١) .
وقال خليفة(٢): شهِدَ مع عليٍّ من البذْريّين: عمّار بن ياسر،
وسهل بن حُنَيِّف، وخَوّات بن جُبَيْر، وأبو سعد السّاعِديّ، وأبو اليَسَر،
ورِفَاعة بن رافع الأنصاريّ، وأبو أيّوب الأنصاريّ بخُلْفٍ فيه. قال:
وشهد معه من الصّحابة ممّن لم يشهد بدراً: خُزَيْمة بن ثابت ذو
الشَّهادتين، وقيس بن سعد بن عُبَادة، وأبو قَتَادة، وسهل بن سعد
(١) لم أقف عليه في الطبقات، ونقله من تاريخ دمشق لابن عساكر ١٦ / الورقة
٣٧٧.
(٢) نقله من ابن عساكر، وليس هو في تاريخه المطبوع، لكن نقله محققه في
الهامش من الذهبي.
٢٦٦

السّاعدي، وقَرَظة بن كعب، وجابر بن عبدالله، وابن عبّاس، والحَسَن،
والحسين، وعبدالله بن جعفر بن أبي طالب، وأبو مسعود عُقْبة بن
عَمْرو، وأبو عيّاش الزُّرَقيّ، وعديّ بن حاتم، والأشعث بن قيس،
وسليمان بن صُرَد، وجُنْدُب بن عبدالله، وجارية بن قُدامة السَّعْدِيّ.
وعن ابن سِرين، قال: قُتِلَ يوم صِفِّين سبعون ألفاً يُعَدُّون
بالقَصَب(١) .
وقال خليفة(٢) وغيره: افترقوا عن ستّين ألف قتيل، وقيل: عن
سبعين ألفاً، منهم خمسة وأربعون ألفاً من أهل الشّام.
وقال عبدالسلام بن حرب (٣) ، عن يزيد بن عبدالرحمن، عن جعفر
- أظنُّه بن أبي المُغيرة - عن عبدالله بن عبدالرحمن بن أبْزَى، عن أبيه،
قال: شهدْنا مع عليٍّ ثمان مئة ممّن بايع بَيْعَة الرّضوان، قُتِلَ منهم ثلاثةٌ
وستّون رجلاً، منهم عمّار.
وقال أبو عُبَيْدة وغيره: كانت راية عليٍّ مع هاشم بن عُتْبة بن أبي
وقّاص، وكان علی الخیل عمّار بن ياسر.
وقال غيره: حِيلَ بين عليٍّ وبين الفرات، لأنَّ معاوية سَبَقَ إلى
الماء، فأزالهم الأشعثُ عن الماء.
قلتُ: ثُمَّ افترقوا وتواعدوا ليوم الحَكَمَيْن.
وقُتِلَ مع عليٍّ: خُزَيْمة بن ثابت، وعمّار بن ياسر، وهاشم بن
عُتْبَة، وعبدالله بن بُدَيْل، وعبدالله بن كعب المُراديّ، وعبدالرحمن بن
كَلَدة الجُمَحِيّ، وقيس بن مَكْشُوح المُرادي، وأُبيّ بن قيس النَّخَعيّ أخو
تاريخ خليفة ١٩٤ .
(١)
(٢) نفسه .
(٣) نفسه ١٩٦ .
٢٦٧

عَلْقَمَة، وسعد بن الحارث بن الصِّمَّة الأنصاريّ، وجُنْدُب بن زُهَيْر
الغامديّ، وأبو ليلى الأنصاريّ.
وقُتِلَ مع معاوية: ذو الكَلاعِ، وحَوْشَب ذو ظُلَيْم، وحابس بن سعد
الطّائي قاضي حمص، وعَمْرو بن الحَضْرَميّ، وعُبَيْدالله بن عمر بن
الخّطاب العدويّ، وعُرْوة بن داود، وكُرَيْب بن الصَّبَّاحِ الحِمْيَرِيّ أحد
الأبطال، قتلَ يومئذٍ جماعةً، ثمّ بارَزَه عليٍّ فقتله.
قال نصر بن مُزَاحم الكوفيُّ الرافضيُّ: حدثنا عمر بن سعد، عن
الحارث بن حَصيرة، أنَّ ولد ذي الكَلاع أرسل إلى الأشعث بن قيس
يقول: إنَّ ذا الكَلاع قد أُصيبَ، وهو في المَيْسَرَة، أَفَتَأْذَنُ لنا في دفنه؟
فقال الأشعثُ لرسوله أقْرِتْه السَّلاَمَ، وقُلْ إنِّي أخافُ أن يتَّهمَني أميرُ
المؤمنين، فاطلبوا ذلك إلى سعيد بن قيس الهَمْداني فإنّه في المَيْمَنَة،
فذهب إلى معاوية فأخبره، فقال: ما عَسَيْتُ أن أصنع، وقد كانوا منعوا
أهلَ الشّام أن يدخلوا عسكر عليٍّ، خافوا أنْ يُفسدوا أهلَ العسكر، فقال
معاوية لأصحابه: لأنا أشدُّ فَرَحاً بقتل ذي الكَلاعِ مِنِّي بفتح مصرَ لو
افتتحتُها، لأنَّ ذا الكَلاع كان يعرض لمعاوية في أشياء كانَ يأمرُ بها،
فخرج ابن ذي الكَلاع إلى سعيد بن قيس، فاستأذنه في أبيه فأذن له،
فحملوه على بَغْلٍ وقد انتفخ .
وشهد صِفِّين مع معاوية من الصَّحابة: عَمْرو بن العاص السَّهْميّ،
وابنُهُ عبد الله، وفضالة بن عُبَيْد الأنصاريّ، ومَسْلَمَة بن مَخْلَد، والنُّعمان
ابن بشير، ومعاوية بن حُدَيْجِ الكِنْدي، وأبو غادية الجُهَني قاتل عمَّار،
وحبيب بن مَسْلَمة الفِهْري، وأبو الأعور السُّلَمِيّ، وبُشْر بن أرطاة
العامريّ .
٢٦٨

تحكيم الحَكَمَیْن
عن عِكْرِمة(١)، قال: حَكَّم معاويةُ عَمْرو بن العاص، فقال الأحنف
ابن قيس لعليّ: حَكِّمْ أنت ابن عبّاس، فإنّه رجلٌ مُجَرَّب. قال: أفعل.
فأبت اليَمَانِيّة، وقالوا: لا، حتَّى يكون منَّا رجل. فجاء ابن عبّاس إلى
عليٍّ لمّا رآه قد همّ أنْ يُحَكّم أبا موسى الأشعريّ، فقال له: عَلَمَ تُحَكّم
أبا موسى، فَوَالله لقد عرفتَ رأيه فينا، فَوَالله ما نَصَرَنا، وهو يرجو ما
نحن فيه، فتُدْخِلَهُ الآن في معاقد أمرنا، مع أنَّه ليس بصاحب ذاك، فإذْ
أبيْتَ أن تجعلني مع عَمْرو، فاجْعَل الأحنفَ بن قيس، فإنّه مُجَرَّبٌ من
العرب، وهو، قِرْنٌ لِعَمْرو. فقال عليٍّ: أفعل. فَأَبَتِ اليَمَانيّة أيضاً.
فلمّا غُلِبَ جعل أبا موسى، فسمعتُ ابنَ عبّاس يقول: قلتُ لعليٍّ يوم
الحَكَمَيْنِ: لا تُحَكِّم أبا موسى، فإنَّ معه رجلاً حذراً مَرِساً قَارِحاً (٢) ،
فَزَّني إلى جنبه، فإنَّه لا يحلُّ عُقْدَةً إلّ عقدتُها ولا يَعْقِدُ عُقْدَةً إلّ
حَلَلْتُها. قال: يا ابن عبّاس ما أصنع، إنّما أُوتَى من أصحابي، قد
ضَعُفَت نيّتهم وكَلُّوا في الحرب، هذا الأشعث بن قيس يقول: لا يكون
فيها مُضّرِيّان أبداً حتّى يكون أحدُهما يمانٍ، قال: فَعَذَرْتُهُ وعرفت أنّه
مُضْطَهَدٌ، وأنّ أصحابه لا نيَّةً لهم.
وقال أبو صالح السمَّان: قال عليٍّ لأبي موسى: احْكُمْ ولو على حَزِّ
عُنُقي(٣) .
(١) أخرجه ابن سعد، عن الواقدي، عن علي بن عمرو بن عطاء، عن أبيه، عن
عكرمة، وعن عيسى بن علقمة، عن داود بن الحصين، عن عكرمة، به،
ونقله منه ابن عساكر في ترجمة أبي موسى من تاريخه (٥٣٩-٥٤٠).
(٢) المرس: الشديد الذي مارس الأمور وجَرَّبها، والقارح من الخيل: الذي استتم
الخامسة ودخل في السادسة ونبت نابه، يُشَبّه به الرجل المجرب.
(٣) ابن عساكر ٥٤١ .
٢٦٩

وقال غيره: حَكَّم معاويةُ عَمْراً، وحَكَّم عليٍّ أبا موسى، على أنَّ
من ولَّيَاهُ الخلافةَ فهو الخليفة، ومَن اتَّفقا على خَلْعه خُلِعَ. وتواعدا أنْ
يأتيا في رمضان، وأن يأتي مع كلِّ واحدٍ جَمْعٌ من وجوه العرب. فلمّا
كان الموعدُ سار هذا من الشّام، وسار هذا من العراق، إلى أن التقى
الطّائفتان بدُومَة الجَنْدَل، وهي طَرَف الشّام من جهة زاوية الجنوب
والشرق .
فعن عمر بن الحَكَم، قال: قال ابن عبّاس لأبي موسى الأشعريِّ:
احْذَرْ عَمْراً، فإنّما يريد أن يقدِّمك ويقول: أنتَ صاحبُ رسولِ الله وَّل
وأسنُّ منِّي فتكلّم حتَّى أتكلّم، وإنّما يريد أن يقدِّمكَ في الكلام لتخلع
عليَّاً. قال: فاجتمعا على إمرةٍ، فأدار عَمْرو أبا موسى، وذكر له معاويةً
فأبى، وقال أبو موسى: بل عبدالله بن عمر، فقال عَمْرو: أخبِرْني عن
رأيك؟ فقال أبو موسى: أرى أن نخلع هذين الرجُلَيْن، ونجعل هذا
الأمر شُورى بين المسلمين، فيختاروا لأنفسهم مَنْ أحبُّوا. قال عَمْرو:
الرَّأْيُ ما رأيتَ.
قال: فأقبلا على النَّاس وهم مجتمعون بدومة الجَنْدَل، فقال
عَمْرو: يا أبا موسى أعلِمْهُمْ أنَّ رَأيَنَا قد اجتمع، فقال: نعم، إنَّ رأينا قد
اجتمع على أمرٍ نرجو أنْ يُصْلِحَ الله به أمرَ الأُمة. فقال عَمْرو: صَدَقَ
وَبَرَّ، ونِعْمَ النّاظرُ للإسلامِ وأهلِه، فتكَّلم يا أبا موسى. فأتاه ابنُ عبَّاس،
فخلا به، فقال: أنتَ في خدعة، ألم أَقُلْ لكَ لا تَبْدَأه وتعقّبه، فإنّي
أخشى أنْ يكون أعطاكَ أمراً خالياً، ثم ينزع عنه على ملأٍ من النّاس،
فقال: لا تَخْشَ ذلك فقد اجتمعنا واصْطَلَحْنا.
ثمّ قام أبو موسى فحمِدَ الله وأثنى عليه، ثمّ قال: أيُّها النّاس، قد
نظرنا في هذا الأمرِ وأمر هذه الأمة، فلم نَرَ شيئاً هو أصْلَحُ لأمرها ولا
أَلَمُّ لشَعْثها من أنْ لا تُثير أمرها ولا بعضه، حتّى يكون ذلك عن رِضاً
٢٧٠

منها وتشاورٍ، وقد اجتمعتُ أنا وصاحبي على أمرٍ واحد: على خَلْع عليٍّ
ومعاوية، وتستقيل الأمّةُ هذا الأمرَ فيكون شُورَى بينهم يُوَلُونَ مَنْ
أحبُّوا، وإنِّي قد خلعت عليّاً ومعاوية، فَوَلّوا أمركم مَن رأيتم. ثمّ
تأخّر.
وأقبل عَمْرو فحمد الله وأثنى عليه، ثمّ قال: إنَّ هذا قد قال ما
سمعتُم، وخلع صاحبه، وإنِّي خلعتُ صاحبه وأثبتُ صاحبي معاوية،
فإنّه وليُّ عثمان، والطّالبُ بدَمِهِ، وأحقُّ النّاس بمقامه، فقال سعد بن
أبي وقّاص: وَيْحَكَ يا أبا موسى ما أضعفك عن عَمْروٍ ومَكايده، فقال:
ما أصنع به، جامَعَني على أمرٍ، ثمّ نَزَعَ عنه. فقال ابنُ عبَّاس: لا ذَنْبَ
لك، الذَّنْبِ للَّذي قدَّمَك، فقال: رَحِمَك الله غَدَرَ بي، فما أصنع؟ وقال
أبو موسى: يا عَمْرو إنّما مَثَلُكَ كَمَثل الكلْب إنْ تحمِلْ عليه يَلْهَثْ أو
تَتْرُكْه يَلْهَثْ. فقال عَمْرو: إنّما مَثَلُكَ كَمَثَل الحمار يحمل أسفاراً. فقال
ابن عمر: إلى ما صِير أمرُ هذه الأمة! إلى رجلٍ لا يبالي ما صنع، وآخَرَ
ضعيف(١) .
قال المسعوديّ في ((المروج))(٢): كان لقاء الحَكَمَين بدومة الجَنْدَل
في رمضان، سنة ثمانٍ وثلاثين، فقال عَمْرو لأبي موسى: تكلّم. فقال:
بل تكلّم أنت. فقال: ما كنتُ لأفعل، ولك حقوقٌ كلُّها واجبة. فحمِدَ
الله أبو موسى وأثنى عليه، ثمّ قال: هَلُمَّ يا عَمْرو إلى أمرٍ يجمع الله به
الأمّة، ودعا عَمْرو بصحيفةٍ، وقال للكاتب: اكتُب وهو غُلام لعَمْرو،
وقال: إنَّ للكلام أوّلاً وآخراً، ومتى تنازَعْنا الكلامَ لم نبلغ آخرَهُ حتّى
يُنْسَى أوَّلُهُ، فاكتُبْ ما نقول. قال: لا تكتب شيئاً يأمرك به أحدُنا حتّى
تستأمر الآخر، فإذا أمرك فاكتُبْ، فكتب: هذا ما تقاضى عليه فلانٌ
(١) انظر تاريخ الطبري ٧٠/٥-٧١.
(٢) مروج الذهب ٤٠٦/٢ .
٢٧١

وفلان. إلى أن قال عَمْرو: وإنّ عثمان كان مؤمناً، فقال أبو موسى:
ليس لهذا قَعَدْنا. قال عَمْرو: لابدَّ أن يكون مؤمناً أو كافراً. قال: بل
كان مؤمناً. قال: فمُرُّهُ أن يكتب، فكتب. قال عَمْرو: ظالماً قُتِلَ أو
مظلوماً؟ قال أبو موسى: بل قُتِلَ مظلوماً. قال عَمْرو: أَفَلَيْسَ قد جعل
الله لوليّه سُلْطاناً يطلبُ بدمه؟ قال أبو موسى: نعم. قال عَمْرو: فَعَلَى
قاتِله القَتْلُ، قال: بلى. قال: أَفَلَيْسَ لمعاوية أنْ يطلبَ بدَمِهِ حتَّى
يَعْجِز؟ قال: بلى. قال عَمْرو: فإنّا نُقِيم البيّنة على أنَّ علياً قتله .
قال أبو موسى: إنّما اجتمعنا لله، فَهَلُمَّ إلى ما يُصلح الله به أمرَ
الأمّة. قال: وما هو؟ قال: قد علِمْتَ أنَّ أهلَ العراق لا يحبُّون معاوية
أبداً، وأهل الشّام لا يحبون عليّاً أبداً، فهَلُمَّ نخلعهما معاً، ونستخلف
ابنَ عمر - وكان ابن عمر على بنت أبي موسى - قال عَمْرو: أَيَفْعَلُ ذلك
عبدُالله؟ قال: نعم إذا حَمَله النَّاسُ على ذلك. فصوَّبه عَمْرو، وقال:
فهل لكَ في سعد؟ وعدَّدَ له جماعةً، وأبو موسى يأبى إلَّ ابن عمر، ثمّ
قال: قُمْ حتّى نخلع صاحبينا جميعاً، واذكْر اسم مَنْ تستخلِف، فقام أبو
موسى وخطب وقال: إنَّا نظرنا في أمرنا، فرأينا أقرب ما نحقن به الدِّماء
ونَلُمَّ به الشَّعْث خَلْعنا معاوية وعليّاً، فقد خلعتُهما كما خلعْتُ عمامتي
هذه، واستخلفنا رجلاً قد صحِبَ رسولَ الله وَ لَه بنفسه، وله سابقةٌ:
عبدالله بن عمر، فأطراه ورغَّبَ النّاس فيه .
ثمّ قام عَمْرو فقال: أيُّها النَّاسُ، إنَّ أبا موسى قد خلع عليّاً، وهو
أعلمُ به، وقد خَلَعْتُهُ معه، وأُثَبِّتُ معاويةَ عليَّ وعليكم، وإنَّ أبا موسى
كتب في هذه الصّحيفة أنَّ عثمان قُتِلَ مظلوماً، وأنّ لِوَلِيّه أن يطلب
بدَمِه، فقام أبو موسى، فقال: كذب عَمْرو، ولم نستخلفْ معاوية،
ولكنَّا خلعنا معاوية وعليّاً معاً.
قال المَسْعُوديّ: ووجدتُ في روايةٍ أنّهما اتّفقا وخلعا عليّاً
٢٧٢

ومعاويةً، وجعلا الأمرَ شُورَى، فقام عَمْرو بعده، فوافقه على خَلْعِ
عليٍّ، وعلى إثبات معاوية، فقال له: لا وفَّقَكَ الله، غَدَرْتَ. وقَنَّعَّ
شُرَيْحُ بنُ هانىء الهَمْداني عَمْراً بالسَّوْط. وانْخَذَل أبو موسى، فلحِق
بمكّة، ولم يعد إلى الكوفة، وحلف لا ينظر في وجه عليٍّ ما بقي.
ولحِق سعدُ بن أبي وقاص وابنُ عمر ببيت المَقْدِس فأخْرَما، وانصرف
عَمْرو، فلم يأت معاويةً، فأتاه وهيّأ طعاماً كثيراً، وجرى بينهما كلامٌ
كثير، وطلب الأطعمةَ، فأكل عَبِيدُ عَمْروٍ، ثمّ قاموا ليأكل عبيدُ معاوية،
وأمر من أغلق البابَ وقْتَ أكْلٍ عَبِيده، فقال عَمْرو: فعلْتَها؟ قال: إي
واللهِ بايعْ وإلّ قتلتُكَ. قال: فمِصْر، قال: هيَ لك ما عشْتُ(١).
وقال الواقديُّ: رفع أهلُ الشّام المَصاحفَ، وقالوا: ندعوكم إلى
كتابِ الله والحُكم بما فيه. فاصطلحوا، وكتبوا بينهما كتاباً على أن
يوافوا رأسَ الحَوْلِ أَذْرُجَ ويُحَكِّمُوا حَكَمَيْن، ففعلوا ذلك فلم يقع
اتّفاق، ورجع عليٌّ بالاختلاف والدّغَل من أصحابه، فخرج منهم
الخوارج، وأنكروا تحكيمَه، وقالوا: لا حُكْم إلّ لله، ورجع معاوية
بالألفة واجتماع الكلمة عليه. ثم بايع أهلُ الشّام معاويةَ بالخلافة في ذي
القعدة سنة ثمانٍ وثلاثين(٢) . كذا قال.
وقال خليفة(٣) وغيره: إنّهم بايعوه في ذي القعدة سنة سبعٍ
وثلاثين، وهو أشْبَه، لأنَّ ذلك كان إثْر رجوع عَمْرو بن العاص من
التحكيم .
وقال محمد بن الضَّخَّاك الحِزَامِيّ، عن أبيه، قال: قام عليٍّ على
مِنْبَر الكوفة، فقال، حين اختلف الحَكَمان: لقد كنتُ نَهَيْتُكُم عن هذه
(١) مروج الذهب ٤١٠/٢ -٤١٢
(٢) انظر طبقات ابن سعد ٣٢/٣-٣٣.
(٣) تاريخ خليفة ١٩٢ .
٢٧٣

الحكومة فعصيتموني. فقام إليه شابٌ آدمُ، فقال: إنك واللهِ ما نهيتَنَا
ولكنْ أمرتَنَا ودمّرتنا، فلمّا كان منها ما تكرهُ برَّأْتَ نَفْسَكَ ونَحَلْتَنَا ذَنْبَك.
فقال عليّ: ما أنتَ وهذا الكلام قبَّحَكَ اللهُ، واللهِ لقد كانت الجماعةُ
فكنتَ فيها خاملاً، فلمَّا ظهرت الفتنةُ نَجَمْتَ فيها نجومَ الماغِرة. ثمّ
قال: لله منزلٌ نَزَلَه سعدُ بنُ مالك وعبدُالله بن عمر، والله لئن كان ذَنْباً إنّه
لَصَغِيرٌ مغفورٌ، وإنْ كان حَسَناً إنّه لعظيمٌ مشكور.
قلتُ: ما أحسنَها لولا أنَّها مُنْقطعة السَّنَد.
وقال الزُّهْرِيّ، عن سالم، عن أبيه، قال: دخلت على حَفْصَةً،
فقلت: قد كان بين النَّاس ما تَرَيْن، ولم يُجْعل لي من الأمر شيءٌ.
قالت: فالْحَقْ بهم، فإنّهم ينتظرونك، وإنّي أخشى أنْ يكونَ في
احتباسك عنهم فُرْقَةٌ، فذهب.
فلمّا تفرَّق الحَكَمَان خطب معاويةُ، فقال: مَنْ كان يريد أنْ يتكلَّمَ
في هذا الأمر فليُطْلِعِ إليَّ قرنه فَلَنَحْنُ أحقُّ بهذا الأمر منه ومن أبيه -
يعرِّض بابن عمر - قال ابن عمر: فحَلَلْتُ حَبْوَتِي وَمَمْتُ أنْ أقولَ:
أحقُّ به مَن قاتَلَك وأباكَ على الإسلام. فخشيتُ أنْ أقولَ كلمةً تُفَرَّقُ
الجمعَ وتَسْفِكُ الدَّمَ، فذكرت ما أعدَّ اللهُ في الجِنان.
قال جرير بن حازم، عن يَعْلَى، عن نافع، قال: قال أبو موسى: لا
أرى لها غيرَ ابن عمر، فقال عَمْرو لابن عمر: أما تريدُ أنْ نُبايعك؟ فهل
لك أن تُعْطَى مالاً عظيماً على أنْ تَدَعَ هذا الأمرَ لمن هو أحرص عليه
منك. فغضب ابنُ عمر وقام. رواه مَعْمَر، عن الزُّهْرِيّ.
وفيها أخرج عليٍّ سهل بن حُنَيِّق على أهل فارس، فمانَعُوه، فوجَّه
عليٌّ زياداً، فصالحوه وأدّوا الخَرَاجِ(١).
(١) تاريخ خليفة ١٩٢ .
٢٧٤

وفيها قال أبو عُبَيْدة(١): خرج أهل حَرُوراء في عشرين ألفاً، عليهم
شَبَتُ بن رِبْعِيّ، فكلَّمهم عليّ فحاجَّهُم، فرجعوا.
وقال سليمان الشَّيميّ، عن أنس، قال: قال شَبَتُ بن رِبْعيّ: أنا أوّل
من حَرَّر الحَرُورية، فقال رجل: ما في هذا ما تُمتَدَح به .
وعن مغيرة، قال: أوّل من حَكَّم ابن الكَوَّاء، وشَبَث.
قلت: معنى قوله: ((حَكَّمَ)) هذه كلمة قد صارت سِمَةً للخَوارج،
يقال: ((حَكَّمَ)) إذا خرج وقال: لا حُكْم إلّ لله .
(وتوفي فيها)(٢):
جَهْجاه بن قيس، - وقيل بن سعيد - الغفاريّ، مدني، له صُحْبة.
شهد بيعةَ الرِّضوان، وكان في غزوة المُرَيْسِع أجيراً لعمر، ووقع بينه
وبين سِنان الجُهَنِّي، فنادى: يا للمهاجرين: ونادى سِنان: يا للأنصار.
وعن عطاء بن يسار، عن جهجاه أنّه هو الذي شرب حِلابَ سبعٍ
شِياه قبل أنْ يُسْلِم، فلمَّا أسلمَ لم يتمَّ حِلابَ شاة.
وقال ابن عبدالبَرّ(٣) : هو الذي تناول العصا من يد عثمان رضي الله
عنه وهو يخطب، فكسرها على رُكْبته، فوقعت فيها الآكِلة، وكانت عصا
رسولِ اللهِوَلَ. تُوُقِّي بعد عثمان بسنة.
حابس (٤) بن سعد الطّائي.
ولي قضاءَ حمص زمن عمر، وكان أبو بكر قد وجَّهَهُ إلى الشام،
(١) تاريخ خليفة ١٩٢ .
(٢) حذفنا من وفيات السنة من ترجم لهم المؤلف في هذا الكتاب، وهم: أويس
القرني، وجندب بن زهير، وخباب بن الأرت، وخزيمة بن ثابت، وعمار بن
ياسر، وقيس بن المكشوح، وهاشم بن عتبة بن أبي وقاص.
(٣) الاستيعاب ٢٥٢/١-٢٥٣.
(٤) تهذيب الكمال ١٨٣/٥- ١٨٦.
٢٧٥

وكان من العُبّاد. روى عنه: جُبَيْر بن نُفَير. قُتِلَ يوم صِفِّين مع معاوية.
ذو الكَلاع الحميريّ(١) ، اسمه السَّمَيْفَع، ويقال: سَمَيْفَع بن ناكور.
وقيل: اسمه أَيْفَح، كنيته أبو شُرَحْبِيل.
أسلم في حياة النَّبيِّ وَّهَ، وقيل: له صُحْبة، فروى ابن لهِيعة، عن
كعب ابن عَلْقَمَة، عن حسَّان بن كُلَيْب، سمع ذا الكَلاعِ، يقول: سمعتُ
رسولَ اللهِ وَل﴿ يقول: ((اتركوا التُّرْكَ ما تركوكم)).
كان ذو الكَلاع سيِّدَ قومِه، شهِد يوم اليَرْمُوك، وفتْحَ دمشق، وكان
على مَيْمَنة معاوية يوم صِفُّين. روى عن: عمر، وغير واحد. روى عنه :
أبو أزهر بن سعيد، وزامل بن عَمْرو، وأبو نوح الحِمْيَرِيّ.
والدليل على أنَّه لم يرَ النَّبِيَّ بََّ ما روى إسماعيل بن أبي خالد،
عن قيس، عن جرير، قال: كنتُ باليمن، فلقيتُ رجلين من أهل اليمن:
ذا الكلاع، وذا عَمْرو، فجعلتُ أحدِّثُهم عن رسولِ الله وَّرَ، فأقبلا
معي، حتَّى إذا كُنَّا في بعض الطَّريق، رُفِع لنا رَكْبٌ من قِبَل المدينة،
فسألناهم، فقالوا: قُبِض النَّبِيُّ وَّهِ واستُخْلِف أبو بكر. الحديث رواه
(٢)
مسلم (٢) .
وروى علوان بن داود، عن رجلٍ، قال: بعثني أهلي بهديَّةٍ إلى ذي
الكَلاع، فلبِثْتُ على بابه حَوْلاً لا أصلُ إليه، ثمّ إنَّه أشرفَ من القصر،
فلم يَبْقَ حوله أحدٌ إلا سجدَ له، فأمر بهديَّتي فقبلت، ثُمَّ رأيته بعد في
الإسلام، وقد اشترى لحماً بدِرْهم فسَمَطَه على فرسه.
ورُوي أنَّ ذا الكَلاعِ لمَّا قَدِمَ مكةَ كان يتلَثَّمُ خشيةَ أنْ يُقْتَتنَ أحدٌ
(١) الاستيعاب ٤٨٥/١-٤٨٨ .
(٢) هكذا في النسخ، وهو وهم من المؤلف رحمه الله، وإنما أخرجه البخاري
٢١٠/٥، وهو عند أحمد ٣٦٣/٤، ولا أعلم أن مسلماً أخرجه.
٢٧٦

بحُسْنه. وكان عظيمَ الخطرِ عند معاوية، وربَّمَا كان يعارضُ معاويةً،
فيُطِيعه معاوية .
عبدالله(١) بن بُدَيْل بن ورقاء بن عبدالعُزَّى الخُزاعي، كنيته أبو
عَمْرو.
روى البخاري في ((تاريخه)) أنّه ممّن دخلَ على عثمان، فطعن
عثمانَ في وَدَجِه، وعلا التنوخيُّ عثمانَ بالسَّيف(٢) .
أسلم مع أبيه قبلَ الفتح، وشهد الفتحَ وما بعدَها، وكان شريفاً
وجليلاً. قُتِلَ هو وأخوه عبدالرحمن يوم صِفَين مع عليّ، وكان على
الرَّجَّالة .
قال الشَّعبيُّ: كان على عبدالله يومئذٍ درْعان وسَيْفان، فأقبل يضرب
أهلَ الشام حتّى انتهى إلى معاوية، فتكاثروا عليه فقتلوه، فلمَّا رآهُ
معاوية صريعاً قال: واللهِ لو استطاعت نساءُ خُزاعة لقاتَلَتْنا فضلاً عن
رجالها .
عبدالله (٣) بن كعب المُرَادِيّ، من كبار عسكر عليٍّ. قُتِلَ يومَ
صِفِّين، ويقال: إنَّ له صُحْبة .
عُبَيِّد الله (٤) ابن أمير المؤمنين عمر بن الخطّاب القُرَشِيُّ العَدَوِيُّ
المدنيُّ .
وُلِد في زمان النَّبِّ ◌َّهَ، وسمع أباه، وعثمان، وأرسل عن النَّبِيِّ
وَّر. كنيته أبو عيسى، غزا في أيّام أبيه. وأُّه أمّ كلثوم الخُزَاعيّة .
(١) تهذيب الكمال ١٤/ ٣٢٦.
(٢) لم أقف على هذه الرواية في تاريخ البخاري الكبير.
(٣) الاستيعاب ٩٨١/٣.
(٤) طبقات ابن سعد ١٥/٥.
٢٧٧

وعن أسلم، أنَّ عمرَ ضرب ابنه عُبَيْد الله بالدِّرَّة، وقال: أَتَّكْتَني بأبي
عيسى، أَوَ كان لعيسى أبٌّ!
وقد ذكرنا أنَّ عُبَيْد الله لمَّا قُتِلَ عمر أخذ سيفَه وشدَّ على الهُرْمُزان
فقتله، وقتل جُفَيْنَة، ولُؤْلُؤة بنت أبي لُؤْلُؤة، فلمَّا بُويعَ عثمان همَّ بقتْله،
ثمّ عفا عنه. وكان قد أشار عليٍّ على عثمان بقتله، فلمَّا بويع ذهب
عُبَيْدالله هارباً منه إلى الشام. وكان مقدّم جيش معاوية يوم صِفّين، فَقُتِل
يومئذٍ. ويُقال: قتله عمّار بن ياسر، وقيل: رجلٌ من هَمْدان، ورثاه
بعضُهم بقصيدةٍ مليحة .
أبو فَضَالة الأنصاري(١) ، بذْريٌّ، قُتِلَ مع عليّ يوم صِفِّين. انفرد
بهذا القول محمدُ بن راشد، عن عبدالله بن محمد بن عَقِيل، وليسا
بحُجَّة .
أبو عمرة الأنصاري(٢)، بشير بن عَمْرو بن مِحْصَن الخَزْرَجِيُّ
النَّجَّاريُّ، وقيل اسم أبي عمرة: بشير، وقيل: ثعلبة، وقيل: عَمْرو.
بَدْرِي كبير، له رواية في النَّسائيّ، روى عنه: ابنه عبدالرحمن بن
أبي عَمْرة، ومحمد بن الحَنفَيَّة، وقُتِلَ يوم صِفّين مع عليٍّ، قاله ابن
سعد .
سنة ثمانٍ وثلاثين
فيها وجَّه معاويةُ من الشام عبدالله بن الحَضْرميّ في جيشٍ إلى
البصرة ليأخذها، وبها زياد بن أبيه من جهة عليّ، فنزل ابنُ الحَضْرَميّ
في بني تميم، وتحول زياد إلى الأزْد، فنزل على صَبِرَة بن شَيْمان
(١) الاستيعاب ١٧٢٩/٤.
(٢) تهذيب الكمال ١٣٧/٣٤ .
٢٧٨

الحُدَّاني، وكتب إلى عليٍّ فوجَّه عليٍّ أَعْيَنَ بنَ ضُبَيْعَة المُجَاشِعِيّ، فقتل
أعْيَن غِيْلَةً على فراشه. فندب عليٍّ جاريةَ بن قُدامة السَّعْدِيّ، فحاصر
ابنَ الحَضْرَميِّ في الدَّارِ التي هو فيها، ثمّ حرّق علیه.
[أمرُ الخوارج]
وفي شعبان ثارت الخوارج وخرجوا على عليٍّ رضي الله عنه،
وأنكروا عليه كَوْنَه حَكَّم الحَكَمَيْنِ، وقالوا: حكَّمْتَ في دينِ الله
[الأنعام]، وكفَّروه،
الرجال، والله يقول: ﴿إِن الْحُكْمُ إِلَّا لِلِّهِ الْجَاء
واحتجوا بقوله: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَفِرُونَ
[المائدة]، فنَاظَرَهُمْ، ثمّ أرسل إليهم عبدَالله بنَ عبّاس، فبيَّن لهم فسادَ
شُبَهِهم، وفسَّر لهم، واحتجَّ بقوله تعالى: ﴿يَحْكُمُ بِهِ، ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ
٩٥
[المائدة]، وبقوله: ﴿فَأَبْعَثُواْ حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ، وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَاً
٣٥
[النساء]، فرجع إلى الصَّواب منهم خلق، وسار الآخرون، فلقوا عبد الله
ابن خَبَّاب بن الأرتّ، ومعه امرأته، فقالوا: من أنت؟ فانتسب لهم،
فسألوه عن أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعليّ، فأثنى عليهم كلّهم،
فذبحوه وقتلوا امرأته، وكانت حُبْلَى، فبقروا بطنها، وكان من سادات
أبناء الصّحابة .
وفيها سارت الخوارجُ لحربِ عليٍّ، فكانت بينهم ((وقعة النَّهْرَوان))،
وكان على الخوارج عبدالله بن وهب السَّبَئي، فهزمهم عليٍّ وقتل
أكثرهم، وقتل ابنَ وهب. وقُتِلَ من أصحاب عليٍّ اثنا عشر رجلاً.
وقيل في تسميتهم (الحَرُورِيّة)) لأنّهم خرجوا على عليّ من الكوفة،
وعسكروا بقريةٍ قريب من الكوفة يقال لها ((حَرُوراء))، واسْتَحَلَّ عليٌّ
قَتْلَهُم لِمَا فعلوا بابن خَبَّاب وزوجته. وكانت الوقعة في شعبان سنة
٢٧٩

ثمانٍ، وقيل: في صَفَر.
قال عِكْرِمة بن عمَّار: حدثني أبو زُمَيْل أنَّ ابنَ عبّاس قال: لمّا
اجتمعت الخوارجُ في دارها، وهم ستّة آلاف أو نحوها، قلتُ لعليٍّ: يا
أميرَ المؤمنين أبْرِدْ بالصَّلاة لَعَلِّي ألقى هؤلاء، فإنِّي أخافُهم عليك، قال:
كلّ. قال: فلبس ابنُ عبّاسَ حُلَّتين من أحسن الحُلَل، وكان جهيراً
جميلاً، قال: فأتيتُ القومَ، فلمّا رأوني، قالوا: مرحباً بابن عبّاس وما
هذه الحُلَّة؟ قلت: وما تُنْكرون من ذلك؟ لقد رأيتُ على رسول الله وَل
حُلَّةٍ من أحسن الحُلَل، قال: ثم تلوثُ عليهم: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ اَلَّىّ
أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ، (٣)﴾ [الأعراف].
قالوا: فما جاء بك؟ قلت: جئتكم من عند أمير المؤمنين، ومن
عند أصحاب رسول الله ◌َي﴿ ولا أرى فيكم أحداً منهم، ولأُبلغنَّكم ما
قالوا، ولأبلغنَّهم ما تقولون، فما تنْقِمون من ابن عمِّ رسولِ الله وَّ
وصِهْره؟ فأقبل بعضُهم على بعضٍ، فقالوا: لا تكلِّموه فإنّ الله يقول:
﴿بَّ هُمْ قَوْمُ خَصِمُونَ (@)﴾ [الأعراف]، وقال بعضهم: ما يمنعنا من
كلامه، ابن عمِّ رسولِ الله وَّهِ، ويدعونا إلى كتاب الله. قال: فقالوا:
نَنْقم عليه ثلاث خِلالٍ: إحداهنَّ أنّه حكْم الرّجال في دين الله، وما
الرِّجال ولِحُكْم الله، والثانية: أنّه قاتل فلم يَسْبِ ولم يَغْنَم، فإنْ كان قد
حلَّ قتالُهم فقد حلَّ سَبْيهم، وإلّ فلا، والثالثة: محا نفسه من ((أمير
المؤمنين))، فإنْ لم يكن أمير المؤمنين، فهو أمير المشركين. قلت: هل
غير هذا؟ قالوا: حسبُنا هذا.
قلت: أرأيتم إنْ خرجت لكم من كتاب الله وسُنَّة رسوله أَرَاجِعون
أنتم؟ قالوا: وما يمنعنا، قلت: أمَّا قولكم إنَّه حَكَّمَ الرِّجالَ في أمرِ الله،
فإنّي سمعتُ الله تعالى يقول في كتابه: ﴿يَحْكُمُ بِهِ، ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ
٩٥
[المائدة] وذلك في ثَمَن صيد أرنبٍ أو نحوه قيمته رُبْع دِرْهم فَوَّض الله
٢٨٠