Indexed OCR Text

Pages 241-260

عبدالله بن رَوْح، قال: حدثنا شَبابة، قال: حدثنا أبو بكر الهُذَليُّ، عن
الحَسَن، قال: لمّا قدِم عليّ رضي الله عنه البصرة قام إليه ابن الكَوَّاء،
وقيس بن عُبَاد، فقالا له: ألا تخبرنا عن مسيرك هذا الذي سِرْتَ فيه،
تتولّى على الأُمّة، تضربُ بعضهم ببعض، أعهدٌ من رسول الله عهدَهُ
إليك، فحدِّثْنا فأنت الموثوق المأمون على ما سمعت. فقال: أمّا أن
يكون عندي عهدٌ من النَّبيّ ◌َّ في ذلك فلا، والله إن كنتُ أوّلَ مَن
صدَّق به، فلا أكون أوّل من كَذَبَ عليه، ولو كان عندي من النّبِيّ ◌َّ
عهدٌ في ذلك، ما تركت أخا بني تَيْم بن مُرّة، وعمرَ بن الخطّاب يقومان
على مِنْبره، وَلَقَاتَلْتُهُمَا بيدي، ولو لم أجد إلّ بُرْدي هذا، ولكنّ رسولَ
اللهِ بَّه لم يُقْتل قتلاً، ولم يمتْ فجاءةً، مكث في مرضه أيّاماً وليالي،
يأتيه المؤذِّن فيؤذنه بالصّلاة، فيأمر أبا بكرٍ فيصلّي بالنّاس، وهو يرى
مكاني، ثمّ يأتيه المؤذِّن فيؤذنه بالصّلاة، فيأمر أبا بكر فيصلّي بالنّاس،
وهو يرى مكاني، ولقد أرادت امرأةٌ من نسائه أن تصرفه عن أبي بكر
فأبى وغضب، وقال: ((أنتُنّ صواحب يوسف، مُرُوا أبا بكرٍ يُصَلِّي
بالنّاس))(١) .
فلمّا قبض الله نبيّه، نظرنا في أمورنا، فاخترنا لدُنيانا مَنْ رضِيه نبيُّ
الله لِدِيننا. وكانت الصّلاةُ أصلَ الإسلام، وهي عُظُمُ الأَمْرِ، وقوام
الدّين. فبايعنا أبا بكر، وكان لذلك أهلاً، لم يختلف عليه منّا اثنان،
ولم يشهد بعضنا على بعضٍ، ولم نقطع منه البراءة، فأدّيتُ إلى أبي بكر
حقَّه، وعرفت له طاعته، وغزوت معه في جنوده، وكنت آخذُ إذا
أعطاني، وأغزو إذا أغزاني، وأضرب بين يديه بسَوْطي، فلمّا قُبِضَ،
ولّها عمر، فأخذ بسُنَّةِ صاحبِه، وما يعرفُ من أمره، فبايعْنا عمرَ، ولم
(١) حديث عائشة الذي ذكره سيدنا علي في الصحيحين، وقد تقدم.
٢٤١

يختلف عليه منّا اثنان، ولم يشهد بعضُنا على بعضٍ، ولم نقطع منه
البراءة. فأدَّيْتُ إلى عمر حقَّه، وعرفت طاعته، وغزوت معه في
جيوشه، وكنت آخُذُ إذا أعطاني، وأغزو إذا أغزاني، وأضرب بين يديه
الحدود بسوطِي.
فلمّا قُبِضَ تذكَّرتُ في نفسي قرابتي وسابقتي وسالفتي وفَضْلي، وأنا
أظنُّ أن لا يَعْدلَ بي، ولكنْ خَشِيَ أنْ لا يعمل الخليفةُ بعده ذنباً إلا لحِقَه
في قبره، فأخرج منها نَفْسَهُ وولدَه، ولو كانت محاباةً منه لاَثْرَ بها وَلَدَه
قبرِىءَ منها إلى رهْطٍ من قريش ستّة، أنا أحدُهُمْ.
فلمّا اجتمع الرَّهْط تذكَّرتُ في نفسي قرابتي وسابقتي وفضلي، وأنا
أظنُّ أنْ لا يَعْدلوا بي، فأخذ عبدالرحمن مواثيقنا على أنْ نسمع ونُطيع
لمن ولَّه الله أمرَنا، ثمّ أخذ بيد ابن عفّان فضرب بيده على يده، فنظرت
في أمري، فإذا طاعتي قد سبقت بَيْعتي، وإذا ميثاقي قد أُخِذَ لغيري،
فبايعنا عثمانَ، فأدَّيتُ له حقّه، وعرفتُ له طاعته، وغزوتُ معه في
جيوشه، وكنت آخدُ إذا أعطاني، وأغزو إذا أغزاني، وأضربُ بين يديه
الحدودَ بسَوْطي .
فلمّا أُصيبَ نظرتُ في أمري، فإذا الخليفتان اللّذان أخذاها بعهدٍ
رسولِ الله ◌َّ إليهما بالصَّلاةِ قد مضيا (١)، وهذا الذي قد أُخذ له
الميثاق، قد أصيب، فبايَعَني أهلُ الحَرَمَيْن، وأهل هذين المِصْرَیْن.
روی إسحاق بن راهويه نحوه، عن عَبْدَة بن سلیمان، قال: حدثنا
أبو العلاء سالم المُرَادِيّ(٢)، سمعت الحَسن، روى نحوه وزاد في
(١) هكذا في الأصول، ولا يصح معناه، فإن رسول الله وَل﴿ إنما أمر أبا بكر وحده
فصلَّى بالناس، ولم يأمر عمر ولا غيره، والخبر كُلّه من رواية أبي بكر الهذلي
وهو متروك، فإسناده ضعيف جداً.
(٢) هو سالم بن عبدالواحد المرادي، شيعي ضعيف، كما بيناه في ((تحرير أحكام =
٢٤٢

آخره: فوثب فيها من ليس مثلي، ولا قرابتُهُ كقرابتي، ولا عِلْمه
كِعِلْمِي، ولا سابقتُهُ كسابقتي، وكنت أحقَّ بها منه.
قالا: فأخبرنا عن قتالك هذين الرجُلَين - يعنيان: طلحة والزَّبَيْر -
قال: بايعاني بالمدينة، وخلعاني بالبصرة، ولو أنّ رجلاً ممّن بايع أبا
بكر وعمر خَلَعَهُ لقاتَلَناه.
وروى نحوه الجُرَيْري، عن أبي نَضْرَةٍ(١) .
وقال أبو عتّاب الدّلّل: حدثنا مختار بن نافع التَّيْمي، قال: حدثنا
أبو حيّان التَّيْميُّ، عن أبيه، عن عليٍّ رضي الله عنه، قال: قال رسول الله
وَيُ﴾: ((رحِمَ الله أبا بكر، زوَّجني ابنَتَه، وحملني إلى دار الهجرة، وأعتق
بلالاً. رحِمَ الله عمرَ، يقول الحقَّ، وإن كان مُرّاً، تركه الحقُّ ومَالَهُ من
صديقٍ. رحِمَ الله عثمانَ تَسْتَحْيِيه الملائكةُ. رحِمَ الله عليّاً، اللّهُمَّ أدِرٍ
الحقَّ معه حيث دار))(٢) .
وقال إسماعيل بن رجاء، عن أبيه، عن أبي سعيد، سمع رسولَ الله
وَلَّه يقول: ((إنّ منكم مَنْ يقاتلُ على تأويلِ القرآن، كما قاتلْتُ على
تنزيله)). فقال أبو بكر: أنا هو؟ قال: ((لا)). قال عمر: أنا هو؟ قال:
((لا، ولكنّه خاصف النَّعْل))، وكان أعطى علياً نعله يخصِفُها(٣).
قلتُ: فقاتَلَ الخوارجَ الذين أوَّلُوا القرآن برأيهم وجَهْلهم.
وقال خارجة بن مُصْعَب، عن سلّم بن أبي القاسم، عن عثمان بن
=
التقريب)).
(١) نقله كله من تاريخ دمشق لابن عساكر.
(٢) أخرجه الترمذي (٣٧١٤)، وقد تقدم قبل قليل وذكرنا هناك أن إسناده ضعيف
جداً.
(٣) أخرجه أحمد ٣١/٣ و٣٣ و٨٢ من طرق عن فطر بن خليفة، عن إسماعيل،
به .
٢٤٣

أبي عثمان، قال: جاء أناسٌ إلى عليٍّ، فقالوا: أنت هو، قال: مَنْ أنا!
قالوا: أنت هو، قال: ويلكم مَنْ أنا؟ قالوا: أنت ربُّنا، قال: ارجعوا
فأبوا، فضرب أعناقهم، ثمّ خَذَّ لهم في الأرض، ثمّ قال: يا قَنْبَر ائتني
بحزَمِ الخَطَب، فحرَّقهم بالنّار، وقال :
لمّا رأيتُ الأمر أمراً مُنْكَراً أوقدْتُ ناري ودَعَوْتُ قَنْبَرا
وقال أبو حيّان التَّيْمي: حدّثني مُجَمِّع، أنّ علياً رضي الله عنه كان
يكنس بيتَ المال ثم يُصَلِّ فيه، رجاء أنْ يشهدَ له أنّه لم يحبس فيه
المالَ عن المسلمين(١) .
وقال أبو عَمْرو بن العلاء، عن أبيه، قال: خطب عليّ رضي الله عنه
فقال: أيّها النّاس، والله الذي لا إله إلّ هو، ما رزأتُ (٢) من مالكم
قليلاً ولا كثيراً، إلّ هذه القارورةَ، وأخرج قارورةً فيها طِيبٌ، ثمّ قال:
أهداها إليَّ دِهْقان(٣) .
وقال ابن لَهِيعة: حدثنا عبدالله بن هُبَيْرة، عن عبدالله بن زُرَيْر
الغافقي، قال: دخلت على عليّ يوم الأضْحَى فقرّب إلينا خَزِيرة (٤) ،
فقلت: لو قرَّبْتَ إلينا من هذا الوزِّ، فإن الله قد أكثر الخير. قال: إنّي
سمعت رسولَ اللهِ وَ لّهِ يقول: ((لا يحلّ للخليفة من مال الله إلّ قصعتان،
قَصْعة يأكُلُها هو وأهلُهُ، وقَصْعةٌ يضعها بين يدي النّاس)) (٥) .
وقال سُفْيان الثَّوْرِيّ: إذا جاءك عن عليّ شيءٌ فخُذْ به، ما بنى لَبِنَةً
على لَبِنَة، ولا قَصْبة على قَصْبة، ولقد كان يُجاء بجيوبه في جُراب.
(١) أخرجه أحمد في الزهد (٦٩٥).
(٢) أي: ما أخذت.
(٣) أخرجه أبو نعيم في الحلية ١/ ٨١.
(٤) هي لحم يقطع صغاراً ويُصبُّ عليه ماء كثير، فإذا نضج ذُرَّ عليه الدقيق.
(٥) أخرجه أحمد ٧٨/١.
٢٤٤

وقال عبّاد بن العَوَّام، عن هارون بن عنترة، عن أبيه، قال: دخلتُ
على عليٍّ بالخَوَرْنَق، وعليه سمل قطيفة، فقلتُ: يا أميرَ المؤمنين إنَّ الله
قد جعل لك ولأهل بيتك في هذا المال نصيباً، وأنت تفعل هذا بنفسك!
فقال: إنّي والله ما أرزؤكم شيئاً، وما هي إلّ قطيفتي التي أخرجتُها من
بيتي(١) .
وعن عليٍّ أنّه اشترى قميصاً بأربعة دراهم فلبسه، وقطع ما فضل
عن أصابعه من الكُمّ(٢).
وعن جُرْمُوز، قال: رأيت عليّاً وهو يخرج من القصر، وعليه إزارٌ
إلى نصف السّاق، ورداءٌ مُشَمَّر، ومعه دِرَّةٌ له يمشي بها في الأسواق،
ويأمرهم بتقوى الله وحُسْن البَيْع، ويقول: أوْفُوا الكيل والميزان، ولا
تَنْفُخوا اللَّحْمِ (٣) .
وقال الحسن بن صالح بن حيّ: تذاكروا الزُّهَّادَ عند عمر بن
عبدالعزيز رحمه الله، فقال: أزهدُ النَّاس في الدُّنيا عليُّ بن أبي طالب.
وعن رجل أنَّه رأى عليّاً قد ركب حماراً ودلَّى رِجْلَيْه إلى موضع
واحد، ثمّ قال: أنا الذي أهنتُ الدُّنيا.
وقال هُشَيْم، عن إسماعيل بن سالم، عن عمّار الحَضْرَميّ، عن أبي
عمر زاذان، أنّ رجلاً حدّث عليّاً بحديث، فقال: ما أراك إلّ قد
كَذَبْتَني. قال: لم أفعل. قال: إنْ كنتَ كَذَبْتَ أدعو عليك. قال: ادْعُ.
فدعا، فما برح حتّى عَمِيَ (٤) .
وقال عطاء بن السّائب، عن أبي البَخْتَرِيِّ، عن عليٍّ، قال: وأبْرِدُها
(١) حلية الأولياء ١/ ٨٢.
(٢) طبقات ابن سعد ٢٩/٣.
(٣) نفسه ٢٨/٣.
(٤) أخرجه أحمد في الزهد (٧٠٣).
٢٤٥

على الكَبِدِ إذا سُئلْتُ عمّا لا أعلمُ أنْ أقول: الله أعلم.
وقال خَيْثَمَة بن عبدالرحمن: قال عليّ: من أراد أنْ يُنْصِف النّاس
من نفسه فلْيُحِبّ لهم ما يحبّ لنفسه.
وقال عَمْرو بن مُرَّة، عن أبي البَخْتَرِيّ، قال: جاء رجل إلى عليّ
فأثنى عليه، وكان قد بَلَغَه عنه أمرٌ، فقال: إنّي لست كما تقول، وأنا
فوق ما في نفسك.
وقال محمد بن بِشْر الأسدي - وهو صَدُوق -: حدثنا موسى بن
مُطَيْرٍ - وهو واهٍ - عن أبيه، عن صعصعة بن صُوحان، قال: لمّا ضُرِب
عليٍّ أتيناه، فقلنا: استخْلِفْ، قال: إنْ يُرِدِ الله بكم خيراً استعْمَل عليكم
خيركم، كما أراد بنا خيراً واستعمل علينا أبا بكر.
وروى الحَسَن بن عمارة، عن الحَكَم، عن أبي وائل، قال: قيل
لعليّ: ألا تُوصي؟ قال: ما أوصى رسول الله بِّرَ فأوصي، ولكنْ إِن يُرِدِ
الله بالنّاس خيراً سيجمعهم على خيرهم، كما جمعهم بعد نبيّهم على
خیرهم .
ووُري بأسنادٍ آخر، عن الشَّعبي، عن أبي وائل.
وروى عبدالملك بن سَلْع الهَمْدانيّ، عن عبد خير، عن عليٍّ،
قال: استُخْلِفَ أبو بكر، فعمل بعمل رسولِ اللهِ وَّرُ وسُنَّتِه ...
الحديثَ(١).
وقال الأعمش، عن سالم بن أبي الجَعْد، عن عبدالله بن سَبُع،
سمع عليّاً يقول: لَتُخْضَبَنَّ هذه من هذه، فما ينتظرني ألّ شقيٍّ. قالوا:
يا أميرَ المؤمنين، فأخبرنا عنه لَنْبِيرنَّ عِثْرَتَه، قال: أنشُدُكُمْ بالله أنْ يُقْتَل
غُير قاتلي. قالوا: فاستخلِفْ علينا. قال: لا، ولكنّي أتْرُكُكم إلى ما
(١) أخرجه أحمد ١٢٨/١ .
٢٤٦

تَرَكَكُمْ إليه رسولُ اللهِ وَّهُ(١). قالوا: فما تقول لربّك إذا أتيته؟ قال:
أقول: اللَّهُمَّ تركتني فيهم ما بدا لك، ثمّ قبضتني إليكَ، وأنت فيهم، إنْ
شئتَ أصلَحْتَهم، وإنْ شئتَ أفسَدتَهُمْ(٢).
وقال الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن ثعلبة بن يزيد
الحِمَّاني، قال: سمعتُ عليّاً يقول: أشهد أنّه كان يُسِرُّ إليَّ النَّبِيُّ ◌َّ:
(لَتُخْضَبَنَّ هذه من هذه - يعني لحيته من رأسه - فما يُحْبَسُ أشقاها)).
وقال شَرِيك، عن عثمان بن أبي زُرْعَة، عن زيد بن وَهْب، قال:
قدِمَ على عليّ قومٌ من البصرة من الخوارج، فقال منهم الجَعْدُ بن بَعجة:
اتَّقِ الله يا عليّ فإنّك ميِّتٌ، فقال عليٍّ: بل مقتولٌ؛ ضربةٌ على هذه
تخضب هذه، عهدٌ معهودٌ وقضاءٌ مَقْضِيّ، وقد خاب من افترى. قال:
وعاتبه في لباسه، فقال: ما لَكُم ولباسي، هو أبعدُ من الكِبْر، وأجدرُ أن
يقتدي بي المسلم(٣).
وقال فِطْر، عن أبي الطُّفَيْل؛ أنّ عليّاً رضي الله عنه تمثّل :
فإنَّ الموتَ لا قيكا
أَشْدُدْ حَيَازِيمَكَ للموتِ
إذا حَلَّ بوادِيكا
ولا تَجْزَعْ من القتل
وقال ابن عُبَيْنَة، عن عبدالملك بن أعْيَنَ، عن أبي حرب بن أبي
الأسود الدُّؤَّليّ، عن أبيه، عن عليّ، قال: أتاني عبدالله بن سلام، وقد
وضعت قدمي في الغَرْز، فقال لي، لا تَقْدَم العراقَ فإنّي أخشى أن
يُصيبك بها ذُبابُ السَّيف. قلت: وايْمُ الله لقد أخبرني به رسول الله وَله.
قال أبو الأسود: فما رأيت كاليوم قطّ محارباً يخبر بِذَا عن
(١) إلى هنا أخرجه أحمد ١٣٠/١ و١٥٦. وانظر المسند الجامع ٣٨٧/١٣ حديث
(١٠٣٠٥).
(٢) طبقات ابن سعد ٣٤/٣.
(٣) أخرجه أحمد في الزهد (٧٠٦).
٢٤٧

نفسه(١) .
قال ابن عُيَيْنَة: كان عبدالملك رافضياً (٢).
وقال يونس بنُ بُكَيْر: حدّثني عليّ بن أبي فاطمة، قال: حدَّثني
الأصبغُ الحَنْظَلي، قال: لمّا كانت اللّيلة التي أصيب فيها عليّ رضي الله
عنه أتاه ابن النَّبَّاح (٣) حين طلع الفجر، يؤذِنُهُ بالصَّلاةِ، فقام يمشي،
فلمّا بلغ البابَ الصغير، شدّ عليه عبدُالرحمن بن مُلْجَم، فضربه،
فخرجت أمُّ كُلْتُوم فجعلت تقول: ما لي ولصلاة الصُّبح، قُتِلَ زوجي
عمر صلاةَ الغَداة، وقُتِلَ أبي صلاةَ الغداة.
وقال أبو جناب الكلبيُّ: حدّثني أبو عَوْن الثَّقفي، عن ليلة قُتِلَ
عليٌّ، قال: قال الحسنُ بن عليٍّ: خرجتُ البارحة وأمير المؤمنين
يُصلِّي، فقال لي: يا بُنيَّ إنِّي بِتُّ البارحَةَ أوقِظُ أهلي لأنّها ليلة الجمعة
صبيحة بذْرٍ، لسبع عشرة من رمضان، فملَكَثْني عينايَ، فَسَنَحَ لي
رسولُ اللهِ وَّه، فقلتُ: يا رسولَ الله، ماذا لقيتُ من أمَّتك من الأوَدِ
واللَّدَدِ(٤) ؟! فقال: ((ادْعُ عليهم)). فقلتُ: اللَّهُمَّ أبدِلْني بهم مَنْ هو خيرٌ
منهم، وأبْدِلْهُمْ بي مَن هو شرٌّ منّي. فجاء ابن النّاح فَذنه بالصّلاة،
فخرج، وخرجتُ خلفه، فاعتوَرَه رجلان: أمّا أحدُهما فوقعت ضربته
في السُّدَّة، وأمّا الآخر فأثبتها في رأسه .
وقال جعفر بن محمد، عن أبيه، أنّ عليّاً رضي الله عنه كان يخرج
إلى الصّلاة، وفي يده دِرَّةُ يوقظ النّاس بها، فضربه ابن ملجم، فقال
عليّ: أطعموه واسْقوه فإنْ عشتُ فأنا وليّ دمي.
(١) أخرجه الحاكم ٣/ ١٤٠ .
(٢) وهو ضعيف أيضاً، كما بيناه في ((تحرير أحكام التقريب)).
(٣) هو مؤذنه رضي الله عنه.
(٤) الأود: العِوَج، واللدد: الخصومة .
٢٤٨

رواه غيره، وزاد: فإنْ بقيتُ قَتَلْتُ أو عفوتُ، وإنْ مثُّ فاقتلوه
قِتْلَتي، ولا تعتدوا إنّ الله لا يحبّ المعتدين .
وقال محمد بن سعد(١): لقي ابنُ مُلْجَم شَبِيبَ بن بُجْرة
الأشجعيَّ، فأعلمه بما عزَمَ عليه من قَتْلِ عليٍّ، فوافقه، قال: وجلسا
مقابل السُّدة التي يخرج منها عليّ. قال الحَسَن: وأتيته سَحَراً، فجلست
إليه، فقال: إنّي مَلَكَتْني عيناي وأنا جالسٌ، فسنح لي النّبيّ نََّ، فَذكر
المنام المذكور. قال: وخرج وأنا خلفه، وابن النّاح بن يديه، فلمّا
خرج من الباب نادى: أيُّها النّاس الصَّلاة الصَّلاة، وكذلك كان يصنع في
كلِّ يومٍ، ومعه درَّتُهُ يُوقِظُ الناسَ، فَاعْتَرَضَهُ الرجلان، فضربه ابنُ مُلْجم
على دِماغه، وأمّا سيف شبيب فوقع في الطّاق، وسمع النّاسُ عليّاً
يقول: لا يَقُوتَنَّكُمُ الرجلُ. فشدّ الناسُ عليهما من كلّ ناحية، فهرب
شَبيب، وأُخِذَ عبدُالرحمن، وكان قد سمّ سيفه .
ومكث عليٍّ يومَ الجمعة والسبت، وتُؤُفِّي ليلة الأحد، لإحدى
عشرة ليلةٍ بقِيت من رمضان. فلمّا دُفِنَ احضروا ابن مُلْجم، فاجتمع
النَّاسُ، وجاؤوا بالنَّفْط والبواري، فقال محمد بن الحَنَفِيّة والحسين
وعبدالله بن جعفر بن أبي طالب: دَعُونا نَشتَف منه، فقطع عبدالله يديه
ورِجْلَيه، فلم يجزع ولم يتكلَّمْ، فَكحَلَ عينيه، فلم يجزع، وجعل
يقول: إنّك لَتَكْحُل عينَي عَمِّك، وجعل يقرأ: ﴿اقْرَأْ بِأَسْمِ رَبِّكَ الَّذِى
خَلَقَ ﴿٢﴾﴾ [العلق] حتَّى ختمها، وإنَّ عينيه لَتَسيلان، ثُمَّ أمر به فعولج
عن لسانه ليُقْطَع، فجزع، فقيل له في ذلك. فقال: ما ذاك بِجَزَعِ،
ولكنّي أكره أنْ أبقى في الدُّنيا فُواقاً لا أذكر الله، فقطوا لسانه، ثمّ
أحرقوه في قَوْصرة. وكان أسمرَ، حَسَن الوجه، أفلَجَ، شعْرُهُ مع شَحْمَة
(١) طبقاته ٣٦/٣-٣٧.
٢٤٩

أُذُنيه، وفي جبهته أثرُ السُّجود(١).
ويُرْوَى أنّ عليّاً رضي الله عنه أمرهم أن يحرِّقوه بعد القَتْل(٢).
وقال جعفر بن محمد، عن أبيه، قال: صلّى الحَسَن على عليّ،
ودُفِنَ بالكوفة، عند قصر الإمارة، وعُمِّي قبرُه(٣).
وعن أبي بكر بن عيّاش، قال: عَمَّوْهُ لئلّ تَنْبُشَه الخوارجُ.
وقال شَريك، وغيره: نقله الحَسَن بن عليّ إلى المدينة (٤) .
وذكر المُبَرِّد، عن محمد بن حبيب، قال: أوّل من حُوِّل من قبرٍ إلى
قبرٍ عليّ(٥) .
وقال صالح بن أحمد النَّحْويّ: حدثنا صالح بن شُعيب، عن
الحسن بن شُعَيب الفَرْويّ، أنّ عليّاً رضي الله عنه صُيِّر في صُندوقٍ،
وكثَّروا عليه الكافور، وحُمِلَ على بعير، يريدون به المدينة، فلمّا كان
ببلاد طيّء، أضلُّوا البعيرَ ليلاً، فأخذته طيء وهم يظنُّون أنّ في
الصُّندوق مالاً، فلما رأوه خافوا أن يُطلبوا، فدفنوه ونحروا البعير
فأكلوه(٦) .
وقال مُطَيّن: لو عَلِمَتِ الرافضة قبرَ مَنْ هذا الذي يُزَارُ بظاهرِ الكوفة
لَرَجَمَتْهُ، هذا قبر المُغيرة بن شعبة (٧).
قال أبو جعفر الباقر: قتِلَ عليٍّ رضي الله عنه وهو ابن ثمانٍ
(١) انظر طبقات ابن سعد ٣٩/٣-٤٠ .
(٢) لم يصح ذلك عن سيدنا علي رضي الله عنه .
(٣)
تاريخ بغداد ١ /١٣٥ و١٣٦ .
تاريخ بغداد ١/ ١٣٧ و١٣٨.
(٤)
(٥) نفسه ١/ ١٣٧.
(٦) نفسه ١٣٨/١ وهي حكاية منكرة.
(٧) وقال مطين أيضاً: لو كان هذا قبر علي بن أبي طالب لجعلت منزلي ومقيلي
عنده أبداً (تاريخ بغداد ١٣٨/١).
٢٥٠

(١)
وخمسين(١) .
وعنه رواية أخرى أنّه عاش ثلاثاً وستّين سنة، وكذا رُوي عن ابن
الحَنَفِيّة، وقاله أبو إسحاق السّبيعيّ، وأبو بكر بن عيّاش، وينصرُ ذلك
ما رواه ابنُ جُرَيْج، عن محمد بن عمر بن عليّ بن أبي طالب، أنّه أخبره
أنَّ علياً تُوُفِّي لثلاثٍ أو أربعٍ وستِّينَ سنة(٢).
وعن جعفر الصّادق، عن أبيه، قال: كان لعليّ سبع عشرة سُرِّيَّة .
وقال أبو إسحاق السَّبِيعيُّ، عن هُبَيْرة بن يريم، قال: خَطَبَنَا الحَسَنُ
ابنُ عليّ، فقال: لقد فَارَقَكُم بالأمس رجلٌ ما سبقه إلّ الأوّلون بعِلْم،
ولا يُدْرِكُهُ الآخرون، كان رسول الله وَ ل يُعطيه الراية، فلا ينصرف حتّى
يُفْتَح له، ما ترك بيضاءَ ولا صفراءَ، إلّ سبع مئة دِرْهم فضلت من
عطائه، كان أرصَدَها، لا خادم لأهله(٣) .
وقال أبو إسحاق، عن عَمْرو الأصمّ، قال: قلت للحَسَن بن عليّ:
إنّ الشيعة يزعُمُون أنّ عليّاً مبعوثٌ قبل يوم القيامة. فقال: كَذَبُوا والله ما
هؤلاء بشيعة، لو عَلِمْنا أنّه مبعوثٌ ما زَوّجْنا نساءه، ولا قسَّمنا
ميراثه (٤). ورواه شَرِيك عن أبي إسحاق، عن عاصم بن ضَمْرة، بدل
عَمْرو.
ولو استوعبنا أخبارَ أمير المؤمنين رضي الله عنه لَطَال الكتابُ.
(١) أخرجه الطبراني (١٦٥). وأخرجه الخطيب عن جعفر بن محمد أيضاً، به
١٣٦/١.
(٢) انظر تفاصيل ذلك في تاريخ الخطيب ١٣٦/١ - ١٣٧.
(٣) أخرجه ابن سعد ٣٨/٣-٣٩. واخرجه بلفظه المذكور أعلاه أحمد في الزهد
(٧١٠) من طريق أبي إسحاق السبيعي، عن عمرو بن حبشي.
(٤) أخرجه ابن سعد ٣٩/٣.
٢٥١

[الحوادث في خلافة علي]
رضي الله عنه
سنَة سِتّ وثلاثين
وَقعَة الجَمل
لمّا قُتِلَ عثمان صَبْراً، سُقِطَ في أيدي أصحاب النَّبيِّ نَّهُ وبايعوا
عليّاً، ثمّ إنَّ طلحةَ بن عُبَيْد الله، والزُّبَيْر بن العوَّام، وأمَّ المؤمنين عائشة،
ومَن تبِعَهُم رأوا أنَّهم لا يُخَلِّصهم ممّا وقعوا فيه من تَوَانِيهِم في نُصْرة
عثمان، إلّا أنْ يقوموا في الطَّلب بدمه، والأخْذِ بثأره من قَتَلَتِهِ، فساروا
من المدينة بغير مشورةٍ من أميرِ المؤمنين عليٍّ، وطلبوا البصرة.
قال خليفة (١) : قدِم طلْحة، والزُّبَيْر، وعائشة البصرة، وبها عثمان
ابن حُنَيْق الأنصاريّ والياً لعليٍّ، فخاف وخرج عنها. ثمّ سار عليٍّ من
المدينة، بعد أن استعملَ عليها سهل بن حُنَيْف أخا عثمان، وبعث ابنه
الحَسَن، وعمّار بن ياسر إلى الكوفةِ بين يديه يستنفران النّاسَ، ثمّ إنَّه
وصلَ إلى البَصْرة.
وكان قد خرج منها قبل قدومه إليها حُكَيْم بن جَبَلَة العَبْدِيّ في سبع
مئة، وهو أحد الرؤوس الذين خرجوا على عثمان كما سَلَفَ، فالتقى هو
وجيش طَلْحة والزُّبَيْر، فقتل الله حُكَيْماً في طائفةٍ من قومه، وقتل مقدّم
جيش الآخرين أيضاً مُجَاشع بن مسعود السُّلَميّ .
(١) تاريخه ١٨٠- ١٨١.
٢٥٢

ثمّ اصطلحت الفئتان، وكَقُّوا عن القتال، على أنْ يكون لعثمان بن
حُنَيْف دار الإمارة والصّلاة، وأنْ ينزلَ طلحةُ والزُّبَير حيث شاءا من
البصرة، حتّى يقدم عليٍّ رضي الله عنه.
وقال عمّار لأهل الكوفة: أمَا والله إنِّي لأعلمُ أنَّها - يعني عائشة -
زوجةُ نبيّكم في الدُّنيا والآخرة، ولكنَّ الله ابتلاكم بها لينظُرَ أَتَّتَبِعُونه أو
إيّاها(١) .
قال سعد بن إبراهيم الزُّهْريُّ(٢): حدَّثني رجلٌ من أسلم، قال: كُنَّا
مع عليٍّ أربعة آلاف من أهل المدينة .
وقال سعيد بن جُبَيْر (٣) : كان مع عليٍّ يومَ وقْعة الجَمَل ثمان مئة
من الأنصار، وأربع مئة ممّن شهد بَيْعَةَ الرَّضْوان. رواه جعفر بن أبي
المُغيرة، عن سعيد.
وقال المُطَّلب بن زياد، عن السُّدِّيِّ: شهَدٍ مع عليٍّ يومَ الجمل مئة
وثلاثون بذْرياً وسبع مئة من أصحاب النَّبِيِّ بَّهَ، وقُتِلَ بينهما ثلاثون
ألفاً، لم تكن مقتلة أعظم منها.
وكان الشَّعبيُّ يبالغ ويقول: لم يشهدها إلّ عليٍّ، وعمار، وطلحة،
والزُّبَيْر من الصحابة .
وقال سَلَمَة بن كُهَيل (٤) : فخرج من الكوفة ستَّةُ آلافٍ، فقدِموا على
عليّ بذي قار، فسار في نحو عشرة آلافٍ، حتّى أتى البصرةَ(٥).
وقال أبو عُبَيْدة: كان على خيل عليٍّ يوم الجمل عمَّار، وعلى
(١) تاريخ خليفة ١٨٤ .
(٢)
نفسه .
(٣)
نفسه .
(٤) نفسه .
تاريخ خليفة ١٨٤ .
(٥)
٢٥٣

الرَّجَّالة محمد بن أبي بكر الصِّدِّيق، وعلى المَيْمَنَة عِلْباء بن الهيثم
السَّدُوسيّ، ويقال: عبدالله بن جعفر، ويقال: الحَسَن بن عليّ، وعلى
المَيْسَرَة الحسين بن عليّ، وعلى المقدّمة عبدالله بن عبّاس، ودفع الّواء
إلى ابنه محمد بن الحنفيّة. وكان لواء طلحة والزَّبَيْر مع عبدالله بن حَكِيم
ابن حِزام، وعلى الخيل طلحة، وعلى الرَّجَّالة عبدالله بن الزُّبَيْر، وعلى
المَيْمَنة عبدالله بن عامر بن كُرَيْزِ، وعلى المَيْسَرَة مَرْوان بن الحَكَم.
وكانت الوقعة يوم الجمعة، خارج البصرة، عند قصرِ عُبَيْدالله بن زياد.
قال اللَّيث بن سعد، وغيره: كانت وقعة الجمل في جُمَادى
الأولى.
وقال أبو اليَقْظان(١) : خرج يومئذٍ كعب بن سُور الأزديُّ في عُنُقه
المُصْحَف، ومعه تِرْسٌ، فأخذ بخطامِ جملِ عائشة، فجاءه سَهمٌ غرب
فقتله .
قال محمد بن سعد(٢): وكان كعب قد طَيَّنَ عليه بيتاً، وجعل فيه
كُوَّةً يتناولُ منها طعامه وشرابه اعتزالاً للفتنة، فقيل لعائشة: إنْ خرج
معك لم يَتخلَّفْ من الأزدِ أحدٌ، فركِبَتْ إليه فنادته وكلَّمَتَّهُ فَلَم يُجبْها،
فقالت: ألستُ أمّك؟ ولي عليك حقٌّ، فكلَّمَهَا، فقالت: إنّما أريد أنْ
أُصْلِحَ بين النّاس. فذلك حين خرج ونشر المُصْحف، ومشى بين
الصَّفَّين يدعوهم إلى ما فيه، فجاءه سهم فقتله.
وقال حُصَيْن بن عبد الرحمن: قام كعب بن سُور فنشر مصحفاً بين
الفريقين، ونَشَدَهُم اللهَ والإسلامَ في دمائهم، فما زال حتَّى قُتِلَ(٣).
(١) تاريخ خليفة ١٨٥ .
(٢) طبقات ابن سعد ٧/ ٩٢ - ٩٣.
(٣) رواه ابن سعد ٧/ ٩٢، وخليفة ١٨٥ عن حصين، عن عمرو بن جاوان، عن
الأحنف بن قيس .
٢٥٤

وقال غيره: اصطفَّ الفريقان، وليس لطلحة ولا لعلِّ رأسَيْ
الفريقين قَصْدٌ في القتال، بل ليتكلَّموا في اجتماع الكلمة، فترامى
أوباشُ الطّائفتين بالنَّبْل، وشَبَّت نارُ الحرب، وثارت النُّقوس، وبقي
طلحة يقول: ((أيّها النّاس أَنْصِتُوا))، والفتنةُ تغلي، فقال: أُفِّ فَرَاشَ
النّارِ، وذِئاب طمع، وقال: اللَّهُمَّ خذ لعثمان مِنِّي اليومَ حتَّى ترضى، إنّا
داهَنّا في أمر عثمان، كُنَّا أمس يداً على مَنْ سِوانا، وأصبحنا اليوم جَبَلَيْن
من حديد، يزحف أحدنا إلى صاحبه، ولكنَّه كان منّي في أمرٍ عثمان ما
لا أرى كفَّارته، إلّ بسفْك دمي، وبطلَبِ دمِه.
فروى قَتَادة، عن الجارود بن أبي سَبْرَة الهُذَليّ، قال: نظر مروان
ابن الحَكَم إلى طلحة يومَ الجمل، فقال: لا أطلبُ ثأري بعد اليوم،
فرَمى طلحة بسهم فقتله(١) .
وقال قيس بن أبي حازم: رأيت مَروان بن الحَكَم حين رمى طلحة
يومئذٍ بسهم، فوقع في رُكبته، فما زال يَسُ(٢) حتّى مات. وفي بعض
طُرُقه: رماه بسهْمٍ، وقال: هذا ممّن أعان على عثمان(٣) .
وعن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن عمّه، أنَّ مروان رمى طلحة،
والتفت إلى أبان بن عثمان، وقال: قد كفيناكَ بعضَ قَتَلَة أبيك (٤).
وروى زيد بن أبي أُنَّيْسة، عن رجلٍ، أنَّ عليّاً قال: بشِّرِوا قاتل
طلْحة بالنّار(٥).
(١) تاريخ خليفة ١٨٥ .
(٢) السَّخُ: الصب والسيلان.
(٣) طبقات ابن سعد ٢٢٣/٣.
(٤)
تاريخ خليفة ١٨٥ .
(٥) أخرجه ابن سعد ٢٢٥/٣ عن زيد بن أبي أنيسة، عن محمد الأنصاري، عن
أبيه .
٢٥٥

وعن عِكْرِمة، عن ابن عبّاس، قال: خرجنا مع عليٍّ إلى الجَمَل في
ست مئة رجل، فسلكنا على طريق الرَّبَذَة، فقام إليه ابنه الحَسَن، فبكى
بين يديه وقال: ائذنْ لي فأتكلّم، فقال: تكلّم، ودعْ عنكَ أنْ تحِنَّ حنينَ
الجارية. قال: لقد كنتُ أشَرْتُ عليك بالمُقَام، وأنا أشيرُه عليكَ الآن،
إنَّ للعرب جوْلَةً، ولو قد رجعَتْ إليها غوازبُ أحلامها، لضربوا إليك
آباطَ الإبلِ، حتّى يستخرجوك، ولو كنتَ في مثل جُحْرِ الضَّبِّ. فقال
عليٌّ: أتراني لا أبالَكَ كنتُ منتظراً كما ينتظرُ الضَّبُعُ اللَّدْمَ (١). وُروي
نحوه من وجهین آخرین .
رَوْح بن عُبادة، قال: حدثنا أبو نعامة العدوي، قال: حدثنا حميد
ابن هلال، عن حُجَيْر بن الربيع أنَّ عمران بن حُصَيْن أرسله إلى بني
عدي أن ائتهم، فأتاهم، فقال: يقرأ عليكم السلام، ويقول: إني لكم
ناصح، ويحلف بالله لأن يكون عبداً مجدعاً يرعى في رأس جبلٍ حتى
يموت أحب إليه من ان يرمي في واحدٍ من الفريقين بسهم، فأمسكوا
فداكم أبي وأمي. فقالوا: دعنا منك، فإنا والله لا ندع ثقل رسول الله
وَّه. فغزوا يوم الجمل، فقتل خلق حول عائشة يومئذٍ سبعون كلهم قد
جمعوا القرآن، ومن لم يجمع القرآن أكثر.
روى الواقدي عن رجاله، قال: كان يَعْلى بن مُنْيَة التَّميمي حليف
بني نوفل بن عبدمناف عاملاً لعثمان على الجُند، فوافى الموسم عام قُتِلَ
عثمان .
وعن ابن أبي مليكة، قال: جاء يعلى بن أمية إلى عائشة وهي في
الحج، فقال: قد قتل خليفتكِ الذي كُنت تحرضين عليه. قالت: برئت
إلى الله من قاتله .
(١) أي: لا أكونُ مثل الضبع يُضربُ جحرها بحجرٍ أو بغيره، فتحسبه شيئاً
تصيده، فتخرج لتأخذه، فتصاد.
٢٥٦

وعن الواقدي، عن الوليد بن عبدالله، قال: قال يعلى بن أمية: أيها
الناس، مَن خرج يطلب بدم عثمان فعليَّ جهازه.
وعن علي بن أبي سارة، قال: قدم يَعلى بأربع مئة ألف فأنفقها في
جهازهم إلى البصرة.
وعن غيره، قال: حمل يعلى بن أمية عائشة على جملة عسكر،
وقال: هذه عشرة آلاف دينار من غر مالي أقوي بها مَن طلبَ بدم
عثمان. فبلغ علياً، فقال: من أين له؟ سرق اليمن ثم جاء! والله لئن
قدرتُ عليه لآخذنَّ ما أقَرَّ به .
وعن يحيى بن سعيد الانصاريّ عن عمَّ له، قال: لمّا كان يومُ
الجمل نادى عليٍّ في النَّاس: لا ترموا أحداً بسَهْم، وكلِّموا القومَ، فإنّ
هذا مُقام مَنْ فَلَح فيه، فلح يوم القيامة، قال: فتوافينا حتّى أتانا حَرّ
الحديد، ثمّ إنّ القوم نادوا بأجمعهم: ((يا لثارات عثمان))، قال: وابن
الحَنَفيّة أمامنا رتوة (١) معه اللّواء، فمدّ عليٍّ يديه، وقال: اللَّهُمَّ أكِبَّ
قَتَلَةَ عثمان على وُجُوههم. ثمّ إنَّ الزُّبَيْر قال لأساوِرَةِ معه: ارموهم ولا
تبلغوا، وكأنَّه إنَّما أرادَ أنْ ينشب القتال. فلمّا نظر أصحابنا إلى النّشّاب
لم ينتظروا أنْ يقع إلى الأرض، وحملوا عليهم فهزمهم الله. ورمى
مَروانُ طلْحة بسهْم فشكَّ ساقه بجَنْب فَرَسه .
وعن أبي جرو المازِنيّ، قال: شهِدْت عليّاً والزُّبَيْر حين تواقفا،
فقال له عليٍّ: يا زُبير أَنْشُدُك الله أَسَمِعْتَ رسولَ اللهِ وَ ◌ّ يقول: ((إنّك
تقاتلُني وأنتَ ظالمٌ لي)»؟ قال: نعم ولم أَذْكُرْ إلّ في موقفي هذا، ثمّ
انصرف .
وقال الحَسَن البصْرِيّ، عن قيس بن عُبَاد، قال: قال عليٌّ يومَ
(١) أي: خطوة.
٢٥٧

الجمل: يا حَسَن، ليتَ أباكَ مات منذ عشرين سنة. فقال له: يا أبتِ قد
كنتُ أنهاك عن هذا. قال: يا بُنَيَّ لم أرَ أنَّ الأمرَ يبلغ هذا.
وقال ابن سعد (١) : إنَّ محمد بن طلحة تقدَّمَ فأخذ بخطام الجمل،
فحمل عليه رجلٌ، فقال محمد: أذكِّرُكُم (حم) فطعنه فقتله، ثمّ قال في
محمد :
قليلِ الأَذَى فيما ترى العينُ مسلمٍ
وأَشْعَثَ قَوَّامٍ بِآياتِ ربِّهِ
فَخَرّ صَريعاً لليَدَيْنِ وللفمِ
هتكتُ له بالرّمح جيبَ قميصه
فهلا تلا (حم) قبل التَّقدُّم
يُذَكّرني (حم) والرُّمْحُ شاجرٌ
عليّاً ومَن لا يَتْبَعِ الحَقَّ يندَمِ
على غير شيءٍ غيرَ أنْ ليس تابعاً
فسار عليٌّ ليلته في القَتْلَى، معه النِّيرانُ، فمرَّ بمحمد بن طَلْحة
قتيلاً، فقال: يا حسن، محمّد السّجّاد وربّ الكعبة، ثمّ قال: أبوه
صَرَعَه هذا المصرع، ولولا بِرَّهُ بأبيِهِ ما خَرَج. فقال الحَسَن: ما كان
أغناك عن هذا! فقال: ما لي وما لك يا حسن.
وقال شَرِيك، عن الأسود بن قيس: حدّثني مَنْ رأى الزُّبَيْر يوم
الجَمَل، وناداه عليٍّ: يا أبا عبدالله، فأقبل حتّى التَّقَتْ أعناقُ دوابهما،
فقال: أَنْشُدُكَ بالله، أتذكر يوم كنتُ أُنَاجِيكَ، فأتانا الرسولُ وَلَه فقال:
(تُنَاجيه فَوَالله ليُقَاتِلَنَّكَ وهو لكَ ظالمٌ))(٢). قال: فلم يعدُ أنْ سمِعَ
الحديث، فضرب وجْهَ دابَّته وانصرف .
وقال هلال بن خبّاب، فيما رواه عنه أبو شهاب الحنَّاط، وغيره،
عن عِكْرمة، عن ابن عبّاس أنّه قال يوم الجمل للزُّبَيْر: يا ابن صَفِيَّة،
(١) طبقاته ٥٤/٥-٥٥. وانظر تاريخ الطبري ٥٢٦/٤.
(٢) إسناده ضعيف، لجهالة مَن رأى الزبير، كما أن شريك بن عبدالله النخعي
ضعيف عند التفرد.
٢٥٨

هذه عائشة تملكُ طَلْحة، فأنتَ على ماذا تقاتل قريبك عليّاً؟ فرجع
الزُّبَيْر، فلقيه ابن جرموز فقتله.
وقال يزيد بن أبي زياد، عن عبدالرحمن بن أبي ليلى، قال:
انصرف الزُّبَيْرِ يومَ الجمل عن عليٍّ، وهم في المصافِّ، فقال له ابنه
عبد الله: جُبْنَاً جُبْناً، فقال: قد علم النَّاسُ أنّي لستُ بجبانٍ، ولكن
ذكَّرني عليٍّ شيئاً سمعتُه من رسولِ اللهِ وَّرَ، فحلفت أنْ لا أقاتله، ثمّ
قال :
ترْكُ الأمورِ التي أخشى عواقِيَها في الله أحْسَنُ في الدُّنيا وفي الدِّين
وكيع، عن عصام بن قُدامة - وهو ثقة - عن عِكْرمة، عن ابن
عبّاس، قال: قال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((أَيَتُكُنّ صاحبةُ الجمل الأدبب، يُقْتَل
حَوَالَيْها قتلى كثيرون، وتنجو بعدما كادت))(١) .
وقيل: إنَّ أوَّلَ قتيلٍ كان يومئذٍ مسلم الجُهَنِيُّ، أمره عليٍّ فحمل
مُصْحفاً، فطاف به على القوم يدعوهم إلى كتاب الله، فقُتِلَ. وقُطِعَتْ
يومئذٍ سبعون يداً من بني ضبّة بالسيّوف، صار كلَّما أخذ رجل بخطام
الجمل الذي لعائشة، قُطِعَت يدُه، فيقوم آخرُ مكانه ويَرْتَجِزُ، إلى أنْ
صرخ صارخٌ اعقُروا الجمل، فعقره رجلٌ مُخْتَلَفٌ في اسمه، وبقي
الجمل والهودج الذي عليه، كأنّ قُنْفُذٌّ من النَّبْل، وكان الهودج مُلَبَّساً
بالدُّروع، وداخله أمّ المؤمنين، وهي تُشَجِّعُ الذين حولَ الجمل، فما
شاء الله کان وما لم يشأ لم یکن.
ثمّ إنّها رضي الله عنها ندِمَتْ، ونَدِمَ عليٍّ رضي الله عنه لأجل ما
وقع.
(١) إسناده صحيح.
٢٥٩

سنَة سَبْع وثلاثين
وقعةُ صِفّین
قال محمد بن سعد: أخبرنا محمد بن عمر، قال: لمّا قُتِلَ عثمان
رضي الله عنه، كتبت نائلة زوجتُه إلى الشّام إلى معاوية كتاباً تَصِفُ فيه
كيف دُخِلَ على عثمان رضي الله عنه وقُتِلَ، وبعثت إليه بقميصه بالدِّماء،
فقرأ معاويةُ الكتابَ على أهل الشّام، وطَيَّفَ بالقميص في أجناد الشَّام،
وحرَّضهم على الطَّلب بدمه، فبايعوا معاويةَ على الطَّلبِ بدمه.
ولمّا بُويع عليٍّ بالخلافة قال له ابنه الحَسَن وابن عبّاس: اكتب إلى
معاوية فأقِرَّهُ على الشَّام، وأَطْمِعْهُ فإنَّه سيطمع ويكفيك نفسَه وناحيته،
فإذا بايعَ لك النَّاسُ أَقْرَرْته أو عَزَلْته، قال: فإنَّه لا يرضى حتَّى أعطيه
عهدَ الله تعالى وميثاقه أنْ لا أعزله. قالا: لا تُعْطه ذلك. وبلغ ذلك
معاوية. فقال: والله لا ألي له شيئاً ولا أبايعه، وأظهر بالشَّام أنَّ الزُّبَير
ابن العوَّام قادم عليهم، وأنّه مُبَايع له، فلمَّا بلغه أمرُ الجمل أمسك،
فلمّا بلغه قَتْلُ الزُّبَيرِ تَرَجَّم عليه، وقال: لو قَدِمَ علينا لَبَايَعْناه وكان أهلاً.
فلمّا انصرف عليٍّ من البصرة، أرسل جريرٌ بنَ عبد الله البَجَليّ إلى
معاوية، فكلَّم معاوية، وعظَّمَ أمرَ عليٍّ ومُبَايعته واجتماع النَّاس عليه،
فأبى أنْ يبايعه، وجرى بينه وبين جرير كلامٌ كثير، فانصرف جريرُ إلى
عليٍّ فأخبره، فأجمع على المسير إلى الشام، وبعث معاويةُ أبا مسلم
الخَوْلانيّ إلى عليّ بأشياء يطلبها منه، منها أن يدفع إليه قَتَلَة عثمان،
فأبى عليّ، وجَرَت بينهما رسائل.
٢٦٠