Indexed OCR Text
Pages 161-180
أصبتم اسمه. رواه غير واحد عن محمد(١) . وقال عبدالله بن شَوْذَب: حدّثني زَهْدَم الجَرْميّ، قال: كنتُ في سَمَرٍ عند ابن عبّاس، فقال: لأحدِّثنَّكم حديثاً: إنَّه لما كان من أمرِ هذا الرجلِ - يعني عثمان - ما كان، قلتُ لعليٍّ: اعتزلْ هذا الأمرَ، فَواللهِ لو كنتَ في جُحْرٍ لأَتاك النّاسُ حتَّى يبايعوك، فعصاني، وايْمُ الله لَيَتَأَمَّرَنَّ عليه معاويةُ، ذلك بأنَّ الله يقول: ﴿وَمَنْ قُئِلَ مَظْلُوْمًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِّهِ، سُلْطَانًا فَلاَ يُسْرِفِ فِ الْقَتْلِّ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا (﴾ [الإسراء](٢). وقال أبو قِلابة الجَرْميّ (٣): لمَّا بلغ ثُمَامَة بنَ عَدِيٍّ قثْلُ عثمان - وكان أميراً على صنعاء - بكى فأطال البكاء، ثمّ قال: هذا حين انتُزعت خلافةُ النُّبؤُة من أُمَّةِ محمد، فصار مُلْكاً وجَبْرِية، مَن غلب على شيء أکلهُ . وقال يحيى بن سعيد الأنصاريُّ (٤): قال أبو حُمَيْد السَّاعديّ - وكان بذْرياً - لمّا قُتِلَ عثمان: اللَّهُمَّ إنّ لك عليّ أنْ لا أضحك حتّى ألقاك. قال قَتَادة(٥) : وَلِيَ عثمان اثنتي عشرة سنة، غير اثني عشر يوماً. وكذا قال خليفة بن خيّاط (٦) ، وغيره. (١) منهم: أيوب السختياني، وعبدالله بن عون، وغيرهما، كما عند ابن عساكر. (٢) أخرجه ابن عساكر في تاريخه ٤٨٦-٤٨٧، وانظر الدر المنثور للسيوطي ٢٨٤/٥. (٣) أخرجه ابن سعد ٣/ ٨٠، وعنه ابن عساكر ٤٩١ من طريق حماد بن زيد، عن أيوب، عنه . (٤) أخرجه ابن سعد ٣/ ٨١، وعنه ابن عساكر ٤٩١، من طريق حماد بن زيد، عن یحیی بن سعيد . (٥) أخرجه ابن عساكر (٥٢٥) من طريق ابن أبي الدنيا، عن محمود بن غيلان، عن وهب بن جرير، عن أبيه، عن قتادة. (٦) تاريخ خليفة ١٧٧ . ١٦١ وقال أبو مَعْشَر السِّنْديُّ: قُتِلَ لثماني عشرة خَلَتْ من ذي الحجّة، يوم الجمعة. زاد غيرُه فقال: بعد العصر، ودُفِنَ بالبَقِيع بين العِشاءين، وهو ابن اثنتين وثمانين سنة. وهو الصّحيح. وقيل: عاش ستاً وثمانين سنة(١) . · وعن عبدالله بن فَرُّوخ، قال: شهدْتُه ودُفِنَ في ثيابه بدمائه، ولم يُغَسَّل. رواه عبدالله بن أحمد في ((زيادات المُسْنَد))(٢). وقيل: صلَّى عليه مروان، ولم يُغَسَّل. وجاء من رواية الواقديّ(٣): أنَّ نائلةَ خرجت وقد شقَّتْ جيبها وهي تصرخ، ومعها سراج، فقال جُبَيْر بن مُطْعم: أطْفئي السِّراج لا يُقْطَن بنا، فقد رأيت الغَوْغَاء. ثمّ انتَهَوْا إلى البَقِيع، فصلَّى عليه جُبَيْر بن مُطْعم، وخلفه أبو جَهْم بن حُذَيْفة، ونيار بن مُكْرَم، وزوجتا عثمان نائلة، وأُّ البَنين، وهُمَا دلَّتاهُ في حُفْرته على الرجالِ الذين نزلوا في قبره، ولَحَدُوا له وغيّبوا قبره، وتفرَّقوا. ويُرْوَى أَنَّ جُبَيْر بن مُطعم صلّى عليه في ستَّة عشرة رجلاً(٤)، والأوّل أثبت(٥) . ورُوي أنّ نائلة بنت الفَرَافِصَة كانت مليحةَ الثَّغْرِ، فَكَسَرَتْ ثناياها بحجرٍ، وقالت: والله لا يجتليكُنَّ أحدٌ بعد عثمان، فلمّا قدِمَتْ على معاوية الشّام، خَطَبَها، فأبَتْ. (١) تاريخ الطبري ٤ /٤١٦ . (٢) أحمد ١/ ٧٣. (٣) طبقات ابن سعد ٧٨/٣ -٧٩. (٤) طبقات ابن سعد ٧٩/٣. (٥) قوله: ((أثبت)) قاله ابن سعد، ويعني: صلى عليه أربعة فقط. ١٦٢ وقال فيها حسّان بن ثابت(١): قَتلُمْ وَليَّ الله في جَوْفٍ داره فلا ظفرتْ أيْمانُ قوم تعاونوا وقال كعب بن مالك(٢): يا للرِّجال لأمرٍ هاجَ لي حَزَناً إنّي رأيت قتيلَ الدّار مُضْطهداً وقال بعضهم : لَعَمْر أبيك فلا تكذِبَنْ لقد سِفِه النّاسُ في دينهم وجئتم بأمرٍ جائرٍ غير مهتدي على قَتْلِ عثمانَ الرّشيدِ المُسَدِّدِ لقد عجِبْتُ لمن يبكي على الدِّمَنِ عثمان يُهْدَى إلى الأجداث في كَفَن لقد ذهب الخيرُ إلّ قليلا وخلّى ابنُ عفّان شرّاً طويلا (١) ديوانه ٣١٩/١. (٢) انظر ديوان كعب ٢٨٢. ١٦٣ [الحوادث في خلافة ذي النورين عثمان] سنَة أربعٍ وَعِشرين [بيعة عثمان] دُفِن عمر رضي الله عنه في أوّل المحرَّم، ثمّ جلسوا للشُّورَى، فروي عن عبدالله بن أبي ربيعة أنَّ رجلاً قال قبل الشُّورَى: إنْ بايعتم لعثمان أطَعْنا، وإنْ بايعتم لعليٍّ سمِعْنا وعَصَيْنا . وقال المِسْوَر بن مَخْرَمَة: جاءني عبدالرحمن بن عَوْف بعد هجعٍ من الليل فقال: ما ذاقت عيناي كثيرَ نومٍ منذ ثلاث ليالٍ فادْعُ لي عثمانَ وعليّاً والزُّبَيْرِ وسعْداً، فَدَعَوْتُهُم، فجعل يخلو بهم واحداً واحداً يأخذ عليه، فلمَّا أصبح صلَّى صُهَيْب بالنَّاس، ثمّ جلس عبدالرحمن فحمد الله وأثنى عليه، وقال في كلامه: إنِّي رأيتُ النَّاسَ يأبَوْن إلّ عثمان. وقال حُمَيْد بن عبدالرحمن بن عَوْف: أخبرني المِسْوَر أنَّ النَّفَر الذين ولاَّهم عمر اجتمعوا فتشاوروا فقال عبدالرحمن: لستُ بالّذي أُنَافِسُكم هذا الأمرَ ولكنْ إنْ شئتم اخْتَرْتُ لكم منكم، فجعلوا ذلك إلى عبدالرحمن، قال: فَوَاللهِ ما رأيتُ رجلاً بَدَّ قوماً أشدّ ما بذَّهُم حين وّوه أمْرَهُم، حتّى ما مِن رجل من الناس يبتغي عند أحدٍ من أولئك الرهط رأياً ولا يطؤون عقبه، ومال الناس على عبدالرحمن يُشاورونه ويُنَاجُونه تلك اللّيالي، لا يخلو به رجلٌ ذو رأي فَيَعْدِل بعثمانَ أحداً، وذكر الحديث إلى أنْ قال: فتشهّد وقال: أمَّا بعدُ يا عليّ فإنِّي قد نظرتُ في النَّاس فلم أرهم يَعْدِلُون بعثمانَ فلا تجعلنَّ على نفسكَ سبيلاً، ثمّ أخذ بيد عثمان ١٦٤ فقال: نبايعك على سُنَّة الله وسُنَّة رسوله وسُنَّة الخليفتَيْن بعده. فبايعه عبدالرحمن بن عَوْف وبايعه المهاجرون والأنصار. وعن أنس، قال: أرسل عمر إلى أبي طلحةَ الأنصاريِّ، فقال: كُنْ في خمسينَ من الأنصار مع هؤلاء النَّفَر أصحاب الشُّورَى فإنَّهم فيما أحسِب سيجتمعون في بيتٍ، فقُمْ على ذلك الباب بأصحابك فلا تتركْ أحداً يدخل عليهم ولا تتركهم يمضي اليومُ الثالث حتّى يَؤَّمِّروا أحدَهم، اللَّهُمَّ أنتَ خليفتي عليهم(١) . وفي زيادات ((مُسْنَد أحمد))(٢) من حديث أبي وائل، قال: قلتُ العبدالرحمن بن عَوْف: كيف بايعتم عثمانَ وتركتم عليّاً! قال: ما ذنبي قد بدأتُ بعليٍّ فقلتُ: أبايعكُ على كتابِ الله وسُنَّة رسوله وسيرة أبي بكر وعمر، فقال: فيما استطعتُ. ثُمَّ عرضتُ ذلك على عثمان، فقال: نعم . وقال الواقديُّ(٣): اجتمعوا على عثمان لليلةٍ بقِيَت من ذي الحجّة. ويُرْوَى أنّ عبدالرحمن قال لعثمان خلوةً: إنْ لم أُبايعْك فَمَنْ تُشير عليَّ؟ فقال: عليّ، وقال لعليّ خلْوَةً: إنْ لم أبايعْكَ فمن تُشير عليّ؟ قال: عثمان، ثمّ دعا الزُّبَيْر، فقال: إنْ لم أبايعْكَ فمن تُشير عليّ؟ قال: عليّ أو عثمان، ثمّ دعا سعداً، فقال: من تُشير عليّ؟ فأمّا أنا وأنتَ فلا نُريدها. فقال: عثمان، ثمّ استشار عبدالرحمن الأعيانَ فرأى هَوَى أكثرِهم في عثمان. ثمّ نُودي ((الصّلاة جامعة)) وخرج عبدالرحمن عليه عِمامتُهُ التي عمَّمه (١) طبقات ابن سعد ٦١/٣ - ٦٢ . (٢) أحمد ١/ ٧٥ وإسنادها ضعيف. (٣) طبقات ابن سعد ٦٣/٣ . ١٦٥ بها رسولُ اللهِ وَّةِ، متقلّداً سيفه، فصَعِد المنبرَ ووقف طويلاً يدعو سرّاً، ثمّ تكلَّمَ فقال: أيُّها النّاس إنّي قد سألتكم سِرّاً وجهْراً على أمانتكم فلم أجدْكم تَعْدِلُون عن أحد هذين الرجُلَيْن: إمّا عليّ وإمّا عثمان، قم إليَّ یا عليّ، فقام فوقف بجنبِ المنبر فأخذ بيده، وقال: هل أنت مُبَايعِي على كتاب الله وسُنَّة نبيِّه وفِعْلِ أبي بكر وعمر؟ قال: اللَّهُمَّ لا. ولكنْ على جَهْدي من ذلك وطاقتي. فقال: قم يا عثمان، فأخذ بيده في موقف عليٍّ، فقال: هل أنت مبايعي على كتابِ الله وسُنَّة نبيّه وفِعْل أبي بكر وعمر؟ قال: اللَّهُمَّ نعم. قال: فرفع رأسه إلى سقف المسجد ويده في يده، ثمّ قال: اللَّهُمَّ اشهد، اللَّهُمَّ إنّي قد جعلتُ ما في رقَبَتي من ذلك فِي رَقَبَةٍ عثمان . فازدحم النّاس يُبَايِعُون عثمان حتّى غَشُؤْهُ عند المنبر وأقعدوه على الدَّرَجَة الثانية، وقعد عبدالرحمن مقْعَدَ رسول الله وَ لَهَ من المنبر. قال: وتلكَّأ عليٍّ، فقال عبدالرحمن: ﴿فَمَنْ ثَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنَكُثُ عَلَى نَفْسِهِ، وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًاً عَظِيمًا (٣٠)﴾ [الفتح]. فرجع عليٍّ يشقُّ النَّاسَ حتَّى بايع عثمانَ وهو يقول: خَدْعةٌ وأَيَّما خَدْعَةٍ. ثمّ جلس عثمان في جانب المسجد ودعا بعُبَيْدالله بن عمر بن الخطّاب، وكان محبوساً في دار سعد، وسعد الذي نزع السَّيف من يد عُبَيْد الله بعد أن قتل جُفَيْنَة والهُرْمُزان وبنت أبي لؤلؤة، وجعل عُبَيْدالله يقول: واللهِ لأقتُلَنَّ رجالاً مِمَّنْ شرك في دم أبي، يُعَرِّض بالمهاجرين والأنصار، فقام إليه سعد فنزع السيفَ من يده وجَبَذَه بشَعْره حتَّى أَضْجعه وحبسه، فقال عثمان لجماعةٍ من المهاجرين: أشيروا عليَّ في هذا الذي فَتَقَ في الإسلام ما فَتَقَ، فقال عليٍّ: أرى أنْ تقتُلَه، فقال بعضهم: قُتِل أبوه بالأمس ويُقْتَل هو اليوم؟! فقال عَمْرو بن العاص : یا أميرَ المؤمنين إنَّ الله قد أعفاكَ أنْ يكونَ هذا الحَدَثُ ولكَ على ١٦٦ المسلمين سلطانٌ، إنَّما تَمَّ هذا ولا سُلطانَ لك، قال عثمان: أنا وليُّهم وقد جعلتُها دِيَةً وَاحْتَمَلْتُها من مالي(١) . قلتُ: والهُرْمُزان هو ملك تُسْتَر، وقد تقدَّمَ إسلامُهُ، قتله عُبَيْد الله بن عمر لما أُصيب عمر، فجاء عَمَّار بن ياسر فدخل على عمر، فقال: حَدَثَ اليومَ حَدَثٌ في الإسلام، قال: وما ذاك؟ قال: قتل عُبَيْد الله الهُرْمُزان، قال: إنا لله وإنّا إليه راجعون عليَّ به، وسَجَنَه . قال سعيد بن المسيّب(٢): اجتمع أبو لؤلؤة وجُفَيْنة، رجل من الحِيرَة، والهُرْمُزان، معهم خِنْجَرٌ له طَرَفان مَمْلَكُهُ في وَسَطِه، فجلسوا مجلساً فأثارهم دابّة فوقع الخِنْجَر، فأبصرهم عبدالرحمن بن أبي بكر، فلمّا طُعِن عمرُ حكى عبدُالرحمن شأنَ الخنجر واجتماعهم وكيفية الخنجر ، فنظروا فوجدوا الأمرَ كذلك، فوثب عُبَيْد الله فقتل الهُرْمُزان، وجُفَيْنَة، ولؤلؤة بنت أبي لؤلؤة، فلمّا استُخْلِف عثمانُ قال له عليٍّ: أقِدْ عُبَيْدالله من الهُرْمُزان، فقال عثمان: ما له وليٍّ غيري، وإنِّي قد عفوتُ ولكنْ أَدِيهُ . ويُرْوَى أنّ الهُرْمُزان لمّا عضَّه السَّيفُ، قال: لا إله إلاّ الله. وأمّا جُفَيْنَة فكان نَصْرَانياً، وكان ظِئْراً لسعدِ بن أبي وقَّاص أقدمه إلى المدينة للصُّلْحِ الذي بينه وبينهم وليُعَلِّمَ النَّاسَ الكتابةَ . وفيها افتتح أبو موسى الأشعريُّ الرّيَّ، وكانت قد فُتِحت على يد حُذَيْفة، وسُوَيْد بن مَقرِّن، فانتقضوا(٣) . وفيها أصاب النّاسَ رُعافٌ كثير، فقيل لها: سنة الرُّعَاف، وأصاب (١) طبقات ابن سعد ٣٥٥/٣-٣٥٦. (٢) تاريخ الطبري ٢٤٠/٤ . (٣) تاريخ خليفة ١٥٧ . ١٦٧ عثمانَ رُعافٌ حتّى تَخلَّفَ عن الحجِّ وأوصى. وحجَّ بالنَّاس عبدُالرحمن ابن عَوْف(١) . وفيها عزل عثمانُ عن الكوفةِ المُغِيرةَ بن شُعْبَة وولَها سعد بن أبي وقّاص(٢) . وفيها غزا الوليد بن عُقْبة أَذْرَبَيْجان وأَرْمِينِية لمنع أهلها ما كانوا صالحوا عليه، فسَبَی وغَنِم ورجع. وفيها جاشت الرومُ حتّى استمدَّ أمراءُ الشَّام من عثمانَ مَدَداً فأمذَّهم بثمانية آلافٍ من العراق، فمضوا حتَّى دخلوا إلى أرضٍ الروم مع أهل الشَّام. وعلى أهلِ العراق سَلْمان بن ربيعة الباهِليّ، وعلى أهلِ الشام حبيب بن مَسْلَمَة الفِهْريّ، فشتُّوا الغارات وسبوا وافتتحوا حُصُونًاً كثيرة (٣) . وفيها وُلِد عبدالملك بن مروان الخليفة. سنَّةٌ خَمس وعِشرين فيها عزل عثمان سعداً عن الكوفةِ واستعملَ عليها الوليدَ بن عُقْبة بن أبي مُعَيْط بن أبي عَمْرو بن أُميَّةِ الأُمَويّ، أخو عثمان لأُمِّه، كنيته أبو وهْب، له صُحْبة ورواية. روى عنه: أبو موسى الهمدانيُّ، والشَّعْبيُّ. قال طارق بن شِهاب: لما قدِم الوليدُ أميراً أتاه سعد، فقال: أكِسْتَ (١) تاريخ الطبري ٤/ ٢٤٢. (٢) تاريخ الطبري ٢٤٤/٤. (٣) تاريخ الطبري ٢٤٦/٤-٢٤٧. ١٦٨ بعدي أو استحمقتُ بعدَك؟ قال: ما كِسْنَا ولا حَمِقْتَ ولكنَّ القومَ استأثروا عليك بسُلطانهم. وهذا مِمَّا نَقمُوا على عثمان كَوْنه عزلَ سَعْداً وولَّى الوليدَ بن عُقْبة، فذكر حُضَيْن بن المُنْذِر أنَّ الوليدَ صلَّى بهم الفجرَ أربَعاً وهو سَكْران، ثمّ التفت وقال: أَزِيدُكم! ويقال: فيها سار الجيش من الكوفة عليهم سَلْمان بن ربيعة إلى بَرْذَعَة، فقتل وسَبَی. وفيها انتقض أهل الإسكندرية، فغزاهم عَمْرو بن العاص أمير مصر وسَبَاهم، فردّ عثمانُ السَّبْيَ إلى ذِمَّتهم، وكان ملك الروم بعث إليها منويل الخَصِيّ في مراكب فانتقض أهلُها - غير المقوقس - فغزاهم عَمْرو في ربيع الأول، فافتتحها عَنْوَةً غير المدينة فإنّها صُلْح. وفيها عزل عثمانُ عَمْراً عن مصر، واستعمل عليها عبدالله بن سعد ابن أبي سَرْح. والصّحيح أنَّ ذلك في سنة سبع وعشرين. واستأذن ابنُ أبي سَرْح عثمانَ في غزْو إفريقية فأذِنَ له. ويقال: فيها ولد يزيد بن معاوية . وحجّ بالنّاس عثمان رضي الله عنه . سنَة ستُّ وعِشرين فيها زاد عثمانُ في المسجدِ الحرام ووسَّعه، واشترى الزِّيادة من قوم، وأبَى آخرون، فهدم عليهم ووضع الأثمانَ في بيتِ المال، فصاحوا بعثمان فأمرَ بهم إلى الحبس، وقال: ما جرَّأكم عليَّ إلّ حِلْمي، وقد فعل هذا بكم عمرُ فلم تصيحُوا عليه، ثم كَلَّمُوه فيهم فأطلقهم. ١٦٩ وفيها فُتِحَت سابور، أميرُها عثمان بن أبي العاص الثَّقفي، فصالحهم على ثلاثة آلاف ألفٍ وثلاث مئة ألف. وقيل: عزل عثمان سعداً عن الكوفةِ لأنَّه كان تحت دَيْنٍ لابنِ مسعود فتقاضاه واختصما، فغضب عثمانُ من سعدٍ وعزله، وقد كان الوليدُ عاملاً لعمر على بعض الجزيرة وكان فيه رِفْقٌ برعيته . سنَّة سَبعٍ وعِشرين فيها غزا معاوية قُبْرُسَ فركب البحرَ بالجيوش، وكان معه عُبادة بن الصَّامت، وزوجة عبادة أم حَرَام (سوى ت)(١) بنتِ مِلْحان الأنصاريّة خالةُ أنَس، فصُرعت عن بَغْلتها فماتت شهيدةً رحمها الله، وكان النَّبيُّ وَلَهَ يَغْشاها ويَقِيلُ عندها، وبَشَّرَها بالشَّهادة، فقبْرُها بقُبْرس يقولون: هذا قبرُ المرأة الصالحة . روت عن النَّبِّ وَّهُ. روى عنها: أنَس بن مالك، وعُمَيْر بن الأسود العَنْسيّ، ويَعْلَى بن شدّاد بن أوْس، وغيرهم. وقال داود بن أبي هند: صالح عثمان بن أبي العاص وأبو موسى سنة سبع وعشرين أهلَ أرَّجَان على ألفَيّ ألف ومئتي ألف، وصالح أهل دارابِجِرْدَ على ألف ألف وثمانين ألفاً .. وقال خليفة(٢): فيها عزل عثمانُ عن مصر عَمْراً وولَّى عليها عبدَالله (١) أي: أخرج حديثها البخاري ومسلم وأبو داود وابن ماجة والنسائي. وقد كتب المؤلف ذلك فوق اسمها بالحُمْرة، فوضعته بين حاصرتين بعد اسمها . (٢) تاريخ خليفة ١٥٩ . ١٧٠ ابن سعد، فغزا إفريقيةَ ومعه عبدالله بن عمر بن الخطّاب، وعبدالله بن عَمْرو بن العاص، وعبدالله بن الزُّبَيْر، فالتقى هو وجُرْجير بسُبَيْطِلة على يومين من القيروان، وكان جُرْجير في مئتي ألف مقاتل، وقيل في مئةٍ وعشرين ألفاً، وكان المسلمون في عشرين ألفاً. قال مُصْعَب بن عبدالله: حدثنا أبي والزُّبَيْر بن خُبيب، قالا: قال ابن الزُّبَيْر: هجم علينا جُرْجير في مُعَسْكَرِنا في عشرين ومئة ألف، فأحاطوا بنا ونحن في عشرين ألفاً. واختلف النَّاسُ على عبد الله بن أبي سَرْح، فدخل فُسْطاطاً له فخلا فيه، ورأيت أنا غرَّةً من جُرْجير بَصُرْتُ به خلْفَ عساكره على بِرْذَوُنٍ أَشْهَبِ معه جاريتان تُظَلِّلان عليه بريشِ الطَّواويس، وبينه وبين جُنْده أرضٌ بيضاء ليس بها أحدٌ، فخرجتُ إلى ابن أبي سَرْح فَتَدَبِ ليَ النَّاسَ، فاخترتُ منهم ثلاثين فارساً وقلتُ لسائرهم: البثوا على مَصَافِّكُم، وحملتُ في الوجه الذي رأيت فيه جُرْجير وقلتُ لأصحابي: احْمُوا لي ظهري، فَوَالله ما نشبتُ أنْ خَرَقْتُ الصَّفَ إليه فخرجتُ صامداً له، وما يحسِبُ هو ولا أصحابه إلّا أنّ رسولٌ إليه، حتّى دَنَوْتُ منه فعرف الشَّر، فوثب على برْذَوْنِهِ وولَّى مبادراً، فأدركتُهُ ثمّ طعنته، فسقط، ثمّ دَفَفْتُ عليه بالسَّيف، ونصبت رأسه على رُمْح وكبَّرْت، وحمل المسلمون، فارْفَضَّ أصحابُه من كلّ وجهٍ، وركِبْنَا أکتافھمُ . وقال خليفة(١): حدثنا من سمع ابن لهيعة يقول: حدثنا أبو الأسود، قال: حدّثني أبو إدريس أنّه غزا مع عبد الله بن سعد إفريقيةَ فافتتحها، فأصاب کلّ إنسان ألف دينار. وقال غيره: سَبوا وغَنِموا، فبلغ سهمُ الفارس ثلاثة آلاف دينار، (١) تاريخ خليفة ١٦٠. ١٧١ وفتح الله إفريقيةَ سَهْلَها وجَبَلَها، ثمّ اجتمعوا على الإسلام وحَسُنَتْ و و طاعتُهُم. وقسم ابنُ أبي سَرْح ما أفاء اللهُ عليهم وأخذ خُمْسَ الخُمْس بأمر عثمان، وبعث إليه بأربعة أخماسه، وضرب فُسْطاطاً في موضِع القَيْروان ووفَّدوا وفداً، فشكوا عبدالله فيما أخذَ فقال: أنا نَفَّلْتُهُ، وذلك إليكمُ الآن، فإنْ رضِيتُم فقد جازَ، وإنْ سَخِطْتم فهو رَدٌّ، قالوا: إنَّا نَسْخَطُه. قال: فهو رَدٌّ، وكتب إلى عبدالله بردِّ ذلك واستصلاحهم. قالوا: فاعْزلْه عَنَّا. فكتب إليه أن استخْلِف على إفريقية رجُلاً ترْضَاه واقسم ما نَقَّلْتُكَ فإنَّهم قد سخِطُوا. فرجع عبدالله بن أبي سرْح إلى مصر، وقد فتح الله إفريقية، فما زال أهلُها أسْمَعَ النَّاسِ وأطْوَعَهم إلى زمان هشام بن عبدالملك. وروى سيف بن عمر، عن أشياخه(١) ، أنَّ عثمان أرسل عبدَالله بن نافع بن الحُصَين، وعبدالله بن نافع الفِهْرِيّ من فَوْرِهما ذلك إلى الأندلس، فأتياها من قِبَل البحر، وكتب عثمانُ إلى مَن انتدب إلى الأندلس: أمَّا بَعْدُ فإِنَّ القُسْطَنْطينية إنّما تُفْتَح من قِبَل الأندلس، وإنَّكم إن افتتحتموها كنتم شُرَكاء في فتحها في الأجر، والسلام. فعن كعب، قال: يعبر البحر إلى الأندلس أقوامٌ يفتحونها يُعْرَفون بنورهم يوم القيامة. قال: فخرجوا إليها فأتَوها من بَرِّها وبحرها، ففتحها اللهُ على المسلمين، وزاد في سلطان المسلمين مثل إفريقية. ولم يزل أمرٌ الأندلس كأمر إفريقية، حتّى أُمِّرَ هشام فمنع البَرْبَرَ أرضَهم. ولما نزع عثمان عَمْراً عن مصر غضبَ وحقدَ على عثمان، فوجَّه عبدالله بن سعد فأمره أنْ يمضي إلى إفريقية، وندب عثمانُ النَّاسَ معه (١) تاريخ الطبري ٢٥٥/٤ . ١٧٢ إلى إفريقية، فخرج إليها في عشرة آلاف، وصالح ابن سعد أهل إفرقية على ألفي ألف دينار وخمس مئة ألف دينار. وبعث ملك الروم من قسطنطينية أنْ يُؤخَذ من أهل إفريقية ثلاث مئة قِنْطار ذَهَباً، كما أخذ منهم عبدالله بن سعد، فقالوا: ما عندنا مالٌ نعْطِيه، وما كان بأيدينا فقد افتدينا به، فأمّا الملك فإنّه سَيِّدنا فليأخُذْ ما كانَ له عندنا من جائزة كما كُنَّا نُعطيه كلَّ عام، فلمَّا رأى ذلك منهم الرسول أمر بحبسهم، فبعثوا إلى قومٍ من أصحابهم فَقَدِمُوا عليهم فكسروا السِّجن وخرجوا. وعن يزيد بن أبي حبيب، قال(١) : كتب عبدالله بن سعد إلى عثمان يقول: إنَّ عَمْرو بن العاص كسر الخَراجَ، وكتب عَمْرو: إنَّ عبدالله بن سعد أفسد عليَّ مكيدةَ الحربِ. فكتب عثمان إلى عَمْرو: انصرف، وولّى عبدَالله الخرَاجَ والجُنْدَ، فقدِم عَمْرو مُغْضباً، فدخل على عثمانَ وعليه جُبَّة له يَمانية مَحْشُوَّة قُطْناً، فقال له عثمان: ما حَشْوُ جُبَّتك؟ قال: عَمْرو. قال: قد علمتُ أنّ حَشْوَها عَمْرو، ولم أُرِدْ هذا، إنَّما سألتك أقُطْنٌ هو أم غيره؟ وبعث عبدالله بن سعد إلى عثمان مالاً من مصر وحشد فيه، فدخل عَمْرو، فقال عثمان: هل تعلم أنَّ تلك اللَّقاحَ درَّتْ بعدكَ؟ قال عَمْرو : إِنَّ فصالها هَلَكَتْ. وفيها حجَّ عثمانُ بِالنَّاس. (١) تاريخ الطبري ٢٥٦/٤-٢٥٧. ١٧٣ سنة ثمانٍ وعِشرين قيل: في أوَّلها غزوة قبرس، وقد مرّت. فروى سَيْفٌ، عن رجاله، قالوا(١) : أَلَحَّ معاوية في إمارة عمر عليه في غَزْو البحر وقُرْب الرُّوم من حِمْص، فقال عمر: إنّ قريةً من قُرَى حمص يسمعُ أهلُها نباحَ كلابهم وصياحَ ديُوكهم أحبُّ إليَّ من كلِّ ما في البحرِ، فلم يزل(٢) بعمر حتّى كادَ أنْ يأخذ بقلبه. فكتب عمر إلى عَمْرو بن العاص أنْ صِفْ لي البحرَ وراكبَهُ، فكتب إليه: إنّي رأيتُ خَلْقاً كبيراً يركبه خَلْقٌ صغير، إنْ رَكَدَ حَرَّقَ القلوب، وإنْ تَحَرَّكَ أراعِ العُقُول، يزداد فيه اليقين قلَّة، والشَّكُ كَثْرَةً، وهم فيه كدُودٍ على عُود، إنْ مال غرِق، وإن نجا بَرِق. فلمّا قرأ عمرُ الكتابَ كتبَ إلى معاويةَ: والله لا أحملُ فيه مسلماً أبداً .. وقال أبو جعفر الطَّبريُّ(٣): غزا معاوية قبرس فصالح أهلَها على الجِزْية . وقال الواقديُّ (٤): في هذه السنة غزا حبيب بن مَسْلَمَة سوريةَ من أرضٍ الروم. وفيها تزوّج عثمان نائلةَ بنتَ الفرافصة فأسلمتْ قبل أنْ يدخلَ بها . وفيها غزا الوليد بن عُقْبَة أَذْرَبَيْجَان فصالحهم مثل صُلْحِ حُذَيفة. وقَلَّ مَنْ مات وضُبط موتُهُ في هذه السّنوات كما ترى. (١) تاريخ الطبري ٢٥٨/٤-٢٥٩. (٢) أي: معاويةٌ. (٣) تاريخ الطبري ٤ / ٢٦٢. (٤) نفسه ٤ / ٢٦٣. ١٧٤ سنة تسع وعِشرين فيها عزل عثمان أبا موسى عن البصرة بعبدالله بن عامر بن كُرَيز، وأضاف إلیه فارس. وفيها افتتح عبدالله بن عامر إصْطَخْر عَنْوةً فقتل وسبَى، وكان على مُقَدَّمته عُبَيْد الله بن مَعْمر بن عثمان التَّيْميّ أحدُ الأجواد؛ وكلٌّ منهما رأى النَّبِيَّ ◌َِّ. وكان على إِصْطَخْر قتالٌ عظيم قُتِلَ فيه عُبَيْدِ الله بن مَعْمر، وكان من كبار الأمراء، افتتح سابور عَنْوَةً وقلعة شيراز، وقُتِلَ وهو شاب، فأقسم ابن عامر لئن ظفر بالبلدِ ليقتلنَّ حتَّى يسيلَ الدَّمُ من بابِ المدينة، وكان بها يَزْدَجِرْد بن شَهْرَيَار بن كِسْرى فخرج منها في مئة ألفٍ وسار فنزل مَرْوَ، وخَلَّف على إصْطَخْر أميراً من أمرائه في جيشٍ يحفظونها. فنقب المسلمون المدينة فما دَرَوْا إلّ والمسلمون معهم في المدينة، فأسرف ابنُ عامر في قَتْلهم وجعل الدَّم لا يجري من الباب، فقيل له: أفْنَيْتَ الخَلْقِ، فأمر بالماء فَصُبَّ على الدَّمِ حتَّى خرج الدم من الباب، ورجع إلى حُلْوان فافتتحها ثانياً فأكثر فيهم القتْلَ لكونهم نقضوا الصُّلح. وفيها انتقضت أَذْرَبَيْجان فغزاهم سعيد بن العاص فافتتحها(١). وفيها غزا ابن عامر وعلى مقدّمته عبد الله بن بُدَيْل الخُزاعيّ فأتى أصبهان، ويقال: افتتح أصبهان سارية بن زُنَيْم عَنْوَةً وصُلْحاً. (١) تاريخ خليفة ١٦٢ . ١٧٥ وقال أبو عُبَيْدة: لما قدِمَ ابنُ عامر البصرةَ قَدِمَ عُبَيْد الله بن مَعْمَر إلى فارس، فأتى أرَّجان فأغلقوا في وجهه، وكان عن يمين البلد وشماله الجبالُ والأسياف، وكانت الجبالُ لا تَسلكها الخَيْلُ ولا تحمل الأسياف - يعني السواحل ـ الجيش، فصالحهم أنْ يفتحوا له بابَ المدينة فيمرّ فيها مارّاً ففعلوا، ومضى حتَّى انتهى إلى النَّوبَنْدِجَان فافتتحها، ثم نقضوا الصُّلح، ثم سار فافتتح قلعة شِيراز، ثم سار إلى جُور فصالحهم وخَلَّفَ فيهم رجلاً من تميم، ثم انصرفَ إلى إصْطَخْر فحاصرها مُدَّةً، فبينما هُمْ في الحصار إذْ قتل أهلُ جُور عاملهم، فَسَاق ابنُ عامر إلى جور فناهضهم فافتتحها عَنْوةَ فقتل منها أربعين ألفاً يُعَدُّون بالقَصَب، ثمّ خلّف عليهم مروان بن الحَكَم أو غيره، وردّ إلى إصْطَخْر وقد قتلوا عُبَيْد الله بن مَعْمَر فافتتحها عَنْوةً. ثمّ مضى إلى فَسَا فافتتحها. وافتتح رساتيق من كَرْمان. ثمّ إنَّه توجَّه نحوخُراسان على المفازة فأصابهم الرَّمق(١) فأهلك خَلْقاً . وقال ابن جرير(٢) : كتب ابنُ عامر إلى عثمان بفتح فارس، فكتب عثمان يأمره أنْ يولّي هَرِمَ بن حيان اليَشْكُريّ، وهرِمَ بن حيَّان العَبْدِيّ، والخِرِّيتَ بن راشد على كُوَر فارس. وفرّق خُراسان بين ستّة نفر: الأحنف بن قيس على المَرْوَيْن(٣) ، وحبيب بن قُرَّة اليَرْبُوعِيّ على بَلْغ، وخالد بن زُهَير على هَرَاة، وأُمَيْر بن أحمر الیَشْكريّ علی طُوس، وقيس ابن هُبَيْرة السُّلَمي على نَيْسابور. وفيها زاد عثمان في مسجدِ رسولِ الله وَالر فوسَّعه وبناه بالحجارة (١) الرمق: ضيق العيش. (٢) تاريخ الطبري ٢٦٦/٤-٢٦٧. (٣) يعني: مرو الروذ ومرو الشاهجان. ١٧٦ المنقوشةِ وجعل عُمُدَهُ من حجارةٍ وسقفه بالسَّاج، وجعل طوله ستّين ومئة ذراع، وعرضه خمسين ومئة ذراع، وجعل أبوابه كما كانت زمن عمر ستّة أبواب. وحجَّ عثمانُ بالنَّاسِ وضُرِبَ له بمِنَى فُسْطاط، واتمَّ الصَّلاةَ بها وبعرفَةَ، فعابوا عليه ذلك، فجاءه عليٌّ، فقال: والله ما حَدث أمرٌ ولا قَدُم عهدٌ، ولقد عهدت نبيَّك ◌َِّ يُصَلِّي ركعَتَيْن، ثم أبا بكر، ثمّ عمر، ثم أنتَ صدراً من ولايتك، فقال: رأيٌّ رأيتُه(١) . وكلّمه عبد الرحمن بن عَوْف، فقال: إنّي أُخْبِرْتُ عن جُفاة النّاس قد قالوا: إنّ الصّلاة للمُقيم رَكْعتان، وقالوا: هذا عثمان يصلّي رَكْعَتَين فصليت أربعاً لهذا، وإنّي قد اتّخذت بمكّة زوجة. فقال عبدالرحمن: ليس هذا بعُذْر. قال: هذا رأيٌ رأيته. سنَةٍ ثَلاثين فيها عُزِل الوليد بن عُقْبة عن الكوفة بسعيد بن العاص، فغزا سعيد طَبَرِسْتان، فحاصرهم، فسألوه الأمانَ، على ألا يقتلَ منهم رجلاً واحداً، فقتلهم كلَّهم إلّ رجلاً واحداً، يُفتي نفسه بذلك. وفيها فُتِحَتْ جور من أرض فارس على يد ابن عامر فغنم شيئاً كثيراً، وافتتح ابن عامر في هذا القُرب بلاداً كثيرة من أرض خُراسان. قال داود بن أبي هند: لمَّا افتتح ابنُ عامر أرضَ فارس سنة ثلاثین، هرب يَزْدَجِرْد بن كِسْرى فأتبعه ابنُ عامر، مُجاشع بن مسعود السُّلميَّ، (١) تاريخ الطبري ٤ /٢٦٨. ١٧٧ ووجَّه ابنُ عامر، فيما ذكر خليفة(١) ، زيادَ بن الربيع الحارثيّ إلى سِجِسْتَان فافتتح زالق وناشروذ(٢)، ثمّ صالح أهل مدينة زَرَنْج على ألف وَصِيفٍ مع كلِّ وصيفٍ جام من ذَهَب. ثمّ توجَّه ابن عامر إلى خُراسان وعلى مقدّمته الأحنف بن قَيْس، فلقي أهلَ هَرَاة فهزمهم. ثم افتتح ابن عامر أبْرَشَهْر - وهي نَيْسابور - صُلْحاً، ويقال: عَنْوةً. وكان بها فيما ذكر غيرُ خليفة ابنتا كِسْرى بن هُرْمز. وبعث جيشاً فتحوا طوس وأعمالها صُلْحاً. ثمّ صالح مَنْ جاءه من أهل سَرَخْس على مئة وخمسين ألفاً. وبعث الأسود بن كلثوم العَدَويّ إلى بَيْهَق. وبعث أهلُ مَرْو يطلبون الصُّلحَ، فصالحهم ابنُ عامر على ألفيْ ألف ومئتي ألف. وسار الأحنف بن قيس في أربعة آلاف، فجمع له أهل طَخَارِستان وأهلُ الجُوزْجان والفارياب، وعليهم طوقَانْشَاه، فاقتتلوا قتالاً شديداً، ثم هزم اللهُ المشركين، وكان النَّصرُ(٣). ثم سار الأحنف على بلْخ، فصالحوه على أربع مئة ألف. ثمّ أتى خُوارَزْم فلم يُطِقْها ورجع. وفتحت هَرَاة ثمّ نكثوا. وقال ابن إسحاق: بعث ابنُ عامر جيشاً إلى مَرْو فصالحوا وفُتِحت صُلْحاً (٤) . ثم خرج ابنُ عامر من نَيْسابور معتمراً وقد أحرم منها، واستخلف على خُراسان الأحنف بن قيس، فلمّا قضى عُمْرَته أتى عثمان رضي الله عنه واجتمع به، ثمَّ إنَّ أهلَ خُراسان نقضوا وجمعوا جَمْعاً كثيراً (١) تاريخ خليفة ١٦٤ . (٢) في تاريخ خليفة: ((وشرواذ وناشروذ)) فكأنَّ الذهبي اقتصر على ((ناشرون))، وهما ناحيتان بسجستان، كما في ((معجم البلدان)) و((مراصد الإطلاع)). (٣) تاريخ خليفة ١٦٤ -١٦٦ . (٤) تاريخ الطبري ٣٠٢/٤-٣٠٣. ١٧٨ وعسكروا بمرو، فنهض لقتالهم الأحنفُ وقاتلهم فهزمهم، وكانت وقعةً مشهورة . ثمّ قدِم ابنُ عامر من المدينة إلى البصرة، فلم يزلْ عليها إلى أن قُتِلَ عثمان، وكذا معاويةُ على الشام. ولما فتح ابنُ عامر هذه البلادَ الواسعة كثُرَ الخراجُ على عثمان وأتاه المال من كلّ وجه حتى اتّخذ له الخزائن وأدَرَّ الأرزاقَ، وكان يأمر للرجلِ بمئة ألف بَدْرَةٍ في كل بَدْرَةٍ أربعة آلافٍ وافية. وقال أبو يوسف القاضي: أخرجوا من خزائن كِسْرى مئتي ألف بَدْرَة في كلّ بَدْرَة أربعة آلاف. ذِكْر مَنْ توفّي في سَنَة ثَلاثين(١): جَّار بن صَخْر بن أميّة بن خَنْساء، أبو عبدالرحمن (٢) الأنصاريُّ السَّلَمِيُّ. شهد بَدْراً والعَقَبَة، وبعثه رسولُ اللهِ وََّ خارصاً إلى خَيْبَر. تُؤُفِّي بالمدينة، وله ستُّون سنة. الطُّفَيْلِ بن الحارث بن المطَّلِب المُطَّبيِّ - فيما قاله سعيد بن عُفَيْر - وهو أخو عُبَيْدة بن الحارث والحُصَيْن بن الحارث. كان من السَّابقينَ الأوَّلين. شَهِدَ بدْراً. (١) حذفنا منهم من ترجم له المؤلف في هذا الكتاب، وهم أربعة: حاطب بن أبي بلتعة، وعبدالله بن مظعون، وعياض بن زهير الفهري، ومالك بن ربيعة أبو أسيد الساعدي . (٢) هكذا في الأصل، وهو وهم من المؤلف رحمه الله، فالمعروف أنّه يُكنى أبا عبدالله، كما في طبقات ابن سعد ٥٧٦/٣، وتعجيل المنفعة ٦٦، والإصابة ١/ ٢٢٠ وغيرها . ١٧٩ عبدالله بن كعب بن عَمْرو المازنيُّ الأنصاريُّ البدريُّ. كان على الخُمس يوم بدر، يُكْنَى أبا الحارث، وقيل أبا يحيى، وصلَّى عليه عثمانُ، وهو أخو أبي ليلى المازنيّ. معْمَر بن أبي سَرْح بن ربيعة بن هلال القُرَشيُّ، أبو سعد الفِهْرِيُّ، وقيل: اسمه عَمْرو، كذا سمَّاهُ ابنُ إسحاق(١) وغيره(٢) . وهو بذْرِيٌّ قديمُ الصُّحْبَةِ . مسعود بن ربيعة، وقيل: ابنُ الربيع، أبو عُمَيْرِ القاريّ، والقَارَة حُلَفاء بني زُهْرَة. شهِدَ بدراً وغيرَها، وعاش نيّفاً وستِينَ سنة، تقدّم. (٣) سنة إحدى وثلاثين قال أبو عبدالله الحاكم: أجمع مشايخُنا على أنّ نَيْسَابُور فُتِحَتْ صُلْحاً، وكان فتْحُها في سنة إحدى وثلاثين. ثمّ روى بإسناده إلى مُصْعَب بن أبي الزَّهْراء أنّ كنار(٤) صاحب نَيْسَابور كتب إلى سعيد بن العاص والي الكوفة، وإلى عبدالله بن عامر والي البصْرة، يدعوهما إلى خُراسان ويُخْبرهما أنّ مَرْو قد قتل أهلُهَا يَزْدَجِرْد. فَنَدَب سعيد بنُ العاص الحَسَنَ بن عليّ وعبدالله بن الزُّبَيْر لها، فأتى ابنَ عامر دهقانٌ، فقال: ما تجعل لي إنْ سبقتُ بك؟ قال: لك خراجُك وخراجُ أهل بيتكَ إلى يوم القيامة. فأخذ به على قُومِس، وأسرع إلى أنْ نزل على نَّيْسَابُور، (١) سيرة ابن هشام ١/ ٦٨٥ . (٢) منهم: موسى بن عقبة صاحب المغازي، وهشام بن محمد بن السائب الكلبي صاحب النسب، كما في طبقات ابن سعد ٤١٧/٣ وغيره. (٣) هذه هي بداية الطبقة الرابعة من ((تاريخ الإسلام)). (٤) في تاريخ الطبري: ((كنارى)). ١٨٠