Indexed OCR Text

Pages 621-640

٦٢١
الفصل الثانى: نقد الفلسفة والمنطق وعلم الكلام
والظهور ، ولا يجيبون عنها إلا بأجوبة ضعيفة ، كما ذكرنا كلامهم ، فصار
طالب العلوم ، والإيمان ، والهدى من عندهم - لا سيما إذا اعتقد: أنَّهم أنصار
الله، ونُظَّاره والقائمون ببراهينه، وأدلته - إذا عرف حقيقة ما عندهم؛ لم يجد
ما ذكروه يدل على ثبوت نبوة الأنبياء ، بل وَجده يَقدح في الأنبياء ، ويُورث
الشكّ فيها، أو الطعن، وأنها حُجَّةٌ لمكذِّب الأنبياء أعظمُ مما هي حُجَّةٌ
لمصدِّق الأنبياء ، فانسد طريق الإيمان والعلم ، وانفتَح طريق النفاق والجهل ،
لا سيما على من لم يعرف إلا ما قالوه)) (١).
الخَطَأ المُشاعِ بين المُتكلِّمين والفلاسفة ومواضعُ ضعفهم:
يَعتقد ابن تيمية: أنَّ المتكلِّمين، والفلاسفة كُلَّهم إنما ارتكبوا نوعاً واحداً
من الخطأ ، وأنَّ خطة عملهم واحدةٌ بالرغم من جميع الخلافات التي توجد
بينهم ، إن خطأ كلٍّ من هؤلاء، وضعفَهم: أنَّهم حاولوا أن يعتمدوا على
الحَذْس في الحصول على الشيء الذي لا يَحصل بالحَدْس والتَّخمين،
وصارعوا الفطرة والنبوة كِلتيهما ، ولذلك فإنَّ تحقيقاتهم إثمُها أكبرُ من نفعها.
التَّكْلُف والتَّطويل:
إنَّه يرى: أنَّ دلائلَ المتكلمين ، والفلاسفة ، وأسلوبَ استدلالهم يتضمَّن
تطويلاً، وتكلُّفاً لا طائل تحتهما ، فإنّ الحقائق ، والمقاصد التي تناولها
المتكلِّمون ، وحاولوا إثباتها بِدلائلَ ، ومقدمات طويلة مطولة إنَّما يمكن إثباتها
بغاية من الاختصار ، وأسلوب يتفق مع الفطرة.
لقد سلك المتكلِّمون والفلاسفة لإثبات مقاصدهم طريقاً طويلاً وَعِراً، إنَّه
يضرب لذلك مثلاً بِقَول بعض السلف: سُئل رجل أين أذنك؟ فتكلف في
الجواب بحيثُ طاف بيمينه رأسَه ، وأوصلها إلى أذنه اليسرى ، ومَسكها بها في
غاية من العُسر ، على أنه كان يستطيع بكل سهولة أن يُشير بيده اليمنى ، أو
اليسرى ، وتمثَّل بالمناسبة ببيتِ الشاعر :
(١) النبوات: ص ٢٤٠.

٦٢٢
الفصل الثاني: نقد الفلسفة والمنطق وعلم الكلام
أَقام يَعَملُ أَياماً رَوِيَتَه وشَبَه الماءَ بعدَ الجُهدِ بالماء
لا اعتمادَ على دلائل المتكلّمين:
إنَّه يُعارِض المتكلِّمين فيما يزعمون من أنَّ تحقيق هذه المقاصد إنَّما يحتاج
إلى نفس الاستدلالات ، والمقدمات التي اصطنعها هؤلاء المتكلمون بدون أن
يكون هناك طريق آخر إلى ذلك ، وهو يعتقد في هذا الخصوص: أنَّ هذه
المقدمات ، وطريق الاستدلال وإن كانت صحيحة ، ولكن من الخطأ أن يزعم
أنه ليس هناك أي طريق آخر للاستدلال ، ولا مقدّماتٌ غيرها ، وذلك لأن
الدراسة ، والتجارب تؤكدان ((أن المطلوب كلَّما كان الناس إلى معرفته
أحوج ، يَسَّر الله على عقول الناس معرفةَ أدلته، فأدلةُ إثبات الصانع ،
وتوحيده ، وأعلامه، وأدلَّته كثيرة جداً ، وطُرق الناس في معرفتها كثيرة ،
وكثير من الطرق لا يحتاج إليه أكثر الناس ، وإنما يحتاج إليه من لم يعرف
غيره ، أو من أعرض عن غيره)) (١).
لا يَنتفعُ بهذا الأسلوب إلا طبقةٌ من الناس:
وبالرَّغم من ذلك فإنه يعترف: أنَّ بعض الناس ينتفعون بهذا الأسلوب من
الاستدلال ، والمقدمات الكلامية ، والمنطقية ، وذلك بحكم عقْليَّتهم،
وعادتهم الخاصة التي يتميزون بها عن غيرهم، وهم لا يقتنعون بغيره من
الأسلوب ، ولكنَّ ذلك لا يعني: أنَّ العلم ، واليقين يتوقفان على هذه الطرق ،
بل إنها حالةٌ عقلية تحدث بتأثيرٍ بيئةٍ وتربية خاصة ، وظروف نفسية خاصة ، إنه
يقول :
((وبعضُ الناس يكون الطريق كلَّما كان أدقّ ، وأخفى، وأكثر مقدمات ،
وأطولَ؛ كان أنفع له ، لأنّ نفسه اعتادتِ النظر الطويل في الأمور الدقيقة ، فإذا
كان الدليل قليلَ المقدمات ، أو كانتْ جليَّةً؛ لم تفرح نفسُه به ، ومثل هذا قد
يُستعمل معه الطريق الكلامية المنطقية ، وغيرُها؛ لمناسبتها لعادته ، لا لكونِ
(١) الرد على المنطقيين: ص ٢٥٥.

٦٢٣
الفصل الثاني: نقد الفلسفة والمنطق وعلم الكلام
العلم بالمطلوب متوقفاً عليها مطلقاً ، فإنَّ من الناس من إذا عرف ما يعرفُه
جمهور الناس، وعمومُهم ، أو ما يمكن غيرَ الأذكياء معرفتُه؛ لم يكن عند
نفسه قد امتاز عنهم بعلم ، فيُحِبُّ معرفة الأمور الخفية الدقيقة الكثيرة
المقدمات ، وهذا يُسلك معه هذه السبيل)) (١) .
اسْتدلالُ القُرآن أبلغُ وأكثرُ تَأثيراً فيِ النَّفْس:
إنَّه يُثبت في كتاباته بكل تأكيد: أَنَّ أسلوب القرآن ومنهجه في الاستدلال
لإثبات الحقائق الغيبية ، وإبداء مقاصد الشريعة ، وتحقيقِ الحقائق الدينية أبلغُ
من كلِّ أسلوب ، وأشد تأثيراً في النفس من أيّ استدلال آخر ، يقول:
((وبينٌ: أَنَّ ما عند أئمة النظّار - أهل الكلام والفلسفة - من الدلائل العقلية
على المطالب الإلهية، فقد جاء القرآن بما فيها من الحق، وما هو أبلغ ، وأكمل
منها على أحسن وجه، مع تنزُّهه عن الأغاليط الكبيرة الموجودة عند هؤلاء)) (٢).
ويقول في موضع آخر:
ولهذا كانتِ الأَقيسَةُ العقليةُ البرهانيةُ المذكورةُ في القرآن من هذا الباب كما
يذكره في دلائل ربوبيته ، وإلهيته ، ووحدانيته ، وعلمه ، وقدرته ، وإمكان
المعاد ، وغير ذلك من المطالب العالية السَّنية ، والمعالم الإلهية التي هي
أشرف العلوم ، وأعظمُ ما تكملُ به النفوس من المعارف)) (٣).
الفَرْق الأساسي بين القرآن والفلسفة في ذات الله تعالى وصفاته:
وقد أشار إلى نقطةٍ عِلمية مُهمة وهو يتحدث عن الفَرْق المبدئِيِّ بين القرآن
والفلسفة في ذات الله تعالى وصفاته ، يقول:
((والقُرآن أثبتَ الصفاتِ على وجه التفصيل، ونفَى عنها التمثيل ، وهي
(١) الرد على المنطقيين: ص٢٥٥ .
(٢) المرجع السابق: ص ٣٢١.
(٣) المرجع السابق: ص ١٥٠.

٦٢٤
الفصل الثاني: نقد الفلسفة والمنطق وعلم الكلام
طريقة الرسل ، جاؤوا بإثباتٍ مفصّل، ونفي مُجمَل ، وأعداؤهُم جاؤوا بنفيٍ
مفصّل، وإثباتٍ مُجمل)) (١) .
نَفْيُ الصّفات ، وتأثيرُه على الحياةِ كُلّها:
إنَّ مكتبة الفلسفة اليونانية بأسرها تُصَدِّق النقطةَ التي توصَّل إليها ابن تيمية ،
فإنَّ المبالغة والاهتمام اللذين بذلهما فلاسفة اليونان في نفي الصفات إنما جعلَ
ذلك وجود الإله فكرةً ذهنية ، وشخصيةً عقيمةً مجهولةً عاجزةً.
أمّا عن كيفية الإله وحقيقته ؛ فلا يعدو مفهوم ذلك عندهم عدداً من
الكلمات ، ومصطلحات فلسفية ، مما أدى إلى أنَّ الأوساط الخاضعة لفلسفة
اليونان - سواء في داخل يونان ، أو خارجها - ظلَّت محرومة من أيِّ صلة حية ،
وعلاقة عملية بالله تعالى ، وذلك لأن هذه العلاقة الحقيقية ، والعملية ؛ التي
تنبع من القلب والعاطفة إنما تحتاج إلى أسماء الله تعالى ، وصفاتِه ، وأفعاله ،
بينما الفلسفة مُلحَّةٌ على نفيها.
إنَّ تاريخ العالم العقلي كلَّه شاهدٌ على أن الإنسان لم يتصل عاطفياً ،
ولا قلبياً بأيّة شخصية مجهولة لا يعرفُ شيئاً عن صفاتها ، وأفعالها ، ومما
لا يخفى: أنَّ الحب والخوف ، والأمل والرجاء ، والطَّلَب والسؤال، كلٌّ
ذلك يحتاج إلى الصفات ، تلك التي تتجرد عنها فلسفة اليونان ، ومن ثمّ اتفق
مؤرخو الأخلاق ، والأديان على أنَّ صلة اليونان ليست سطحيةً ضعيفة بالله
تعالى فحسب ، بل هي صِلَة ضعيفة بالدين أيضاً من غير أن تَتَّسِمَ بروح ، أو
عُمق.
وقد صدَقَ الإمام ابن تيمية إذ قال: ((إنَّ مئات الآلاف من النَّفي لا يقوم مقام
إثباتٍ واحد)) والحقيقة: أنَّ النفي المجرد لا يقوم عليه بِناء دين وحياة.
ولعلَّ فلسفة اليونان في الغَرب ، والديانة البوذية في الشرق أخفَقتا في بناء
(١) النبوات: ص ١٥٣.

٦٢٥
الفصل الثاني: نقد الفلسفة والمنطق وعلم الكلام
مجتمع إنساني يقوم على أساس فكرة الإله من أجل ذلك ، وقد أنتج هذا: أنَّ
الوثنية إذا تسرّبت في أوساط إحدى هاتين الفلسفتين؛ عمَّ الإلحاد في أوساط
الأخرى ، وذلك لأن الجماهير - الذين هم مَفطُورون على العبادة ، والإيمان
بالله - لا يرضَون بفلسفةٍ تضغط كل الضغط على الرياضة العقلية والأفكار
الفلسفية من غير أن تُهِّىء للقلب والعقل غذاءً من الحبِّ والمعرفة.
مِيزَةُ الصحابة رضي اللهُ عنهم:
إنَّه يرى: أَنَّ ما حصل للصحابة الكرام - رضي الله عنهم - الذين درجوا في
ظل النبوة من معرفةٍ ، وعلوم متكاملة عميقة بدون أن تشوبَهم شائبةٌ من
التَّكَلُّف، كل ذلك كان نتيجة التربية الصحيحة التي نالوها في رعاية النبي رَّةٍ .
إنه يُوازن بين الصحابة - رضي الله عنهم - وبين المتأخرين من العلماء الذين
تأثّروا بالفلسفة وعلم الكلام ، ويقول:
((وأصحابُ محمَّد بَّ كانوا - مع أنهم أكبر الناس علماً نافعاً، وعملاً
صالحاً - أقلَّ الناس تكلفاً ، يَصدر عن أحدهم الكلمة ، والكلمتان من
الحكمة ، أو من المعارف ما يهدي اللهُ به أمة ، وهذا من مِنن الله تعالى على
هذه الأمة ، وتجدُ غيرَهم يحشُون الأوراق من التكلُّفات ، والشَّطَحات ما هو
من أعظم الفُضول المبتدعة، والآراء المختَرعة)) (١).
سِخر المَنطق اليوناني ، وهَيْبَتُه في العالم الإسلامي:
تناولَ الإمامُ ابن تيمية علمَ المنطق الذي كانتْ تفتخرُ به اليونان بالنقد اللاذع
بعد ما انتقدَ الفلسفة اليونانية بتفصيل وإجمال ، وردّ كثيراً من بحوثها ،
وقضاياها بأسلوب عقلي واستدلالي بحت ، وأثبت أنَّها لا تقوم إلا على أساس
مُتضعضع ضعيف.
ولقد كان علماءُ الإسلام مأخوذين بسحر المنطق أكثر بالنسبة إلى الفلسفة ،
(١) نقض المنطق: ص١١٤.

٦٢٦
الفصل الثاني: نقد الفلسفة والمنطق وعلم الكلام
ومتَّفْقين بوجهٍ عام على كونه معقولاً مدلَّلاً، ومُحكَماً مبرهَناً.
وكانتْ كُتب المنطق نالتْ رواجاً عامَّاً في القرن الثالث كما ذكره صاعد
القرطبي ، ولمَّا جاء الإمام الغزالي في القرن الخامس؛ اهتم بالمنطق ، واعتبره
مُقدِّمة للعلوم كلُّها، إنه يقول في مقدمة كتابه الكبير ((المستصفى)): ((هي مُقَدِّمة
العلوم كلها، ومن لا يُحيط بها فلا ثِقَة بعلومه أصلاً)) (١).
ويقول في كتابه الآخر ((مقاصد الفلاسفة)):
((أمَّا المنطقيات؛ فأكثرُها على منهج الصواب ، والخطأُ نادر فيها
بالاصطلاحات والإيرادات دون المعاني والمقاصد؛ إذْ غَرضُها تهذيب طرق
الاستدلالات ، وذلك مما يَشترك فيه التُّظار)) (٢).
وفي القرن السابع ظهر الفيلسوف ، والحكيم الشهير ابن رشد ، فكان مُغالياً
في المنطق ، واثقاً به إلى حد: أنَّه كان يعتبرُه منبعَ السعادة البشرية ، ومقياسها
الأصيل ، وكان يرى من المستحيل أن يتوصل الناسُ إلى الحقيقة بدونه ،
یتحدَّث عنه أحد مترجمی حیاته:
((كان متهوّساً بمنطق أرسطو ، وقال عنه: إنَّه مصدرُ السعادة للناس ، وإنَّ
سعادة الإنسان تُقاس بعملهِ بالمنطق ، والمنطق أداة تُسهِّل الطريق الشاقة في
الوصول إلى الحقيقة التي لا يصل إليها العامة ، بل بعض الخاصة بفضل
المنطق)) (٣).
لقد تناولَ علماء الإسلام سِجلَّ هذا المنطق اليوناني بيدٍ منِ الإجلال
والاحترام ، وكانوا متهيِّين لَدعاويه، ومقدماته ، وأصوله ، وكلُّياته ، أما
الفلسفة فقد أُخذت بالنقد والإيرادات بعد فترات طويلة إلى حد ما ، ولكنَّ
(١) المستصفى: ص ١٠ ج١.
(٢) مقاصد الفلاسفة: ص٣.
(٣) تاريخ فلاسفة الإسلام: محمد لطفي جمعة ص ١٢٠ - ١٢١.

٦٢٧
الفصل الثاني: نقد الفلسفة والمنطق وعلم الكلام
المنطق لم يتناوله أحد - فيما نعلم - بالمحاسبةِ العلمية والتشريح ، وليس هناك
كتاب كبير يتحدث عن هذا الموضوع في تفصيل وتحقيق .
المَنْطِقُ لِيسَ ميزاناً للعُلومِ العَقلية:
ولكنَّ الإمام ابن تيمية هو أول من ركّز اهتمامه على المنطق ، وجعلَه
موضوعاً مستقلاً بذاته ، وأخذه بالنقد والبحث بكل حرية واجتهاد ، فله كتابٌ
مُجملٌ ومختَصر باسم ((نقض المنطق)) وآخر مفصل باسم ((الرد على
المنطقيين)) (١) في هذا الموضوع ، إنه يبحث في الكتاب الثاني عن قضايا
المنطق ودعاويه ، وحدودِه ، وكلياته ، وجُزئيَّاته بتفصيل ، وأثبتَ أنَّ الأهمية
التي حصلت للمنطق من قِبَل علماء الإسلام، واعتبارِهم إياه علماً ثابتاً ،
ومسئماً لا يستند إلى صحة ، إنَّه يرفُض أن يكون المنطق ميزاناً للعلوم
العقلية، ويتوقَّف عليه الاستدلال ، والاستنتاج ، والتوصل إلى علم اليقين.
يقول: ((وهؤلاء يقولون: إنَّ المنطق ميزان العلوم العقلية، ومُراعاته تعصِم
الذهن عن أن يغلط في فكر. كما أنَّ العروض ميزان الشعر ، والنحوَ
والتصريف ميزانُ الألفاظ العربية المركبة والمفردة ، وآلاتِ المواقيت موازينُ
لها .
ولكن ليس الأمر كذلك ، فإن العلوم العقلية تُعدم بما فطر الله عليه بني آدم
من أسباب الإدراك ، لا تقف على ميزان وَضْعيٌّ لشخص معين ، ولا يُقلّد في
العقليات أحدٌ بخلاف العربية ، فإنها عادة لقوم لا تُعرف إلا بالسماع ، وقوانينُها
لا تعرف إلا بالاستقراء بخلاف ما تُعرف مقادير المكيلات ، والموزونات ،
والمذروعات ، والمعدودات ، فإنها تفتقر إلى ذلك غالباً ، لكن تعيينُ ما به
یکال ، ویوزن بقدرٍ مخصوص أمرٌ عاديٌّ.
(١) صدر هذا للكتاب أخيراً عن المطبعة القيمة في بومباي (الهند)، ويتحلَّى بمقدمة قيمة
للعلامة السيد سليمان الندوي ، والكتاب يقع في (٥٤٥) صفحة ، ينبغي ألا تفوت أهل
الفنّ مطالعة هذا الكتاب.

٦٢٨
الفصل الثاني: نقد الفلسفة والمنطق وعلم الكلام
وقد كانتِ الأممُ قبلهم تعرف حقائقَ الأشياء بدون هذا الوضع ، وعامة
الأمم بعدهم تعرف حقائق الأشياء بدون وضعهم ، وجماهير العقلاء من جميع
الأمم يعرفون الحقائق من غير تعلَّم منهم بوضع أرسطو ، وهم إذا تدبروا
· أنفسهم؛ وجدوا أنفسهم تعلمُ حقائق بدون هذه الصناعة الوضعية)) (١).
مُعظَمُ الحُدود المنطقية ضَعيفةٌ لاثباتَ لها:
إِنَّه لا يعترف بأن الحدود والتعاريف المنطقية كلها كاملة شاملة لا تحتمل
أيما اعتراض ، أو نقض ، يقول:
((وصاروا يُعظِّمون أمر الحدود، ويدَّعون أنَّهم هم المحقِّقون لذلك، وأن
ما يذكره غيرهم من الحدود إنما هي لفظيةٌ لا تفيد تعريف الماهية والحقيقة
بخلاف حدودهم ، ويسلكون الطرق الصَّعبة الطويلة ، والعبارات المتكلَّفةِ
الهائلة ، وليس لذلك فائدة إلا تضييع الزمان ، وإتعاب الأذهان ، وكثرة
الهذيان ، ودعوى التحقيق بالكذب والبهتان ، وشَغلُ النفوس بما لا ينفعُها ،
بل قد يضلها عما لا بد لها منه ، وإثبات الجهل الذي هو أصلُ النفاق في
القلوب، وإن ادَّعوا: أنَّه أصل المعرفة والتحقيق)) (٢).
لا سَهْلٌ فيرتقى ولا سَمينٌ فيُنتقى:
إنّه يُثبت في مكانٍ: أنَّ المنطق في الواقع عملٌ يَصدُق عليه المثل:
((لا سَهْلٌ فَيُرْتَقَى، ولا سَمينٌ فَيُنْتَقَى))(٣) فإنَّ البحث ، والاجتهاد كثيران لا نهاية
لهما ، ولكنَّ محصولَهما قليل لا عبرة به ، يقول في كتابه «نقض المنطق»:
(١) الرد على المنطقيين: ص ٢٧ - ٢٨.
(٢) المرجع السابق: ص ٣١.
(٣) [هذا ليس مثلاً بل هو جزءٌ من حديث أمِّ زَرْعٍ، أخرجه البخاري في كتاب النكاح ، باب
حسن المعاشرة مع الأهل، برقم (٥١٨٩)، ومسلم في فضائل الصحابة ، باب ذكر
حديث أم زرع، برقم (٢٤٤٨)، والترمذي في ((الشمائل المحمدية)) برقم (٢٥٤)،
والنَّسائي في الكبرى (٣٥٥/٥) برقم (٩١٣٨) وغيرهم عن عائشة رضي الله عنها].

٦٢٩
الفصل الثاني: نقد الفلسفة والمنطق وعلم الكلام
((ومِن المعلوم: أنَّ القولَ بوجوبه قولُ غُلاتِه، وجُهَّالِ أصحابه ، ونفسُ
الخُذَّاق منهم لا يلتزمون قوانينَه في كل علومهم، بل يُعرضون عنها ، إما
لطولها ، وإما لعدم فائدتها ، وإما لفسادها ، وإما لعدم تميّزها ، وما فيها من
الإجمال والاشتباه ، فإن فيه مواضع كثيرة هي لحم جمل غَثِّ علی رأس جبلٍ
وَعِر، لا سَهلٌ فيُرتقى ولا سَمين فيُنتقى)) (١).
تأثيرُ المَنطقِ على العَقْل وقُوة البيان:
ويرى: أنَّ المنطق طالما جنى على المرء ، فأَفقده نشاط الطبيعة ، وسَلاسة
اللسان والأفكار ، ولا شكَّ فإنَّ الذين يحافظون على القواعد المنطقية
والأسلوب المنطقي يُصابون بعجز اللسان ، وتعقيد البيان ، وتطويل الكلام ،
وزَيغ في التفكير ، وأوضح مثال لذلك مُتون المتأخرين ، وكتب المناهج
الدراسية المتقدمة ، يقول الإمام ابن تيمية :
((وما زال نُظَّار المسلمينَ يعيبون طُرق أهل المنطق ، ويُبينون ما فيها من
العيّ، واللكْنَة، وقُصور العقل، وعجز المنطق ، ويُبينون: أنَّها إلى إفساد
المنطق العقلي واللساني أقربُ منها إلى تقويم ذلك)) (٢).
ويقول في موضع آخر: ((إذا اتَّسعتِ العُقولُ، وتصوراتُها؛ اتسعت
عباراتُها ، وإذا ضاقتِ العقول ، والتصورات؛ بقي صاحبُها كأنه محبوسُ العقل
واللسان ، كما يصيب أهلَ المنطق اليوناني ، تجدُه من أضيق الناس علِماً
وبياناً، وأعجزِهم تَصوُّراً وتعبيراً ، ولهذا من كان منهم ذكياً إذا تصرّف في
العلوم، وسلك مسلك أهل المنطق طَوَّلَ وضَيَّق ، وتكلَّفْ وتعسّف ، وغايتُه
بيان البَيِّن ، وإيضاحُ الواضح من العَيّ ، وقد يُوقعه ذلك في أنواع من السفسطة
التي عافى الله منها من لم يَسلك طريقهم)) (٣).
(١) نقض المنطق: ص ١٥٥ .
(٢) الرد على المنطقيين: ص ١٩٤ .
(٣) المرجع السابق: ص ١٦٧ .

٦٣٠
الفصل الثانى: نقد الفلسفة والمنطق وعلم الكلام
بَعْضُ المُسْتَئنيّات:
لا يُطْبِقُ الإمام ابن تيمية عينيه عن بعض أولئك الرجال الذين بلغوا في
العلوم اليونانية إلى درجة الإمامة ، ورغماً من انهماكِهم الشديد ، وشغَفِهم
الزائد بهذه العلوم لم يَنقُصهم رُواء القلم، وطلاوة الكتابة ، وذَوق الأدب
الرفيع ، مثلاً ابن سينا الذي تعتبر قصيدته في الروح (١) نموذجاً عالياً للروح
العربية ، وتَّسم كتاباتُه بالحلاوة ، والبلاغة خلافاً لأهل الحكمة ، يَرى ابن
تيمية: أنَّ ذلك فضلُ الاشتغال بالأدب الإسلامي العربي ، وفيضٌ للعلوم
الإسلامية ولا شك فإنَّ حياة ابن سينا تُصدِّق ذلك ، يقول:
((ومَن وُجد في بعض كلامه فصاحةً ، وبلاغة كما يوجد في بعض كلام ابن
سينا وغيره؛ فَلِمَا استفاده من المسلمين من عُقولهم، وألسنتهم ، وإلا فلو
مشى على طريقةٍ سلفهٍ ، وأعرض عما تعلمه من المسلمين؛ لكان عقله ولسانه
يُشبه عقولهم وألسنتهم)) (٢) .
رَأي إجماليٍ عَن المنطق:
وبعد هذه الانتقاداتِ نطَّلع على رأيه الإجمالي عَن المنطق بلسانه ، يقول:
((فَحقُّه النافع فطِري لا يُحتاج إليه ، وما يُحتاج إليه ليس فيه مَنفعةٌ إلا معرفة
اصطلاحِهم، وطريقِهم ، أو خطئِهم)) (٣).
ويقول في محلّ آخر:
((إنِّي كنت دائماً أعلمُ: أن المنطق اليوناني لا يَحتاج إليه الذكي ، ولا يَنتفعُ
به البليد)) (٤).
(١) التي مطلعها:
هبطت إليك من المحل الأرفع
ورقاء ذات تودد وتمنع
(٢) الرد على المنطقيين: ص ١٩٩ .
(٣) المرجع السابق: ص ٢٠١ .
(٤) المرجع السابق: ص ٣.

٦٣١
الفصل الثاني: نقد الفلسفة والمنطق وعلم الكلام
مَكانَةُ المَنْطِق الصحیحةُ وفَائدِتُه:
ومهما لمَسَ القارئ نوعاً من التطرف في آراء ابن تيمية ، وأفكاره عن
المنطق اليوناني ، ولوناً من المغالاة ، إلا أنَّ قُدسية المنطقِ وعظمته التي كانت
تُسيطر على عقل العالم الإسلامي من بعد القرن الخامس أصيبت بصدمة ،
وكان لا بد من ذلك ، فإنَّ أوساطنا الدراسية ، والعلمية قد أُولعت بالمنطق ،
وأُعجبت به إلى حد المغالاة ، والمبالغة ، ويمكن أن يُقدِّر هذا الإعجاب
بالمنطق من لم يكن له معرفة بالمنطق ، فإنه يُعتبر أجهلَ شخصٍ ، وأحمقٍ رجلٍ
لدى أهلها بالرغم من جميع ما يحمله من علم ، وفضل ، وذكاء.
وقد ظلَّ المنطق، والفلسفة يُعرفان في الهند إلى مدة طويلة باسم
((العقلانية))، كما أَنْ كتبهما كانت تعرف باسم ((كتب العقل)) وكان من الطبيعي
أن يُوجد هناك ردُّ فعلٍ عنيف ضد هذا الغُلوِّ والولوع ، فقد يكون سبباً للفكر
المتزن في هذا الموضوع ، وينالُ هذا العلم مكانَته الصحيحة مِن أجله.
إنَّ المنطق نوعٌ من الرياضة العقلية والفكرية ، ونستطيع أن نستخدمه كأداةٍ
لتشحيذ الذهن ، فإن لم يتجاوز حدَّه هذا لا يعترض عليه أحد، وإنَّ الإمامَ ابنَ
تيميّة نفسَه يعترف بذلك ، ويقولُ في كتابه ((الرد على المنطقيين)):
((وأيضاً فإنَّ النَّظر في العلوم الدقيقة يُفتِّقُ الذهن ، ويُدَرِّبُه ، ويُقَوِّيه على
العلم ، فيصيرُ مثل كثرةِ الَّمي بالنّشاب وركوب الخيل تُعين على قوة الرمي
والركوب وإن لم يكن ذلك وقتَ قتال، وهذا مَقْصدٌ حسن)) (١).
ولكنْ كُلُّ منصفٍ بالغ النظر يخالف ما قد جَعله الناس غايةً عوضاً عن
الوسيلة ، وأصلَ العلم بدلاً من المقدمة.
عَجْزُ المنطق عن مواجهة الحقائق الدِّينية والإلهية:
مِن قَديمٍ وُجِدتْ مغالطةٌ فيما يتَّصل بالمنطق والفلسفة ، وهي أنَّ أصولهما
(١) الرد على المنطقيين: ص ٢٥٥.

٦٣٢
الفصل الثاني: نقد الفلسفة والمنطق وعلم الكلام
وقواعدهما كما تعتبر عقلاً حاكماً حاسماً في العلوم العقلية؛ كذلك يُستعان بها
في إثبات الحقائق الدينية والإلهية من غير أي تكلّف ، ويعترف بحكمها في هذه
الحقائق .
ولكنَّ ابن تيمية يؤكِّد: أنَّ المنطق إذا نُزِّل منزلةَ ميزان فلا بد من أن يدور
عمله في نطاق محدود ، أما وَزنُ الحقائق الدينية على هذا الميزان؛ فيماثل
وزن الذهب، والفضة ، والجواهر في ميزان الحَطَبِ ، والحديد ، والرصاص،
والحجارة .
يقول في ((نقض المنطق)): ((ومِن المعلوم: أنَّ موازين الأموال لا يُقصد أن
يوزنَ بها الحَطب، والرصاص دون الذهب، والفضة ، وأمرُ النُّبوات ،
وما جاءت بِه الرسل أعظمَ في العلوم من الذهب في الأموال ، فإذا لم يكن في
منطقكم ميزانٌ له كان الميزان - مع أنه ميزان - عائِلاً جائراً ، وهو أيضاً عاجز ،
فهو ميزان جاهل ظالم؛ إذ هو إمّا أن يَردَّ الحق ، ويدفَعه ، فيكون ظالماً ، أو
لا يَزِنُه، ولا يُبيِّن أمره، فيكون جاهلاً، أو يجتمعُ فيه الأمران ، فيردُّ الحق ،
ويدفعه ، وهو الحقُّ الذي ليس للُّفُوس عنه عِوض ، ولا لها عنه مندوحة ،
وليست سعادتُها إلا فيه)) (١) .
وبالمناسبة يَحسُنُ بي أن أقتَطف كلاماً لابن خلدون الذي يُعتبر من كبار
علماء النقد والتاريخ ، وهو يشير إلى نفس المفهوم الذي يدل على أن عديداً من
رجال العالَم المتصفين بسلامة الطبع إنما تُعينهم سلامة طبيعتهم على التوصل
إلى الحقيقة ، وتتماثل أفكارهم ، وآراؤهم في موضوع واحد ، إنه يتحدَّث عن
مَحدودية العقل ، وقِصَر باعِه عن إحاطة الحقائق الغيبية ، والدينية ، فيقول:
((بل العقلُ ميزانٌ صحيحٌ ، فأحكامُه يقينيةٌ لا كَذِب فيها ، غير أنك لا تطمعُ
أن تزن به أمور التوحيد ، والآخرة ، وحقيقةَ النبوة ، وحقائق الصفات الإلهية ،
وكلَّ ما وراء طوره ، فإن ذلك طمَعٌ في مُحال ، ومثال ذلك مثال رجل رأى
(١) نقض المنطق: ص ١٦٣.

٦٣٣
الفصل الثانى: نقد الفلسفة والمنطق وعلم الكلام
الميزان الذي يُوزن به الذهب ، فطمع أن يَزِن به الجبال ، وهذا لا يُدرَك ، على
أنَّ الميزانَ في أحكامه غيرُ صادق ، لكن العقل قد يقف عنده ، ولا يتعدى
طوره، حتى يكونَ له أن يحيط بالله وصفاته، فإنه ذرة من ذرَّات الوجود)) (١).
نَقْدُ المَنطق الفني بتفصيلٍ واجتهاداتٍ ابن تيميَّة وزياداته:
لم يكتفِ ابنُ تيمية بتوجيه النقد الإجمالي ، والإيرادات الأساسية إلى فنٍّ
المنطق ، بل إنه تناول الفن بأسره بالنقد ، والاجتهاد ، والاحتساب العلمي ،
ورفض كثيراً من أصوله ، ومُسلّماته ، وانتقدها من الناحية العقلية ، والفنية
الخالصة، وأثبت ضَعْفَ كثير من حُدوده ، ونَقْصَها ، وأوردَ له حُدوداً أحسن
منها ، وخالف عديداً من قضاياه ، وترتيبها ، وأثبتَ ترجيح الاستقراء بإزاء
القياس الذي هو أساس منطق أرسطو ، وادّعى: أنَّ الاستقراء طريقٌ طبعي
أضمن وأسهل إلى طلب العلم واليقين ، كما أنه قدَّم عدة نظرات جديدة في
المنطق والفلسفة وزاد إلى هذا الفن ، يقول المغفور له العلامة السَّيد سليمان
الندوي في مقدمته على كتاب ((الرد على المنطقيين)) مُعترفاً بخدمته ، وعظمته
في هذا المجال ، يقول:
((ما قاله المصنَّفُ في حَقيقة الحَدِّ، والجنس، والفصل، واللُّزوم ،
وحقيقة العلة ، والقياس ، والاستقراء ، والاستدلالِ بالمشهودات ، والاكتفاءِ
بمقدمة واحدة في القياس ، وغيره من المباحث العويصة التي حل المُصنف
مُشكلها ببيان واضح، ودليل راهن، وما قال في العلة ، واللزوم هو عين
ما قال هيوم (Hume) الفلسفي في كتبه ، ومسألةُ اللزوم والعِلُية من المسائل
العويصة التي ضلت في واديها الأفهام ، ونبعت من عيونها ضلالاتُ الطباعيين
من أهل الإلحاد ، وكم لهذا النابغة في هذا الكتاب من نوادر لم يَسبقه إليها
أحد)) (٢).
(١) مقدمة ابن خلدون: ص ٣٨٥.
(٢) مقدمة الرد على المنطقيين: ص ق.

٦٣٤
الفصل الثاني: نقد الفلسفة والمنطق وعلم الكلام
لا يَصخُ التَّقليد في العُلوم العقلية:
ويخشى ابنُ تيمية أن يقول الناس بعد ما يطَّلعون على إيراداته ،
وخلافاته هذه التي يوجهها إلى العلوم اليونانية: إن العلوم اليونانية ذخيرة علمية
قديمة أسهمتْ في ترقيتها ، وتهذيبها عقولُ نخبة من عدة أجيال ، وهي التي
تولَّت إبلاغها إلى أوج الكمال ، والتقدم ، ولذلك فإنها بنَجْوة من أي احتمال
للخطأ ، فإن تصدى أحدٌ من المتقدمين للانتقاد ، والاعتراض عليها؛ فإنما
يرادف ذلك وقاحة ، وإضاعة للوقت.
ولكنَّ ابنَ تيمية لا يعترف بهذه القضية ، ويقول: إن هذه العلوم ما دامتْ
عقلية مجرّدة ، وهي لا تقوم إلا على أساس الفكرة والدراسة، فأيُّ مبرّر
للتقليد البحث فيها ، حتى إن ناقليها لا يعتبرونها مبنيةً على أي وحي أو إلهام
إنما يبنونُها على العقل ، ولذلك فأهل العقل في كل عصر يحقُّ لهم أن
يتناولوها بالنقد والوزن في ميزان العقل ، ويرفض كل ما يعارض العقل ، إنه
ينقل قول بعض شيوخ المنطق في كتابه ((الرد على المنطقيين)) ((هذه علومٌ قد
صقلَتْها الأذهان أكثر من ألف سنة وقَبِلها الفضلاء)» ثم يردُّ عليه ويقول:
(«هَبْ: أنَّ الأمرَ كذلك ، فهذه العُلومِ عَقليةٌ محضةٌ ليس فيها تقليد لقائل ،
وإنما تُعلم بمجرد العقل ، فلا يجوز أن تصحَّح بالنقل ، بل ولا يتكلم فيها إلا
بالمعقول المجرّد ، فإذا دل المعقول الصريح على بطلان الباطل منها؛ لم يَجُز
رَدُّه ، فإن أهلها لم يدَّعوا: أنَّها مأخوذة عمَّن يجب تصديقه ، بل عن عقلٍ
محضٍ ، فيجب التحاكم فيها إلى موجب العقل الصريح)) (١).
انحطاط العلوم العقلية وجمودها في العصر المتأخر في العالم
الإسلامي ، وأهمية عمل ابن تيمية:
والواقعُ: أنَّ ((المعقول)) لا بدَّ أن يكون معقولاً على الدوام ، ولا يتحوَّل
(١) الرد على المنطقيين: ص ٢٠٨.

٦٣٥
الفصل الثانى: نقد الفلسفة والمنطق وعلم الكلام
إلى ((منقول))، ولكنْ لما أظلَّ الانحطاطُ العلمي، والفكري العالمَ الإسلامي،
ورفضتِ العقول والقوى الفكرية أنْ تقوم بواجبها في جوٍّ من الحرية ، عاد
علماء الحكمة ، والفلسفة اتِّباعاً لمن سبقهم مُقتفين آثارهم ، واقتنعوا بالنقل
والشرح لتحقيقاتهم ومؤلفاتهم ، ولم يعد أيُّ فرق بين المنقول والمعقول ،
وكان أسمى مكانةٍ في العلم أن يتصدى المتأخِّرون لشرح كلام المتقدمين ،
ويُعبّروا عن مفاهيمهم بكلمات قليلة .
ذلك هو عصر الانحطاط في الشرق يوم انغلق باب الاجتهاد ، والتجديد ،
والزيادة ، والعَمل المُنتج في العلم ، والحكمة.
أمّا أوربة - التي كانتْ قد اكتسبت المنطق، والفلسفة عن طريق المسلمين ،
وتعلَّمت أفكارَ حكماء اليونان ، وفلسفتَهم بواسطة ابن سينا ، وابن رشد - فإنها
لم تقتنع بهذا التراث العلمي إلا مدة يسيرة فقط ، ثم نهضت تُعيد النظر ،
والتفكير في هذه العلوم ، وقامت بالتحقيق ، والتجربة بكل حرية ، الأمر الذي
طوى بساط المنطق والفلسفة اليونانيين ، واحتلّ الاستقراءُ محل القياس في
المنطق ، ونالَتِ العلوم الطبيعية اهتمام الناس بعد ما فقدتِ العلومُ الإلهية ،
وعلومُ ما بعد الطَبعية قيمتها ، تلك التي لم يكن لها أيُّ دور في الحياة
العلمية ، والعملية.
إنَّ هذه الثورةَ الفكريةَ لم تُخلِّف تأثيرها في أوربة فحسب ، بل تَعدَّتها إلى
العالم كله ، بالعكس من ذلك فقد تَمسَّكتْ أوساطُنا العلمية والمدرسية بالعلوم
اليونانية ، وعضَّت على كُتب علماء الشرق ، وشروحِهم، وتعليقاتهم في هذا
الفن بالنواجذ ، كأنها هي العروة الوثقى ، وسِدرة المنتهى للفكر والنظر.
ولا شكّ فإنَّ العمل الاجتهادي الذي قام به الإمام ابن تيمية من انتقاد
الفلسفة ، والمنطق، ومحاسبتهما العلمية في صحراء التقليد، والجمود
العقلي كمنارةٍ ضوء على الساحل ، ومعالم واضحةٌ في الطريق ، وهو يفتح
باب الاجتهاد ، والتفكير من جدید.

٦٣٧
الفصل الثالث: الرد على الفرق والملل ومقاومة عقائدها وتقاليدها وتأثيرها
الفصل الثالث
الرَّد على الفِرَق وَالمِلَل
وَمقاومة عقائدها وتقاليدِهَا وتأثيرها
تمهيد
نَقْدُ الدِّيانات والنِّحَل
لا يخفى أنَّ الإمامَ ابنَ تيمية قام بدورٍ ممتازٍ في مَجال انتقاد بعض
الديانات ، والفرق ، وقضى معظم حياته في هذا الجهاد العلمي ، وقد لا يخلو
مؤلّف من مؤلفاته من البحوث ، والمناظرة الكلامية ، إلا أنَّنا نختار مِن بين هذه
الديانات والفرق التي ناقشها ابن تيمية ديانة ((المسيحية)) ونحلة ((الشيعية))،
وذلك لأنه اختصَّهما بالنقد ، والتحقيق وأفرَد لكل واحدة منهما كتابين مستقلين
لهما قيمتُهما، وأهميتهما، وهما: ((الجوابُ الصحيح لمن بدَّل دين المسيح))
و((منهاج السنة النَّبوية في نَقض كلام الشِّيعة والقدرية)) كما أنَّ بين هذه الديانة
وتلك الفرقة مناسبةً لطيفة يُشير إليها الحديثُ النبوي الذي خُوطب فيه أمير
المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وهو قوله ◌َّر: ((فِيكَ مَثلٌ مِن
عيسى ، أبغضَتْهُ اليهودُ حتى بَهتوا أُقَّه، وأحبَته النصارى حتى أنزلوه بالمنزلة

٦٣٨
الفصل الثالث: الرد على الفرق والملل ومقاومة عقائدها وتقاليدها وتأثيرها
التي ليس به)) (١) ولسبب آخر ، وهو أنَّ المسيحيةِ، والشيعية بمختلف
فروعها ، وأنواعها هما اللَّتان كانتا الفِرق ، والديانات الحيّة النشيطة في العصر
الذي عاش فيه ابن تيمية، ولعلِّ ذلك ما بعثَ ابن تيمية على تركيز اهتمامه
عليهما ، ووضع كتُب مستقلة تتفرَّد بهما.
(١) [وفي الرواية: ثم قال (علي): يهلك فيّ رجلان محب مفرط يقرظني بما ليس فيّ،
ومبغض يحمله شنآني أن يبهتني. أخرجه النسائي في ((السنن الكبرى)) (١٣٧/٥) برقم
(٨٤٨٨)، وأحمد في المسند (١٦٠/١) برقم (١٣٧٦)، وأبو يعلى في المسند
(٤٠٦/١) برقم (٥٣٤) من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه].

٦٣٩
أ - الرد على المسيحية
أ - الردُّ على المسيحية
حركةُ المسيحيّة الجديدة في العالم الإسلامي:
انتبهتِ المذاهبُ ، والدياناتُ الأخرى في الدول الإسلامية مع انحطاط
المسلمين السياسي ، وجدَّدت نشاطها ، وكانت المسيحيةُ هي أنشط الديانات
من بين هذه الديانات والمذاهب كلها في إبداء الجرأة والتغلّب على غيرها.
فقد وُجد لأتباعها عددٌ وجيهٌ آنذاك في العالم الإسلامي ، سيَّما في مصر ،
وسورية ، وبالأخص كانت سلسلةٌ من الدول المسيحية تتصل بأرض الشام ،
وتمسُّها ثغور المملكة المسيحية الكبرى (مملكة قسطنطينية) المملكة البيزنطية .
ومعلومٌ: أَنَّ أوربة بدأت هجماتٍ متتابعة على الشام ، وفلسطين في أواخر
القرن الخامس الهجري ، وهي التي تُعرف بالحروب الصليبية في التاريخ ،
وفي خلال ذلك حُرم المسلمون جزءاً كبيراً من الشام ، وظلَّتِ القدس تحت
سيطرة المسيحيين وولايتهم طوالَ تسعين سنة ، وبالرغم من أنَّ السلطان صلاح
الدين الأيوبي كان قد هزم المسيحيين في ساحة حِطِّين هزيمةً مُنكرة ، واستردَّ
القدس من أيديهم إلا أن دولَة مسيحية لم تزل موجودة على ساحل الشام ،
وكانت همة المبشِّرين المسيحيين ، وعلمائهم ارتفعتْ بالفتح الصليبي حتى
إنهم كانوا يحلمون بالاستيلاء على الشام ، وإقامة دولة مسيحية تحت ظلال
الصليبية فيها .
إنَّ هجمات النََّرِ المتتاليةَ كانت قد أضعفتِ المسلمين ، وبَعثَتْ قوةً ، وهمة
في المسيحيين ، وقد تحدَّثنا في الجزء الأول من هذا الكتاب: أنَّ التتار عندما
دخلوا الشام منتصرين في عام ٦٥٨ هـ استقبلَهم المسيحيون خارج المدينة ،

٦٤٠
أ - الرد على المسيحية
وقدَّموا لهم الهدايا ، وقد كانوا رافعين صُلباناً على رؤوسهم ويقولون: قد
غلب الدين الحق، دينُ يسوعَ المسيح (١).
تَأليفُ («الجواب الصحيح»:
كانتِ المناظرةُ بين علماء المسيحية والقسِّيسين ، وبين المسلمين تدور حيناً
لآخر ، وَيَردُّ علماء المسلمين على إيراداتهم ، ويفضحون مواضعَ الضعف في
أقوالهم ، ولكنَّ الذي استرعى انتباه ابن تيمية إلى هذا الموضوع، وجعله
موضع اهتمامه الخاص هو أن مؤلّفاً جديداً للمسيحيين في المناظرة وصل من
قُبرص إلى الشام ، حاول فيه مُؤلِّفه إثبات المسيحية ، وإثبات عقائدها من
طريق العقل والنقل.
كما أنَّه بذل قُصارى جُهدهِ في إثبات: أن بعثة الرسول ◌َّه لم تكن عامة،
وإنما كانت تخص العرب وحدهم ، ولذلك فإن المسيحيين لم يكلَّفوا الإيمانَ
به ، يبدو: أنَّ هذا الكتاب نال أهمية كبرى في أوساط الشام العلمية ، والدينية.
إِنَّ أصلَحَ رَجلٍ للَّد على هذا الكتاب هو الذي يتمتّع بنظرٍ عميق واسع في
الفلسفة ، وعلم الكلام ، والعقائد ، والفِرق في جانب ، وفي جانب آخر يكون
مُطَّلعاً على صُحُف العهد القديم، والعهد الجديد (بايبل) وعلى تاريخ
المسيحية اطلاعاً كاملاً ، فبالنسبة إلى هذه الناحية لم يكن هناك أيُّ عالم أصلحُ
من ابن تيمية لهذا العمل في ذلك العصر ، فتصدّى للكتابة في هذا الموضوع
وألّف كتاباً باسم ((الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح)) (٢) في أربعة
مجلَّدات ، لا يتميَّز في هذا الموضوع فحسب ، بل إنه يحتل مكانة ممتازة بين
سائر مؤلفات ابن تيمية .
يدلُّ هذا الكتاب على سَعة نظره ، وتنوُّع دراسته ، واطلاعه الواسع العميق
(١) وللاطلاع على التفصيل راجع الجزء الأول من هذا الكتاب.
(٢) هذا الكتاب يقع في ١٣٩٥ صفحة، طبع في مصر في عام ١٣٢٢ هـ (١٩٠٠ م) باهتمام
الشيخ فرج الله زكي الكردي ، والشيخ مصطفى قباني الدمشقي.