Indexed OCR Text
Pages 501-520
٥٠١ الفصل الثالث: نشأة ابن تيمية وحياته عليهم ، وأمرهم بملازمة الصلاة والتوجّه إلى الله تعالى بالأعمال الصالحة ، والتسبيح والاستغفار والدعاء ، وعلَّمهم من السُّنَّة ما يحتاجون إليه ، ورغّبهم في أعمال الخير، وحضَّهم على ذلك ، حتى صار الحبسُ بالاشتغال بالعلم والدين خيراً من كثير من الزوايا والربط والخّوانق والمدارس، وصار خلْقٌ من المحابيس إذا أُطلقوا يختارون الإقامة عنده)) (١). وفي الرابع عشر من صفر سنة ٧٠٧هـ بعد أربعة أشهر استُؤنفت جهودٌ للإفراج عنه ، ولقيَه قاضي القضاة بدر الدين ابن جماعة نفسُه وتكلم معه في الموضوع طويلاً ، ولكنه لم يرض بالخروج من السجن. وأخيراً في الثالث والعشرين من ربيع الأول ذهبَ إليه الأمير حسام الدين مُهنّا بن عيسى ملك العرب (٢) في السجن، وناشده الله وجاء به إلى منزل نائب السلطنة ، وكان الأمير حسام الدين يُريد أن يذهب به إلى دمشق ، ولكنَّ النائب أشار عليه بالإقامة في مصر لمدةٍ حتى يعرف الناس بمكانته العلمية والدينية ، ويتمگَّنوا من الاستفادة منه. سُمُؤْ أخلاقِ ابن تيمية: وتَجلَّى سُموُّ أخلاق ابن تيمية في هذه الفترة أكثر مما كان عليه ، فإنه لم يُطأطِىء رأسَه أمام أيّ قوة ، ولا راوَدَتْهُ رغبةٌ دنيوية، أو منفعةٌ مالية ، إنه رَفض بصراحةٍ أن يقبل أي خلعةٍ سُلطانية ، أو عَطايا ملوكية. وكانتْ مأثَرتُه الأخرى أنه عفا عن جميع من حاولوا إيذاءه ، أو عارضوه فور خروجه من السجن من غير استثناء وتلكُّؤْ ، وأعلن مُدوِّياً: أنه لا مؤاخذة ، (١) الكواكب الدرية: ص ١٨١ . (٢) كان الأمير حسام الدين أحد أفراد أسرة الأمراء العرب، ومن سراة الشام ورؤسائها الأقوياء وكان أكثر اطلاعاً على مآثر ابن تيمية وجهوده الإصلاحية بالنسبة إلى المصريين ، وقد بذل اهتمامه بصفة خاصة في الإفراج عنه وتأثر ابن تيمية بإخلاصه ، وعلو نسبه وحبه للحرية فقبل اقتراحه ورضي بالخروج من السجن. ٥٠٢ الفصل الثالث: نشأة ابن تيمية وحياته ولا عتاب على أحد ، يقول في رسالته التي وجّهها إلى الشام بعد الإفراج عنه : (تَعلَمُون رضيَ الله عنكم أني لا أحبُّ أن يُؤذى أحدٌ من عموم المسلمين فضلاً عن أصحابنا بشيء أصلاً لا ظاهراً أو باطناً ، ولا عندي عَتبٌ على أحد منهم ، ولا لَوْمٌ أصلاً ، بل لهم عندي من الكرامة والإجلال والمحبة أضعاف ما كان ، كل بحسَبه ، ولا يخلو الرجل إما أن يكون مجتهداً ، أو مخطئاً، أو مذنباً ، فالأول مأجور مشكور ، والثاني مع أجره على الاجتهاد مَعفُوٌّ عنه ، والثالثُ فاللهُ يغفرُ لنا وله ولسائر المؤمنين ، لا أحب أن يُنتصر من أحد بسبب كذِبه عليَّ، أو ظلمه، أو عُدوانه ، فإِنِّي قد أحللتُ كلَّ مسلم ، وأنا أحب الخير لكل المسلمين ، وأريد لكل مؤمن من الخير ما أريده لنفسي ، والذين كذبوا، وظلموا هم في حلٌّ من جهتي)) (١). التَّدريسُ والإفَادةُ: اشتغلَ ابنُ تيمية بعد خروجه من السجن بالتدريس والإفادة ، ولم يكن الجوُّ في مصر مُلائماً له بعد ، وكان العلماء والقضاة قد أذاعوا عنه في الناس أنواعاً عديدة من سُوء الظن ، فقد كانت جماعةُ الصوفية - التي كانت تتسم بالتوحيد الوجودي - مُسيئَة الظنِّ به ، ومتألمةً منه ، ولم تكن هناك شخصية قوية تُمثل المذهب الحنبلي وحده من بين المذاهب الأربعة ، كما تُمثِّل عقيدة السلف من بين العقائد (٢) ، بينما وُجد كبار العلماء والقضاة للمذاهب الأخرى هناك. وعلى ذلك فقد عَزم ابنُ تيمية على الإقامة في مصر لمدة يقوم فيها بإلقاء الدروس والإفادة العامة ، وابتدأت دروسه ومجالسُه منظّمةً وغير منظمة ، وقد ألقى عِدّة دروس عن القضايا العلمية والكلامية الخالصة في مدارس القاهرة (١) ابن تيمية: محمد أبو زهرة، ص ١٦٢ . (٢) كان القاضي الحنبلي آنذاك قليل العلم ومحدود الذكاء ، فكان الحنابلة ضعيفي الجانب لذلك. ٦ ٥٠٣ الفصل الثالث: نشأة ابن تيمية وحياته الشهيرة وبخاصة في الصالحية ، استفاد منها الخاصَّة ، واطلعوا على أفكاره وعقائده الأصيلة . استمرَّتْ هذه الدروسُ والمجالس إلى ستة أشهر، استفاد منها العامة والخاصة كلهم فوائد علمية ودينية ، وشغف الناس بوجهٍ عام بإخلاصه ، وذكائه النادر ، وعقله الكبير ، ونُبوغِه العلمي. رسالة ابن تيميَّة إلى أُمّه: لقد كان قدوم ابن تیمیة إلی مصر على غفلةٍ منه ، وما کان یعرفُ أنه یمکُث هناك هذه المدَّة الطويلة ، وكانتْ أمّه وأسرته كلها في الشام تنتظرُ عودته بسلامة ، ولما أراد ابنُ تيمية أن يقضي بعض المدة في مصر أخبرَ أمَّهُ بهذه النية ، واستأذنَها في ذلك برسالة تحتوي على عواطف لطيفة ، وحُبّ بريء ، وبِرِّ مع الأم ، وطموح، ورجولة ، وعزم ، كما أن أسلوبها سهل مطبوع ، وهي جديرة بأن أنقُل جميعَها إلى القراء الكرام: ((مِن أحمد ابن تيمية إلى الوالدة السعيدة أقرَّ الله عينيها بِنعَمِه وأسبغَ عليها جزیل کرمه ، وجعلها من إمائِهِ وخدمه . سلامٌ علیکم ورحمة الله وبر كاته: إنَّا نحمدُ إليكم الله الذي لا إله إلا هو، وهو لِلحَمد أهلٌ ، وهو على كلِّ شيء قدير ، ونسألَه أن يُصلي على خاتم النبيين وإمام المتقين محمدٍ عبده ورسوله ويس وعلى آله وسلم تسليماً. كتابي إليكم عن نِعَم من الله عظيمة ، ومِنَنِ كريمة وآلاء جسيمةٍ نشكر الله عليها ، ونسأله المزيد من فضله ، ونعم الله كلما جاءت في نُموٍّ وازديادٍ ، وأياديه جلَّت عن التعداد ، وتعلمون أن مقامنا الساعةَ في هذه البلاد إنما هو لأمور ضرورية ، متى أهملناها؛ فسد علينا أمرُ الدين والدنيا ، ولسنا والله مختارين للبُعد عنكم ولو حملْتنا الطيورُ؛ لَسْنا إليكم ، ولكنَّ الغائب عذرُه معه وأنتم لو اطّلعتُم على باطن الأمور؛ فإنكم - ولله الحمد - ما تختارون ٠ ٥٠٤ الفصل الثالث: نشأة ابن تيمية وحياته الساعة إلا ذلك ، ولم نعزم على المقام والاستيطان شهراً واحداً بل كلَّ يوم نستخيرُ الله لنا ولكم ، وادعوا لنا بالخَيرة ، فنسأل الله العظيم أن يخير لنا وللمسلمين ما فيه الخيرة في خيرٍ وعافية. وقد فتحَ الله مِن أبواب الخير ، والرحمة والهداية والبركة ما لم يكن يخطُر بالبال ، ولا يدور في الخيال ، ونحن في كلِّ وقتٍ مهمومون بالسفر مُستخيرون الله سبحانه وتعالى، فلا يظنّ الظانُّ أنَّا نؤثر على قُربكم شيئاً من أمور الدنيا قطُّ ، بل لا نؤثر من أمور الدين ما يكون قُربُكُم أرجح منه ولكن ثَمّ أمور کبار نَخافُ ضرر الخاصِّ والعام من إهمالها ، والشاهدُ يرى ما لا يرى الغائب. والمطلوبُ كثرة الدعاء بالخيرة فإن الله يعلم، ولا نعلم ، ويَقْدِر ، ولا نقدر ، وهو علاَّم الغيوب ، وقال النبي ◌َِّ: ((مِن سعادة ابن آدم استخارتُه الله، ورضاه بما يقسم الله له ، ومِن شقاوة ابن آدم تركُ استخارته الله، وسخَطُه بما یقسم الله له))(١). والتاجر يكون مسافراً ويخافُ ضياع ماله ، فيحتاجُ أن يُقيم حتى يستوفيَه ، وما نحن فيه أمر يَجِلُّ عن الوَصف ، ولا حول ولا قوة إلا بالله ، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته كثيراً كثيراً ، وعلى سائر من في البيت من الكبار ، والصغار، والأهل ، والأصحاب واحداً واحداً ، والحمد لله رب العالمين ، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليماً». اعتِقالُ ابن تيميةَ مَرَّةً أُخرى: لقد كانت مصر مركزاً مُستقلاً لعقيدة وحدة الوجود ونظرتها ، ويبدو أن (١) [أخرجه أحمد في المسند (١٦٨/١) وقال الهيثمي في المجمع (٢٧٩/٢): رواه أحمد وأبو يعلى والبزار بنحوه، وفيه محمد بن أبي حميد، وقال ابن عدي: ضَعْفُه بيِّن على ما يرويه ، وحديثه مقاربٌ، وهو مع ضعفهِ يُكتَبُ حديثه، وقد ضعَّفَه أحمد والبخاري وجماعة ، وأخرجه الحاكم في المستدرك (٥١٨/١)، والترمذي في أبواب القدر ، باب ما جاء في الرضا بالقضاء، برقم (٢١٥) والبزار كما في ((كشف الأستار)) (٧٥٠) من حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه]. ٥٠٥ الفصل الثالث: نشأة ابن تيمية وحياته الشاعر المتصوف الشهير ابن الفارض الذي توفي عام ٦٣٢ هـ كان من أصحاب هذا ((المشرب))، وفي شعره إشارات يستدلُّ منها على هذا الاتجاه ، وكان ابنُ تيمية يردُّ على هذه العقيدة جَهاراً ، ويعترض على هذه الأقوال والأعمال في دروسه ومجالسه ، التي كان يُعتبرها فيما يرى ضدَّ الكتاب والسنة ، ومن زيادات المتأخرين من الصوفية ، إنه يذكر في مواضع كثيرة من كتبه ومؤلفاته المحقّقين من الصوفية والراسخين منهم أمثال: الإمام عبد القادر الجيلاني ، والشيخ عدي بن مسافر الأموي في غاية من الاحترام والتأدب ، ولكنه لا يتلكأ في انتقاد مُعاصريه من المتصوفين والمشايخ ، الذين كانوا مُعجَبين فيما يعتقد بفلسفة اليونان ، وفلسفة الإشراق لمصر والهند. وكان من الطبيعي أن تُثير انتقاداتُه هذه استنكاراً في أوساط التصوف ، ونَهض شيخ الطريقة في مصر المعروف بابن عطاء الله الإسكندري (صاحب الحِكّم) واشتكى إلى الحكام ضدَّ ابن تيمية نيابة عن جماعة الصوفية ، كما ذهبتْ طائفة من الصوفية إلى القلعة تشكو ابن تيمية ، فلما سمع السلطان بهذه الشكاوى أمر بعقد المجلس في دار العدل ، وتحقيقِ هذا الأمر ، وحضر ابنُ تيمية في المجلس وتولَّى قضيته بنفسه ، وأسكتَ الناس بدلائله وقوة كلامه ، وأمسكَ السلطان عن إصدار أي مرسوم ضدَّه. غير أنَّ الثورة التي قامت عليه لم تَنْتَهِ ، وكان من بين ما اثُّهم به أنه يُعلن جهاراً أنه لا يُستغاث إلا بالله، وحتى لا تَصِحَّ الاستغاثةُ بالنبيِ وَلِّ، ولما عُرضت هذه الشَّكاةُ قال بعض العلماء: ليس عليه في هذا شيء ، ورأى قاضي القضاة: أن هذا فيه قِلَّةُ أدب، أمّا أن يؤدي هذا إلى الكفر، فلم يَقُل به أحَد ، ولذلك لم يَعُد للشكوى أُّ أثرٍ . ولكنَّ الحكومة تضجَّرتْ من هذه الإثارات التي استمرت في غير انقطاع فخيرتِ ابن تيمية بين ثلاث أمور: إمّا أن يسير إلى دمشق ، أو يُقيم في ٥٠٦ الفصل الثالث: نشأة ابن تيمية وحياته الإسكندرية بشروط (١) يستوفيها ، أو يختار الحبس ، فاختار الحبس ، فألحَّ عليه جماعة من تلاميذه وأنصاره أن يسافر إلى دمشق ، فأجابهم جبراً لخواطرهم ، وتوجه إليها ليلة ١٨ من شوال سنة ٧٧٠هـ ، ولکنه ردًّ في نفس اليوم إلى مصر ، وقيل له: إنَّ الدولة ما ترضى إلا بالحبس ، غير أن القضاة والعلماء كانوا مُرتبكين في حبسه؛ إذ لم يَثْبت عليه شيء ، وقد صاح القاضي المالكي شمسُ الدين التونسي وقال: لم يثبت عليه شيء يُبرر حَبْسه ، وكان نور الدين المالكي متردِّداً في هذا الأمر فسكت. ولمَّا رأى الشيخ ابن تيمية صراع العلماء والقضاة الفكري حكم لنفسه بالحبس ، فقال نور الدين الزواوي: يكون في موضع يَصْلُح لمثله ، فقيل له: الدولة ما ترضى إلا بمسعى الحبس ، فأرسل إلى حبس القضاة ، وأذن له أن یکون عنده من يخدمه . واستمرَّ الشيخُ ابن تيمية في الحبس يُستفتى ، ويقصِده الناس ويزورونه وتأتيه الفتاوى المشكلة التي لا يستطيعها الفقهاء من الأمراء ، وأعيان الناس ، فيكتب عليها بما يُحيِّر العقول من الكتاب والسنة . وبعد مدَّةٍ عُقِدَ مجلسٌ للشيخ في الصالحية ، وأفرج عنه نزولاً على رغبة الفقهاء والقضاة ، فاستقبله الناس بحماس وحرارة ، وأكثُوا على الاجتماع به ليلاً ونهاراً (٢). التَّطوّراتُ السياسية ، وابن تيمية يُواجه الشدائد: فُوجِئت مصرُ بتطوُّراتٍ وتغييراتٍ سياسية أحدثتْ لابن تيميَّة مشكلات جديدة ، وانتهز المعارضون هذه الفرصة للتآمر عليه بخُرِّية تامة ، وكان ناصر بن قلاوون لا يزال سلطان مصرَ والشام ، وهو الذي كان مُعْجَباً بعلمه (١) ولعلَّ من أهم الشروط: ألا يدعو الناس إلى اعتناق معتقداته بوجه عام. (٢) اقرأ التفاصيل في ((البداية والنهاية)) ج ١٤، ص٤٦. ٥٠٧ الفصل الثالث: نشأة ابن تيمية وحياته وإخلاصه يَعطف عليه ، فإنّ ابن تيمية هو الذي كان قد حمله على مقاومة التتار ، فكان قد شاهد بنفسه شجاعته ، وقُوَّة إيمانه واستقامته. وفي سنة ٧٠٨ هـ اعتزل السلطانُ السَّلطنةَ لأسباب كثيرة بعثَتْ فيه التشاؤم ، واقتنع بالإقامة في كرك ورقعة مملكته المحدودة فيها . وتخلّى عن عرش مصر لُرُكن الدين بيبرس الجاشنكير ، فأعلن بسَلطنته المستقلة ، ومن ثمَّ أصبح ركن الدين الحاكم المستقلَّ لمصر والشام ، وصار الشيخ نصرٌ المنبجي المربِّي الروحي لهذه المملكة الكبيرة ومستشارها الخاص. أمّا ابن تيمية فكان يُعتبر من أنصار السلطان ناصر بن قلاوون عدا ما اشتُهر به من عقائد وتحقيقات دينية تُضادُّ اتجاهات الشيخ نصرٍ المنبجي تماماً ، ولذلك فقد اجتمعتِ العوامل الدينية والسياسية لتنفيذ الأحكام ضدَّه. وفور هذا التغييرِ الذي حدث في سياسة الدولة صدر مرسوم ملكي لنفي ابن تيمية إلى الإسكندرية وحبسِه هناك ، فقد أرسل إلى الإسكندرية في اليوم الأخير من صفر سنة ٧٠٩هـ، ويقال: إنَّ الغرض من توجيهه إلى هذه المدينة الجديدة التي كانت تُعتبر مركز التصوُّف والصوفية القديم ، أن يتصدّى له بعضُ من يغتاله ، وتنجُوَ الدولة من هذا الصداع المتكرر من غير اتُّهام ، أو سُوء سُمعةٍ . ولكنَّ سُرعان ما اجتمع لديه حلقةٌ من تلاميذه والمعجبين به ، وتزايد إقبال العامة عليه ، فلم يؤثر الصَّمتَ ، والتعطيل على الكلام والعمل ، وشغله نشرُ تعاليم الكتاب والسنة ، والردُّ على البدع والمنكرات عن كلِّ شيء ، وبدأ الناس يُحبُّونه، ويُكرمونه حتى أحرز قبولاً عاماً بينهم ، يقول شقيقهُ شرف الدين ابن تيمية الذي كان رفيقَه ومشاركه في الحبس في رسالة بعث بها إلى أهل دمشق : ((وانقلبَ أهْلُ الثَّغر أجمعون إلى الأخ مُقبِلين عليه مُكرمِين له ، وفي كل وقت ينشر من كتاب الله وسُنَّة رسوله ما تَقُّ به عين المؤمنين ، وذلك شجىّ في حلوق الأعداء ... واستقرَّ عند عامة المؤمنين وخواصِّهم من أمير ، وقاض ، ٥٠٨ الفصل الثالث: نشأة ابن تيمية وحياته وفقيه ، ومفتٍ ، وشيخ، وجماعة المجتهدين إلا من شذَّ من الأغمار الجُمَّال مع الذِّلة والصَّغار محبةُ الشيخ ، وتعظيمُه ، وقبول كلامه ، والرجوعُ إلى أمره ونھیە)) (١) . ووُجِد بالإسكندرية في ذلك الحين غلبةٌ لأفكار فرق السَّبعينية ووحدة الوجود ، وكان هناك بعض دُعاتها المتحمسين ، حتى نالت هذه الأفكار قبولاً في أوساط العامة أيضاً، فكان لها تأثيرٌ سيِّىءٌ في أخلاقهم وأعمالهم، وأنتجت فيهمُ انطلاقاً في أمور الشريعة وحُرِّية فيها ، فقاومَ ابنُ تيمية هذا الاتجاه بشدة وحماس ، وردَّ أفكار هؤلاء الدعاة ، ومزَّق كلمتهم ، فشتَّتَ جمعَهم ، وفَّق شملَهم ، وذلك في فترة إقامته فيها التي لا تجاوز ثمانية أشهر ، وأعرض عنهمُ العامة ، والخاصة ، واستتاب جماعةً كثيرة منهم ، وتاب رئيسٌ من رؤسائهم کبیر . وكان مَقرُّ ابن تيمية في الإسكندرية مُتَّسعاً نظيفاً مليحاً ، له شُبَّاكان أحدُهما إلى جهة البحر والآخرُ إلى جهة المدينة ، وكان يدخل عليه مَنْ شاء ويتردّدُ إليه الأكابر ، والأعيان ، والفقهاء ، يقرؤون عليه ، ويستفيدون منه (٢). انقراضُ أمر زكن الدين الجاشنكير: كان الشيخُ ابن تيمية يتنبأُ أحياناً عن نهاية أيام الجَاشَنْكِيْرِ وشيخهِ نصر المنبجي ، ويقول: ((زالتْ أيامه ، وانتهت رئاسته ، وقرب انقضاء أجله)) وما كان قد مرَّ على حكمه عام واحد؛ إذ قرر السلطان ناصر بن قلاوون العودة إلى الحكم ، فتوجّه إلى دمشق في ١٣ / من شعبان سنة ٧٠٩هـ واستقبله أهل دمشق الذين كانوا يُحبونه بحماسٍ بالغ ، ودخل إلى دمشق في ١٧ / من شعبان في أبَّهةٍ عظيمة ، وتوجَّه من دمشق إلى مصر حيث أعدَّ أهلها إعدادات كبيرة لاستقباله ، ودخل ركبُ السلطان إلى مصر. (١) البداية والنهاية: ج ١٤، ص ٥٠. (٢) المصدر السابق: ج ١٤، ص٥٠. ٥٠٩ الفصل الثالث: نشأة ابن تيمية وحياته ولمَّا رأى ركنُ الدين الجاشنكير أنَّ الأحوال تنقلب؛ استقال عن الحكم ، وفي ٧/ من ذي القعدة قبض عليه الأمير سيف الدين نائب الشام ، وقُتل في مصر . والمؤرِّخون متفقون على أن الجاشنكير كان مقبولاً لدى الناس أيام نيابته كما كان راجح الجانب ، ذا هيبة ووقار ، وقد بدأت سلطنتُه المستقلة وخُذلانه في وقت واحد ، فقد انتهت هيبته ، وزال نجمه الطالع منذ إعلانه بالسلطنة ، وابتدأ زوال دولته ، وظل يتفاقم أمره فساداً، وحكمهُ اضطراباً، وتحدَّث عنه مؤرِّخ مصر الكبير المقريزي فقال : ((وكان رحمه الله خيّراً، عفيفاً، كثيرَ الحياء ، وافرَ الحُرمة ، جليلَ القدر ، مُهاب السطوة في أيام إمارته ، فلما تلقَّب بالسلطنة ، ورسم باسم الملك؛ اتَّضع قدرُه ، واستضعف جانبه ، وطُمع فيه ، وتغلَّب عليه الأمراء والمماليك ، ولم تنجح مقاصده ، ولا سَعِد في شيء من تدبيره إلى أن انقضتْ أیامُه ، وأناخ به چِمَامە)» (١) . ولا عجَبّ أن يكون انقراض دولة الجاشنكير من غير أسباب مسبقة نتيجة إيذائه لرجل مخلص كبير ، ومعارضته له ، وتفسيراً لما قاله الشاعر الفارسي ، ومعناه : (كم جرَّبنا في عالم المكافأة: أن من حارب عبداً مخلصاً لله تعالی تفانى في دعوته ، وهجر فيها راحته ولذته؛ انطمسَ ، وقُضي عليه بالزوال)). الإفراج عن ابن تيمية ، والحفَاوَةُ الملكية: يقول الشيخُ علَمُ الدِّين البرزالي معاصرُ الشيخ ابن تيمية: إنَّ السلطان لمَّا دخل إلى مصر يومَ العيد لم يكن له همّ إلا أن يُفرج عن ابن تيمية ، ويؤتى به (١) خطط مصر: ج ٢، ص ٤١٨. ٥١٠ الفصل الثالث: نشأة ابن تيمية وحياته مِصْرَ مُعززاً، مكرماً، مبجلاً، فوجَّه إليه في الثاني من شوال ٧٠٩هـ يطلبه إلى مِصْر. في ٨ من شوال غادر ابن تيمية الإسكندرية ، وودَّعه خلقٌ كثيرٌ في إجلال کبیر ، واحتفاء بالغ. ولمَّا وصَلَ ابنُ تيمية إلى البلاط الملكي مشى إليه السلطان خطوات ، واستقبله في مجلسٍ حافل فيه كبار علماء مصر والشام وقُضاتِهما ، يتحدث عن هذا القدوم واستقبالِ السلطان إياهُ القاضي جمالُ الدين ابن القلانسي قاضي الجيش الذي كان حاضراً في المجلس يومَ ذاك ، وشاهد الأمور بنفسه ، يقول: ((إنَّ السلطان لمَّا قدم عليه الشيخُ تقي الدين ابن تيميّة؛ نهض قائماً للشيخ أوَّل ما رآه ، ومشى له إلى طرف الإيوان ، واعتنقا هناك هُنيهةً ، ثم أخذه معه ساعة إلى طبقة فيها شُباك إلى بستان ، فجلسا ساعة يتحدَّثان. ثم جاء ويدُ الشيخ في يد السلطان ، فجلس السلطان وعن يمينه ابنُ جماعة قاضي مصر ، وعن يساره ابنُ الخليلي الوزير ، وتحته ابن صَصْرَى ، ثم صدرُ الدين علي الحنفي ، وجلس الشيخ تقي الدين ابن تيمية بين يدي السلطان على طرف طُرَّاحته ، وتكلم الوزير في إعادة أهل الذّمة إلى لبس العمائم البيض بالعلائم (١) ، وأنهم قد التزموا الديوان بسبعمئة ألفٍ في كل سنةٍ زيادة على (١) توصَّلَ علماء الإسلام في ضوء بعض التجارب الماضية إلى أنه لا بدَّ من وجود علائم في لباس الرعية غير المسلمة في المملكة الإسلامية ، فقد بقي في مصر والشام بعد الحروب الصليبية عددٌ لا بأس به من المسيحيين الذين كانوا قد قدموا من الخارج ، ويعملون كجواسيس للأجانب تطوُّعاً ، كما أنهم كانوا ينشرون عدوى تقاليدهم في المجتمع المسلم ، وكتب ابن كثير في أحداث ٧٢١ : ((وقع حريقٌ عظيمٌ في ٦ جمادى الأولى في القاهرة في الدور الحسنة والأماكن المحلية المرتفعة وبعض المساجد وحصل للناس مشقة عظيمة من ذلك ، وقنتوا في الصلوات ثم كشفوا عن القضية فإذا هو من قبل النصارى ... فقتل السلطان بعضهم، وألزم النصارى أن يلبسوا الزرقاء على رؤوسهم وثيابهم كلها)»، ولمّا عاد السلطان ناصر حاول بعض النصارى أن ينسخ هذا القانون. ٥١١ الفصل الثالث: نشأة ابن تيمية وحياته الحالية ، فسكت الناس ، وكان فيهم قُضاة مصر ، والشام ، وكبار العلماء من أهل مصر ، والشام ، من جملتهم ابنُ الزملكاني. قال ابنُ القلانسي: وأنا في مجلس السلطان إلى جنب ابن الزملكاني ، فلم يتكلّم أحدٌ من العلماء ، ولا من القضاة ، فقال لهمُ السلطان: ما تقولون؟ يستفتيهم في ذلك ، فلم يُجبْ أحدٌ ، فجثا الشيخ تقي الدين على ركبتيه ، وتكلّم مع السلطان في ذلك بكلام غليظ وردًّ على الوزير ما قاله رداً عنيفاً ، وجعلَ يرفع صوته والسلطان يتلافاه ويُسكته برفق ، وتؤدّة ، وتوقير ، وبالغ الشيخ في الكلام، وقال ما لا يستطيع أحدٌ أن يقول بمثله ، ولا بقريب منه ، وبالغ في التَّشنيع على من يُوافق في ذلك ، وقال للسلطان: حاشاك أن يكون أول مجلس جلستَه في أبهة الملك تنصُر فيه أهل الذمة لأجل حطام الدنيا الفانية ، فاذكر نعمة الله عليك؛ إذ ردَّ ملكك إليك ، وكبَتَ عَدُوك ، ونصرك على أعدائك)). فذكر: أن الجاشنكير هو الذي جدَّد عليهم ذلك ، فقال: ((والذي فعله الجاشنكير كان من مراسيمك لأنه إنما كان نائباً لك ، فأعجب السلطان ذلك ، واستمرّ بهم على ذلك)) (١). اتباعُ سُنة يُوسف عليه السلام في مصر: يقول ابنُ القَلَانسي: إنَّ ابنَ تيمية حدَّثه ، قال: إن السلطان استفتاه في قتل بعض القضاة بسبب ما كانوا تكلّموا فيه ، وأخرج فتاوى بعضهم بعزله من المُلك ، ومبايعة الجاشنكير، وأنهم قاموا عليك، وآذوك أنت أيضاً ، وأخذ يحثُّ بذلك على أن يُفتيه في قتل بعضهم ، ففهمتُ قصده بذلك ، فأخذتُ في تعظيم أولئك العلماء ، والقضاة ، وأنكرُ أن ينال أحداً منهم بسوء ، وقال له: إذا قتلت هؤلاء لا تجد بعدهم مثلهم. (١) البداية والنهاية: ج ١٤ ، ص ٥٤. ٥١٢ الفصل الثالث: نشأة ابن تيمية وحياته فقال: إنَّهم قد آذوك ، وأرادوا قتلك مراراً. فقلت له: من آذاني فهو في حل ، ومن آذى الله ورسوله فالله ينتقم منه ، وأنا لا أنتصرُ لنفسي ، وما زِلتُ به حتى حَلَم عنهم السلطان ، وصفح. ويقول ابنُ كثير: ((كان قَاضي المالكية ابنُ مخلوف يقول: ما رأينا مثلَ ابن تيمية ، حرّضنا عليه، فلم نقدر عليه، وقدرَ علينا، فصفحَ عنا ، وحاجَجَ عنا)) (١). ثم إنَّ الشيخ بعدَ اجتماعه بالسُّلطان نزل إلى القاهرة وعاد إلى بثِّ العلم ونشرِه، وأقبلت الخلقُ عليه، ورحلوا إليه يشتغلون عليه ، ويستفتُونه ، ويُجيبهم بالكتابة والقول ، وجاء الفقهاء يعتذرون مما وقع منهم في حقه ، فقال: قد جعلتُ الكُلَّ في حِلِّ. ولمّا اطمأنَّ الشیخُ ، واستقرَّتْ به الحال؛ بعثَ كتاباً إلى أهله يذكر فيه ما هو فيه من نعم الله ، ويَطلُب منهم جملةً من كُتب العلم. ولمّا رأى خصومُ ابن تيميَّة أنَّ مكانته ارتفعتْ ، وَصَفَتْ حیاتُه أكثر من ذي قبلُ ، وعجزوا عن تحريض الناس عليه في مسألة علمية؛ اتجهوا إلى العامة يُحرّضونهم ولقد كان تحريضُهم عليه في مصر حيث لم يكنِ الناس عارفين بمكانته أسهل شيء ، فحدث في الرابع من رجب سنة ٧١١هـ أنه انفرد به جماعةٌ بتحريض خصومِه ، فامتدتْ أيديهم الأثيمة إليه بالضرب ، ولكنَّ سُكَّان الحُسينية (حيثُ رأس سيدنا الحسين مدفونٌ كما هو المشهور لدى العامة) تجمّعوا ليثأروا للشّيخ فردَّهم ، ولم يأذن لهم بذلك ، وقال لهم: (إمّا أن يكون الحق لي أولكم أو اللهٍ، فإن كان الحق لي؛ فهم في حِلِّ منه، وإن كان لكم، فإن لم تَسمعوا مني ، ولم تستفتُوني؛ فافعلوا ما شئتم ، وإن كان الحق للهِ؛ فاللهُ يأخذُ حقَّه إن شاء الله). (١) البداية والنهاية: ج ١٤، ص ٥٤. ٥١٣ الفصل الثالث: نشأة ابن تيمية وحياته وفي أثناء هذه المناقشة حضَر وقتُ العصر ، فذهب ليصلِّي في الجامع ، فنهوه عن ذلك حتى لا يُؤذى ثانية ، فلم يلتفتْ إلى قولهم ، ومضى إلى المسجد ، وتبِعَتْهُ جماعةٌ كبيرةٌ من الغاضبين له. وحَدَثَ لهُ بعدَ ذلك أنْ أساءَ إليه بعضُ الفقهاء بالقول ، ثم اعتذر إليه ، ولعله اعتذَر خوفاً من بَطشِ السلطان أو النَّاس ، ولكنَّ الشيخ على أيّ حالٍ عنا وقال: لا أنتصرُ لنفسي (١). ولم يكتفِ الشيخُ ابن تيمية خلال إقامته في مصر بالبحث ، والتدریس ، ونشر الكتاب والسنة ، بل انتهزَ فرصة اتصاله بالسلطان ، فأشار عليه في بعض الأمور وأصدر منه بعض الأوامر مما كان له تأثيرٌ حسن ، وفائدة كبيرة ، يقول ابن كثير : ((وفيها (سنة ٧١٢ هـ) قدم كتابٌ من السلطان إلى دمشق أن لا يُولَّى أحدٌ بمال ، ولا برشوة ، فإنَّ ذلك يفضي إلى ولاية من لا يستحق الولاية ، وإلى ولاية غير الأهل ، وكان سببَ ذلك الشيخ تقي الدين ابن تيمية رحمه الله ، وكذلك جاءَ كتاب السُّلطان أن من قُتل لا يجني أحدٌ عليه بل يُتَبعُ القاتل حتى يُقْتَص منه بحكم الشرع الشريف ، وكان سببُه ابن تيمية أيضاً. العودةُ إلى دمشق: وفي شوال سنة ٧١٢ هـ كانتِ الأخبار تتوارد عن عَزْم التتار على الهجوم ، وأخيراً قضى السلطانُ بخروجه عن مصر ، ومقاومتهم بنفسه ، وفي الثامن من شوال توجّه إلى دمشق ، ودخل فيها في الثالث والعشرين من شوال ، وكان ابنُ تيمية يَصحبُ السلطان في هذه الرِّحلة ، وكان يعود فيها إلى وطنه الحبيب بعد سبع سنين كوامل ، فاستقبله الناس بحماسٍ زائد ، وأبدَوا سُرورهم بقدومِه ، وقدَ خرج عددٌ كثير من النساء - فضلاً عن - الرجال لرُؤيته ، وكانتْ رِحلَتُه هذه (١) ابن تيمية: لمحمد أبو زهرة، ص ٧٤. ٥١٤ الفصل الثالث: نشأة ابن تيمية وحياته بِنَّةِ الجهاد ، ولكنه علم بعد مقدمه إلى دمشق: أن التتار عادوا راجعين ، فنَوى الشيخُ زيارة بيت المقدس من دمشق ، وبعدما مكثَ هُناك مُدَّة من الزمان عادَ إلى دمشقَ زائراً بعضَ البلدان الأخرى ، وانهَمك في عَملِه ، وعكف عليه كامل العكوف. شَغَفُ شيخ الإسلام بالأحكام الفقهية: ولو أنَّ الشیخَ ابن تيمية بعد رجوعه إلى دمشق في هذه المرة كان قد عاد إلى وظيفته القديمة من الأشغال العلمية ، والدينية ، والتربوية ، وبدأ بالتدريس ، والإفتاء ، والتأليف كما هي عادتُهُ ، غير أنه انصرف في هذه المرّة إلى دراسة الأحكام الفقهية وفُروعها بوجهٍ خاص بينما كانتِ العقائد، والأصول ، والمسائل الكلامية مجالَه الأول ، تلك التي كانت موضع خلاف بين الأشاعرة والحنابلة . ويبدو أنَّ الشيخ أدرك: أنَّ الموضوع الأول قد أشبَعه وفرَة معلومات ودلائل ، وأنَّ الحقَّ اتَّضح كالشَّمس في رائعة النهار بمواعظِه ، ودروسه ، وتأليفاته ، فلا بُد من الالتفات إلى جانب مهم آخر ، حيث يمكن استخدام خصائِصه العلمية ، ومواهبه الطبيعية ، وهو الفقه الإسلامي من غير شك. لقد كانت أسرةُ ابن تيمية متمسِّكة بالمذهب الحنبلي ، ولذلك فإنَّ مُعظم فتاويه تُبتنى على المذهب الحنبلي (١) ، إلا أنه لم يَتقيَّد بالمذهب الحنبلي مئة في المئة ، إذ كان من الصعب جداً أن يفعل ذلك بعد ما أوسعه الله اطلاعاً على ذخائر الكتاب ، والسنة ، واستحضاراً بالمذاهب الفقهية ، وأصولها ، ودلائلها ، فكان يُرجِّحُ بعض الأحيان المذهب الذي يراه أقوى دليلاً من الكتاب ، والسنة، وأقربَ إليهما بالنسبة إلى المذاهب الأخرى ، ويجدُ أنه ينال تأييدَ الجمع الكبير من الصحابة ، والتابعين. (١) انظر ((فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية)) ١ - ٥ . ٥١٥ الفصل الثالث: نشأة ابن تيمية وحياته إنَّ شيخَ الإسلام كانَ شديدَ الاعتراف بعُلوِّ مكانةِ الأئمة الأربعة ، وحُسنِ اجتهادهم، ودينهم، وورعهم، وتفوّقهم العلمي ، على تبُره في العلم ، وقُوَّة استنباطه، واستقلالِ فكره ، كان يَعتبرُهم طَلّبَ الحقِّ، ومُتَّبعي السُّنةِ، وراسخي العلم، الذين كان مَصدرَ اجتهادهم الكتابُ ، والسنة ، ونُصوصهما، والإجماع، والقياس الشرعي ، وقد كانوا في ذلك متَبعين ، لا مبتدعین. ولذلك فقد كان ابنُ تيمية يكره الذي يتناول هؤلاء الأئمة الأعلام بالنَّقْد والطعن ، وقد ركّز عنايته بالإشادة بذِكْرهم والانتصار لهم ، والحدِّ من ألسنة المعترضين المنتقدين ، فألّف رسالته الشهيرة ((رفع الملام عن الأئمة الأعلام)) التي تُعتبر من أحسن ما ألف في هذا الموضوع؛ إنَّه يقول في فاتحة الرسالة: («يَجبُ على المسلمين بعدَ موالاة الله ورسوله موالاة المؤمنين ، كما نطق به القرآنُ وخصوصاً العلماءُ الذين هم ورثة الأنبياء الذين جعلهم الله بمنزلة النجوم يُهتدى بهم في ظلمات البر والبحر ، وقد أجمع المسلمون على هدايتهم ، ودرايتهم ، إذ كُلُّ أمة قَبْلَ مبعثٍ محمد ◌َلَّ علماؤُها شِرارُها إلاَّ المسلمين فإنَّ عُلماءَهم خيارُهم ، فإنَّهم خلفاء الرسول في أمته ، والمُخْيُون لما مات من سُنَّته ، بهم قام الكتاب ، وبه قاموا ، وبهم نطق الكتاب ، وبه نطقوا. وليعلم أنَّه ليس أحدٌ من الأئمة المقبولين عند الأمة قبولاً عاماً يَعتمدُ مخالفة رسول الله بَّ في شيء من سنة دقيقٍ، ولا جليل، فإنهم مُتَّفقون اتفاقاً يقينياً على وُجوب اتِّباع الرسول، على أن كلَّ أحدٍ من الناس يُؤخذ من قوله ، ويُترك إلا رسول الله وٍَّ، وإذا وُجد لواحدٍ منهم قولٌ قد جاء حديثٌ صحيح بخلافهِ فلا بُدَّ له من عُذْرٍ في تَركه ، وجميعُ الأعذار ثلاثةُ أصنافٍ: أحدها: عدم اعتقاده أنَّ النبي ◌ٍَّ قاله . والثاني: عدمُ اعتقادِه إرادَة تلك المسألة بذلك القول. الثالث: اعتقادُه أنَّ ذلك الحكم منسوخٌ. ٥١٦ الفصل الثالث: نشأة ابن تيمية وحياته مَسألَةُ الطَّلقات الثَّلاث: وعلى ذلك كلِّه فإنَّه كما رجَّح المذاهب الأخرى على المذهب الحنبلي وخَرَج عن نطاقه بعضَ الحين؛ خالفَ الأئمة الأربعة كذلك في بعض المسائل أحياناً ، وأفتى مخالفاً لهم واتَّبع فيها نصوص الكتاب والسنة ، ودلائلَهما ، ولكنَّ هذه المسائل التي خالف الأئمة الأربعة فيها لا تَعدُو عِدَّة مسائل ، ولكنَّ أشهرها مسألةُ الطلقات الثلاث في مجلسٍ واحدٍ. مسألة: إذا طلَّق أحدٌ زوجته ثلاث طلقات في مجلسٍ واحدٍ (سواء بلفظ واحد أو بألفاظ متعدِّدة) فمهما ارتكبَ المُطلِّق بدعة باتفاقِ الأئمة ، وجمهور الأمة ، وخالف الشرع، وأثم ، ولكن ما حكم هذه الطلقات؟ هل وقعتْ ، وبانتِ المرأةُ، واستحالتِ الرَّجْعَةُ بحُكم الشريعة ما لم تتزوَّجْ رجلاً آخر يَتَمثَّعُ بها، ويطلّقها؟ أو أنَّ هذه الطلقات الثلاث تُعتبر واحدة وتُمكِنُ الرجعةُ؟ فمذهبُ الأئمة الأربعة ، وأئمةِ الفقه ، والحديث: (الأوزاعيّ ، والنَّخْعيّ، والثَّوري ، وإسحاق بن راهويه ، وأبي ثور ، والبُخاريّ) وجمهورِ الصحابة ، والتابعين: أنَّ هذه الطلقات تقع من غير أن المطلَّق ارتكبَ بفعلِه هذا بدعةٌ ومعصية ، يقول الإمام النووي في ((شرح مسلم)): ((وقد اختلفَ العُلماء فيمن قال لا مرأته أنتِ طالق ثلاثاً ، فقال الشافعيُ ، ومالك، وأبو حنيفة ، وأحمد، وجماهيرُ العلماء من السّلف والخَلف يقع الثلاث)) . ويقولُ العلامة ابن رشد في ((بداية المجتهد)): ((جُمهُور فقهاء الأمصار على أنَّ الطلاق بلفظِ الثلاث حُكْمُه حُكْمُ الطَّلْقةِ الثالثة)» ، كما يقول العلامة ابن قيم الجوزية تلميذُ ابن تيميّة في كتابه ((زاد المعاد)): ((وهذا قول الأئمة الأربعة وجمهورِ التابعين وكثير من الصحابة)). إنَّ أقوالَ هؤلاء الأعلام تستندُ إلى عدَّةِ أحاديث مرفوعةٍ تُثبت أنَّ ٥١٧ الفصل الثالث: نشأة ابن تيمية وحياته النبي ◌َّل اعتبر هذه الطلقات الثلاث، أو أكثر، ثلاث طلقات، وأفتى ببينُونة المرأة (١). أمَّا مذهبُ شيخ الإسلام ابن تيمية وبعضٍ أصحابه وتلاميذه؛ فهو: أن هذه الطلقات الثلاث إنما تعتبر واحدةً ، ويُمكن معها الرجعة مثلما يمكن الرجل أن يرجع إلى زوجته التي طلَّقها واحدة ، إنه يقول: ((وهذا القول منقول عن طائفة من السَّلَفِ من أصحاب رسول الله ◌َّ مثل الزُّبير بن العوام ، وعبد الرحمن بن عوف ، ويروى عن عليٍّ، وعن ابن مسعود ، وابن عبَّاس ، وهو قول داود وأكثرِ أصحابه ، ويُروى عن أبي جعفر محمد الباقر بن علي بن حسين ، وابنِه جعفر الصادق ، ولهذا ذهبَ إلى ذلك مَن ذَهب من الشيعة (٢). ويَستدلُّ شيخُ الإسلام لتأييد مذهبه، وإثباته بالقرآن، والسنة، والقياس(٣). وفي الحقيقة: إنَّ شيخ الإسلام كانَ السبب في ظهور هذه المسألة ، واشتهارها ، وإليه يرجع الفضلُ في ذلك ، سواء تفرَّد هو بذلك ، أم كان من السلف من يرى فيها هذا الرأي ، إنه هو الذي حمل رايتها ، ولمَّا أبدى رأيه؛ وتحقيقه فيها؛ أثار ذلك استغراباً واضطراباً في الأوساط الفقهية. مسألَةُ الحَلِف بالطّلاقِ واعتقالُه: وعلى كُلِّ فإنَّ مسألة الطَّلقات الثلاث إنما كانت مسألةً فِقهيةً خالصة تَختصُّ بحياةِ الرجل المنزلية ، وكانت تُؤْثِّر على حياة أسرةٍ واحدة ، ولكنَّ المسألة الثانيةَ التي خالف فيها المذاهبَ الأربعة والمذهبَ المشهور ، والتي كان يتعدَّى (١) تكلّم الفريق الثاني في إسناد ومتون هذه الأحاديث ، ولكن الفريق الأول ردّ على ذلك في أسلوب المحدِّثين. (٢) فتاوى ابن تيمية: ج ٣، ص ٦٣ . (٣) وللاطلاع على البحث والاستدلال بتفصيل راجع ((زاد المعاد)) للحافظ ابن القيم مبحث (من طلق ثلاثاً بكلمة واحدة) ج ٤، و((إغاثة اللهفان)). ٥١٨ الفصل الثالث: نشأة ابن تيمية وحياته تأثيرُها إلى المعاملات والسياسة ، وعلاقاتِ الدولة والرعية كانت مسألةً الحَلفِ بالطلاق . وقد كان الحَلفُ بالطَّلاق عامّاً بين الناس في ذلك الحين؛ إذ كانوا يستندون إلى الحلف بالطلاق للتأكيد على كلام ، أو إبداء عزم ، أو صدق من غير تردُّدٍ ، ولا تكلُّفٍ ، فمثلاً كانوا يقولون ((عليّ الطلاق لأفعلن كذا)) ((عليّ الطلاق لأمتَنِعِنَّ عن كذا)) ((عليّ الطلاق لتفعَلَن كذا)» («عليَّ الطلاق اشتريتُها بكذا». كان ابنُ تيمية يرى: أن هذا أسلوب من القسم ، أو التأكيد واليقين ، من غير أن يُريدوا بها الطلاق في أي حال ، ولذلك فإن هذا نوعٌ من القسَم ، ولكنه ينفذ عليه أحكامُ الطلاق من أجل اعتبارهم ذلك الطلاق بالتعليق ، وذلك ما يُسبِّب خراب مئات من الأسر ، والبيوتات ، واضطراب الحبل في الحياة المنزلية . وقد أُدخلت في صيغة البَيعة كلماتُ الطلاق؛ لتثبيت البيعة وتأكيدها منذ عهد الحجاج بن يوسف ، حتى إن هذه الكلمات صارت كجُزء للبيعة ، وذلك كأن يقول: «لو أنَّني خرجتُ عن بيعة فلان؛ فزوجتي طالقٌ)). تأمَّل ابنُ تيمية في هذهِ المسألةِ ، وبدأ يُفتي بأن هذا نوعٌ من الحلف ، وأنَّ القائل يَحنُث إذا خالف قولَه ، وعَمِلَ خلافَه ، وتَلزُم عليه كفارة اليمين من غير أن يقعَ الطلاق. وليت أنَّ ابنَ تيمية قدَّم أقوال بعضٍ من الأئمة الأربعة وأصحابهم؛ لتأييد فتواه (١) ، ولكنَّ الحقيقة أن هذه الفتوى إنما كانت تُعارض القول المشهور ، والمفتى به لهذه المذاهب، وكان يبدو ذلك تحقيقاً جديداً، واجتهاداً صريحاً ، ولذلك فإنّها أثارت اضطراباً عاماً ، ورأى العلماء والقضاة أن يمنعوه عن هذه الفتوى لكيلا يَشتدَّ الاضطراب، يقولُ ابنُ كثير ضمن أحداث عام ٧١٨هـ: ((وفي يوم الخميس مُنتصف ربيع الأول اجتمع قاضي القضاة شمس الدين (١) راجع كتاب ((ابن تيمية)) للشيخ محمد أبي زهرة ، مبحث الحلف بالطلاق ص ٤٣٦ - ٤٣٧. ٥١٩ الفصل الثالث: نشأة ابن تيمية وحياته ابن مُسلم بالشيخ الإمام العلامة تقي الدين ابن تيمية ، وأشار عليه في ترك الإفتاء في مسألة الحلفِ بالطلاق ، فقبل الشيخ نصيحته ، وأجاب إلى ما أشار به رعايةً لخاطره وخواطر الجماعة المفتين. ثم ورد البريدُ في مستهل جمادى الأولى بكتاب من السلطان فيه مَنعُ الشيخ تقي الدين من الإفتاء في مسألة الحلف بالطلاق ، وانعقد بذلك مجلس ، وانفصل الحال على ما رسم به السلطان ، ونودي به في البلد ، وكان قبل قدوم المرسوم قد اجتمع بالقاضي ابن مسلم الحنبلي جماعة من المفتين الكبار ، وقالوا له أن ينصح الشيخ في ترك الإفتاء في مسألة الطلاق ، فعلم الشيخ نصيحته ، وأنه إنما قصد بذلك ترك ثَوران فتنةٍ وشرٌّ)) (١). ويبدو أنه بعد صدور المرسوم ازداد ثقة وطمأنينة في هذه المسألة ، وبدأ يُفتي فيها حسب ما تحقَّق له من غير أن يبالي بأي منع من قبل الحكومة ظناً منه: أن الحكومة ليس لها حقُّ التدخل في هذه المسألة ، ولا يجوز لأيِّ عالمٍ أن يُخفي عقيدته وعلمه خوفاً من الحكومة ، يتحدَّث ابن كثير في أحداث عام ٧٢٠ هـ فيقول: ((وفي يوم الخميس ثاني عشرين رجب عُقد مجلسٌ بدار السعادة للشيخ تقي الدين ابن تيمية بحضرة نائب السلطنة ، وحضر فيه القضاة ، والمفتون من المذاهب ، وحضر الشيخ ، وعاتبوه على العود إلى الإفتاء بمسألة الطلاق ، ثم حُبس في القلعة)) (٢). ولكنَّ مُدةً الحبس هذه لم تَطُل كثيراً ، وورد مرسوم من السلطان من مصر بإخراجه يوم الإثنين يوم عاشوراء من عام ٧٢١ هـ بعدما مكث فيه خمسة أشهر وثمانية عشر يوماً. (١) البداية والنهاية: ج ١٤، ص ٨٧. (٢) المصدر السابق: ج ١٤ ، ص ٩٧. ٥٢٠ الفصل الثالث: نشأة ابن تيمية وحياته اعتقالُهُ الأخير: اشتغل ابنُ تيمية من عام ٧٢١هـ خمس سنين بالتدريس والإفتاء والتأليف والوعظ بكل حرية وانهماك بالغ ، فكثيراً ما كان يُدرس خلال هذه المدة في المدرسة الحنبلية أو مدرسته الخاصة به الواقعة في القصاصين ، كما أنه أعاد النظر خلال ذلك في مؤلفاته ورسائله القديمة ، وقام بتأليفاتٍ جديدة. ولعلَّه كان يتمكّن من إنجاز أعمال مفيدة جدّاً في هذه المدَّة ، وإخراج مؤلفات كبيرة القيمة في موضوعات مهمة ، غير أن تفوقه العلمي ، وتفرُّده في بعض المسائل سبَّب له ولمعاصريه امتحاناً يدفع ثمنه وغرامته بين فينةٍ وأخرى ، وعلى ذلك ما كان يتيسّرُ له الهدوء إلى مدة طويلة ، فما كاد يُمضي إلا مدة قليلة إذ عرضتْ مسألة أخرى كانت موضع بحث وجدال بين الخاصة والعامة على السواء ، وهي لم تكن مسألة فقهية خالصة كمسألة الطلاق ، بل كانت تحتوي على العنصر العاطفي ، وتكفي لإثارة الاضطراب في النفوس ، وهي مسألة زيارة قبر النبي رَليم . وقد كان ابن تيمية أفتى قبل سبعة عشر عاماً بأنَّه لا يجوز شد الرحال لزيارة القبور بما فيها قبر النبي ◌َّر، وذلك لأنه جاء في الحديث الشريف: ((لا تشدُّ الرحالُ إلا إلى ثلاثة مساجد ، المسجد الحرام ، ومسجدي هذا ، والمسجد الأقصى)) (١)، ثم إنه يفيض حسب عادته في بيان الحِكم الشرعية في ذلك وما (١) [أخرجه البخاري في كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة، باب فضل الصلاة في مسجد مكة، والمدينة، برقم (١١٨٩)، ومسلم في كتاب الحج، باب فضل المساجد الثلاثة ، برقم (١٣٩٧)، وأبو داود في كتاب المناسك ، باب في إتيان المدينة ، برقم (٢٠٣٣)، والنسائي في ((السنن الكبرى)) (٢٥٨/١) برقم (٧٧٩)، وفي الصغرى في كتاب المساجد ، باب ما تشد الرحال إليه من المساجد، برقم (٧٠١)، وابن ماجه في أبواب إقامة الصلوات ، باب ما جاء في الصلاة في مسجد بيت المقدس، برقم (١٥٠٩)، وأحمد في المسند (٥٠١/٢) برقم (١٠٥١٤) وغيرهم عن أبي هريرة رضي الله عنه ، وقد روي بنحوه عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أيضاً].