Indexed OCR Text
Pages 421-440
٤٢١ كلمة المؤلف قيَّض الله للمملكة العربية السعودية ، علماء وأمراء ، لإثارة هذه الكنوز ونشرها ، وكان يُخيَّل للمؤلف حين كان يحدِّث نفسه بإصدار هذا الجزء بالعربية أنَّه كناقل الثَّمر إلى هَجَر(١). ولكنَّ الله شَرح صدره لتحقيق هذه الأمنية ، وقبول هذا الاقتراح من إخوانه الذين عرفوا وجود هذا الكتاب باللغة الأردية - وفي مقدمتهم صديق المؤلّف الأستاذ عبد الحليم محمد أحمد صاحب دار القلم الكويتية - واقتنع أخيراً بأن لكل مؤلف طابعاً ، ولكل كتاب شخصية يتفرَّد بها كشخصية الإنسان ترجع إلى بيئة المؤلف ، وتجاربه الخاصة ، وفهمه الخاص ، فلا يكون إصدار هذا الكتاب من قبيل تحصيل الحاصل ، ومن قبيل الجهاد في غير طائل ، وإلا كان كلُّ من ألف في موضوع طُرِق وبحث واستوعب من زمان من فضول الأعمال ، وإضاعة الوقت. هنالك عهد المؤلِّفُ بنقل هذا الكتاب إلى اللغة العربية إلى زميله العزيز الأستاذ سعيد الأعظمي الندوي أستاذ دار العلوم لندوة العلماء ، ومحرر مجلة ((البعث الإسلامي)) فقام به خير قيام ، وقرأه المؤلّف حرفياً، وتناوله بالتنقيح والتهذيب ، والحذف والزيادة ، وعلّق عليه بعض تعليقات جديدة مفيدة ، فجاء أكمل وأجمل ، وأوفق للذوق العربي السليم. وها هو ذا الكتاب بين أيدي القرَّاء ، والله المسؤول أن ينفع به الإسلام والمسلمين ، ويرفعَ همة الباحثين والمؤلفين ، والعاملين في مجال الإصلاح ، والتربية ، وخدمة الدين ، وهو الموفق والمعين. أبو الحسن علي الحسني الندوي یوم الخمیس ١٣٩٥/٥/٩هـ ١٩٧٥/٥/٢٢ م (١) [هَجَر: اسمُ بلدٍ معروف بالبحرين، اشتهر بالتمر]. ء التَّابُ الأَوْلْ سيرة شيخ الإسلام ابن تيمية وميزات وخصائص الفصل الأول: الحاجة إلى ترجمان للشريعة ومصلح شامل. الفصل الثاني: العصر الذي عاش فيه شيخ الإسلام ابن تيمية. الفصل الثالث: نشأة ابن تيمية وحياته. الفصل الرابع: ميزات ابن تيمية البارزة وخصائصه. الفصل الخامس: خصائصه التأليفية. الفصل السادس: أسباب معارضة ابن تيمية بین نقادهوالمدافعینعن الفصل السابع: شيخ الإسلام ابن تيمية كعارف بالله ومحقق. ٤٢٥ الفصل الأول: الحاجة إلى ترجمان للشريعة ومصلح شامل الفصل الأول الحاجة إلى تَرَجُمَان للشريعة وَمُصلِحِ شَامِل حَدٍّ من حرِّية الفلسفة ، وإدالةٌ لتعليم الثُّبوة منها: تزَّم مولانا جلال الدين الرومي تلك الثورة العقلية التي كانت رَدَّ فِعل ضد الفلسفة اليونانية وعقليّة المتكلِّمين (١) ، لقد كان ذلك نموذجاً لعقليةٍ أسمى وفكرةٍ أرسخ ، وكان افتتاح عهد جديد لكلام جديد قام أساسه على سُمُوِّ العقل والقلب وطهارتهما ، وعلى تجربةِ المتكلّم الشخصية . كان مولانا جلالُ الدين الُّوميُ عالماً متبخِّراً ومتكلُّماً نابغاً في عصره ، أكرمه الله تعالى بالقلبِ العارف وطبيعة الحبِّ والحنان ، وكان قد سَئِمِتْ نفسه من كلام الفلاسفة وتقعير المتكلمين ، وقد بلغ بفضل تربية رجلٍ مؤمنٍ حنون ، ومن أجل المجاهدات والرياضات التي قام بها إلى حيثُ أدركَ فيه أنَّ المعارك الكلامية التي تدور في زمنه إنما تقوم على أساس الذكاء والخطابة أكثرَ منها على الحقيقة ، وهنالك شرح الحقائق الدينية بِلَغته ، واتخذ لإثباتها (١) كما مرَّ تفصيله وبسط القول فيه في الفصل الأخير من الجزء الأول لكتاب ((رجال الفكر والدعوة في الإسلام». ٤٢٦ الفصل الأول: الحاجة إلى ترجمان للشريعة ومصلح شامل طريقاً كان أقرب إلى الحقيقة ، ومبنياً على التجربة والوجدان. ولكنَّ الظُروف كانت تُؤكِّد الحاجةَ إلى رٍّ فعل آخر ضد طُغيان الفلسفة وعُدوان عِلم الكلام لاَ يَقل في خطورته من رد فعل سبقَ ذِكره ، فقد كان البحثُ عن ذاتِ الله وصفاته من رؤوس القضايا الَّتي شَغلت بُحوثَ الفلسفة وعلم الكلام. أمَّا الشريعةُ الإسلاميةُ فلم تترك موضوع العقائد غامضاً مُلتوياً غير واضح للإنسان ، بل إنها جعلت هذه الناحية موضع عناية بالغة بالنسبة إلى الأديان السابقة؛ لأنها أساسُ المجتمع الفاضل والمدنيَّة المُثلى ، والفضائل من الأعمال والأخلاق . إنَّ الشريعة الإسلامية وجَّهت إلى الإنسان توجيهاتٍ حاسمةً ، سهلةً واضحةً حول ذاتِ الله وصفاته ، لم تَعُد بعد ذلك أيُّ حاجة إلى تحقيقٍ وتدقيقٍ أو قياس. إِنَّ مَصدَر هذا العلم والإيمان إنما هو تعاليم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، فإنَّ كلامهم أكبرُ برهان على أنهم هم العارفون بما وراء الكون من إله ، وبصفاته النادرة الفَذَّة التي لا تَقبل القياس والنهاية. ما كان للفلسفة أن تَتحدَّث عن هذا الموضوع أو تقوم خَصْماً بإزائه؛ إذ لم تكن تُمسك مبادىء هذا العلم الأساسية ، ولا تلك المعلومات التي تتوصَّل بترتيبها إلى مجهول ، ولم تكن تصلح لإجراء اختبار أو تحليل ، ولم يكن الفلاسفة أهلاً لذلك. ولكنَّ الفلسفة على الرغم من عجزها العلمي تخطّتْ حدودها ، ولم تكتفٍ بالتدخل في هذا الموضوع فحسب بل إنَّها بحثت قضاياه وفروعَه بثقة كبيرة وتحكّم بالغ ، وبتفصيلٍ زائد وتدقيق شديد ، وقامت بتحليلٍ يختص بالمعامل الكيمياوية فقط . ظهر علمُ الكلام لِمقاومة الفلسفة ونُصرة الدين ، وكان ذلك أمراً لازماً ، ٤٢٧ الفصل الأول: الحاجة إلى ترجمان للشريعة ومصلح شامل غيرَ أنَّه تأثر بالفلسفة ، وتسرَّبت إليه روحُها حتى تكونت ((فلسفة دينية)) تنتهج نفسَ المنهج ، وتبحثُ نفس الموضوع ، وتتَّبع نفس الأسلوب للبحث والاستدلال ، وتُعيد نفس الخطأ في اعتبار ذات الله وصفاته وقضايا ما وراء العقل أموراً عقلية يُمكن إثباتُها عن طريق العقل ، وكذلك تُسيطر عليه روح عدم الاقتناع بما جاء به الأنبياء عليهم الصلاة والسلام من شَرْحٍ ، وتعبير في هذا الموضوع ، واستخدام مصطلحاتٍ یونانیة تقوم على علم محدود ناقص ، وتُثير شبهاتٍ ، الأمر الذي دعا إلى تَعقُّدِ القضايا وتوسُّعها بله أَن تنحلَّ أو تُختصر. ووُجدت ((فلسفة إلهية)) وكُتب ضخمة في شرح العقائد ، إزاء أسلوب مُقْنع مُؤثِّر كان جديراً بشحن النفوس بالإيمان والإذعان ، وإقناع العقول في كل زمان ، وكان مؤسَّساً على نصوص الكتاب والسنة. وكانت هذه الفلسفةُ الإلهية الجديدة قد تأثرتْ بالفكر اليوناني رغم أنها ظَهرت ضدَّ الفلسفة اليونانية ، فكانتْ رُوح الكتاب والسنة تحتجُّ دائماً على هذا الموضوع ، وَوُجدت طبقةٌ وجيهةٌ للأمة الإسلامية معارضة لهذه التفاصيل الفلسفية والتآويل الكلامية . غير أنَّ الحاجة إلى عالمٍ كبيرٍ نافذ البصيرة ، واسع العلم ، قويّ الإيمان كانتْ أكيدة لشرح الكتاب والسنَّة والتعبير القويّ المؤثر عنهما ، ذلك الذي يَعتقد أجزم الاعتقاد أنَّ في نصوص الكتاب والسنَّة حَول ذاتِ الله وصفاته وفي تعبيراتهما عنها غنىّ وكفايةً تامة. ذلك العالِمُ الذي يتوصل بذكائه ودراسته إلى أعماق الفلسفة ويطَّلع على خباياها وكوامنها ، ويتمكَّنُ من تناول أقوال فلاسفة اليونان ومذاهبهم الفكرية بالنقد العلمي ، بما عنده من علم بمواضع ضَعْفِها الأساسية. ذلك الذي قد تعمّق بتفكيره فوصل إلى أغوار علم الكلام ، واطّلع على الخلافات الدقيقة بين الأديان والفرق الإسلامية ، ولا يخفى عليه شيءٌ من تاريخ علم الكلام ونُمُوِّه. ٤٢٨ الفصل الأول: الحاجة إلى ترجمان للشريعة ومصلح شامل ذلك الرجلُ الذي يكون على جانب عظيم من الثقة والاعتزازٍ بنصوص الكتاب والسنة ومذهب السلف بفضل دراسته وتجاربه ، يفيض عزماً وحماساً بنصرته وشرحه ، ويَعيش على حَسَك السَّعدان لكي يُثبت رجحان مذهب السلف وفَضله من الناحية العقلية على غيره من الفلسفاتِ والنُّظم العقلية ، كما يكون مُتمتِّعاً بجميع تلك الوسائل والمؤهلات التي يتطلّبها هذا العمل العظيم ، ومتميّزاً في ذكائه وقوة بيانه واستدلاله ، وسَعَةِ نظره وعُمق دراسته عن غيره ، يكون فوق مستوى عصره وكُفؤاً للقيام بهذه الخدمة بمعنى الكلمة . في مُواجَهةِ المسيحية ، ونَقْدِها العلمي: هذا وقد كان الإسلامُ هدفاً للهجمات الداخلية والخارجية بجانب آخر ، وكان المسيحيون قد تحمَّسوا لإثبات أن المسيحية هي الدينُ الحق ، وتوجيهِ الإيرادات إلى الإسلام ، إنَّ الهجومَ الصليبي المتتابع ووجودَ عددٍ وجیه مِن مسيحيي الغرب في الشام وقبرص؛ شجّعهم على مواجهة المسلمين في المجال العلمي وعلى تأليفٍ كُتب تثبت فضلَ دينهم ، وأخرى تَرفُضُ نبوة محمد وَهِ . وللردِّ على كلِّ ذلك كانت الحاجة مُلِكَّةً إلى عالم كبير ومتكلِّم ، له دراسةٌ عميقةٌ في المسيحية والديانات الأخرى، وله اطلاعٌ واسعٌ علَى الصحف السماوية وما واجَهَتْهُ من تغيير وتحريف ، ويستطيعُ أن يُحسن المقارنة بين الديانات ويُثبت فضلَ الإسلام وخلودَه في أسلوبٍ علميٍّ مؤثِّرِ قوي ، ويتمكنُ من دعوة أتباع الديانات الأخرى إلى الإسلام بحكمةٍ وقوةٍ. فَضْحُ المذاهب المُنْحَرفة والحَركاتِ الهدَّامة: وقد كان أشدَّ وأكثر خطورة من هذه الهجمات حملةٌ شئّتها فرقةٌ إسلاميةٌ دخيلةٌ على الإسلام ، وهي الفرقة الباطنية التي كانت ديانتها وتعاليمها مجموعة عجيبة للعقائد المجوسية ، والأفكار الأفلاطونية ، والأغراض السياسية ، وقد ٤٢٩ الفصل الأول: الحاجة إلى ترجمان للشريعة ومصلح شامل كانتْ هذه الفرقةُ وفروعُها المختلفة تتعاون مع القوى العدوانية والمهاجمين الأجانب على الإسلام ، وهي التي مهَّدت الطريقَ ، ودَبَّرتِ المؤامرات للهجوم على الأقطار الإسلامية ، فساعد الصليبيين في شن هجومهم على الشام. وذلك ما جعل الصليبيين عند استيلائهم على الشام أنْ قَّبوا رجالَ هذه الفرقة الباطنية ، وجعلوهم موضع ثقتهم ونجواهم، وأحسنوا إليهم اعترافاً بمساعداتهم المخلصة . وقد ظلَّ هؤلاء الباطنيون مُشتغلين بتثبيت المؤامرات ، وتدبيرِ الثورات في عهدي صلاح الدين، ونور الدين ، فلما قصدَ وحوشُ التتار أرض الشام بهجماتهم العنيفة؛ ساعدهم الباطنيون علناً وجهاراً ، وأصابوا المسلمين بضرر بالغ. وذلك عدا ما كانوا يقومون به بصفة دائمة من نشرٍ اضطراب فكري وتشاؤم بالدين وإلحاد وزيغ وثورة على الدين ، وكانوا ((كالطابور الخامس)» في حصن المسلمين الديني. كلُّ ذلك كان يُحتّم على المسلمين أن يقتلعوا جذور هذه الفرقة من الناحيتين العلمية والعملية ، ويكشفوا القناع عن معتقداتها وأغراضها ليطَّلع المسلمون على نواياها، ويُعاقبوها معاقبة شديدة على أعمالها العدائية ومحاربتها للإسلام. ولم يكن يقوم بهذه المهمة إلا مَنْ له اطلاع تام على حقيقة هذه الفرقة وأسرارِها وتاريخها ، وله معرفةٌ بجميع فروعها ومعتقداتها وأفكارها مع قدرته البالغة على تناولها بالرَّدِّ والنقد، مضافاً إلى ذلك حَماسُه الزائد للإسلام ، ودافِعه القوي للجهاد مع أعداء الإسلام. مُحاربة العقَائِد، والأعمال الشّركية، والدعوةُ إلى الدِّين الخالص: هذا وكانتِ الجماهيرُ المسلمة فريسةَ العقائد الباطلة وأعمال الشِّرك بضغط عواملَ عديدة ، منها اختلاطُهم بغير المسلمين ، وتأثيرُ العجم ، وتَهاونُ ٤٣٠ الفصل الأول: الحاجة إلى ترجمان للشريعة ومصلح شامل العلماء ، وقد أصبح الدِّين الخالص والتوحيد الثَّقي وراء حجابٍ وحجابٍ. ونشأ الغُلُوُّ والإفراط في الاعتقاد في الأولياء والصالحين شأنَ اليهود والنصارى ، حتى بدأتْ عقيدةُ التوسُط والتقُّب بالأولياء ترسَخُ ، ويَنطبقُ عليهم ما حكاه القرآن من قول مشركي العرب الأولين ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِبُونَآَ إِلَى اللَّهِ زُلْفَىَ﴾ [الزمر: ٣] . وتنتشر هذه الفكرةُ الجاهلية في أوساط المسلمين ، وأصبَحَ كثيرٌ من العلماء لا يرون بأساً في الاستغاثة بغيرِ الله والاستعانة به ، واتُّخذتْ قبورُ الأنبياء والصالحين مساجدَ، وتحقَّق الخطرُ الذي كان قد أنذر به النبي ◌َّ وشدَّد النھي عنه . ولم يكنِ المسلمون يشعرون بأي غضاضةٍ في التخلُّق بأخلاق الذِّمَيِّين والكافرين واتخاذ شعائرهم وخصائِصِهم ، والحضورِ في أعيادهم الدينية ومهرجاناتهم ، واصطناع تقاليدهم وعاداتهم. فَكانتِ الحاجةُ ماسةً إلى عالم مجاهد يتصدى لمحاربة هذه الجاهلية المشركة، والدَّعوة إلى التوحيد الخالص بكُل قوةٍ وإيضاح ، ويكونُ عارفاً بالفرق بين التوحيد والشرك معرفةً دقيقة ، ولا تخفى عليه الجاهلية مهما تقنَّعت وتنكرت أو ظهرت في مظاهر ، ويكونُ قد حصل على حقيقة التوحيد مباشرةً من الكتاب والسنَّة وحياةِ الصحابة الكرام رضي الله عنهم لا من كُتب المتأخرين وتعامُلٍ المسلمینَ الجهلاء ، وتقاليدِ الزمان وعادات الناس. ولا يُبالي في الجهر بالعقيدة الصحيحة بمعارضةِ الحكومات وعداوة الناس ومخالفة العلماء ، ولا يخاف في ذلك لومة لائمٍ ، ويكون ذا نظرٍ دقيقٍ وعلمٍ واسعٍ بالكتاب والسنة ومصادر الدين الأولى الموثوق بها ، وبأحوالٍ القرون الأوّلى ، وذا اطلاع كامِلٍ على تاريخ اليهود والنصارى ، وقصةٍ انحرافهم ومَسخِهم وتحريضّهم ، وعلى عقليةِ الأمم الجاهلية ونفسيَّتهم، ويعيش في تألُّمٍ وقلقٍ لكي يُعيد المسلمين إلى تعاليم القرآن وعقيدةِ الصدر الأول ، ويَراهمُ مُنتهجين طريق الصحابة الكرام رضوان الله عليهم ، وأتباعهم. ٤٣١ الفصل الأول: الحاجة إلى ترجمان للشريعة ومصلح شامل مُحاربةُ الانحرافاتِ والمُغالطاتِ في الطوائف الدينية ، وتَنقيةُ الدِّين من الشوائب: وقد تسرَّبَ إلى المُتصوِّفين - لأسباب تاريخيةٍ وعلميةٍ عديدةٍ - تأثيرُ الفلسفة الإشراقية التي جاءت من يونان، والهند ، وامتزجتْ بالعقائد الإسلامية وأفكارها امتزاجاً لا يتسنَّى لكل واحد فصلُها عنها. إنَّ إشراقية الأفلاطونية الجديدة، أو تنسُّك الهنود ، وعقيدة الحلول والاتحاد ، ومذهبَ وحدة الوجود ، وتقسيمَ الظاهر والباطن ، وفتنة الرموز والأسرار، والعلم الدفين ، وسقوط التكاليف الشرعية عن ((الكاملين)) و((الواصلين)) واستثناءهم عن الأحكام الشرعية ، كلُّ ذلك كانت معتقداتٍ وأفكاراً نالت إعجابَ طبقة كبيرة من المتصوِّفين. وبالرّغم من إنكار أصحاب التحقيق والرسوخ في العلم من هذه الطائفة في كل زمان لهذه المعتقدات الفاسدة ، كانت طبقةٌ من المتصوفين تُلِخُ عليها ، حتى تَسفل بعضُ فروع التصوُّف وسَلاسلهُ إلى حد الشَّعوذة والتهويل ، ولا سيَّما بعضُ فُروع السِّلسلةِ الرفاعية التي انحرفتْ في العهد الأخير عن أصلها وتعاليم مؤسِّسها الكبير ، وآثرَ كثير من رجالها الذين لم تَرسخْ قدمُهم في العلوم الشرعية والعقائد الإسلامية الأعمالَ البهلوانية ، زاعمين أنها تؤثِّر في عقول المغول والتتار وتُرغُّبُهم في الإسلام ، وكان لذلك ضررٌ عظيم على سلامة العقيدة ومكانة الشريعة . وقد استفحلتْ هذه الفتنةُ في القرنين السابع والثامن ، ووقع العامة وكثيرٌ من الخاصة فريسة هذه المغالطات. وَلِقَمْع هذا الخطر الناجم أيضاً والحفاظ على الشريعة كانت الحاجة شديدة إلى مؤمن قوي ومصلح جريء ، يتناول هذه الطوائف المنحرفةِ بالنقد اللاذع ، ويكشفُ القِناع عن وجه أخطائها ومغالطاتها بكل حُرية وجراءة ، معرضاً عن صَولتها وقُوتها ، وغيرَ مُبال بعدد أتباعها ونفوذهم. ٤٣٢ الفصل الأول: الحاجة إلى ترجمان للشريعة ومصلح شامل تجديدُ الفِكْر الإسلامي: وكانت الحَلَقات العلميةُ والتدريسية مُصابةً بِجُمودٍ شديد ، فكلُّ طائفةٍ تعتبرُ الخروج عن دائرتها الفقهية قيدَ شعرة جريمةً لا تُغتفر ، وكان مألوفاً لدى كل طائفة أن تَنْظُرَ إلى الكتاب والسنة بمنْظار مذهَبها الفقهي ، وتحاولُ تطبيقَ الكتاب والسنَّة في الخلافات الفقهية على آرائها في كل حالٍ فضلاً عن تحكيمها فيها ، وكان بابُ الترجيح والاختيارات الفقهية مُغلقاً عملياً. وكانت مشكلاتٌ حديثةٌ وقضايا جديدةٌ قد حدثتْ مع تغيُّر الزمان والأحوال ، الأمر الذي كان يحتاج إلى إرشاد المسلمين فيها والبحثِ عن حُلولها إلى رجلٍ يجمع بين سَعَة النظر في ذخائر الفقه الإسلامي ، والتعمُّق في الكتاب والسنة ، والاطلاع على تعامل القُرون الأولى ، والعلمِ الدقيق بأصول الفقه . وقد كان يضيق مجالُ العلم والنظر والدراسة على مر الزمان ، وتضمحِلُ القوى الفكرية ، ولم يكن عالمٌ من علماء الإسلام يتجرَّأ على استنباط الأحكام الجديدة ، وكان الفقهُ الإسلامي قد فقد جَدارة النموِّ والتقدُّم ، وَيَعتبر من المستحيل أن يُزاد إلى ثروة الفقه القديمة أيُّ زيادةٍ. فكان إصلاحُ هذا الوضع كذلك يحتاج إلى مُحدِّث فقيهٍ وأصوليٍّ ضليعِ ، يكون قد استعرضَ ذخائرَ المكتبة الإسلامية بأسْرها ، ويستحضرُ الكتاب والسّنة بحيث يُحيِّر الناس ، ويَعرف الحديث وأنواعه وطبقاته ومجموعاته معرفة دقيقة تضطر الناس إلى الاعتراف بمكانتهِ في صناعة الحديث ، حتى يقولوا: ((إنَّ الحديث الذي لا يعرفه هذا الرجلُ ليس حديثاً)) (١). ويكون مستحضراً لخلافات الفقهاء ومراجعِهم ودلائلهم في كلِّ حين. (١) من الأقوال التي قالها كبارُ علماء العصر في شيخ الإسلام ابن تيمية كما سيأتي في الفصل الرابع . ٤٣٣ الفصل الأول: الحاجة إلى ترجمان للشريعة ومصلح شامل كما يكونُ له اطلاعٌ تامٌّ على المذاهب الفقهية الأخرى وفروعها أكثَرَ من أصحاب الاختصاص فيها والمنقطعين إليها من أهل المذهب ، ولا يتعدى حدود السلف مع قوة استنباطه وتحقيقه ، عارفاً بمكانة الأئمة المجتهدين وفضلهم وحقّهم ، ومتطفلاً على موائد علمهم ودينهم ، ويكون ذا قدم راسخةٍ في علوم اللغة وباع طويل فيها ، حتى تأهّل لذلك للنَّقْدِ والصَّيّفة في مجالها . يجمعُ إلى ذلك عُلُوَّ الكعب ودقّةَ النظر في النحو؛ حتى يأخذ على أئمة النحو الكبار أخطاءهم الفنية . ويُجددُ بقوةٍ عارضته عَهد المحدِّثين الأولين ، ويعتبر ذكاؤه آيةً من آياتِ الله وعلمِه دليلاً على فضل الله ، ويُبرهن بشخصيته على خصوبةٍ تربة الأمة الإسلامية وغَضارة دوحة الإسلام ، ونضارةِ العلوم الإسلامية ونُموِّها وازدهارها ، ويكون تصديقاً لما جاء في حديث النبي ◌َّ من قولته الخالدة: ((مَثَل أمَّتي مثلُ المطر، لا يُدرى أوَّله خيرٌ أم آخره)) (١). جَامِعٌ بين العِلْم والعَمل ، والسَّيفِ والقَلّم: ويكون مع ذلك من فُرسان العملِ والكفاح ، ويَجمعُ بين القلم والسيف ، جَرِيئاً على الملوك في الصَّدع بالحق ، لا يُحجِمُ عن قيادة الجيش الإسلامي أمام أَضرى عدوٍّ مِثل الوحوش التتار ، ويَعرِفُه كُلٌّ من حِلَقِ الدرس ، وزوايا المكتبات ، وخلواتِ المساجد ، ومجالس المناظرة ، ومُعتقلاتِ السجونِ ، وساحاتِ الحرب كفارسٍ عظيم ورجل ذي شكيمةٍ ، مُبجَّلاً في كل عين ومعتَرفاً بإمامته في كل طبقة . (١) [أخرجه الترمذي في أبواب الأدب، باب مثل أمتي مثل المطر ... ، برقم (٢٨٦٩)، وأحمد في المسند (٣/ ١٣٠) برقم (١٢٣٤٩)، وأبو يعلى في المسند (٦/ ٣٨٠) برقم (٣٧١٦) وغيرهم من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه]. ٤٣٤ الفصل الأول: الحاجة إلى ترجمان للشريعة ومصلح شامل كان القرنُ الثامن بحاجةٍ إلى مثلِ هذا الرجل الكامل الذي يَسعُ نشاطُه كلَّ مجال من مجالات الحياة من غير أن تنزوي جهوده وأعماله في زاوية واحدة أو تتركّز على جانب واحد ، كان ذلك الرجل هو شيخ الإسلام الحافظ ابن تيمية الذي ملأ العالم الإسلامي بنشاطٍ وحياة بحركات علمية وعملية ، لا تزال آثارُها خالدة باقية على مر القرون والأجيال. ٤٣٥ الفصل الثاني: العصر الذي عاش فيه شيخ الإسلام ابن تيمية الفصل الثاني: العَصْرُ الذي عاش فيه شيخُ الإسلام ابنُ تيمية العَصْرِ الذي وُلد فيه ابنُ تَيَمِيَّة: يَتَّسمُ عَصرُ ابن تيميَّة بحوادثَ خطيرة وقلاقلَ كثيرة ، وهو عصر ذو أهميَّةٍ كبيرةٍ من النواحي السياسية والاجتماعية والخُلقية والعِلمية والدينية ، ولكي نطَّلع على قيمةِ الجهود الإصلاحية التي قام بها شيخُ الإسلام ابن تيمية ، ونعرفَ طبيعتهُ العلمية والدَّعوية ، يجب أن نَستَعرضَ ذلك الوسط الذي نشأ فيه ، وتركَّزت عليه مُهمته التجديدية والإصلاحية. وُلد ابن تيمية بعد تدمير بغداد بخمسٍ سنوات ، ودخول التتار في حلب ودمشق بثلاث سنواتٍ فقط ، فمِن البديهي أنه يكون قد رأى منذ تَعقُّله آثار الدَّمار لهذه المُدن الإسلامية ، وسمعَ قصة مذابح المسلمین وصدی حكايات الفظائع الوحشية التي قام بها التتار في كل مكان ، وترددت على ألسنة الناس جميعاً. وعندما كان ابنَ سبع سنين شنَّ التَّارُ حملةً على مسقطٍ رأسِه حرَّان؛ التي كانت تقع في شمالي الأرض المحتلة (العراق) بين دجلة والفرات. ٤٣٦ الفصل الثاني: العصر الذي عاش فيه شيخ الإسلام ابن تيمية وقد خرجت أُسرتُه شأنَ الأُسر الكثيرة من حَران فراراً من فظائع التتار وظلمهم ، وتوجّهت إلی دمشق. وكانت هَيبةُ التتار فاشيةً في الطرق كلّها ، فما عسى أن تُمحَى ذكرى هذه الفَوضى ، والإرجاف والذُّعر من ذاكرته العظيمة ، ولا بُد أن يكون قد شاهَد آثار هذا الخراب والدَّمار بأُمّ عينيه ، وسَمع تفاصيله المؤلمة عمَّن رأوا مناظره وشهدُوها وشاهدوها ، فمِن الطَّبيعي أن يتأثَّر قلبُه الغيور المرهفُ بنكبَة المسلمين هذه وذلَّتهم، وتمتلىء نفسُه غيظاً وكراهية لأولئك الوُحُوش الضّواري. وكذلك ما حدَثَ في عين جالوت من انتصار المسلمين الزاهر إنَّما وقع قبل مَولِده بثلاث سنوات ، كما أن فتوحَ الملك الظاهر بيبرس كانت أحاديثَ صباه وسميرَ المجالس في ذلك العهد ، فلا شكَّ أن ذلك يكون قد بَعث في قلبه سروراً وقُوة ، وأثارَ في نفسه شجاعة وحماساً. مُلوك مصرَ المماليك: كانَ المماليك يحكمون مصر والشام من قَبل مولد ابن تيمية بثلاثَ عشرةَ سنة ، وقد كان هؤلاء المماليك أتراكاً أسكّنَهُم الملك الصالح نجم الدين أيوب (المتوفى ٦٤٧ هـ) آخرُ ملوك أسرة صلاح الدين الأيوبي اعترافاً بشجاعتهم ووفائهم في مصر، وعرفوا باسم البحرية (١) ، وكان مِن بينهم رجلٌ عرف باسم عز الدين أيبك التركماني الذي اغتال تُوران شاه خليفة الملك الصالح سنة ٦٤٧ هـ واستولى على الحكم ، وتلقَّب بلقب الملك المُعز، واغتيل هو في سنة ٦٥٥ هـ فخلفه ابنه نور الدين علي. وفي سنة ٦٥٧ هـ سيطرَ على عرش الحكم غُلام عز الدين أيبك سيف الدين قُطُز وكان رئيس إدارة الحكم ، وذلك هو الذي هزم التتار لأول مرة هزيمة (١) كان مقرّهم على ضفَّة النيل ولذلك اشتهروا بهذا الاسم، ومن عادة المصريين أنهم يسمُون النيل بحراً. ٤٣٧ الفصل الثاني: العصر الذي عاش فيه شيخ الإسلام ابن تيمية نكراء ، وما إن مَضى على تربُّعه عرشَ الحكومة سنةٌ واحدة؛ إذ قتله رُكن الدين بيبرس مملوكٌ من مماليك الصالح نجم الدين أيوب واستولى على الحكم ، واتَّخذ لنفسه لقب الملك الظاهر ، واستمرَّ في الحكم إلى مدَّة ثمانية عشر عاماً في غاية من الأبهة وعظَمةِ الشأن ، وانتصر على التّتار والصليبيين متتابعاً . وُلد ابن تيمية في أيام الملك الظاهر بيبرس ، الذي كان يحكم آنذاك مصر والشام ، إنَّه قضى أيام صباه في حكمه ، فلما تُوفِي بيبرس كان ابن تيمية شاباً بالغاً من العمر ١٥ عاماً. وكان الظاهرُ بيبرس أولَ ملك قويٍّ مسلم بعد صلاح الدين اعتنى بأمر الجهاد ، وهزَمَ أعداء الإسلام بالتوالي ، يتحدَّث عنه ابن كثير فيقول: («كان رحمه الله مُتيقِّظاً، شَهماً شجاعاً لا يَفتُر عن الأعداء ليلا ولا نهاراً ، بل هو مناجزٌ لأعداء الإسلام وأهله ، ولَمّ شَعثه واجتماع شمله ، وبالجملة أقامه اللهُ في هذا الوقت المتأخر عوناً ونَصراً للإسلام وأهله ، وشجاً في حُلوق المارقين من الفرَنج والتتار والمشركين ، وأبطلَ الخمور ، ونفى الفسَّاق من البلاد ، وكان لا يَرى شيئاً من الفساد والمفاسد إلا سعى في إزالته بجهده وطاقته)) (١). كانت رقعةُ حكومته واسعةً ، ونظامها متقناً ، فقد امتد حكمه إلى نهر الفرات في الشرق وإلى آخر حدود السودان في الجنوب. وكانت مصرُ مركز الحكومة ، والقاهرةُ مقرها الرئيسي التي تحولت إلى مركزٍ علمي وسياسي وحضاريٍّ للعالم الإسلامي في ذلك الحين بفضل الملك الظاهر ، وإقامة أحد الخلفاء العباسيينَ فيها (٢) . (١) البداية والنهاية: ج ١٣ ص ٢٧٦ . (٢) بقي المسلمون بعد شهادة الخليفة المستعصم بالله ثلاث سنوات من غير خليفة، يقول المؤرخون عند استهلال العام الجديد ((دخلت سنة ... والمسلمون بلا خليفة)) وأخيراً بايع الملك الظاهر بيبرس سنة ٦٥٩ هـ أحد أفراد بني العباس اسمه المستنصر بالله = ٤٣٨ الفصل الثاني: العصر الذي عاش فيه شيخ الإسلام ابن تيمية وقد أقبل الملكُ الظاهر على تأسيس المدارس في عدد كبير ، حتى اجتمعَ أهلُ الفضل والعلم في القاهرة من أنحاء بعيدة. وكان الملكُ الظاهر بيبرس - على كفاءته الشخصية ودوافعه الإسلامية وحماسه للجهاد - حاكماً مستبداً برأيه ، فلا غرابةً إذا وُجدت فيه بعضُ مواضع الضعف ممَّا يتَّصف به الملوك المستبدُّون ، وإنَّ تاريخه حينما يتجمَّل بمآثره الجليلة وخدماته الإسلامية؛ يتّسم بخصائص المملكة الشخصية وأحداث الاستبداد ، والعناد ، والإصرار أيضاً ، وما حدث للإمام النووي معه من معاملة مؤسفة ، لَدَليلٌ على ذلك (١) . ومنذ نهاية حكومة الملك الظاهر التي عاشت ثماني عشرة سنة ، تداول عرشَ الحكم في مصر والشام ملوكٌ كثيرون ، ويمكن أن نُقَدِّر ذلك بأنَّ تسعة ملوك تربَّعوا على عرش مصر في فترة ما بين ٦٧٦ هـ (وهي السَّنة التي توفي فيها الملك الظاهر) إلى ٧٠٩هـ في خلال ٣٣ عاماً فقط. وفي خلال هذه الفترة تمتعتِ الدولة الإسلامية في مصر والشام والحجاز بملِكِ مجاهد قوي مُنظّم للأمور ، اسمه الملك المنصور سيف الدولة قلاوون؛ الذي شن الغارة على التتار في سنة ٦٧٨ هـ وهزمَهم هزيمةٌ مُنكرة. وكذلك فتح طرابلس الشام التي كانت بيد الصليبيين منذ ١٨٥ سنة ، إنَّه حكم بين فترة سنة ٦٧٨ هـ و٦٨٩ هـ مدةَ اثني عشرة عاماً بغاية من الحكمة والدقة . ولمَّا تُوفي المنصور قلاوون عاد عرش مصر لُعبة بين ملوك وأشباههم ، أبو القاسم أحمد ابن أمير المؤمنين الظاهر، وقرر مصر قاعدة الخلافة، ولكن هذه = المبايعة إنما كانت بالاسم والبركة فقط، إذ كان الملك الظاهر بيبرس هو الحاكم الأصلي في الحقيقة. (١) اقرأ القصّة بطولها في ترجمة الإمام النووي في ((طبقات الشافعية الكبرى)) للشيخ تاج الدين السبكي. ٤٣٩ الفصل الثاني: العصر الذي عاش فيه شيخ الإسلام ابن تيمية وأخيراً في سنة ٧٠٩ هـ تقلَّد زمام الحكم ابنُه الملك الناصر محمد بن قلاوون في المرة الثالثة ، حتى استقر حكمه إلى ٣٢ سنة. والحقيقة أنَّ الملك الناصر هو المعاصرُ الأصيل للإمام ابن تيمية الذي يتصل به تاريخه الإصلاحي ، والتجديدي ، إنه كان خليفة الملك الظاهر بيبرس إلى حد كبير ، ومُشاركاً له في عديد من صفاته وخصائصه ، وكان مثالاً لوالده العظيم المنصور قلاوون ، وفي عصرهِ نالت الدولة الإسلامية وحدةً وقوةً ، وانتصر على التتار انتصاراً باهراً شأن سَلَفْهِ ، وسَبَّبَ ازدهار الحكومة الإسلامية وانتشار سُمعتها الطيبة . ظلَّت خراسان ، وفارس ، والعراق تحتَ حكم التتار في هذه الفترة ، ولم تَعُد بغداد إلى أيدي المسلمين ما لم يهتدِ حكامها التتار إلى الإسلام ، على أنَّ الخليفة العباسي في مصر غزا بنفسه ، وأراد الملكُ الظاهر بيبرس غيرَ مرة أن يستردها من أيديهم ولكن دُونَ جدوى ، وقد كانت مصر ، والسودان ، والشام ، والحجاز في حكم المماليكِ آنذاك. نِظام المملكة: كان الإسلامُ دِينَ الدولة الرسميّ في مملكة المماليك ، فقد كان الملكُ وأعيان المملكة كلُّهم يُحبون الإسلام ، وتَجيشُ في قلوبهم حميَّة الإسلام ، والحكومةُ كانت تتولى نَصْبَ القضاة والأئمة وشيوخ الإسلام ، ورجال المناصب الدينية ، مع وجود قسم الحسبة واعتبار أحكام القضاة واجبة الامتثال ، وكانت المدارس تقوم بتدريس العلوم الدينية الخُرَّة ، ولكنَّ العامل الأساسي في جميع شؤون المملكة ونظامِها كان هو الملك ووزراؤه الموثوق بهم وأعضاء مملكته ، وكان حُكمهم وإرادتهم قانونَ المملكة الأصيل ، ولذلك كانتْ مساحةُ تنفيذ القوانين الإسلامية محدودةً ضيقةً في مملكتهم الواسعة ، وكان نظام الحكومة يشبه النظام العسكري ، ولم يكن يَعتمدُ على دستورٍ مُدَوَّنٍ ، ولا نظامٍ معينٍ ولا كان له مجلسٌ استشاريٌّ. ٤٤٠ الفصل الثاني: العصر الذي عاش فيه شيخ الإسلام ابن تيمية ولكنَّ الملكَ الظاهر وخلفاءَه من الملوك كانوا يحاولون أن تنال قوانينُ مملكتهم وأحكامِهم وإجراءاتهم تأييدَ العلماء المعاصرين ، ولا ينفذوا أمراً إلا بالاستشارة معهم واسترضائهم ، وقد يلغی بعض الأحیان قانون جديدٌ صدر من الملك إذا خالفه العلماء. ولمّا أراد الملكُ الظاهر بيبرس مصادرةَ الإقطاعات وأراضي الإقطاعيين في مصر ، والشام؛ خالفه الإمام النووي مخالفة عنيفة، ولو أنَّ بيبرس أبدى سخطه على ذلك، واضطرّ الإمام النووي إلى مغادرة دمشق من جرائه، ولكنَّه لم يتشجَّع على مصادرة الأراضي والإقطاعات كما أرادها ، بل تركها على سابقٍ حالها ، ولم يُدخل فيها أيَّ تغييرٍ أو تعديلٍ. لقد كان أساسُ هذا النظام للمملكةِ قائماً على التوارث ، غيرَ أنَّ الواقع كان على عكس ذلك ، إلا أنه لم يكن مبنياً على أساس إسلامي ، ولا لأنَّ روح الإسلام وتقاليده المتبعة تقتضي اختصاص الأمير بكفاءة شخصية وكونه موضع ثقة الأمة ، بل لأن أساسَ أسرة المماليك كان يقوم على الكفاح الذاتي ، والشهامة الشخصية ، والسَّعي الدائب والعمل المتواصل ، وأصبحت طبيعةُ هذه المملكة أن يَتغلَّب القويُّ الشجاع ، ويتولى الحكم. ومعلومٌ أنَّ مماليك الدولة الأيوبية إنما استولوا على مملكة ساداتهم بجهودهم الشخصية ، وهمَّتهم العالية ، واستمرت هذه السِّلسلة إلى آخر زمانهم ، فقد ظل كُلُّ مَلك منهم يجتهد أن يُولِّي ابنه الخلافة ، إلا أن الأقوى جُرأة وهمة من المماليك كان يتغلّب على غيره ويتربَّع على عرش المملكة ، وإنَّ فُرص الحكم هذه وإمكانياته قد فَتحت أمام الأقوياء وذوي الطُّموح منهم بابَ المنافسة ، وبما يَجري بينهم من مُباراة وتنافسٍ في الحصول على الحكم ، فإذا شُن عليهم هجوم من جهة ، من التتار أو الأفرنج اتحدوا وتعاونوا فيما بينهم أكثر الأحيان.