Indexed OCR Text
Pages 401-420
٤٠١ مولانا جلال الدين الرومي: مفكر مبتكر الأسباب ، والإيمان بقوتها وتأثيرها ، والتمسُّكِ بها ، والعُكوف عليها ، ويتخذون الأسباب أرباباً من دون الله ، ويتغافلون عن سبب الأسباب ورب الأرباب ، ويعكفُون على عبادة الظواهر والمظاهر. هنالك يقوم الأنبياءُ يحاربون هذه الوثنية - وثنية الأسباب ۔ ویدعون الناس من الأسباب إلى المسبّب ، ويُجري الله على أيديهم - تنبيهاً وتعليماً - حوادث تنتقض بها قوانين الطبيعة ، ويظهر بها ضعفُ الأسباب وعجزها ، وتتجلَّى بها قدرة الله المطلقة ، وإرادته الحرة ، ومشيئته القاهرة ، وأنه يملك زمام الكون ، وبيده ملكوتُ كلِّ شيءٍ ، وهو قادر على كل شيء غيرُ مفتقر إلى الأسباب وغيرُ متقيدٍ بها ، فتنفلق لهمُ البحار ، وتتفجَّر لهم الأنهار من غير الأسباب العادية ، وتنشأ لهم الزروع والحقول من غير زراعة ، ويتحوَّل الرملُ دقيقاً ، والصوف حريراً ، وتنتصر الفئة القليلة على الفئة الكثيرة ، ويملكُ الفقيرُ الضعيفُ ، ويَهلكُ الغنيُ القويُّ. ﴿ وَأَوْرَثْنَا اُلْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَرِقَ الْأَرْضِ وَمَغَرِبَهَا الَّتِىِ بَرَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِيّ إِسْرَِّيلَ بِمَا صَبَرُواْ وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ, وَمَا كَانُواْ يَعْرِشُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٧] ﴿كَمْ تَرَّكُواْ مِنْ جَنَّتٍ .لا كَذَلِكٌ وَأَوْرَثْتَهَا قَوْمًا وَنَعْمَتٍِ كَانُوا فِيَهَا فَكِهِينَ ٢٦ ﴿ وَزُرُوعِ وَمَقَاءٍ كَرِيمٍ وَعُوذٌ (® [الدخان: ٢٥ - ٢٨ ] . ءَاخَرِينَ ﴾ لا زهبانية ولا بطالة: ولكنَّه لا يغلو في ذلك غُلوَّ كثير من المتصوِّفة، وغُلوَّ الأشاعرة؛ فينكر وجود الأسباب ويدعو إلى رفضها والتجُّد منها ، والتوكل المفضي إلى البطالة والتعطل والرهبانية؛ بل يقول: ((إنَّ السُّنة الجارية والعادة الغالبة ، هي وجود المسبب من السبب حتى ٤٠٢ مولانا جلال الدين الرومي: مفكر مبتكر يَعرف الطالب أهمية السعي والجهاد ، ويأتي البيوت من أبوابها ، ويَطلب الأشياء من معدنها)) (١) . بل هو يُحارِب البطالة والتعطُّل والرهبانية والتوكُّل السلبي الذي لجأ إليه العاجزون في القرون الأخيرة ، ويدعو دعوة قوية إلى الكَذْح والجهاد ، والأخذ بأسباب المعاش ، ويدعو إلى الحياة الاجتماعية؛ يقول: ((لو لم تكن الحياة الاجتماعية مطلوبة ومفضلة في الإسلام ، لم يكن الأمر بالجُمعة والجماعة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر)) (٢). وكان التوكُّلُ الإسلاميُ الممدوح عنده هو الاستعداد والأخذ بالاحتياط اللازم، ثم التوكل على الله، وتفسير قول الرسول وَله: ((اعقلها وتوكَّلْ على الله))(٣). دعوةٌ إلى الكدح والجهاد: يَحث جلال الدين على الكَسْب والجهد ، وقد ذَكَر مناظرة بين الحيوانات في موضوع التوكل والعمل ، فذكر خير دلائل وجوب العمل والسَّعي على لسان الأسد ، زعيم العاملين المجاهدين في الحيوانات ، فقال: ((إنَّ الله وهَب الإنسان الأعضاء، والجوارح ، ومواهب وطاقات ، فدل ذلك على أنه يريد منه السعي والجهد ، كما إذا منح سيدٌ عبدَه فأساً أو مِعولاً ، فالظاهر أنه يريد أن يحفر الأرض أو يشق صخرة ، نَطق بذلك أو لم ينطق ، كذلك لما أعطانا الله هذه الأيدي العاملة ، والسواعد القوية ، والأقدام السائرة ، والطاقات الغنية؛ فإنه يريد منا - بداهة - أن نشتغل ونستخدم قُوانا ، (١) المثنوي: ص٤٢ . (٢) المصدر السابق: ص٥٠٣ . (٣) [أخرجه الترمذي بمعناه من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه في أبواب صفة القيامة ، باب حديث اعقلها وتوكل ... ، برقم (٢٥١٧)، وابن حبان في الصحيح من حديث جعفر بن عمرو بن أمية عن أبيه (٥١٠/٢) برقم (٧٣١)]. ب ٤٠٣ مولانا جلال الدين الرومي: مفكر مبتكر ونكدح في الحياة ونجاهد فيها ، ونكسَب رِزْقَنا بِقُوَّة اليمين ، وعرقِ الجبين؛ فالتوكل الصحيح ألا نُقصر في جهدنا ، ثم نعتمد في نتيجة السعي على الله تعالى ، فالسعيُ شكر لنعمة القدرة ، والجَبْرُ كُفران لهذه النعمة. والله يقول: وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَيْنِ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَيِنِ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِ لَشَدِيدٌ ﴾ [إبراهيم: ٧] . فاكسَبْ وصُبَّ عَرقَ الجبين ، ثم توثَّل على الرَّزَّاق ذي القوة المتين)) (١) . لقد شاعَ في الناس أنَّ التصوُّف مرادفٌ للبطالة والاستسلام للأوضاع الفاسدة والحكومات الجائرة ، وأن لا شأن له بالجهاد في سبيل الله والكفاح لإعلاءِ كلمة الله (٢). وكان آخر ما يتوقَّعه المُعجبون بشعر الرُّومي أن يُشيد بشأن الجهاد في الإسلام وأن يتحدَّث عنه في إيمان وحماس ، ولكننا نقرأ في شعره الرئَّان وفي حديث الحب والحنان ، أبياتاً خلاصتها ((أنَّ المصلحة في دين عيسى المغارة وقُلَّة الجبل ، والمصلحة في ديننا الحرب (في سبيل الله) والشَّوكة لدين الله ، ولما كان الرسول نبياً بُعث مع السيف المسلول ، نَهض من أمته الأبطالُ والفحول)) . ما هِيَ الدُّنيا المَذْمُومة ؟ ولا يقتصر جلال الدين على ذلك: بل يزيد عليه ويقول على لسان الأسد: ((إن السعي والكسب سُنة الأنبياء والمرسلين، وإنَّ الدنيا ليست الذهبَ والفضةَ، والأهلَ والأولادَ - كما يعتقد بعضُ غلاة الصوفية - إنَّ الدنيا المذمومةَ (١) المثنوي: ص٢٧ . (٢) وقد تناول المؤلف موضوعَ نفي هذه الشائعة في ضوء التاريخ في كتابه ((ربانية لارهبانية)) طُبع في دار ابن کثیر بدمشق. ٠ ٤٠٤ مولانا جلال الدين الرومي: مفكر مبتكر الغفلةُ عن الله، أما قال الرسول ◌َّ: ((نعم المالُ الصَّالحُ للمَرْءِ الصالح))(١). إنَّ تَعطُّل الصالحين مَهْدٌ لِسيادة الفُسَّاق والظالمين: بل إنَّه يُقرر، أنَّ تَعَطُّلَ الصالحين وقعودهم عن الجهاد ، وتوكُلَهم العجميّ الذي لا يتفق وتعاليم الإسلام ، أفضى إلى سيادة الفُسَّاق والظالمين وحكومة السفهاء والجاهلين ، الذين سفكوا دماء الأبرياء ، وقتلوا العلماء والصلحاء ، وجاروا في الحكم ، وخانوا في أموال الناس(٢)، وتسلَّط في عهدهم الحمقى ، وتوارى الحكماءُ والعقلاء، ووُسِّدَ الأمر إلى غير أهلِه))(٣). - (١) المثنوي: ص٣٨. (٢) المصدر السابق: ص١٣١ . (٣) المصدر السابق: ص٣٣٥. ٤٠٥ مولانا جلال الدين الرومي: داع إلى الحب المحاضرة السادسة عشرة: مولانا جلال الدين الرومي داع إلى الحب والعاطفة ، واحترام الإنسان والإنسانية عصرُ الرومي: قد هَبَّتْ عاصفةٌ عقليّةٌ جامحة في القرن السابع ، بعثَها عِلْمُ الكلام الذي كان الشُّغلَ الشاغل للمسلمين في القرون الأخيرة ، وكانت هذه العاصفة عاتيةً شديدة ، انطفأتْ بها كوانين القلوبٍ ومَجامرُها. وإذا كانت لا تزال بقيةٌ من جَمرات الحب والعاطفة ، فقد كانت كامنةً في الرماد مغلوبة على أمرها. وقد أصبح المسلمون - بعدما كانوا شُعلة من الحياة وجذوة من النار - رُكاماً بشرياً أو فحماً حجرياً، بَعُدَ عهده بالنار والحرارة. في هذا الجوِّ الهادىء الخامد هتف مولانا جلال الدين الرومي بالحب والعاطفة ، حتى هبَّ العالم الإسلامي من نومه العميق ، ودبّت فيه الحياة. الدَّعوةُ إلى الحُب: لقد دعا الشيخُ إلى الحبِّ دَعوةً سافرة ، وذكر عجائِبَهُ وتصرُّفاته في بَسْطٍ وتفصيل ، فيقول: ٤٠٦ مولانا جلال الدين الرومي: داع إلى الحب ((إنَّ الحُبَّ يُحَوِّلُ المُرَّ حُلْوَاً، والتُّراب تبراً، والكَدَرَ صفاءً ، والألَم شفاءً ، والسِّجْن روضة، والشُّقْمَ نِعمة ، والقَهْرَ رَحمة ، وهو الذي يُلينُ الحَديد، ويُذيب الحجر، ويَبعثُ الميْتَ، ويَنْفُخ فيه الحياة، ويُسوِّد العَبْد)). ((إنَّ هذا الحُبَّ هو الجناح الذي يطير به الإنسان الماديُّ الثقيل في الأجواء ، ويَصل من السَّمْكِ إلى السِّماكِ ، ومن الثَّرى إلى الثُّريا. إذا سرى هذا الحُبُّ في الجبال الراسيات ، ترنحت ورقصتْ طرباً: ﴿ فَلَمَّا تَّجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًا وَخَرَّ مُوسَى صَعِفًا﴾ [الأعراف: ١٤٣])). ويذكرُ: أنَّ الحبَّ غَنيٌ أبيٌّ، لا يحتفل بالملك والسلطان ، من ذَاقَه مَّة لم يُسخ شراباً ، يقول: ((إن الحب غنيٌ عن العالمين، إن كان الشَّغفُ بالمحبوب ونَفْئُ ماسواه جُنوناً فهو سيِّد المجانين . إنَّه ملك المُلوك تخضع له أسِرَة الملوك وتيجانُهم ، ويَخدمه الملوك كالعبيد ، يقولُ: إنَّ الحبَّ كامنٌ كالنار؛ ولكنَّ الحيرة بادية ، متواضعٌ ؛ ولكنَّ نفوس الملوك الذين يملكون النفوسَ له خاشعةٌ». وإذا ذَكر الرُّومي هذا الفقر الجسور ، والحُبَّ الغَيور؛ أخذته نَشْوةٌ ، ونادى بأعلى صوته ((بارك الله لعبيد المادة وعُبَّاد الجسم في مُلْكهم وأموالهم! لا نُنازعهم في شيء ، أمّا نحن ، فأُسارى دولةِ الحب التي لا تزول ولا تحول». ((إنَّ جميعَ المرضى يتمنون البُرء من سقمهم ، إلا أنَّ مرضى الحب يَستزيدون المرض ، ويُحبُّون أن يُضاعف في ألمهم وحنينهم؛ لم أرَ شراباً أحلى من هذا السُّم ، ولم أرَ صحةً أفضل من هذه العِلة)). ((إنَّها عِلَّةٌ ولكنها عِلَّةٌ تُخلِّص من كل علةٍ، فإذا أصيب بها إنسانٌ؛ لم يُصَبْ بمرض قط ، إنها صحَّة الروح؛ بل رُوح الصحة ، يتمنَّى أصحابُ النعيم أن يشتروها بنعيمهم ورخائهم ، كأنه يُعارِض الشاعر العربيّ في قوله: وَلِي كَبِدٌ مَقروحَةٌ مَن يَبيعُني بها كَبداً ليسَتْ بذاتِ قُروحٍ ٤٠٧ مولانا جلال الدين الرومي: داع إلى الحب ومَنْ يَشتري ذا عِلَّةٍ بصَحِيحٍ؟ أبَاها عَليَّ الناسُ ، لا يَشترونَها فلو عرَفَ هذا الرجلُ الذي كان يُنادي على كبده قيمة هذه الكبد المقروحة ، لما تنزَّل إلى بيعها والتخلي عنها ، ولو عرف الناس قيمتها لاشتروها بمُلك الدنيا وعافية الأجسام ، فما قيمة كَبِدٍ لم تُقُرَّح؟ إنَّها مُضْغَةُ لحم وقِطعةٌ حجر! إنَّ هذا الحبَّ البريء السامي يصلُ بالإنسان إلى حيث لا تُوصله الطاعات والمجاهدات ، ((لم أرَ طاعة أفضلَ من هذا الإثم عند من يُسمِّيه إثماً ، إنَّ الأعوام التي تنقضي بغيره لا تُساوي ساعةً من ساعات الحبِّ)). (إنَّ الدم الذي يسيل في سبيله لا يُشكّ في طهارته ، إنَّ شهيد الحب لا يحتاج إلى الغسل ((إنَّ دماء الشهداء أفضل من الماء الطهور ، يا لها من خطيئة إنْ كانت خطيئة)) يقول: ((إن المحبّين الذين بذلوا مُهَجهم وأحرقوا قلوبهم لا تنفُذ عليهمُ القوانين العامة؛ ولا يخضعون للنظم السائدة). ويَضْرِبُ الروميُّ لذلك مثلاً بليغاً فيقول: ((إنَّ القرية التي خرِبتْ لا تُفرضُ عليها الجبایات والضرائب)». ويقارن بين الحُبِّ البريء ، والعقل الشاطر فيقول: ((إنَّ الحُبَّ تراثُ أبينا آدم ، أَمَّا الدهاء فهو بضاعة الشيطان ، إنَّ الداهية الحكيم يعتمد على نفسه وعقله ، أمَّا الحُبَّ فتفويضٌ وتسليم. إنَّ العقلَ سباحة قد يصل بها الإنسان إلى الشاطىء وقد يغرق ، وإن الحبَّ سفينة نوحٍ لا خوف على ركابها من الغرق». هذا ، وبحر الحياة هائجٌ ليس السباحة فيه بالخَطْب اليسير ، فخيرٌ للإنسان أن يأوي إلى سفينة مأمونةٍ من الغرق ، وهي سفينةُ الإيمان والحب ، يقول: ((لقد رأينا كثيراً ممن يُحسنون السباحة قد غرقوا في هذا البحر اللجِّ ولكنا ما رأينا سفينةَ الإيمان والحب تَغرق)). ثم إنَّه يفضِّل حيرةَ المحبين على حكمة الحكماء الباحثين ، ويَحُثُّ على ------ - ٤٠٨ مولانا جلال الدين الرومي: داع إلى الحب الحرص عليها والتنافس فيها؛ ((لأن الحكمة ظنٌّ وقياس ، والحَيرة مشاهدة وعرفان)). إِنَّه يقول: ((ليس لكلِّ أحدٍ أن يكون محبوباً ، فإنه يحتاج إلى صفات وفضائل لا يُرزقها كل إنسان ، ولكن لكل أحد أن يأخذ نصيبه في الحب وينعُم به . فإذا فاتك أيها القارىء العزيز أن تكون محبوباً ، فلا يَفتك يا عزيزي أن تكون مُحباً ، إن لم يكن من حظك أن تكون يوسفَ ، فمَن يَمنعك من أن تكون يعقوب؟ وما الذي يحولُ بينك وبين أن تكون صَادق الحب ، دائمَ الحنين؟)). يزيد الشيخ على ذلك ((إن لذة المُحب لا تعدِلُها صَولَةُ المحبوب؛ فإذا عَرف المحبون ما يَنعَم به العشاق المقيمون ، والمُحبون المُخلصون؛ لتمنَّوا مكانَهم ، وخرجوا من صف المحبوبين السعداء إلى صفِّ المُحبِّين البؤساء)). إلى مَن يُوجَّهُ هذا الحبُّ؟ ولكن إلى من يُوجَّه هذا الحبُّ الذي هو نور الحياة وقيمة الإنسان؟ ((إنَّ الحبَّ خالد لا يجدر إلا بالخالد. إنه لا يجمل بمن كتب له الفناء والأفول. إنه حقُّ الحي الذي لا يموت ، الذي يُفيض الحياة على كلِّ موجود)) . ويستدل الرومي على ذلك بقصة سيدنا إبراهيم ويتمثَّل بقوله ﴿لَا أُحِبُّ آَلَّفِلِينَ﴾ [الأنعام: ٧٦]. ((إنَّ هذا الحُبَّ يجري من صاحبه مجرى الدم ، إنْ وُضع في محله وصادف أهلَه ، فإنَّه شَمسٌ لا ينتابها الأفول ، وزهرةٌ ناضرة لا يعتريها الذبول. عليك بهذا الحُب السرمدي الذي يبقى ، ويَقنى كُلُّ شيء ، الذي يدور عليك بكؤوسه التي تروي ظمأك، عليك بهذا الحب الذي ساد به الأنبياء وحكموا)). ٤٠٩ مولانا جلال الدين الرومي: داع إلى الحب لا داعي إلى اليأس: ولكن ليسَ للمُحب الطَّموح أن يشكو قُصورَه ويحتقرَ نفسه مُتعلِّلاً بسمُوِّ المحبوب وعُلوّ مكانته وغناه عن العالمين ، فما للتراب ورب الأرباب؟ !. إنَّ المحبوب الحقيقي هو الذي يُحب أن يُحَب ، ويجذب إليه من انجذب (اللَّهُ يَجْتَّبِىّ إِلَيْهِ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِىّ إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ﴾ [الشورى: ١٣]. يقول مشجِّعاً: ((لا تقل لا سبيل إلى ذلك الملك الجليل ، فأنا عبد ذليل ، لأن الملك کریم ، يدعو عبده ويُسهِّل له السبيل)). ويعود فيتغنّى بهذا الحب ويُقرّظه في سرور ونشوة ، ويقول: ((إنَّه فيما يبدو للناظر عِلّةٌ علاجها عسير ، وصاحبها في تعب وعذاب؛ ولكنه إذا احتملها وثابر عليها ، وصلَ إلى المعرفة الحقيقية الأبدية)). ((إنَّ الحُبَّ مَنشؤهُ انكسار القلب، وجَرح الفؤاد ، إنه علة لا تُشبهها عِلة ، إن عِلة المحب تختلف عن كل عِلة. إنَّ الحُب اصطرلاب الأسرار الإلهية)). ثم يذكر أنَّ هذه العلّة ، وإن كانت في ذات نفسها علة؛ ولكنها شفاء للأسقام النفسانية والأمراض الخُلقية. إنَّ الأمراض التي أعْيَتِ الأطباء، وتعذَّر منها الشفاء ، وقَطع منها المصلحون الرجاء تبرأ وتزول بلفتة من هذا الحب ، فإذا برىء منها السقيم يئس من صحته ، هتف في سرور وطربٍ ((حيَّاكُ اللهُ أَيُّهَا الحُبُّ المضني، يا طَبيب علَّتي وسقمي، يا دواء نَخوتي وكبري، يا طبيبيَ النَّطاسيَّ، يا مُداويَّ الآسي)). هذا؛ لأنَّ الحُب شعلة إذا التهبت؛ أحرقتْ كل ما سواه؛ فلا كبر ، ولا خُيلاء ، ولا جُبن ولا خوف ، ولا حزن ، ولا حسد ، ولا بخل ، ولا عيب من العيوب النفسية؛ إنَّ موجة الحب تَجرف الحشيش ، وتسري في النفس سريان النار في الهشيم. ((إن الحب شُعلة تحرق كل ما سوى المحبوب)» : : ٤١٠ مولانا جلال الدين الرومي: داع إلى الحب إِنَّ التوحيد سيفٌ إذا سلَّه صاحبه؛ قطع كل ما عدا الله؛ فحيَّاك الله وحياك أيها الحب الذي لا يحتمل الشرك)). ويُمسِك مولانا بعد هذا النفس الطويل في مدح الحب ووصفه ، ويقول: ((إنَّ حكاية الحب لا تنتهي ، وتفنى الدنيا ولا تنقضي عجائبه؛ لأنَّ الدنيا لها نهاية وغاية ، والحبُّ وصفُ من لا يفنى ولا يموت)). عَالَمُ القَلْب: ولكنْ لا سبيلَ إلى هذا الحبِّ بالقلب الحيِّ الفائض بالحياة والحرارة. وقد طغتِ الناحية العقلية في عصره كما قدَّمنا ، وتخطت حدُودَها، وتضخّمت على حساب القلب والعاطفة؛ فمهما استنارت العقول فقد بردتِ القلوب وفقدت حياتها وحرارتها ، وأصبحت المعدة قُطباً تدور حوله رَحی الحياة. وقد أثار الروميُ حديثَ القلب وماله من مكانة وكرامة في حياة الإنسان ، وما تحويه من عجائب وكنوز ، وذكر أنَّ الإنسان يحمل في جسمه روضة ، أكُلُها دائمٌ ورَبيعُها قائم ، وأنه يحمل في نفسه الصغير عالماً أوسع من هذا العالم المادي ، لا يُخاف عليه من عدو ، ولا يَطرقه لِص. ((إنَّ القلب بلد عامرٌ مأمون، وحصن مُحكَم مصون، روضة مباركة لا ينفد نَعيمها ، ولا ينصُب معينها ، تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها)). وذَكَرَ أنَّ حدائق العالم لا تطول حياتها ، ولا تأمنُ الآفات والعاهات؛ ولكنَّ نخلة القلب دائمة النضارة والثمار ((إن الحدائق تُبطىء في النماء ، وتُسرع في الفناء)) أمَّا القلب فسريع النمو ، بطيء الزوال: ((إنَّ روضة الجسم لا تلبث أن تُصبح صريماً هشيماً؛ فينادي صاحبها: واحسرتاه! أمَّا روضة القلب ، فلا تزال مُخضرَّة مُثمرة؛ فينادي صاحبها: وافرحتاه!)). فالذي يُحاوِلُ أن يُحَافِظ على صحته وشبابه ، ويبقى شاباً قوياً ، لا تتحقق أمنيته ، والذي يعتني بقلبه ويُحسن تربيته يبقى شابّ الروح ، نشيط الجسم ، ٤١١ مولانا جلال الدين الرومي: داع إلى الحب قرير العين ، ناعم البال ، جذلان مسروراً. ((عليكَ بالقلب حتى تدوم شاباً ، تتجلى في وجهك الأنوار فيشرق)). ((عليك بالقلب حتى تبقى زاخر الحيوية والنَّضارة مثل الصهباء ، مُتهللاً كزهرة ناضرة ووردة باسمة)». ولكن لا تغرّنك كلمة (القلب) فليس هذه القطعة التي تخفق في صدرك ، وتتجمعُ فيها الشهوات والمطامع ، ليس القلبُ هو الذي لم يذق طعمَ الحب ، ولم يعرف معنى اليقين ، ولا يملك شيئاً من الشوق الذي لا تتفتح زهرته ولا يُشرق ليله؛ فليس هو القلب؛ إنما هو قطعة من حجر أو خشب. ((إنَّه ضَيِّقٌ مظلم مثل قلب اليهود ، لا نصيب له من حُبِّ الملك الوَدود ، إنه لا یُشرق ولا ینیر ، ولا ینشرح ولا يتسع». إنَّه ليس بين هذا القلب الميت وبين القلوب الحية إلا الاشتراك في اللفظ ، والشَّبهُ في الجسم ، كما أن الماء الذي يجري في العيون الصافية والأنهار الجارية يُسمى ماء ، والذي يختلط بالطين والوحل ويُرى في المستنقعات يسمَّى ماءً كذلك؛ ولكن الأول يروي الظمأ ويُتَقِّي الثوب ، والثاني تُغسَل منه اليَد. هذا هو الفرق بين القلب والقلب. إنَّ قلوب الأنبياء والأولياء لتعلو على السماء ، أما قلوبُ أشباه بني آدم ، فهي قلوبٌ أشباه القلوب ، وليست بقلوب؛ فإذا قلت (قلبي) فانظر ماذا تقول ! . «تقولُ: قلبي! قلبي! فهل تعرف أنَّ القلب من أمانات السَّماء؟ إنَّ الحَمأ لا شكّ يحمل ماء ، ولكنك لا ترضى أن تغسل به يدك؛ لأنه إذا كان ماء، فهو ماء يغلب عليه الطين والوحل ، فلا تُسمِّ ما يخفق في صدرك (القلب)، إن القلب الذي هو أعلى من السموات العلى ، هو قلب الأنبياء والأصفياء)». ولكنه يُسلِّي قارئه ولا يريد أن يكسر قلبه ويُثبّط همته، فيقول: ((إنَّ سلعتك ...-- : : : : ..... ٠ ٤١٢ مولانا جلال الدين الرومي: داع إلى الحب التي لا يرغب فيها مشتر قد اشتراها الكريم تكرماً وتفضلاً ، إنَّه لا يرفض قلباً من القلوب؛ لأنَّه لا يقصد به الربح)). ثم ينصَحُ قارئه بالانطلاق من هذا القفص الذهبي الذي يسمَّى ((المعدة)» والطيران في أجواء القلب الفسيحة ، والاطلاع على عجائب خلق الله ، والتنعم بلذة الروح ، يقول: ((إنَّ المعدة وعبادة المادة هو الحجاب الصفيق بينك وبين ربك؛ فإذا رفعت هذا الستر لم يكن بينك وبين ربك حجاب («تخطّ حدود المعدة ، وتقدّم إلى قلبك ، تأتك تحياتُ الرحمن من غير حجاب)). كَرَامَةُ الإنسانِ وَشَرفهُ: لقد تَوَاضَعت الحكوماتُ الشخصيةُ المستبدةُ ، والفلسفاتُ الخاطئةُ ، والأديانُ المحرَّفةُ على الاستهانة بقيمة الإنسان ، والحط من قدره وشرفه. وقد نشأ - بتأثير الحروب الطاحنة التي كانت لا تكاد تنقطع ، وفساد الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية - مَقْتٌ شديدٌ في الناس للحياة ، وتبرم من امتدادها واستمرارها ، وقنوط من المستقبل ، وشعورٌ عميقٌ بالمهانة أو ما یسمی الیوم (بمر كب النَّقص) وأصبح الإنسان حقیراً في عينه. وجاء بعضُ المتصوِّفين العجم ، فدعوا دعوة متحمِّسة إلى الفناء الذي تُمثله الجملة المأثورة في الأدب الصوفي ((مُوتوا قبل أن تموتوا)) وغلوا في إنكار الذات حتى أصبح الاعتداد بالنفس وحُبّ الذات الذي يتوقّف عليه الكفاح والحركة والنشاط ، جريمة خُلقية ، وحجر عثرة في سبيل الكمال الروحي. وقد أسرف الدعاة والمؤلِّفون في الحث على اكتساب الصفات الملكية ، والانسلاخ من اللوازم البشرية؛ حتى أصبح الإنسان يستنكف من إنسانيته ، وأصبح يعتقد أن رقيّه في الثورة على الإنسانية ، لا في الاحتفاظ بإنسانيته ، وأنَّه كلما كان أبعد من الإنسانية وأشبه بالملائكة ، كان أقرب إلى السعادة والكمال. ونَشَأَ - بتأثير هذه الأفكار والفلسفات ، وانحلال المجتمع ، وجور ٤١٣ مولانا جلال الدين الرومي: داع إلى الحب الحكومات - أدبٌّ متشائم ، ينظر إلى العالم وإلى الحياة بالمنظار الأسود ، يدعو إلى الفرار من الحياة والتشاؤم من الناس ، والنِّقمة على الآباء في جنايتهم على ذريتهم ، كما فعل (أبو العلاء المعرِّي) في عصره ، وكانت نتيجة هذه العوامل القوية الطبيعية أن فقد الناس عامَّةً الثقةَ بنفوسهم ، والأمل في مستقبلهم ، والرَّغبة في حياتهم. وأصبح الإنسانُ في هذا المجتمع المتبرِّم الضجر كاسف البال ، منكسر الخاطر ، ضعيف الإرادة ، مُحطّم الأعصاب ، قد يحسُد الحيوانات في حريتها ، والجمادات في سلامتها وهدوئها ، لا يعرف لنفسه قيمة ، ولا لإنسانيته شرفاً ، ولا يعرف ذلك الجو الفسيح الذي هيأه الله لطيرانه وتحليقه ، ولا يعرف تلك الكنوز البديعة ، والقوى الجبّارة ، والمواهب العظيمة التي أودعها الله في باطنه ، ولا يعرف أنه قد خُلق ليكون («خلیفة رب العالمين في هذا العالم الفسيح))، و((وصياً عليه))، وأخضِع له هذا الكون ، وماكان سجودُ الملائكة لأول بشر إلا إشارة لهذا الخضوع؛ فإنَّهم هم الذين يتصرفون في هذا الكون بأمر الله ، ويبلغون رسالاته؛ فإذا خضعوا فقد خضع له الكون بالأولى. في هذا المجتمع الثائر على الإنسانية الذي كفر بالإنسان وقيمته ومركزه في هذا العالم ، قام مولانا ((جلال الدين الرومي)) يمثل الفكرة الإسلامية الصحيحة في شعره الرّنان ، ويُثير كرامة الإنسان المطمورة في أنقاض الأدب المتشائم ، والشعر المتراجع المنهزم ، وبدأ يتغنى بكرامة الإنسان وفضل الإنسانية في حماسة وإيمان وبلاغة؛ حتى دبَّ في المجتمع دبيبُ الحياة ، وأصبح الإنسان يعرف شرفه وكرامته ، وترنَّح بهذا الرّجز والحُداء القوي (الأدب الإسلامي) كلّه، وردّدهُ الشعراء ، وضربوا على وتره ، وانطلقت في عالم التصوف موجة جديدة تستحق أن تُسمَّى ((الاعتزاز بالإنسانية)). يُذَكِّر جلال الدين الرومي قرّاءَ شعره وتلاميذه ، أن الله سبحانه وتعالى قد خصَّ الإنسان بأحسن تقويم؛ فقد قال: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِسَنَ فِيَ أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ﴾ [التين: ٤] ٤١٤ مولانا جلال الدين الرومي: داع إلى الحب وإن هذا اللباس الفضفاض قد فُصّل على قامة الإنسان؛ فلا يطابق كائناً آخر. ويَحثُّ قارئه على دراسة سورة (التين) والتدبّر في معانيها ، وأن يحسب لكلمة (أحسن تقويم) حساباً خاصاً؛ فإنَّها ميزة للإنسان لا يشاركه فيها غيره. ثم يزيدُ على ذلك ، ويرجع إلى سورة (الإسراء) ويُذكر بقوله تعالى ﴿ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِيّ ◌َدَمَ﴾ [الإسراء: ٧٠] ويقول للقارىء: ((هل وُجِّه هذا الخطاب الكريم وهذا الأسلوب من التكريم إلى السمواتِ والأرض أو الجبال؟ إنه لم يُوجَّه إلا إلى هذا الإنسان الذي يستهين بقيمته ، ويجهل مكانته. إن الله قد توَّجَكَ - أيها الغافل - بتاج الكرامة، وخصك بقوله: ﴿﴾ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا﴾ وحلَّى جيدك بالمنحة الخالصة فقال: ﴿أَعْطَيْنَكَ﴾ [الكوثر: ١])). إنَّه يقول: إنَّ الإنسان خلاصةُ هذا الكون ، ومجموع أوصاف العالم ((يتمثل في هذا الجسم الصغير ما شئت في العالم من خيرات وكنوز ، وبدائع وعجائب؛ إنه ذرة حقيرة انعكست فيها الشمس؛ فإذا طلعت لم يبد كوكب. إنه قطرة صغيرة انصبَّ فيها بحر العلم ، وثلاثة أذرع من الجسم انطوى فيها العالمُ. يقولُ: إنَّ الإنسان غايةُ هذا الخلق؛ لأجله خُلق العالم ، وهو القطب الذي يدور حوله رحى الكون ، تحسده الكائنات ، وقد فرض الله طاعته على جميع الموجودات؛ إنَّ كل ما في هذا العالم من جمال وكمال إنما خُلق لأجلك ويطوف حولك ، أنت الذي يَحسُده المقرَّبون ، لستَ في حاجة إلى جمال مستعار؛ فأنت جمال الدنيا ، وواسطة العقد ، وبَيتُ القصيد ، الإنسان جوهر ، والفلَك عَرَض ، كلُّ ما عداك فَرْع وظل ، أنت الغَرض ، إنَّ خدمَتك مفروضة على جميع الكائنات ، إنَّ عاراً على الجوهر أن يخضع لعَرَض)). ولا يَقْتَصِرُ الرَّدُّ على ذلك؛ بل يقول: ((إنَّ الإنسان مَظهرٌ لصفات الله، وهو المرآة الصادقة التي تجلَّت فيها آياته يقول: ((إنَّ الذي يتراءى في الإنسان (من الكمالات والمحاسن) عكس لصفاتِ الله ، كعكس القمر المنير في الغدير الصافي ، إن الخلق كالماء تتجلى فيه صفاتُ الله ، وينعكس فيه علمه وعدلُه ٠ ٤١٥ مولانا جلال الدين الرومي: داع إلى الحب ولطفه ، كما ينعكس ضوء الكوكب الدُّريِّ في الماء الجاري)). ولكنَّه يشعر بقصوره وعجزه في وصف الإنسان وضخامة المهمة ودقتها ، ويُعلِن بصراحة وشجاعة : ((إذا صَرَّحتُ بقيمةِ هذا المُمتَنع (١) لاخْتَرقتُ واخْترَق المُستَمِعِ)) ثم يتساءلُ: هل يجرؤ أحدٌ أن يساوم هذا الإنسان الغالي ويُمنِّي نفسه بشرائه؟ هل يجوز لهذا الإنسان أن يبيعَ نفسه - مهما تضخّم ثمنُها ـ؟ . ثم يندفع مخاطباً الإنسان ، ويقول في تَلهُّفٍ وتوجُّع ، وفي شيء من العتاب والأنفة: ((يا مَنْ عبيدُه العقلُ والحكمة والمقدرة ، كيف تبيعُ نفسَك رخيصةً؟)). ثم يقول: لا محلّ للمساومة؛ فقد تَمَّتِ الصَّفقة، وتحقَّق البيع: ((إنَّ الله اشترانا وخلّصنا من المساومات والمقاولاتِ إلى آخر الأبد ، فالشيء لا يُباع مرَّتین)). ثم يَحثُّ الإنسان على أن يعرف قيمتَه ، ولا يرضى إلا بأكرم المُشترين. ويقول: ((ابحثْ لك - إنْ كنت باحثاً - عن مُشتَرٍ يطلبُك ويبحثُ عنك ، والذي منه بدايتُك وإليه نهايتُك)). ويُلاحِظ الشاعر أنَّ من بني آدم من لا يستحق هذا الوصف ((أشباه الرِّجال ولا رجال)) الذين هُم فَريسةُ نفوسهم ، وقَتلى شهواتهم ، لا يعرفون من الإنسانية إلا ما يَفوقُ فيه الحيوان ، من الشِّبَع والرِّي والشَّبَق. يقول بكلِّ صراحةٍ: ((إنَّ هؤلاء ليسوا رجالاً، إنما هم صُوَر الرِّجالِ ، هؤلاء الذين يحكُم عليهم الخبز ، وقتلتِ الشهواتُ فيهم الإنسانية)). وقد ندَرَ وُجود الإنسان الحقيقي في عصره ، کما ندر في عصر غيره ، حتى أصبحَ في حكم عَنْقَاءِ المغرب ، والكبريت الأحمر ، وحتى اضطرَّ الباحثون أن (١) يعني به الإنسان. ٤١٦ مولانا جلال الدين الرومي: داع إلى الحب يبحثوا عنه بمصِباح ديوجانس. وقد حكى الروميُ حكايةً لطيفة في هذا الموضوع في ديوان شعره فقال: («رأيتُ البارحةَ شيخاً يدور حول المدينة وقد حمل مشعلاً ، كأنَّه يبحث عن شيءٍ! فقلت: يا سيدي تبحث عن ماذا؟ قال: قد مَلَلْتُ معاشرة السِّباع والدواب وضِقت بها ذرعاً ، وخرجت أبحثُ عن إنسان عملاق ، وأسد مغوار. لقد ضاق صدري من هؤلاء الكُسالى والأقزام الذين أجدهم حولي. فقلتُ له: إنَّ الذي تبحث عنه لیس یسیر المنال، وقد بحثتُ عنه طويلاً فلم أجده. فقال: إنَّني مغرمٌ بالبحث عمَّن لا يوجد بسهولة ، ولا يُعثر عليه في (الطرقات)» . " -- - ٠٫٠ ١ ٤١٧ رجال الفكر والدعوة في الإسلام شيخ الإسلام أحمد بن تيمية ٦٦١ - ٧٢٨ هـ للمفكر الكبير ، الداعية الحكيم العلامة السيد أبي الحسن علي الحسني الندوي تعریب الدكتور سعيد الأعظمي الندوي مدیر دار العلوم - ندوة العُلماء ، لکھنؤ (الهند) ورئیس تحریر مجلة ((البعث الإسلامي)) الصادرة منها الجزء الثاني ٤١٩ كلمة المؤلف لِيّ كلمة المؤلف الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيد المرسلين وخاتم النبيين محمد وآله وصحبه أجمعين ، ومَن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين من أئمة المسلمين المجددين ، الذين ينفون عن هذا الدين تحريف الغالين ، وانتحال المُبطلين ، وتأويل الجاهلين. أمَّا بعد، فَيَسُّ المؤلِّف ويُسعده أن يقدِّم للقرّاء العرب الجزء الثاني من كتابه ((رجال الفكر والدعوة في الإسلام)) ، وهو الجزء الخاص بحياة شيخ الإسلام تقيّ الدين أحمد بن تيمية الحراني الدمشقي ، وقد سبق تأليفه باللغة الأردية سنة ١٣٧٦ هـ ١٩٥٦ م ، وهي الحلقة الثانية من سلسلة كتب المؤلّف ((تاريخ الدعوة والعزيمة)). وقد تولَّى المؤلِّف نقل الجزء الأول من هذا الكتاب إلى العربية مع حذف وزيادة ، وتحسين وتعديل ، سنة ١٣٧٥ هـ ١٩٥٦ م ، وأفرغه في قالب محاضرات ألقاها في المدرج الكبير بجامعة دمشق أمام طلبة كلية الشريعة ، وصفوة من أساتذة الجامعة ، وعلماء البلد وأعيانه وقادة الفكر ورجال التعليم والتربية ، في عاصمة بني أميّة . ٤٢٠ كلمة المؤلف وصدر لهذا الجزء عدةُ طبعات ، وقدم له فقيد العلم والإسلام الدكتور مصطفى السباعي رحمه الله ، وقد نال هذا الكتاب قبولاً عظيماً في الأوساط العلمية ، والدينية ، والتربوية ، واعترفَ كثير من أهل العلم ، ورجال التربية أنه سدَّ عَوزاً كبيراً ، وملأ فراغاً في المكتبة الإسلامية العربية المعاصرة ، وجاء في أوانه . وقد صدر الجزء الثاني لكتاب ((تاريخ الدعوة والعزيمة)) في أردو سنة ١٣٧٧ هـ ١٩٥٧ م من المجمع الإسلامي الأكبر في الهند ، المعروف بـ «دار المصنفين)) في أعظم كره ، وصدرت له طبعة ثانية من المجمع الإسلامي العلمي في لكهنؤ سنة ١٣٩١ هـ - ١٩٧١ م ونقل إلى اللغة الإنجليزية سنة ١٣٩٤ هـ - ١٩٧٤ م. ورَحَّبتْ بالترجمة الإنجليزية الأوساطُ العلمية ، والمشتغلون بالدراسات الإسلامية ، والبحوث التاريخية ترحيباً كبيراً ، وأبدى عدد من الباحثين والمعنيين بالفكر الإسلامي ، وحركات الإصلاح والتجديد في الإسلام ، إعجابهم الكبير بهذا الكتاب ، وكان أولَ كتاب يصدر في حياة شيخ الاسلام ابن تيمية في اللغة الإنجليزية بهذا التفصيل والتحقيق. كان كلُّ ذلك كافياً لانتهاز أول فرصة لنقل هذا الجزء إلى اللغة العربية ، ويصح أن يقال: إن هذا العصر عصر ابن تيمية ، وقد كانت لشخصيته ودعوته ودوره الإصلاحي عودةٌ في هذا العصر ، ولكتاباته وأفكاره واتجاهاته انتفاضةٌ لم تكن لمصلح إسلاميٍّ ، أو مؤلّف من المؤلِّفين القدامى ، لأسباب يطلع عليها القارىء في ثنايا هذا الكتاب ومطاويه ، فكان من المعقول والمنتظر أن يبادر المؤلِّف إلى نقل هذا الكتاب إلى اللغة العربية ، وإتحافِ المعجبين بشيخ الإسلام بهذا السِّفر. ولكنَّ المؤلِّف كان يُزهِّده في القيام بهذا العمل ، ويُثنيه عنه صدور عدة كتب لكبار علماء هذا العصر ، وفي مقدِّمتهم علامة مصر الجليل الشيخ محمد أبو زهرة رحمه الله ، وما كان يَعلمه من آثار ابن تيمية في اللغة العربية ، وقد