Indexed OCR Text
Pages 341-360
٣٤١ غارة التتار على العالم الإسلامي حولهم سياجاً ، يحفظهم عن ذلك الخطر الذي لم يواجهُهُم وحدَهُم فحسب ، بل اكتسح المسلمین کُلَّھم. زَخْفُ التّتار نَخوَ العالَمِ الإسلاميّ: في نفسِ هذه الأحوال والزمان تقدَّم التتارُ بادىءَ ذِي بَدء ، كعقاب إلهي بقيادة ملكهم ((جنكيزخان)) (١) نحو الجزء الشرقي للعالم الإسلامي ، إيران وتركستان حتى وصلوا إلى بغداد التي أسلفنا ذِكرَها ، وأخيراً قاموا بتدميرها وإبادة أهلها سنة ٦٥٦ هـ، ﴿ وَأَثَّقُواْ فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَاصَّةً وَأَعْلَمُوْاْ أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الأنفال: ٢٥]. إنَّ الدافع القريب لهذا الزحف التتاري ، في عالم الأسباب ، هو أن جَنكيزخان بعث إلى خوارزم شاه رسولاً يقول له: إنَّك تحكم رقعة عريضة كما أنني أملك مملكة واسعة، فإذا قامت بين المملكتين علاقات تجارية ، وسُمح للتجار بتبادل التجارات بين البلدين كان ذلك في صالح البلدين ، فقبل ذلك خوارزم شاه ، وقامتِ العلاقات التجارية ، وبدأ التجارُ يتبادلون أموالَ التجارة بین البلدین . ولكنْ ما الذي حدث بعد ذلك حتى شهد العالم الإسلامي ذلك اليوم المشؤوم الذي يُدعى بغارة التتار؟ ولنقرأ ما كتبه عن ذلك المؤرخ الغربي ((هيرلد ليمب)) ويُصدِّقه تماماً ما جاء في التاريخ الإسلامي ، إنه يقول: ((انفصَمتِ العلاقاتُ التجارية التي أقامها جنكيزخان بين البلدين فجأة ، وكان السبب في ذلك أن قافلة من التجار كانت متوجهة من ((قراقورم)) إلى الغرب ، فلما وصلت إلى ((أترار) تعرَّض لها حاكمها الذي كان يدعى ((أينل (١) مبدأ مملكة جنكيز خان سنة ٥٩٥هـ، وأول حملة على حكومة خوارزم شاه كانت في سنة ٦١٦ هـ وقد مات جنكيز خان ٦٢٤هـ، فقام أبناؤه وأحفاده بتحقيق غاياته التي أرادها ، فلما واجهت بغداد الغارة التتارية سنة ٦٥٦ هـ ، كان هولاکو حفید جنكيز خان قائد القوات التتارية وأميرها. ٣٤٢ غارة التتار على العالم الإسلامي جق)) وأسر رجالها، وأخبر مَلِكه خوارزم شاه بذلك، وقال: إنَّ هذه القافلة لا تخلو من جواسيس جنكيزخان ، وكان هذا الخبر مما يُؤيِّده العقل. وما إنْ وصل الخبر إلى خوارزم شاه حتى أمر بقتل التجار كلهم دون أن يفكر في هذه القضية ، ويتأنَّى في إصدار الأمر ، ونفَّذ أمرهُ بقتل التجار الذين جاؤوا من قراقورم ، ولما علم بذلك جنكيزخان ، أرسل سفراءَه إلى خُوارزم شاه يشكو إليه ما حدث مع هؤلاء التجار ، وانتهز خوارزم شاه الفرصةَ فقتل رئيس السفراء ، وأمر بإحراق لِحَى الباقين ، الذين رجعوا إلى جنكيزخان وقصُّوا عليه القصة ، وفور سماع هذه القصة صعد جنكيزخان على جبل في ((صحراء الجوبي)) ليُفكر في القضية، لأنَّ قتل رسول المغول كان جريمة لا تغتفر ، وكان لابد من الانتصار لها حسب ما جرت عادة المغول في مثل هذه الأمور. وأعلنَ جنكيزخان قائلاً: إذا كانت السماء لا تحتمل وجود شَمْسَين ، فإنَّ الأرض كذلك لا تحتملُ وجود ملِكين)) (١) . الجُزءُ الشّرقي للعالم الإسلامي بَيْنَ التَّتَار والدَّمار: وقد ابتدَأَ التتارُ بُخارى وأتوا عليها من كل جانب ، فدمَّروها حتى عادت كومةً من تراب ، ثم توجهوا إلى سمرقند وأحرقوها وأبادوا أهلها ، ولقيت نفسَ المصير المدُنُ الشهيرة بالعالم الإسلامي كهمَدان ، وزنجان ، وقَزوين ، ومَرو ، ونيسابور ، وخُوارزم. أمَّا خوارزم شاه الذي كان يُعْتَبرُ الملك الوحيد للعالم الإسلامي وأقوى الملوك في عصره ، فكان يعيشُ في خوف وهلع ، وتنقُّلٍ وارتحال ، يبحث عنه التتار ويتعقّبونه حتى تُوفي في جزيرة مجهولة. كان خُوارزم شاه قد ضمَّ ولايات فارس وتركستان المسلمة ودولهما (١) جنكيز خان: ص ١٤٧ . ٣٤٣ غارة التتار على العالم الإسلامي المستقلة إلى مملكته ، فلمَّا هزمه التتار لم يكن هناك من يقاومهم في هذا الجزء الشرقي، وقد دخل رُعب التتار في قلوب المسلمين ، إلى حدٍّ أنَّ أحد التتار دخل بعض الأحياء في سِكة من سكك مدينة حيث وجد مئة رجل من المسلمين ، فقتلهم كلهم وأتى على آخرهم دون أن يتجرأ أحدٌ منهم لمقاومته. وذاتَ مرَّةٍ دخلت امرأةٌ تاتاريةٌ بيتاً متزيَّة بزيِّ الرجال ، وقَتلت جميعَ أفراد الأسرة ، وقد عَرَفَ أحدُ المسجونين الذي كان معها أنها امرأة فقتلها، وقد حدثَ بعض الأحيان أنَّ تاتارياً أسر مسلماً وقال له: ضع رأسك على هذا الحجر حتى آتي بالخنجر فأذبحك ، وخضعَ له المسلم ولم يَسَعْه أن يبرح مكانه ذاك ، ثم أتى التتاریُّ بالخنجر من المدینة وذبحه به (١). كانت غارةُ التتار فتنةً عظيمةً ، ومحنةً كبيرةً ، هزَّت العالمَ الإسلاميّ هزاً عنيفاً، وتركت المسلمين مَبهُوتين مشدوهين ، واستولى الرُّعبُ والخوف على العالم الإسلامي من أقصاه إلى أقصاه وغلبَ على الناس اليأس والتشاؤم ، فكانوا يعتبرون التتار بلاءً سماوياً ، ومُقاومتهم مستحيلة ، وانهزامهم فوق القياس ، حتى ساد المثل: ((إذا قيل لك إن التتار انهزموا فلا تصدق» فكلُّ بلاد أو دولة توجهوا إليها عُرف أنها أُبيدت وخُرِّبت ، ولم يبق فيها شيءٌ من مقدسات المسلمين إلا وانتُهكت حرمتها ، فكان اتجاهُ التتار إلى جهة يُرادفُ معنى التدمير والإبادةِ ، والذِّلة ، وانتهاك الأعراض. ولا شكَّ أنَّ العالم الإسلامي كلَّه ولا سيما الجزء الشرقي منه وقع تحت هذه الفتنة العمياء على بكرة أبيه . إنَّ المؤرِّخ يشغل بتسجيل كلِّ لون من ألوان الأحداث والوقائع ، وتمرُّ به مناظر كثيرة لإبادة الأمم والبلدان حتى يتعوَّد احتمال كل ذلك، فيجري قلمُه بتسجيل هذه الحوادث من غير أن يَرقَّ لها قلبُه؛ وتدمع لها عينه ، (١) من أراد التفصيل فليرجع إلى (الكامل)) لابن الأثير، ج١٢، و((دائرة المعارف)) للبستاني ، ج٦ مادة ((تتر)). ٣٤٤ غارة التتار على العالم الإسلامي ولكنَّ المؤرخ الشهير ابن الأثير لم يتمكن من إخفاء شعوره الجريح وتألُمّه النفسي ، حینما وصل إلى ذكر حادث التتار ، إنه يقول: ((لقد بقيتُ عدَّةً سنين مُعرِضاً عن ذكر هذه الحادثة استعظاماً لها كارهاً لذكرها، فأنا أُقَدِّم إليه رجلاً وأُؤْخِّر أخرى ، فمن الذي يسهل عليه أن يكتب نَّعْيَ الإسلام والمسلمين؟ ومن الذي يَهُون عليه ذِكْرُ ذلك؟ فياليت أمي لم تلدني ، وياليتني مِثُّ قبل هذا وكنت نَسْيَاً مَنسياً ، إلا أني حَثَّني جماعة من الأصدقاء على تسطيرها وأنا متوقف ، ثم رأيتُ أن ترك ذلك لا يجدي نفعاً، فنقول: هذا الفصل يتضمن ذكر الحادثة العظمى ، والمصيبة الكبرى ، والتي عقمت الأيام والليالي عن مثلها وعمَّت الخلائق ، وخصَّت المسلمين ، فلو قال قائل إنَّ العالم منذ خلق الله سبحانه وتعالى آدم إلى الآن لم يُبتلوا بمثلها لكان صادقاً ، فإن التواريخ لم تتضمَّن ما يقاربها ولا يُدانيها . ولعلَّ الخلق لا يرون مثل هذه الحادثة ، إلى أن ينقرض العالم وتفنى الدنيا إلا يأجوج ومأجوج ، وهؤلاء لم يُبقوا على أحد بل قتلوا النساء والرجال والأطفال، وشقوا بطون الحوامل وقتلوا الأجنَّة ، فإنا لله وإنا إليه راجعون ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم لهذه الحادثة التي استطار شَرَرُها وعمَّ ضرَرُها، وسارت في البلاد كالسحاب استذْبَرَتْهُ الريح» (١). ويقول مؤلّف ((مرصاد العباد))؛ الذي شهد هذه الوقعة بعينه وما دار في مولده ((الري)) وموطنه ((همذان)) من حوادث فظيعة بعينه ومن التخريب والتدمیر : (استولى الجيشُ التتاريُّ - خَذَلهم اللهُ ودقَّرهم - سنة ٦١٨ هـ على بلاد الإسلام ، لا يُعرف نظيرٌ لما قام به هؤلاء الوحوش من الفتنة والإفساد ، والقتل والهدم والإحراق وما ظهر من أولئك الملاعين من فظائعَ تقشعر منها الجلود في أي عصر من عصور التاريخ ، لا في الإسلام ولا في الجاهلية ، فقد قتلوا (١) الكامل: لابن الأثير، ج١٢، ص١٤٧ - ١٤٨. ٣٤٥ غارة التتار على العالم الإسلامي وأسروا في ((رَيٍّ)) وحدها التي هي مولدي أكثر من سبعمئة ألف مسلم ، إن الفتنة التي أثاروها في العالم الإسلامي ، والمصيبة التي أنزلوها على المسلمين لا تسعُ الكلمات أن تصوّرها ، وهذه الحادثة أغنى من أن تُشرح للناس. وعياذاً بالله ، إذا لم تتحرّك حَميَّةُ الإسلام وغيرتُه في ملوك المسلمين وسلاطينهم، ولم يذكروا أنهم مسؤولون عن الأمة لقوله ◌َ لير: ((الأميرُ راع على رعيته، وهو مسؤولٌ عنهم)) (١) وإذا لم تنبعث فيهم أريحيَّتُهم ورجولتهمّ لكي يتَّحدوا على كلمة واحدة ، وينقادوا لما أمرهم الله به في قوله: ﴿آنفِرُواْ خِفَانًا وَثِقَالًا وَجَهِدُواْ بِأَمْوَلِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٤١]. وإِذا لم يستعدوا لبذل النفس والمال والملك لكي يدفعوا هذه الفتنة ، فإنَّ ذلك كلَّه يدل على أنَّ المسلمين سيُفاجئهم الذُّل والنكسة ، وترتمي مُعظم بلاد الإسلام في أحضان الكفر ، وأخشى أنَّ المسلمين الذين كانوا لا يحملون إلا الاسم ، سيفقدون الاسم والرَّسم كليهما نتيجةً لما ندَّعيه ولا نعمل به))(٢). صَاعِقَةٌ نَزَلَتْ على العالم كُلِّه: ولم يكن العالمُ الإسلاميُ وحده مصاباً بهذه الفتنة التتارية ، وإنما العالم المتمدِّن كلُّه كان متوجلاً من هذه الغارة ، وقد تفشَّى الذعر والخوف في الأمكنة التي لم يكن يُرجى فيها وصول التتار ، يقول ((جيبون)) في كتابه الشهير «تاريخ انحطاط رومة)): («حينما اطّلع سكَّانُ السويد على أخبار غارة التتار عن طريق روسيا، تسلّط عليهم من الذعر والخوف ما منعهم عن الخروج إلى سواحل إنجلترا لصيد الأسماك ، وقد كان ذلك عادةً متّبعةً لديهم)). وقد تصدَّى المؤلِّفون لتاريخ ((العهد المتوسط)) في جامعة كامبردج بذكر (١) [أخرجه أحمد في المسند (١١١/٢) برقم (٥٩٠١)، وأبو عوانة في المسند (٣٨٣/٢) برقم (٧٠٣٢) من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما]. (٢) مرصاد العباد: (المخطوط المحفوظ في مكتبة ندوة العلماء)، ص٨. ٣٤٦ غارة التتار على العالم الإسلامي صدام المغول الشديد الذي كان سببه جنكيزخان بما يلي : ((لم يكنْ في وسع الإنسان أن يَسُدَّ سيل المغول ، فقد تغلَّبوا على جميع أخطار الصحاري والغابات ، ولم يقف في وجههم أي شيء من الجبال والبحار ، وشدائد الطقوس والفصول ، والقحط والأوبئة ، ولم يكونوا يخافون أي خطر ولا مانع ، ولا كان هناك قلعةٌ ترد هجومهم، ولا كانت تؤثر فيهم استغاثة من مظلوم. نحن نواجه هنا في مجال التاريخ قوة جديدة ، قامت بتقديم الحل السريع لكثير من القضايا المعقّدة السياسية والوطنية ، التي كانت تشغل العقول في ذلك العصر ، وقضتْ عليها كما تقضي الصاعقة التي تنزل من السماء على كل ما تُصيبه في الأرض ، وقد كانت هذه القضايا الوطنية والسياسية بالغةً في تعقدها إلى حدٍّ لم يكن يُرجى منه الخلاص لولا أن وقعت عليها هذه النازلة)). ((إنَّ ظهور هذه القوة الجديدة في تاريخ العالم ، أعني قُدرةَ رجلٍ واحد على تغيير حضارة النوع البشري ، يبتدىء من جنكيزخان ، وينتهي إلى حفيده قوبيلائي خان الذي بدت في عهده آثار الفرقة والانشقاق في مملكة المغول المتحدة المتماسكة . والحقيقة أنَّ التاريخ لم يشهد إلى الآن قوة تشبه قوة هؤلاء المغول)). تدمير بغداد: وأخيراً دَخَلَ هؤلاء الوحوش - بعد ما خَضبوا أرضَ العالم الإسلامي كله بدماء أهله ، وأتوا عليه - بغداد دار الخلافة الإسلامية ومركز العلم والمدنية الأكبر في ذلك العصر بقيادة حفيده هولاكوخان ، ودقّروها تدميراً ، ولا شك أن تفاصيل قَتْل المسلمين في بغداد وتدميرها طويلةٌ ومؤلمة، ونستطيع أن نقدر مدى هذه الوقعة العظيمة ببيان بعض المؤرِّخين الذين شهدوا آثارها بأعينهم ، وسمعوا تفاصيلها من مشاهديها ، يقول المؤرِّخ ابن كثير: ((وما زالَ السيفُ يقتلُ أهلها أربعين يوماً ، ولما انقضى الأمرُ المقدور ، ٣٤٧ غارة التتار على العالم الإسلامي وانقضتِ الأربعون يوماً ، بقيتْ بغداد خاويةً على عروشها ليس بها أحد ، إلا الشاذُّ من الناس ، والقتلى في الطرقات كأنها التلول ، وقد سَقط عليهم المطر فتغيرت صُورهُم ، وأنْتَنَتْ من جِيفِهِمُ البلد ، وتغيّر الهواء ، فحصل بسببه الوباء الشديد حتى تعدَّى وسرى في الهواء إلى بلاد الشام ، فماتَ خلق كثير من تغيُّر الجوِّ وفساد الريح، فاجتمع على الناس الغَلاء والوباءَ والفناء)) (١). ويقول الشيخ تاج الدين السّبكي : ((فأنزل (هولاكو) الخليفةَ (المستعصم) في خيمةٍ ، ثم دخل الوزير فاستدعى الفقهاءَ والأماثل ليحضروا العقد ، فخرجوا من بغداد فضُربت أعناقهم ، وصار كذلك يُخرج طائفة بعد طائفة فتُضرب أعناقهم ، ثم طلب حاشية الخليفة فضرَب أعناق الجميع ، ثم طلب أولاده فضرب أعناقهم ، وأما الخليفةُ فقيل لهولاكو: إنَّ هذا إنْ أُريق دمه تُظْلم الدنيا ويكون سبب خراب ديارك ، فقام نصير الدين الطوسي (٢) وقال: يُقتل ولا يُراق دمه ، فقيل إن (١) البداية والنهاية: ج١٣، ص ٢٠٣. (٢) يصدق ذلك ما قاله الدكتور مدرس رضوي في كتابه «أخبار وآثار خواجه نصير الدين طوسي)) الذي نشرته جامعة طهران ، فقد اعتبر المؤلف نصير الدين الطوسي مسؤولاً عن هذه الوقعة ، إنه يقول: ((إنَّ مكيدة الطوسي السياسية التي نجحت أخيراً هي أنه أثار هولاكو خان على استئصال الخلافة العباسية ، وتدمير القصر الملكي ، وقد كان هولاكو مأموراً من قبل أخيه منكوقا آن ، بالقضاء على الخلافة العباسية بعد استئصال الباطنية. إن هولاكو بعث إلى الخليفة المستعصم بالله الأمر بالطاعة ، واستمرت المكاتبة على ذلك ، ولكن دون جدوى ، وأخيراً استشار هولاكو زملاءه ، وكانت المغول يعتقدون بسعد النجوم ونحسها ، فلما أخبره منجم سني المعروف بحسام الدين الذي كان ملازماً لبلاطه بأن هذه ساعة نحس للغارة على بغداد ، وكلما تصدى ملك للاستيلاء على الخلافة في مثل هذه الساعة أخفق في إرادته ، وأصيب ببلاء ، فإنك أيها الملك إذا أبيت إلا أن تغير ، ينقطع المطر ، وتعم الزلازل والعواصف ، ويخرب العالم ، وأشد من كل ذلك إن الملك (منكوقا آن) يهلك ، فلما سمع بذلك هولاكو تردد هنيهة ، واستطلع رأي الطوسي وقال: ماذا تقول عن مصيرنا إذا أغرنا الآن على بغداد؟ فقال له = ٣٤٨ غارة التتار على العالم الإسلامي الخليفة غُمَّ في بِساط، وقيل رَفَسُوه حتى مات)). واستمرَّ القتلُ ببغداد بضعة وثلاثين يومًاً ، ولم يَنْجُ إلا من اختفى. وقيل: إنَّ هولاكو أمر بعد ذلك بِعَدِّ القتلى، فكانوا ألفَ ألفٍ وثمانمئة ألفِ ، ثم طَلَبَتِ النصارى أن يقعَ الجَهر بِشرب الخمرِ ، وأكل لحم الخنزير ، وأن يفعل معهم المسلمون ذلك في شهر رمضان ، وأريقتِ الخمور في المساجد والجوامع، ومُنع المسلمون من الإعلان بالأذان ، .. هذه بغداد لم تكن دار كفرٍ قط ، وجرى عليها هذا الذي لم يقع قط منذ قامت الدنيا مثله)» (١) . وقد ظلَّتْ بغدادُ ـ على علاتها ومواضع ضعفها - أكبرَ مدينةٍ للعالم الإسلامي ، ومركزَ العلوم والفنون ، ومهْد العلماء والصالحين، وكانت موضع فخر المسلمين لكونها دار الخلافة ، فاضطرب لتدميرها المسلمون كلُّهم ، وبَكَوا عليها ، وقد نظم الشيخ مصلح الدين سعدي (٢) رحمه الله ، الذي أقام في بغداد كطالبٍ ، وشهد بهاءَها وجمالها ، قصيدةً رثاء تنطقُ عن قلوب المسلمين الجريحة ، وشعورهم المكلوم في ذلك الوقت ، ننقل فيما يلي ترجمةً لعدَّة أبياتٍ منها يقول: ((إنَّ للسّماء كلَّ الحق أن تُمطر دماً على الأرض لِما أصاب مملكة الخليفة الطوسي: إن الغارة على بغداد لا يؤول إلا أنك ستحتل محل الخليفة ، ثم دعا هولاكو = المنجم حسام الدين وطلب منهما المناظرة حول هذا الموضوع ، فقال له الطوسي: لقد قتل آلاف من الصحابة رضي الله عنهم ولم يظهر فساد ، وإذا كان كل هذا مما يخص العباسيين ، فانظر إلى طاهر الذي قاتل الأمين لما أمره المأمون بذلك وقتله ، وقتل المتوكل على الله أولاده وغلمانه ، وقتل المنتصر والمعتضد الأمراء والغلمان ولكن لم يحدث هناك زلزلة ولا طوفان. (١) طبقات الشافعية الكبرى: ج ٥، ص ١١٤ - ١١٥. (٢) أحد أئمة الشعر الفارسي ، وصاحب كتابي ((كلستان)) ((وبوستان)) الخالدين في المكتبة العالمية . ٣٤٩ غارة التتار على العالم الإسلامي المستعصم من زَوال وفناء ، إذا كانت القيامة حقاً واقعاً يا محمد عليه الصلاة والسلام ، فاخسر عن وجهك الرداء وشاهدِ القيامة بين الخلق اليوم. لم يَدُز بخَلَد أيِّ إنسان أبداً أن حوادث الدهر تأتي بما أتت به اليوم ، افتح بصرك يا من شهدتَ عَظَمة البيت الحرام لتنظر أن الملوك دفنوا تحت التراب واحتل محلّهم المغول والخاقان ، أُهريقت دماءُ أبناء عمِّ النبي ◌َِّ على تلك الأرض ، التي كانتِ الملوكُ الكبار يَخُون عليها رُكَّعاً سُجَّداً، وأصبحتْ دَجلة تَزْبَدُ بدم أهلها ، وهي تَعجن التراب في نخل بطحاء بالدِّماء ، إنَّ وجه هذا النهر تغير وامتقع لونه من هذه الوقعة الهائلة وبَدتِ التجاعيد في هذا الوجه ، إنَّ النياحة لا تجدر على تراب هؤلاء الشُّهداء ، فإنَّ أقلَّ جزاء يستحقونه هي جنة الفردوس ، ولكنَّ الواجب الديني ، وصلة الحب والعاطفة تجعل قلب المحب يعيش في لوعة الفراق)) (١). الثَّتارُ في الشام: توجّه التتارُ نحو حلب الشهباء بعد بغداد ، وعاملوها معاملة بغداد كما ذكره ابن كثير ، ثم تقدَّموا إلى دمشق واستولوا عليها في شهر جمادى الأولى سنة ٦٥٨ هـ، وقد استقبل نصارى البلد التتارَ الفاتحين خارج البلد، وقدَّموا إليهم الهدايا ، وقدموا بأمرٍ من حاكمهم حتى دخلوا البلد فاتحين ، يُصَوِّر هذه الوقعة ابن كثير - الذي كانت دمشق مسقط رأسه - تصويراً يمكن به تقدير انتكاس المسلمين وضعفهم : (ودخلوا من «باب توما)»(٢) ومعهم صلیبٌ منصوب يحملونه على رؤوس الناس ، وهم ينادون بشعارهم ويقولون : ظهرَ الدين الصحيح ، دين المسيح ، ويذُون دين الإسلام وأهله ، ومعهم أوانٍ فيها خمر لا يمرُّون على باب مسجد إلّ رشُّوا عنده خمراً ، وقماقم ملآنة خمراً يرشون منها على وجوه (١) کلیات سعدي. (٢) [باب توما: أحد أبواب دمشق القديمة، يقع في الشرق من المدينة]. ٣٥٠ غارة التتار على العالم الإسلامي الناس وثيابهم ، ويأمرون كل من يجتازون به في الأزقة والأسواق أن يقومَ لصليبهم ، فتكاثر عليهم المسلمون فردوهم إلى سُوق كنيسة مريم ، فوقف خطيبهم فمدحَ دين النصارى ، وذمَّ دين الإسلام وأهله)). ثم يقول: ((وحكى الشيخ قطب الدين في ((ذيله على المرآة))، أنهم دخلوا إلى الجامع(١) بخمر، وكان في نيَّتهم إن طالت مدة التتار أن يُخربوا كثيراً من المساجد وغيرها ، ولما وقع هذا في البلد اجتمع قضاة المسلمين ، والشهود والفقهاء ، فدخلوا القلعة (٢) يشكون هذا الحال إلى متسلَّمها ((إيل سيان)) فأُهينوا وطُردوا ، وقدم كلام رؤساء النصارى عليهم ، فإنا لله وإنا إليه راجعون)) (٣). وَفُعَةُ عَيْنِ جَالوت وتَراجُع التتار عن مصر: وكان التتارُ متوجِّهين نحو مصر بعد الشام بحكم الطبيعة ، وكانت مصر وحدَها التي لم تصبها ويلات التتار ، وقد كان ملك مصرَ المظفَّر سيف الدين قطز قد تفرَّس أن التتار يزحفون إلى مصر بعد الشام ، وعند ذلك يصعب التخلص من وطأتهم ، فرأى أن يخرج من مصر بالجنود ويشُنَّ عليهم الهجوم في نَفْس الشام ، حتى وقعت الحرب بين عساكر مصر الإسلامية ، والتتار في عين جالوت يوم ٢٥ من رمضانَ سنة ٦٥٨ هـ ، وانهزمَ التتار شرَّ هزيمة بخلاف ما سبق لهم من الحروب ، فخرجوا منها هاربين ، وتعقّبتهم الجنود المصرية فقتلوهم وأسروا منهم عدداً كبيراً ، يقول العلامة السُّيوطي في كتابه («تاريخ الخلفاء)): ((فَهُزم التتار شرَّ هزيمة ، وانتصر المسلمون وللهِ الحمدُ ، وقُتِلَ من التتار (١) [أي الجامع الأموي]. (٢) [هي قلعة دمشق، بناها تاجُ الدولة تتش سنة ٤٧١ هـ، وقد خربت عدة مرات، وجدّد بناؤها]. (٣) البداية والنهاية: ج١٣ ، ص٢٠٣. ٣٥١ غارة التتار على العالم الإسلامي مَقْتَلَةٌ عظيمة ، ووَلَّوا الأدبار ، وطمع الناس فيهم يتخطّفونهم وينهبونهم)» (١). وهَزَمَهُم الملكُ الظاهر بيبرس بعد انهزامهم في عين جالوت مرَّاتٍ عديدة ، وأخرجهم من أرض الشام وطردهم منها ، حتى بطل المثل السائر: ((إذا قيل لك إنَّ التتار انهزموا فلا تُصدِّقْ)). انتشارُ الإسلام في التّتار: وقبل أن ينجرف العالمُ الإسلاميُ مع هذا السيل الجارف العنيد ، وتنطمس معالمه وملامحه ، (كما كان المشاهد الملموس عند ذوي البصيرة والخبرة من المؤرخين المسلمين في ذلك الحين) بدأت دعوةُ الإسلام تنتشر فجأة في هذا الشعب ، ويتحقَّق على أيدي دعاة الإسلام ما لم يتحقق بالأسنَّة والرماح ، وبطش السلاطين والملوك ، وبدأ الإسلام يتسرَّب في نفوس أعدائه ، ويأخذ بمجامع قلوبهم. إنَّ خضوع هذا الشعب الذي قهر المسلمين أمام الإسلام مِنْ أغربِ الوقائع والأحداث في التاريخ ، فإنَّ هجوم التتار على العالم الإسلامي كالجراد المنتشر ، وإخضاع العالم الإسلامي كله ، ليسَ من الغريب المدهش كما يبدو في الظاهر ، فإنَّ عالم الإسلام في القرن السابع كان بدوره مصاباً بتلك الأمراض والأسقام ، التي تلحق الأمم عامة في أوج حضارتها وشوكتها ، بالعكس من التتار ، ذلك الشعب القوي الأبي الذي نشأ على حياة البداوة ، والهمجية والضراوة ، ولكنَّ الغريب المدهش أنَّ هذا الشعب خضع للمسلمين المفتوحين المقهورين واعتنقَ دينهم في أوج قوته ، وذروة سلطانه ، ذلك الدين الذي فقد كثيراً من سلطانه السياسي والمادي آنذاك ، وكان أتباعُه موضع سُخرية واحتقار في نظر التتار. (١) تاريخ الخلفاء: ص ٤٢٥. ٣٥٢ غارة التتار على العالم الإسلامي وقد أبدى ((أرنولد)) استغرابَه في هذا الصَّدد في كتابه المشهور Preaching of Islam «الدعوة إلى الإسلام» حيث قال: ((ولكنْ لم يكن بُدٌّ من أن ينهض الإسلام من تحت أنقاض عظمته الأولى ، وأطلالِ مجده التَّالد ، كما استطاع بواسطة دُعاته أن يجذب أولئك الفاتحين المتبربرين ويَحملهم على اعتناقه ، ويرجعُ الفضل في ذلك إلى نشاط الدعاة من المسلمين ، الذين كانوا يُلاقون من الصعاب أشدّها لمناهضة مُنافِسَين فَوِيَيْنِ ، كانا يحاولان إحراز قصْب السَّبق في ذلك المضمار ، وليس هناك في تاريخ العالم نظير لذلك المشهد الغريب وتلك المعركة الحامية التي قامت بين البوذية والمسيحية والإسلام، كلُّ ديانةٍ تنافس الأخرى ، لتكسب قلوبَ أولئك الفاتحين القساة ، الذين داسوا بأقدامهم رِقاب أهل تلك الديانات العظيمة ذات الدعاة والمبشِّرين في جميع الأقطار والأقاليم)) (١). ((ويظهر أنَّ منافسة الإسلام في مُستهل الحكم المغولي لغيره من الديانات القوية ، كالبوذية والمسيحية كانت عملاً بعيد المنال ، إذ أنَّ المسلمين كانوا قد قاسَوا أكثر من غيرهم من ذلك الاضطراب الذي صحب غارات المغول ، وإنَّ معظم هذه المدن التي كانت حتى ذلك الحين مجمع السلطة الدينية وكعبة العلم في الإسلام في القارة الآسيوية ، قد أصبح مُعظمها أطلالاً دارسةً ، حتى إنَّ الفقهاء وأئمة الدين الأتقياء كان نصيبُهم القتل أو الأسر (٢). وكان من بين حُكَّام المغول الذين عُرفوا عادة بتسامحهم نحو الأديان كافة من يُظهر الكراهية للدين الإسلامي على درجات متفاوتة ، فقد أمر جنكيزخان (١) الدعوة إلى الإسلام : - ص ٢٥٠ (ترجمة جماعة من الأساتذة المصريين). (٢) وقد بلغ من سوء المعاملة الوحشية التي لقيها هؤلاء ، أن رائضي الخيول من أهالي الصين ، كانوا إذا عرضوا أشباحاً ، أظهروا البشر والحبور في صلف وإعجاب بعرض صورة تمثل رجلاً مسناً ذا لحية بيضاء يجره حصان قد ربط ذيله برقبة هذا الرجل ، وإنما كان هؤلاء يفعلون ذلك ليظهروا للناس كيف كان يتصرف فرسان المغول في معاملتهم للمسلمين. (159.Howorth Vol.I.p). ٣٥٣ غارة التتار على العالم الإسلامي بقتل كل من يَذبح الحيوانات على النحو الذي قرَّره الإسلام ، ثم سار على نهجه قوبيلائي ، فعيَّن مكافآت لكلِّ مَن دلَّ على من يذبح بهذه الطريقة ، واضطهد المسلمين اضطهاداً عنيفاً دام سبع سنين ، حتى إنَّ كثيراً من المعدمين وجَدوا في سَنِّ ذلك القانون فرصة لجمع الثروة ، واتّهم الأرقاء مواليهم بهذه التهمة لكي يحصلوا على حريتهم (١) ، وقد عانى المسلمون أقسى ضروب الحَيْف والشدة في عهد كيوك (١٢٤٦ - ١٢٤٨ م) الذي ألقى بزمام أمور الدولة إلى وزيريه المسيحيّين، والذي امتلأ بلاطُه بالرُّهبان من المسيحيين)) (٢). ((وقد اضطهد أرغون (١٢٨٤ - ١٢٩١ م) رابع إيلخانات المغول في فارسَ ، المسلمينَ في بلاده ، وصرَفهم عن كافة المناصب التي كانوا يشغلونها في القضاء والمالية ، كما حرَّم عليهم الظهور في بلاطه ، وعلى الرغم من جميع المصاعب ، أذعنَ هؤلاء المغول والقبائل المتبربرة (٣) آخر الأمر لدين هذه الشعوب التي ساموها الخسف وجعلوها في مواطىء أقدامهم)) (٤). إنَّ هذا الحَدث مثارُ دهشةٍ وعجبٍ ، ولكن استغرابنا يشتد ، حينما لا نجد تفاصيلَه وافيةً في بطون التاريخ ، إننا لا نكاد نعثر على أسماء هؤلاء الأعلام والأبطال الذين حقَّقوا هذه المآثر ، وأدخلوا هذا الشعب الهمج في حظيرة الإسلام ، مع أنَّ هذه المأثرة لا تقل أهمية عن أي مأثرة إسلامية في التاريخ ، ولهم فضل لا يُنكر لا على رقاب المسلمين فحسب ، بل على الإنسانية كلها ، إلى أن يأذن الله لها بالفناء ، فإنهم أنقذوا العالم من دَمار محتوم ، ووضعوه تحت رعاية شعبٍ يؤمن بالله وحده ، ويدعو إلى دين محمد صلَّى الله عليه وآله وسلم. Howorth, Vol.I.p.165. (١) Deguignes, Vol.III,p.265 (٢) (٣) وفي القرن الثالث عشر كان ثلاثة أرباع المغول أتراكاً. (279.Cahon p). (٤) الدعوة إلى الإسلام: ص ٢٥٦ - ٢٥٧ - ٢٥٨. ٣٥٤ غارة التتار على العالم الإسلامي إنَّ دولة جنكيز خان توزعتْ بعد وفاته إلى أربعة فروع ، وبدأ الإسلام ينتشر في هذه الفروع الأربعة ، وأصبح التتار يعتنقون الإسلام بجهود الخاقان ، حتى دخلوا في ظرف مئة سنة في دين اللهِ ، وقد سردَ أرنولد عدة أحداث تُلقي الضوء على هذا الباب ، إنه يحكي قصة شيوع الإسلام في فرع جوجي خان الابن الأكبر لجنكيزخان ، الذي كان يحكم على سيرا داردا ، الجزء الغربي من الدولة ، فيقول: ((وكان بركة خان (١٢٥٦ - ١٢٦٧ م) أول من أسلم من أمراء المغول ، وكان رئيساً للقبيلة الذهبية في روسيا بين سنتي ١٢٥٦ و ١٢٦٧م (١) ، وقد قيل في سبب إسلامه إنه تلاقى يوماً مع عير للتجار آتية من بخارى ، ولما خلا بتاجرَیْن منهم سألهما عن عقائد الإسلام ، فشرحاها له شرحاً مقنعاً انتهى به إلى اعتناق هذا الدين والإخلاص له ، وقد كاشفَ أصغر إخوته أولَ الأمر عن تغييره لدينه ، واعتناقه الإسلام ، وحبّب إليه أن يحذو حذوَه ، ثم أعلن بعد ذلك اعتناقه لهذا الدین» (٢) . ((وقد دخل بركة خان في حلف مع ركن الدين الظاهر بيبرس (١٢٦٠ - ١٢٧٧ م) سلطان المماليك في مصر ، الذي بدأ تلك العلاقات الوثيقة من جانبه ، فقد احتفى بشرذمةٍ من جُند القبيلة الذهبية يبلغ عددها المئتين ، ولما لاحظ هؤلاء الجند العداء المستحكم بينَ مَلكهم وبين هولاكو فاتح بغداد ، وهم الذين كانوا ينضوون تحت لوائه ، فُوا إلى سورية ، حيث يُيَمِّمُونَ منها شطرَ مصر ، وهناك استُقبلوا بكل مظاهر الحفاوة والتكريم في بلاط بيبرس ، (١) ومن الأهمية أن نلاحظ أن نجم الدين مختار الزاهدي ، وضع لبركة خان في سنة ١٢٦٠ م رسالة تؤيد بالبراهين رسالة النبي الدينية ، وتدحض ما ذكره المنكرون لهذه الرسالة ، وتمدنا بوصف للمناظرات التي قامت بين المسيحيين والمسلمين. (Stein (Chneider,p.p.63-4. (٢) الدعوة إلى الإسلام: ص ٢٥٨ - ٢٥٩ (أبو الغازي ج٢ - ص ١٨١). ٣٥٥ غارة التتار على العالم الإسلامي الذي أقنعهم بصحة الدين الإسلامي واعتناقه (١). و کان بيبرس نفسه في حربٍ مع هولاكو ، وقد هزمه بيبرس وأخرجه من سورية منذ أمد قريب ، وقد أرسل بيبرس اثنين من المغول اللاجئين وغيرهم من الرسل يحملون كتاباً إلى بركه خان ، وقد نقل هؤلاء عند عودتهم إلى مصر ، أن لكل أمير وأميرة في بلاط بركة خان إماماً ومؤذناً خاصاً ، وأن الأطفال كانوا يحفظون القرآن في المدارس (٢) ، وكان من أثر هذه العلاقات الودية التي قامت بين بيبرس وبركة خان ، أن كثُر الوافدون من رجال القبيلة الذهبية على مصر حيث اتخذوا الإسلام ديناً لهم)) (٣). إنَّه يحكي قصة انتشار الإسلام في الإيلخانية الفرع الثاني لأسرة جنكيزخان ، ويقول: ((كان الإسلام أقلَّ انتشاراً في بلاد الفرس حيث أسس هولاكو أسرة إيلخانات المغول ، ولكي يقوى على صدِّ هجمات بركة خان وسلطان مصر ، تحالف هولاكو مع القوات المسيحية في الشرق كملك أرمينية والصليبيين ، وكانت زوجته المحبّبة إليه مسيحية ، فعملت على استمالة زوجها نحو إخوانها في الدين ، كما تزوَّج ابنه أباقا خان (١٢٦٥ - ١٢٨١ م) من ابنة إمبراطور القسطنطينية . ومع أنَّ أباقا نفسه لم يتخذ المسيحية ديناً له، فقد امتلأ بلاطه بالقسِّيسين من المسيحيين ، وأرسل السفراء إلى بعض أمراء أوربة ، فكان يراسل القديس لويس ملك فرنسا ، وشارل ملك صقلية ، وجيمس ملك أرغونة يطلبُ إليهم التحالف معه على المسلمین. كما أرسل لهذا الغرض أيضاً بعثاً من ستة عشر سفيراً من المغول إلى مجمع (١) المقريزي (م): ج١ ص ١٨٠ - ١٨١، ١٨٧. (٢) المقريزي (م): ج١ ص ١٢١٥ . (٣) الدعوة إلى الإسلام: ص ٢٥٩ - ٢٦٠، المقريزي (م) ص ٢٢٢. ٣٥٦ غارة التتار على العالم الإسلامي ليون سنة ١٢٧٤ م ، حيث دخل رئيسُ أولئك السفراء في المسيحية ، وعُمِّد مع بعض رفاقه ، وقد طمِع المسيحيون ، فعلَّقوا الآمال على اعتناق أباقا خان المسيحية ، ولكن الأيام أظهرت أن تلك الآمال لم تكن إلاَّ سراباً خادعاً. وكان أخوه تكودار أحمد (١) ، الذي اعتلى العرش من بعده ، أول إيلخانات المغول الذين اعتنقوا الإسلام في فارس ، وقد شبَّ على المسيحية ، لأنه (كما يحدثنا بذلك كاتب مسيحي من معاصريه) (٢): ((تَعَمَّد في صباه وتسمَّى باسم نقولا ولكنه دان للإسلام عندما بلغ سِنَّ الُّشد عن طريق اتصاله بالمسلمين الذين كان كَلِفاً بهم ، وأصبح مسلماً دَيِّناً ، ولما ارتد عن المسيحية ، رَغِب في أن يُسَمَّى (محمد خان) ، وبذل قصاراه في تحويل كافة التتار إلى دين محمد وعقائده، ولما أظهروا صلابة في الارتداد عن دينهم، لم يجرؤ على حملهم على اعتناق الإسلام، وإنما لجأ إلى ذلك عن طريق بذل العطايا والمنح وألقاب الشرف ، حتى إن عدداً كبيراً من التتار دخل في عهده في عقيدة المسلمین)) . وقد بعثَ تكودار أحمد بنبأ إسلامه إلى سلطان المماليك في مصر (قلاوون) في ذلك الكتاب: ((إلى سلطان مصر ، أما بعد ، فإن الله سبحانه وتعالى بسابق عنايته ونور هدايته ، قد كان أرشدنا في عنفوان الصبا وريعان الحداثة ، إلى الإقرار بربوبيته والاعتراف بوحدانيته ، والشهادة لمحمد عليه أفضل الصلاة والسلام بصدق نبوته وحُسن الاعتقاد في أوليائه الصالحين من عباده وبَريَّته ، ﴿ فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَمِ﴾ [الأنعام: ١٢٥]، فلم نزل نميل إلَى إعلاء كلمة الدين وإصلاح أمور الإسلام والمسلمين ، إلى أن أفضى إلينا بعد أبينا الجليل وأخينا الكبير نَوبَة الملك ، فأضفى علينا من جلابيب ألطافه ولطائفه ، ما حقق به آمالنا في جزيل آلائهِ وعوارفه ، وجَلى هذه المملكة علينا وأهدى عقيلتها إلينا ، فاجتمع عندنا في قوريليان ( Quriltay على الأصح) (١) أوتيكودار على ما يسميه وصاف الحضرة، وقد سمي أحمد بعد اعتناقه الإسلام. . (Hayton.Ramusio, Tom II p.60,C.) (٢) ٣٥٧ غارة التتار على العالم الإسلامي المبارك؛ - وهو المجتمع الذي تُقْدح فيه الآراء - جميعُ الإخوان والأولاد ، والأمراء الكبراء ، ومُقدَّمو العساكر وزعماء البلاد ، واتفقتْ كلمتهم على تنفيذ ما سبق به حُكم أخينا الكبير ، في إنقاذ الجم الغفير من عساكرنا التي ضاقت الأرض برحبها من كثرتها ، وامتلأتِ الأرض رعباً من عظيم صَولتها وشديد بطشها ، إلى تلك الجهة ، بهمَّة تخضع لها صُمُّ الأطواد ، وعَزْمةٍ تلين لها الصُّم الصلاد ، ففكرنا فيما تمخَّضتْ زبَد عزائمهم عنه ، واجتمعتْ أهواؤهم عليه ، فوجدناه مخالفاً لما كان في ضميرنا من اقتفاء الخير العام ، الذي هو عبارة عن تقوية شعار الإسلام ، وألا يصدر عن أوامرنا ما أمكننا إلا ما يُوجب حقن الدماء وتسكين الدَّهماء ، وتجري به في الأقطار رخاء نسائم الأمن والأمان ، ويستريحُ به المسلمون في سائر الأمصار في مهاد الشفقة والإحسان ، تعظيماً لأمر الله ، وشفقةً على خلق الله. فألهمنا اللهُ تعالى إطفاء تلك النائرة ، وتسكين الفتن الثائرة ، وإعلام من أشار بذلك الرأي بما أرشدنا إليه من تقديم ما يُرجى به من شفاء مزاج العالم من الأدواء ، وتأخير ما يجب أن يكون آخر الدواء. وإننا لا نحب المسارعة إلى هز النِّصال للنضالِ ، إلا بعد إيضاح المحَجة ، ولا نبادر إليها إلّ بعد تبيين الحقِّ وتركيب الحجَّة. وقَوي عزمنا على مارأيناه من دواعي الصلاح ، وتنفيذ ما ظهر لنا به وجه النجاح ، إذ كان الشيخ قدوة العارفين (كمال الدين عبد الرحمن) ، الذي هو نعم العون لنا في أمور الدين ، فأرسلناه رحمة من الله لمن (لبَى) دعاه ، ونقمةً على من أعرض عنه وعصاه ، وأنفذنا أقضى القضاة قطب (الملة) والدين ، والأتابك بهاء الدين ، اللَّذين هما من ثقات هذه الدولة الزاهرة ، ليعرفُوهم طريقتنا ، ويتحقق عندهم ما ينطوي عليه لعموم المسلمين جميلٌ نيتنا ، وبيَّنا لهم أنَّا من الله تعالى على بصيرة، وأن الإسلام يَجُبُّ ما قبله ، وأنه تعالى ألقى في قلوبنا أن نتبع الحق وأهله. فإن تطلَّعتْ نفوسٌ إلى دليل تستحكم بسببه دواعي الاعتماد ، وحُجة يثقون ٣٥٨ غارة التتار على العالم الإسلامي بها من بلوغ المراد ، فلينظروا إلى ما ظهر من أمرنا مما اشتهر خبره ، وعمَّ أثره ، فإنا ابتدأنا بتوفيق الله بإعلاء أعلام الدين وإظهاره في إيراد كل أمر وإصداره تقديماً لناموس الشرع المحمدي على مقتضى قانون العدل الأحمدي إجلالاً وتعظيماً ، وأدخلنا السرور على قلوب الجمهور ، وعفونا عن كل من اجترح سيئةً واقترف ، وقابلناه بالصفح ، وقلنا: عفا الله عمَّا سلف . وتقدَّمنا بإصلاح أمور أوقاف المسلمين من المساجد والمشاهد والمدارس ، وعمارةٍ بقاع الدين والربط الدوارس ، وإيصال حاصلها بموجب عوائدها القائمة إلى مستحقّيها بشروط واقفيها. وأمرنا بتعظيم أمر الحجاج، وتجهيز وفدها ، وتأمين سُبلها ، وتيسير قوافلها . وأنا أطلقنا سبيل التجار المترددين على تلك البلاد ليسافرُوا بحسب اختيارهم على أحسن قواعدهم)). وهو يلتمس محالفة سلطان مصر ((بحيث تعمر تلك الممالك وتلك البلاد ، وتسكن الفتنة الثائرة ، وتغمد السيوف الباترة ، وتَحل الأمة أرض الهوينى ، وتخلص رقاب المسلمين من أغلال الذل(١) والهوان (٢). وإنَّ مَن يدرس تاريخ المغول ليرتاح عندما يتحول فجأة من قراءة ما اقترفوه من الفظائع وما سفكوه من الدماء ، إلى أسمى عواطف الإنسانية وحب الخير ، التي أعلنت عن نفسها في تلك الوثيقة التاريخية التي كتبها تكودار أحمد إلى (١) وصاف الحضرة: ص (٢٣١ - ٣٣٤). (٢) وقد ورد هذا الكتاب أيضاً في القلقشندي: ((صبح الأعشى)) ج١، ص ٦٥ - ٦٨، وهو مؤرخ في شهر جمادى الأولى سنة٦٨١ (أغسطس سنة (١٢٨٢)، وقد بعثه به مع رسولين هما قطب الدين شيرازي وأتابك بهلوان، وقد رد قلاوون على إيلخان المغول بكتاب مؤرخ أول رمضان من السنة نفسها (٣ ديسمبر سنة ١٢٨٣)، وقد ورد الكتاب في القلقشندي ج ٧ص ٢٣٧ - ٢٤٢). ٣٥٩ غارة التتار على العالم الإسلامي سُلطان المماليك في مصر ، والتي يَدهَشُ الإنسان لصدورها من مثل ذلك المغولي. وقد أحفظ ((تكودار أحمد)» واضطهاده المسيحيين ، المغولَ الذين كانوا شديدي الاتصال بهم برغم مخالفتهم في الدين ، وشكوه إلى قوبيلائي خان ، متهمین إياه بأنه خالف بذلك سنن أجداده. وقد قامت في وجهه ثورةٌ على رأسها ابن أخيه أرغون الذي دبّر قتله ، ثم خلفه على العرش. وفي أثناء حكم أرغون (١٢٨٤ - ١٢٩١ م) القصير ، استرد المسيحيون مكانتهم من جديد ، على حين لم يكن بد من أن يلقى المسلمون الاضطهاد ، فصُرفوا عن كافة المناصب التي كانوا يشغلونها في القضاء والمالية ، وحَرَّم علیهم الظهور في بلاطه (١) . وقد ظلَّ خلفاء تكودار أحمد على وثنيتهم ، حتى دخل غازان (١٢٩٥ - ١٣٠٤ م) سابع الإيلخانات وأعظمهم شأناً، في الدين الإسلامي في سنة ١٢٩٥م ، وجعله دين الدولة الرسمي في فارس. وفي عهد إيلخانات المغول الثلاثة الأخيرين الذين سبقوا غازان (٢)، أملَ المسيحيون آمالاً كباراً في تحويل الأسرة الحاكمة في فارس عن الدين الإسلامي ، تلك الأسرة التي أظهرت نحوهم عطفاً شديداً ، وأسندت إليهم كثيراً من مناصب الدولة الهامة ، وكان بيدوخان سلف غازان ، الذي كان رأس الفتنة في فارس ، والذي جلس على العرش في سنة ١٢٩٥ م بضعة أشهر فقط ، قد آثر الدين المسيحي ، وجهد في وضع العقبات في سبيل انتشار الإسلام بين . De Guignes, Vol.III p.p.263-5 (1) (٢) هؤلاء هم أرغون (١٢٨٤ - ١٢٩١)، وأولجايتو (١٢٩١ - ١٢٩٥م) وبيدو خان (أبريل - أكتوبر سنة ١٢٩٥ م). ٣٦٠ غارة التتار على العالم الإسلامي المغول ، فحرَّم على كل شخص أن يدعو لذلك الدين ، أو أن ينشر عقائده بينهم (١). وقد شَبَّ غازان على البوذية قبل اعتناقه الإسلام ، وشيَّد عدة معابد للبوذية في خراسان ، وكان يُسُّ كثيراً بمصاحبة الكهنة الذين ينتمون إلى هذا الدين ، والذين كانوا قد وفدوا إلى فارس في جماعات كبيرة منذ بسَط المغول سلطانهم في هذه البلاد (٢) . ويظهر أنَّ غازان كان بطبعه يميل إلى تقليب نظره في المسائل الدينية؛ لأنه دَرس عقائد الأديان المختلفة المنتشرة في زمانه (٣) ، وقد أيَّد رشيدُ الدين ، وزيره العالم ومُؤرخ عصره بالبرهان صحةً اعتقاده الإسلام ، الذي أخذ على عاتقه المحافظة على شعائره في حماس وغيرة طوال عهده)) (٤). إنَّ ابن كثير نفسه ذكر إسلام غازان في وقائع ٦٩٤ هـ بارتياح بالغ ، ويبدو منه - ويؤيده في ذلك غيره من المؤرِّخين - أنَّ الفضل في ذلك يرجع إلى الأمير التركي الصالح توزون (٥) ، فإن ملك التتار أسلم بجهوده ، كتب ابنُ كثير في وقائع ٦٩٤ هـ ، يقول: ((وفيها مَلَك التتار قازان بن أرغون بن أبغا بن تولى بن جنكيز خان فأسلم ، وأظهر الإسلام على يد الأمير توزون رحمه الله ، ودخلت التتار أو أكثرهم في الإسلام ، ونُثر الذهب والفضة ، واللؤلؤ على رؤوس الناس يوم إسلامه ، وتسمَّى بمحمود ، وشهد الجمعة والخطبة ، وخرّب كنائس كثيرة ، وضرب عليهم الجزية ، وردّ مظالم كثيرة ببغداد وغيرها من البلاد ، وظهرت السُّبح (٢) C.D.Ohsson, Tome IV p.p. 141-2 (1) I p,18p.148 C.D.Ohsson, Tome IV p.365 (٣) الدعوة إلى الإسلام: ص ٢٦٠ - ٢٦٤. (٤) (٥) يسميه أرنولد وغيره من المؤرخين ((نوروزبيك)).