Indexed OCR Text
Pages 301-320
٣٠١ الإمام عبد القادر الجيلاني: عصره، حياته ما أَعْبُدُ إلا الخالق الواحد الأحد القديم. فَرحي بفلاحكم ، وغمِّي لهلاککم)» (١). اشتغاله بالعلم ونُصرّته للسنة: ولمْ يمنعه اشتغاله بالوعظ والإرشاد وتربية النفوس من الاشتغال بالتدريس ، ونشر العلم ونصرٍ السنة والعقيدة الصحيحة ومحاربة البدع ، وقد كان في العقيدة والفروع متبعاً للإمام أحمد والمحدِّثين والسلف ، قال ابن رجب: ((كان متمسكاً في مسائل الصفاتِ والقدّر ونحوهما بالسنة ، مبالغاً في الرد على من خالفها)) (٢). وقد كان قَوِيَّ الاشتغال بالتدريس ، عالماً متفنناً. قالوا: كان يتكلّم في ثلاثة عشر علماً ، وكانوا يقرؤون عليه في مدرسته درساً من التفسير ، ودرساً من الحديث ، ودرساً من المذهب ، ودرساً من الخلاف ، وكانوا يقرؤون عليه طَرفي النهار التفسير، وعلوم الحديث ، والمذهب ، والخلاف ، والأصول ، والنحو. وكان رضي الله عنه يقرأ القُرآن بالقراءاتِ بعد الظهر ، وكان يُفتي على مذهب الإمام الشافعي والإمام أحمدَ بن حنبل رضي الله عنهما ، وكانت فتواه تُعرض على العلماء بالعراق، فتُعجبهم أشدَّ الإعجاب (٣)؛ رُفع إليه سؤال في رجل حَلف بالطلاق الثلاث أنه لا بد أن يَعبد الله عز وجل عبادة ينفردُ بها دون جميع الناس في وقت تَلَتُسه بها ، فماذا يفعل من العبادات؟ فأجاب على الفور: ((يأتي مكة، ويُخلَّى له المطاف، وَيطوف سبعاً وحده (٤) ، ويَنحَلُّ الفتح الرباني: المجلس السادس. (١) (٢) طبقات الحنابلة. (٣) الطبقات الكبرى: للشعراني، ص ١٢٦ . (٤) يعني سبعة أشواط. ٣٠٢ الإمام عبد القادر الجيلاني: عصره، حياته يمينه)) فأعجبَ علماء العراق، وكانوا قد عجزوا عن الجواب عنها (١). الاستقامَةُ والتَّحقيقُ: وقد اتّجه التصوُّفُ في القرن الخامس اتجاهاً فيه الاستقلال الذي قد ينتهي إلى الانفصال عن الشريعة، وأصبحَ - أو كاد يُصبح - مؤسسة أو مدرسة قائمة بنفسها ، لا تتصل بالشريعة إلا اتصالاً شكلياً. وشاعت شطحاتُ الصوفية ، ودعاوي الوصول إلى الحقيقة والنهاية التي تَسقط فيها الفرائض والتكاليف الشرعية ، وظهرت نزعة ((وحدة الوجود))، وبدأت الفوضى في بعض زوايا الصوفية؛ فكان الشيخ عبد القادر من أكبر المعارضين لهذا الاتجاه الثائر ، ومن أكبر الدعاة إلى إخضاع ((الطريقة)) للشريعة، والتمسّك بالكتاب والسنة وتحكيمهما في جميع الأحوال والأقوال والأعمال. وقد استطاعَ بقوة شخصيته وبإخلاصه وعلمه القوي ، أن يمنعَ هذا الاتجاه الخطير ، ويرجع بالتصوف إلى ما كان عليه في العصر الأول. قال الشعراني: ((كانت طريقته التوحيد وصفاً وحكماً وحالاً ، وتحقيقه الشرعَ ظاهراً وباطناً». وكان رضي الله عنه يقول لأصحابه: ((اتّبعوا ولا تبتدعوا ، وأطيعوا ولا تخالفوا)) (٢). ومن قوله رحمه الله: ((إنِ انخرمَ فيك شيءٌ من الحدود فاعلم أنك مفتون ، قد لعب بك الشيطان؛ فارجعْ إلى حكم الشرع والزمه ، ودع عنك الهوى؛ لأنَّ كلَّ حقيقة لا تشهد لها الشريعة فهي باطلةٌ)) (٣) ويقول حاثاً على التمسُّك بالكتاب والسنة والتزام اتباع الرسول الطيار : (١) الطبقات الكبرى: ص ١٢٧ . (٢) المصدر السابق: ص١٢٩ . (٣) المصدر السابق: ص١٣١ . ٣٠٣ الإمام عبد القادر الجيلاني: عصره، حياته (كُلُّ حقيقةٍ لا تشهد لها الشريعة فهي زَندَقةٌ، طِرْ إلى الحق عز وجل بجناحي الكتاب والسنة؛ ادخُلْ عليه وَيَدُك في يد الرسول ◌َّارِ، اجعله وزيرَك ومُعلِّمك، دَع يَدهُ تُزيَّنك وتُمشِّطُك وتَعرِضُك عليه)) (١)! ويقول منكراً على من يعتقدُ أن التكاليف الشرعية تَسقُط عن السالك في حال من الأحوال: ((تَركُ العبادات المفروضات زندقةٌ ، وارتكاب المحظورات معصيةٌ؛ لا تَسقط الفرائض عن أحد في حال من الأحوال)) (٢). وقد كان جَبلاً راسياً في الاستقامة على الشريعة ، وقد وصل بكمال اتِّباعه وعلمه الراسخ ، وتأييدِ الله سبحانه وتعالى ، حيثُ صار يُميز بين الحق والباطل ، والنور والظلمة ، والموارد الإلهية والطوارق الشيطانية. وقد كان أشدَّ الناس إيماناً - كما قدمنا - بأن الأحكام الشرعية لا تتبدل ، ولا ناسخَ لها بعد الرسول بَّ، وأن من ادعى نسخها أو تعطيلها فقد كفر ، وكان مَطِيَّةَ الشيطان. وقد عرضت له محَن ثبت فيها؛ لعلمه الراسخ وبصيرته النافذة ، يقول: «تراءى لي نُورٌ عظيمٌ ملأ الأفق ، ثم تدلى فيه صورةٌ تناديني: يا عبد القادر أنا ربك! وقد حَلَّلتُ لك المحرمات، فقلت: اخسأ يا لعين! فإذا ذلك النور ظلامٌ ، وتلك الصورة دخان ، ثم خاطبني: يا عبد القادر نجوتَ مني بعلمك بأمر ربك وفقهك في أحوال منازلاتك ، ولقد أضللتُ بمثل هذه الواقعة سبعين من أهل الطريق ، فقلتُ: لله الفضلُ ، فقيل له: كيف علمت أنه شيطان؟ قال: بقوله قد حلَّلت لك المحرمات)) (٣). (١) الفتح الرباني: المجلس الرابع والأربعون. (٢) المصدر السابق: المجلس الحادي عشر. (٣) الطبقات الكبرى: ص١٢٧ . ٣٠٤ الإمام عبد القادر الجيلاني: عصره، حياته التفويض والتوحيد: كانت قدمه رحمه الله على التفويض والموافقة مع التبري من الحول والقوة. كان الشيخ عديُّ بن مسافر (١) يقول: ((كان الشيخ عبد القادر رضي الله عنه طريقتُه الذبول تحت مجاري الأقدار بموافقة القلب والروح)). وقد جاهَدَ في ذلك نفسه مجاهدةً شديدة ، يقول في مقالة: ((جاهدتُ نفسي في ترك الاختيار والإرادة؛ حتى حصل لي ذلك؛ فصار القَدرُ يقودني والمِنة تنصُرني ، والفعل يحركني ، والغيرة تعصمني ، والإرادة تُطيعني ، والسابقة تقدِّمني ، والله عز وجل يَرفعني)) (٢). وقد تجَلَّى هذا الذوقُ وهذا الاتجاه في كلامه واضحاً قوياً. وقد وصف رجلاً تجرَّد عن إرادته واختياره ، واستسلم للقضاء وإرادة الله سبحانه وتعالى - وإنما يعني نفسه - يقول رحمه الله : (إذا ابتُليَ العبدُ بِبَليَّة تحتَّك أولاً في نفسه بنفسه؛ فإن لم يتخلَّص منها، استعان بغيره من الخلق كالسلاطين ، وأرباب المناصب ، وأبناء الدنيا ، وأصحاب الأموال ، وأهلِ الطب في الأمراض والأوجاع؛ فإن لم يجد في ذلك خلاصه ، رجَعَ حينئذ إلى ربه بالدعاء والتضرع والثناء ، فما دام يجدُ عند نفسه نُصرةً لم يرجع إلى الخلق ، ثم ما دام يجد عند الخلق نُصرة لم يرجع إلى الخالق ، ثم إذا لم يجد عند الخالق نصرة ، استطرح بين يديه مُديماً للسؤال والدعاء والتضرع والثناء ، والافتقار مع الخوف منه والرجاء. ثم يُعجزه الخالق عز وجل عن الدعاء ولم يُجبه؛ حتى ينقطعَ عن جميع الأسباب ، فحينئذٍ ينفذ فيه القدر ، ويُفعل الفعل ، فيفنى العبد عن جميع الأسباب والحركات؛ فيبقى روحاً فقط؛ فلا يرى إلا فعل الحق عزَّ وجلَّ، (١) الطبقات الكبرى: ص ١٢٧ . (٢) الفتح الرباني: المجلس الثالث والأربعون. ٣٠٥ الإمام عبد القادر الجيلاني: عصره، حياته فيصير موقناً موحداً ضرورة ، وقطع أن لا فاعل على الحقيقة إلا الله ، ولا محرِّك ولا مُسكِّن إلا الله، ولا خير ولا شر ، ولا ضُرَّ ولا نفع ، ولا عطاء ولا منع ، ولا فتحَ ولا غلق ، ولا موت ولا حياة ، ولا عزَّ ولا ذل ، ولا غنى ولا فقر إلا بيد الله . فيصيرُ حينئذٍ كالطفل الرضيع في يد الظُّئْر، والميِّت الغسيل في يد الغاسل ، والكُرةِ في يد صولجان الفارس ، يُقلَّب ويغير ويبدّل وَيكوَّن ، ولا حراك به في نفسه ولا في غيره ، هو غائب عن نفسه في فعل مولاه؛ فلا يرى غير مولاه وفعلَه ولا يرى سواه ، ولا يسمع ولا يعقل من غيره؛ إن أبصَر فلِصُنعه أبصر ، وإن سمع وعلم فلكلامه سمع، ولعلمه علم، وبنعمته تنعم، وبقربه سعد، وبتقرُّبه تزيَّن وتشرف ، وبوعده طاب وسكن ، وبه اطمأنَّ وبحديثه أنس ، وعن غيره استوحش ونفر ، وإلى ذكره التجأ وركن ، وبه عز وجل وثِق، وعليه توكل ، وبنور معرفته اهتدى، وتقمص، وتسربل)) (١). ويقولُ في مقالةٍ أخرى: ((العبدُ إذا عرف الله عز وجل سقطَ الخلق من قلبه ، وتناثروا عنه كما يتناثر الورقُ اليابس من الشجر؛ فيبقى بلا خَلْق في الجملة. يَعمى عن رؤيتهم ، ويصمُّ عن سماع كلامِهم من حيث قلبه وسره)) (٢). شَفَقَتُه على الخَلق: وقد كان - رحمة الله عليه - عطوفاً ، شفيقاً ، رفيقاً بالأمة المحمدية وعامةٍ الناس ، دائم الدعوة لهم ، يرق قلبه ، ويرثي لضعفائهم والمشتغلين بما لا ينفعهم في الآخرة ، ناصحاً لكل طبقة، مُحباً للخير لها ، يحرص على إسعادها وإخراجها من الظلمات إلى النور ، يقول مخاطباً لمستمعيه : ((يا خَلْقَ الله إنِّي أطلُب صلاحكم ومنْفَعتكُم في الجملة ، أتمنى غَلْقَ أبواب (١) فتوح الغيب: المقالة الثالثة. (٢) الفتح الرباني: المجلس السادس والخمسون. ٣٠٦ الإمام عبد القادر الجيلاني: عصره، حياته النار وعَدْمها بالكلية ، وألَّ يدخلها أحد من خلق الله عزَّ وجلَّ ، وإنما تمنيتُ هذه الأمنية لاطلاعي على رحمة الله عز وجل وشفقته على خلقه ، قُعودي لمصالح قلوبكم بتَهذيبها ، لا لتغيير الكلام وتَهذيبه ، لا تهربوا من خشونة كلامي ، فما ربَّاني إلا الخشن في دين الله عزَّ وجلَّ ، كلامي خشنٌ ، وطعامي خشنٌ، فَمَن هرب مني ومن أمثالي لا يُفلح)) (١). ويقولُ في مناسبةٍ أخرى ، وهو يصف الدُّعاة إلى الله ، والعلماء الربانيين ، ورحمتهم بخلق الله ، وحرصهم على خلاصهم وسعادتهم : ((كيف لا يرحمونَ العصاة وهم موضع الرحمة، مقام التوبة والاعتذار، العارفُ خُلقه من أخلاق الحق عز وجل ، فهو يجتهد في تخليص العاصي من يد الشيطان والنفس والهوى ، إذا رأى أحدُكم ولده أسيراً في يد الكافر ، أليس يجتهد في تخليصه ، فهكذا العارف ، الخلقُ جميعهم كالأولاد)) (٢). ويحكي - رحمه الله - حالَ من خصَّه الله بهذه الشفقة العامة والنُّصح الدائم ويدخل في سوق ، وإنما يصف نفسه الكريمة : ((منهم من إذا دخل السوق ، امتلأَ قلبُه بالله لأهله ، فتشغل الرحمة لهم عن النظر إلى ما لهم بين أيديهم ، فهو من حين دخوله إلى حين خروجه في دعاء واستغفار ، وشفاعةٍ لأهله ، وشفقةٍ ورحمة ، فقلبُه محترق عليهم ولهم ، وعينُهُ مُغْرَورِقَةٌ لأجلهم ، ولسانُه في ثناءٍ وحمدٍ لله عزَّ وجلَّ أَوْلَى الكافة من نعمه و فضله)» (٣). دَغوتُه للإسلام: إنَّ وجود الشيخ عبد القادر الجيلاني في قوة إيمانه ، وقوة عمله ، وقوة دعوته ، وسُمو سيرته وأخلاقه ، وزُهده في الدنيا في عصر المادية وعصر (١) الفتح الرباني: المجلس التاسع والأربعون. (٢) المصدر السابق: المجلس الثالث والخمسون. (٣) فتوح الغيب: المقالة الثانية والسبعون. ٣٠٧ الإمام عبد القادر الجيلاني: عصره، حياته الغفلة والانحطاط ، كان دليلاً على خُلود الإسلام وصلاحيته للبقاء ، وصلاحيته للإنتاج ، وعلى أنَّ شجرته لم تنقطع - ولن تنقطع - عن الإثمار والازدهار . فإذا كان الإسلام دينَ عقيدة وإيمان ، وعمل وجهاد ودعوة وإصلاح - وهو كذلك - فلا بد أن يظهر في مختلف أعصاره وأمصاره رجالٌ عبقريون ، أقوياء في إيمانهم ، أقوياءُ في عملهم ، أقوياء في دعوتهم ، يُمثِّلون سيرة الأنبياء وخُلفائهم بالحق في عصرهم ، وكان وجودُ من تخرّج على يديه ، ونشأ في تربيته - من أهل الصلاح والتقوى ، والصدق والإخلاص ، والزُّهد والقناعة ، والأخلاق والفضائل - دعوةً إلى الإسلام ، ودليلاً على صدقه وفضله وحياته وتأثيره ، ومقدرته على إنتاج الرَّبَّانيين في كل عصر ، وعلى أن مَعينه لا ينضب؛ لذلك كان سبباً لدخول عدد كبير من اليهود والنصارى وغير المسلمين في الإسلام ، وإقبالٍ عدد كبير هائل من المسلمين إلى تجديد الإيمان ، وإصلاح الحال ، والإقلاع عن المعاصي والمحارم ، وحياة الغفلة واللهو. وفَاتُه: وظلَّ الشيخُ مثابراً على دعوته وجهاده وتربيته للنفوس ، حتى وافاه الأجل المحتوم سنة ٥٦١ هـ ، وقد جاوز التسعين ، وقد وصَف ولدُه ، شرفُ الدين عيسى مرضه الذي مات فيه ، وكيف فارق الدنيا وانتقل إلى رحمة ربه ، قال : «لما مرض مَرَضَهُ الذي مات فيه قال له ابنه عبد الوهاب: أوصِني يا سيِّدي بما أعمل به بعدك ، فقال: «عليك بتقوى الله عز وجل ولا تَخف أحداً سوى الله، ولا تَرْجُ أحداً سوى الله، وَكِّلِ الحوائجَ إلى الله عز وجل، ولا تعتمدْ إلا عليه واطْلُبها جميعاً منه، ولا تَثِقْ بأحد غير الله عز وجل، التوحيد التوحيد جماعُ الكل)). ٣٠٨ الإمام عبد القادر الجيلاني: عصره، حياته وقال: ((إذا صحَّ القلبُ مع الله عز وجل لا يخلو منه شيء ، ولا يخرج منهُ شيء)). وقال: ((أنا لُبِّ بلا قُشورٌ)). وقال لأولاده: ((ابعدوا مِنْ حولي ، فإني معكم بالظاهر ، ومع غيركم بالباطن)) . وقال: ((قد حضر عندي غيرُكم فأوسعوا لهم ، وتأدبوا معهم هاهنا رحمة عظيمة، ولا تُضيِّقوا عليهم المكان)). وكان يقول: ((وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، غفَر الله لي ولكم ، وتابَ الله عليّ وعليكم، باسم الله، غير موذَّعين)) قال ذلك يوماً وليلة. وقال: ((ويلكم أنا لا أُبالِي بشيء ولا بملك، ولا بملَك الموت ، يا ملك الموت ، افسح لنا من يتولانا سواك)) وصاحَ صَيحة عظيمة ، وذلك في اليوم الذي مات في عشيّته. وأخبرني ولدُهُ عبد الرزاق ، وموسى: أنَّه كان يرفع يديه ويمدهما ويقول: ((وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته ، تُوبوا وادخلوا في الصف ، هو ذا أَجيءُ إلیکم)). وكان يقول: ((ارفقوا))، ثم أتاه الحقُّ وسكرةُ الموت. وقال - رضي الله عنه وأرضاه - : ((بيني وبينكم وبين الخلقِ كلُّهم بُعْدُ ما بين السماء والأرض ، فلا تَقيسوني بأحد)) ثم سأله ولدُه عبد العزيز ، عن ألمهِ وحالهِ؛ فقال: ((لا يسألني أحد عن شيءٍ، هاأنا أتقلَّب في علم الله عزَّ وجلَّ)). وقد سأله ولدُه عن مرضه ، فقال له: ((إن مرضي لا يعلمهُ أحد ، ولا يعقله أحد: إنسيٌّ، ولا جِنّي، ولا ملَك، وما يُنقضُ علمُ الله بِحُكم الله ، الحُكم يَتغيَّر ، والعلم لا يتغير ، الحكم يُسخ والعلم لا ينسخ ، يمحو الله ما يشاء ويُثبت وعنده أمُّ الكتاب ، ولا يُسأل عما يفعل وهم يسألون ، أخبارُ الصفات تُمُّ كما جاءتْ)). ٣٠٩ الإمام عبد القادر الجيلاني: عصره، حياته وسأله ولدهُ عبد الجبار: ماذا يؤلمك من جسدك؟ فقال: ((جميع أعضائي تُؤْلِمني إلا قلبي ، فما به ألم، وهو صحيح مع الله عزَّ وجلَّ)) ثم أتاه الموت ، فکان يقول: ((استعَنْتُ بلا إله إلا الله سبحانه وتعالى وهو الحي الذي لا يموت ولا يَخشى الفَوت، سبحان من تعزّز بالقدرة وقهرَ العبادَ بالموت ، لا إله إلا الله ، محمد رسول الله)). ثم خرجتْ روحُه الكريمة رضي الله عنه وأرضاه (١). (١) آخر كتاب ((فتوح الغيب)). ٣١١ الإمام عبد القادر الجيلاني: دعوته ، إصلاحه المحاضرة الثانية عشرة: الإمام عبد القادر الجيلاني دعوته ، إصلاحه ، وفضله ، وفضل خلفائه في تجديد الإيمان والدّعوة إلى الإسلام عَضْرُه: قَضَى الشيخُ عبد القادر الجيلاني ثلاثاً وسبعين سنة في بغداد، وعاصر خمسةً من الخلفاء العباسيين. دَخَلَ بغداد ، والخليفةُ المستظهر بأمر الله ، أبو العباس (م٥١٢ هـ)، وجاء بعده المسترشد ، والراشد ، والمقتفي لأمر الله ، والمستنجد بالله. وكان هذا العصر الذي عاش فيه الشيخ مليئاً بالحوادث الجسام ، وكانت بغدادُ مركزها ، وكان الصراع قائماً بين الخلفاء والسلاطين من آل سلجوق ، الذين كانوا حريصين على بَسْط نفوذهم وسيطرتهم على الدولة العباسية ونيابة الخليفة برضا من الخليفة وموافقةٍ منه مرةً ، وبإباءٍ وكراهية منه أخرى ، وقد تقعُ معركةٌ بين جيش الخليفة وجيش السلطان ، ويتقاتل المسلمون. وَقَعَ ذلك مراراً في عهد المسترشد ، وهو أقوى الخلفاء في أواخر العصر ٣١٢ الإمام عبد القادر الجيلانى: دعوته ، إصلاحه العباسي وأحسنهم (١) ، وكان هو المنتصرَ في أكثر الوقائع ، والتقى جيش الخليفة وجيش السلطان ((مسعود)) في عاشر رمضان ٥١٩ هـ، وانهزم الخليفة في هذه المرة انهزاماً شنيعاً. قال ابنُ كثير: ((وانتصرَ جيش السلطان ، وأُسر الخليفة ، ونُهبت أموال البغداديين وحواصلُهم ، وطار الخبر في الأقاليم بذلك ، وحين بلغ الخبر إلى بغداد ، انجزع الناس لذلك ، وزُلزلوا زلزالاً شديداً ، صورةً ومعنى ، وجاءت العامّةُ إلى المنابر فكسروها وامتنعوا من حضور الجماعات ، وخرج النساء في البلد حاسرات يَنُخْنَ على الخليفة ، وما جرى عليه من الأسر. وتأسَى بأهل بغداد في ذلك خلقٌ كثير من أهل البلاد ، ونمت فتنةٌ كبيرة وانتشرت في الأقاليم ، واستمرت الحالُ على ذلك شهر ذي القعدة ، والشناعةُ في الأقاليم منتشرة؛ فكتب ملك سنجر إلى ابن أخيه يحذِّره - غبَّ ذلك - عاقبةً ما وقع فيه من الأمر العظيم ، ويأمره أن يُعيد الخليفة إلى مكانه ودار خلافته فامتثل الملكُ مسعود لذلك ثم إنَّ الخليفة قتله الباطنية في طريقه إلى بغداد)). شاهد الشيخُ عبد القادر هذه الحوادثَ الأليمة ، ورأى ما أُصيب به المسلمون من تَشتُّت وافتراق وتناحر، وما استولى عليهم من حبِّ الدنيا ، والتقاتل على الملك والجاه والسلطان ، وانصراف الناس إلى المادة والمناصب والولايات ، والتفافهم حول الملوك والأمراء وتقديسهم لهم. عاش الشيخُ متصلاً بكل ذلك بشعوره وألمه ، بعيداً عن كل ذلك بقالبه وجسمه ، وانصرف بكل همته وقوته وإخلاصه إلى الوعظ والإرشاد ، والدعوة والتربية ، وإصلاح نفوس المسلمين ، وتزكيتها ، ومحاربة النفاق والشغف (١) قال ابن كثير: كان المسترشد شجاعاً مقداماً بعيد الهمة فصيحاً بليغاً عذب الكلام، حسن الإيراد، مليح الخط، كثير العبادة، محبباً إلى العامة والخاصة، وهو آخر خليفة رُئي خطيباً، قتل وعمره خمس وأربعون سنة وثلاثة أشهر، وكانت مدة خلافته سبع عشرة سنة وعشرين يوماً. (البداية والنهاية) ج١٢، ص٢٠٨. ٣١٣ الإمام عبد القادر الجيلاني: دعوته ، إصلاحه بالدنيا ، والتكالب على حطامها ومناصبها ، وإثارة الشعور الإيماني ، وتقوية عقيدة الآخرة ، والتجافي عن دار الغرور ، والإنابة إلى دار الخلود ، وتهذيب الأخلاق ، والدعوة إلى التوحيد والإخلاص لله تعالى. وقد كانتْ مواعظه وخطبه مطابقةً لعصره وأهل عصره ، تتناول شؤونهم وما هم فيه من علل وأسقام ، تَطِبُّ قلوبهم ، وتُداوي أمراضهم ، وترد على ضلالاتهم ، وكانت تضرب دائماً على الوتر الحساس ، وتمس قلوبهم ، وتجمع هذه المواعظ بين صَولة الملوك ورِقة الدعاة ، وبين زَجر الآباء ورِفق الأطباء . التَّوحيدُ الخالصُ والاستِخْفافُ بغير الله: كانت بغدادُ عاصمة الإمبراطورية العباسية ، وقد تعلَّقت بها قلوبُ أهل البلاد وقلوب الناس ، الذين يسكنون في أنحاء المملكة الإسلامية الكبرى ، وأصبح قَصرُ الخليفة وقصور الوزراء مناط الآمال ومحطّ الرحال ، وتعلق الناس بالأسباب والوسائط - من التدابير والشفاعات والأشخاص - تعلقاً شديداً يعتقدون فيها النفع والضرر ، وأصبحتِ الأسباب أرباباً من دون الله. وأصبح كثير من الناس يعتقدون أن أمراء الدولة وعُمَّالها يملكون أرزاقَ الناس وحظوظهم ونفوسهم؛ يُسعدون ويُشقون ، ويعطون ويمنعون ، وينصبون وَيعدلون، بأيديهم القضاء والقدر، والنفع والضرر؛ فانصرفت إليهم همم الناس ، وتسابقوا إلى إرضائهم والتزلّف إليهم. وهكذا نشأت ((وثنية)) في عاصمة الإسلام ، أصنامُها الأمراء والموظفون ، وهياكلها دور الحكومة ، واتجه الناسُ من عبادة الله وحده والتوكل عليه والسؤال منه ، إلى الالتجاء إلى الخلق ، والاعتماد عليهم ، واستعطافهم وتملقهم. وصَدَع الشيخُ بالتوحيد وتحقير الخلق من الملوك والوزراء ، والأمراء والأغنياء ، وبيانٍ ضعفهم وعجزهم ، وأنهم لا يملكون لأنفسهم شيئاً ، ٣١٤ الإمام عبد القادر الجيلاني: دعوته ، إصلاحه ويُصوِّر عجزهم وضعفهم تصويراً بليغاً دقيقاً ، ويضرب لذلك الأمثال. يقول في حديث : ((اجعل الخليقة أجمع كرجل كتَّه سُلطان عظيم ملكه ، شديد أمره ، مَهولةٌ صَولتُهُ وسطوته ، ثم جعل الغلَّ في رقبته مع رجليه ، ثم صلبه على شجرة الأرز على شاطىء نهر ، عظيمٍ موجُهُ ، فسيح عرضه ، عميق غَوره ، شديد جريه ، ثم جلس السلطان على كرسي ، عظيم قدره ، عالية سماؤه ، بعيد مُرامه ووصوله ، وتَرك إلى جنبه أحمالاً من السهام والرماح والنّبل وأنواع السلاح والقسيِّ مما لا يبلغ قدرها غيره؛ فجعل يَرمي إلى المصلوب بما شاء من ذلك السلاح. فهل يَحسن لمن رأى ذلك أن يترك النظر إلى السلطان ، ويترك الخوف منه والرجاء له ، ويخاف من المصلوب ويرجو منه؟ أليس مَنْ فعل يُسمَّى في قضية العقل عديم العقل ومجنوناً ، بهيمة غير إنسان)) (١). وإذا كان هذا شأن الخليقة كلها ، وإذا كان هذا عجزها وضعفها وخستها ونذالتها ، فلماذا يستغيثُ بها إنسان ، ويلتجىء إليها في مُلمَّة أو حاجة ؟ وهنا يحثُّ الشيخُ السامعين على الإقبال إلى الله وحده ، والالتجاء إليه ، في أسلوب خطابئ قوي بليغ : ((انظر إلى من ينظر إليك، وأقبل إلى من أقبل عليك؛ وأَحببْ من يُحبك، واسْتجب إلى من يدعوك إليه، وأعط يدك من يُثبتك من سقطتك ، ويُخرجك من ظلمات جهلك ، ويُنجيك من هلكتك ، ويَغسلك من أنجاسك ، ويُنظفك من أوساخك ، ويُخلصك من جيفتك ونتنك ، ومن هِمَمِك الرَّدية ، ونفسِك الأمارة بالسوء؛ وأقرانك الضالين المضلين؛ شياطينك وهواك وأخلائك الجهال ، قطّاع طريق الحق عز وجل ، الحائلین بینك وبین کل نفیس و ثمین وعزيز . (١) فتوح الغيب: المقالة السابعة عشرة. ٣١٥ الإمام عبد القادر الجيلاني: دعوته ، إصلاحه إلى متى العادة؟ إلى متى الخلق؟ إلى متى الهوى؟ إلى متى الزُّعونة؟ إلى متى الدنيا؟ إلى متى الأخرى؟ إلى متى ما سوى المولى؟ أين أنت من خالق الأشياء ، المكون للأكوان؟ الأول والآخر والظاهر والباطن؛ المرجع والمصدر إليه ، وله القلوب ، طُمأنينةُ الأرواح ، ومحط الأثقال ، والعطاء بلا امتنان)» (١). ويذكر نفاذَ القضاء والقدر ، وأنَّ إرادة الله هي الغلَّبة القاهرة ، المتصرفة في الخلق ، ويذكر درجات الموحدين ، وطبقاتهم في التوحيد ، والخضوع المشيئة الإلهية وفعله تعالى : ((الخَلقِ عَجَزةٌ لا يضرونك ولا ينفعونك ، إنما الحق عز وجل يُجري ذلك على أيديهم. فعلهُ يتصرف فيك وفيهم ، جَرى القلم في علم الله عزَّ وجلَّ بما هو لك وعليك. الموحدون الصالحون حجةُ الله على بقية الخلق. منهم من يتعرى عن الدنيا من حیث ظاهره وباطنه . ومنهم من يتعرَّى عنها من حيث باطنه فحسب ، لا يرى الحقُّ عز وجل على بواطنهم منها شيئاً ، تلك القلوب الصافية ! من قدر على هذا فقد أعطي الملك من الخلق ، هو الشجاع البطل. الشجاعُ من طهر قلبه مما سوى الله عز وجل ، ووقَف على بابه بسيف التوحيد وصمصامة الشرع، لا يخلي شيئاً من المخلوقات يدخل إليه ، يجمع قلبه بمقلب القلوب. الشرع يهذب الظاهر ، والتوحيدُ والمعرفة يُهذبان الباطن)) (٢). لم يقتصر الشيخُ على أوثان الجاهلية وآلهتها ، وعلى عبَّاد الأصنام (١) فتوح الغيب: المقالة الثانية والستون. (٢) الفتح الرباني: المجلس الثالث عشر. ٣١٦ الإمام عبد القادر الجيلاني: دعوته ، إصلاحه ومشركي الملل في عصره؛ بل تعدى ذلك إلى الآلهة الجديدة التي حلت في النفوس محل الآلهة القديمة ، وقامت لها دولةٌ في قلب بلاد الإسلام ، وهي ((المال)) و((الثروة)) و((القوة)) و((السلطان)) و((الحيل والحرف)) و((الأسباب والوسائل)) وحارب هذه الآلهة حرباً لا هوادة فيها ولا رِفق ، يقول في مجلس: ((أنت مُعتمدٌ على حولك، وعلى الخَلْق، ودنانيرك ودراهمك، وعلى بيعك وشرائك ، وعلى سُلطان بلدك، كلٌّ من اعتمدت عليه فهو إلهك، وكل من خفته ورجوته فهو إلهك ، كلُّ من رأيته في الضر والنفع ، ولم تر أن الحق عز وجل يُجري ذلك على يديه فهو إلهك)) (١). ويقول في مقالة أخرى: (يا موتى القلوب!؛ يا مشركين بالأسباب ، يا عابدين أصنَامَ حولهم وقواهم ، ومعائِشهم ورؤوس أموالهم ، وسلاطين بلادهم ، وجهاتهم التي ينتمون إليها ، إنَّهم محجوبون عن الله عز وجل. كل من يرى الضرر والنفع من غير الله عز وجل ، فليس بعبدٍ له ، هو عَبدُ من رأى ذلك منه)) (٢). ويقول في مقالة أخرى: ((يا مُعرضاً عن الحق عزَّ وجلَّ وعن الصدِّيقين من عباده، مُقبلاً على الخلق مشركاً بهم ، إلى متى إقبالك عليهم؟ أيش ينفعونك؟ ليس بأيديهم ضررٌ ولا نفعٌ ، ولا عطاء ، ولا منع ، لا فرق بينهم وبين سائر الجماعات فيما يَرجع إلى الضر والنفع ، المَلِك واحدٌ ، المسخِّر واحدٌ ، المعطي والمانع واحدٌ ، الخالق والرازق هو الله عزَّ وجلَّ)) (٣). العالمُ الربانيُ ، وداعية الحق ، طبيبٌ يأتيه المرضى من كلِّ نوع فيداويهم ويحسم فيهم مادَّة الداء ، ويريهم طريق الشفاء ، ويتوجَّهُ بهم إلى الله تعالى. (١) الفتح الرباني: المجلس العشرون. (٢) المصدر السابق: المجلس الثالث والعشرون. (٣) المصدر السابق: المجلس الثالث عشر. ٣١٧ الإمام عبد القادر الجيلاني: دعوته ، إصلاحه وكان ممَّن يأتيه ويَحضُر مجالسه رجالٌ تعلَّقت قلوبهم بغير الله ، ثم حِيل بينهم وبينه ، فهم في قلق وحسرة ، ويُسلِّيهم الشيخ ويذكر الحكمة في ذلك ، ويشرح غيرة الله سبحانه وتعالى ، وحرصه على أن يكون عبده خالصاً له ، لا يُنازع حتَّه حُبٌّ ، ولا یزاحم حقَّه حقٌّ. (ما أكثر ما تقول: كلُّ من أحبه لا تدوم صحبتي له ، فيحال بيننا ، إمَّا بالغيبة ، أو الموت ، أو العَداوة وأنواع الأهوال بالتلف ، والفوات من اليد. فيقال لك: أما تعلم يا محبوب الحق ، المعني به ، المنظور إليه ، المغار له وعليه ، ألم تعلم أن الله غيور ، خلقكَ له وتريد أن تكون لغيره؟! أما سمعتَ قوله عز وجل: ﴿يُحُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: ٤٥] وقوله: ﴿وَمَا خَلَقْتُ اَلِنَّ وَاَلْإِنِسَ إِلَّ لِيَعْبُدُونِ﴾؟ [الذارياد أما سمعتَ قولَ الرسول وَّةِ: ((إذا أحبَّ الله عبداً ابتلاه، فإن صبر اقتناه)). قيل: يا رسول الله، وما اقتناه؟ قال: ((لم يذر له مالاً ولا ولداً))(١). وذلك: لأنه إذا كان له مال وولد أحبهما، فتشغّبت محبته لربه عز وجل، فتنتقص وتتجزأ؛ فتصير مشتركة بين الله وبين غيره ، والله تعالى لا يقبل الشريك ، وهو غيور قاهر فوق كل شيء ، غالبٌ لكل شيء؛ فيُهلك شريكه ويعدمه؛ ليخلص قلبُ عبده له من غير شريك ، فيتحقق حينئذ قوله تعالى: ﴿ُهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾، حتى إذا تنظف القلب من الشركاء والأنداد من الأهل والمال والولد ، واللذات والشهوات ، وطلب الولايات والرياسات والكرامات والحالات ، والمنازل والمقامات ، والجنات والدرجات ، والقُربات والزلفات؛ فلا يبقى للقلب إرادة ولا أمنية ، كالإناء المنثلم الذي لا يُضبط فيه مائع؛ فلا ينضبط فيه إرادة شيء من الأشياء؛ لأنه انكسر بفعل الله (١) [أخرجه أبو بكر الشيباني في (الآحاد والمثاني)) (٤٤٥/٤) برقم (٢٤٩٩)، والديلمي في الفردوس (١/ ٢٥٠) برقم (٩٦٨) من حديث أبي عتبة الخولاني]. ٣١٨ الإمام عبد القادر الجيلاني: دعوته ، إصلاحه عز وجل ، كلما نجمت فيه إرادةٌ كسرها فعل الله عزَّ وجلَّ وغيرته . فضُربت حوله حينئذٍ سرادقات العظمة والجبروت والهيبة ، وحُفرت من دونه خنادقُ الكبرياء والسطوة؛ فلم يخلص إلى القلب إرادة شيء من الأشياء فحينئذٍ لا يضر القلبَ الأسبابُ من الولد والأهل والأصحاب والكرامات ، والحكم والعبادات؛ فإن جميع ذلك يكون خارج القلب؛ فلا يغار الله عز وجل؛ بل يكون جميع ذلك كرامةً من الله لعبده؛ ولطفاً به ونعمة ورزقاً ومنفعة للواردين إليه (١) . مَكانةُ الدنيا في نَظرِ الشيخ: لم يكن الشيخُ عبد القادر من دُعاة ((الرهبانية)). إنه لا يرى بأساً بالتمتع المباح بالدنيا وأسبابها ، واستعمال خيراتها وطيباتها؛ ولكنه يُعارض العكوف على لذاتها وشهواتها بنَهم وتقديس ، وتعلُّق القلب والشغف بها ، إنه يؤمن بقول النبي ◌َُّ: ((وإنَّكم خُلقتم للآخرة والدنيا خُلِقَتْ لكم))(٢) فيعاملُها الإنسان معاملة سَيِّد مطاع ، لا عبد مطيع ، ويقول في بلاغة وإيجاز: ((لا تأكل قَسْمك من الدنيا وهي قاعدة ، وأنت قائم؛ بل كُلّها على باب الملك وأنت قاعِدٌ ، وهي قائمة ، والطَّبق على رأسها ، تخدم من هو واقف على باب الحق عز وجل ، وتُذِل من هو واقف على بابها ، كلْ منها على قدم الغنى والعِزِ بالحق عزَّ وجلَّ)) (٣). إنه لا يُعارض أن يملك أحد الدنيا؛ إنما يعارض أن تملكه الدنيا وتستحوذ على قلبه ، يقول في مجلس : ((وفي الناس من تكون الدنيا بيده ولا يُحبُّها ، يملكها ولا تملكه، تُحبه فتوح الغيب: المقالة الثانية والثلاثون. (١) (٢) [أخرجه البيهقي في الشعب (٧/ ٣٦٠) برقم (١٠٥٨١)]. (٣) الفتح الرباني: المجلس الواحد والعشرون. ٣١٩ الإمام عبد القادر الجيلاني: دعوته ، إصلاحه ولا يُحبها، تعدو خلفه ولا يعدو خلفها، يستخدمها ولا تستخدمه ، يُفرِّقُها ولا تفرّقُه ، قد صلح قلبه لله عز وجل ، ولا تقدر الدنيا أن تفسده ، فيتصرف فيها؛ ولا تتصرف فيه، ولهذا قال النبي ◌َّ: ((نِعْمَ المالُ الصالح للمرء الصالح)» (١). إنَّه لا يعارض وجودها في بيت أو صندوق ، إنَّما يعارض وجودها في سويداء القلب وأعماق النفس ، يقول في محل آخر : ((ويحك! الدُّنيا في اليد يجوزُ ، في الجَيب يجوز ، ادِّخارها لسبب وبنيّة صالحة يجوز. أما في القلب فلا يجوز ، وقوفها على الباب يجوز ، أما دخولها إلى وراء الباب، فلا، ولا كرامَة لك)) (٢). إنَّه يذمُ حياة العُطلة والبطالة ، وأن يعيش الإنسان عيالاً على غيره متوكلاً عليهم ، يقول في مجلس ، حاثاً على الاشتغال وكسب الحلال: ((اعْبدوا الله عز وجل ، واستعينوا على عبادته بكسب الحلال ، إن الله عز وجل يُحب عبداً مؤمناً مطيعاً ، آكلاً من حلاله يُحب من يأكل ويعمل ، ويُبغض من يأكل ولا يعمل ، يُحب من يأكل بكسبه ، ويُبغض من يأكل بنفاقه وتوكُله على الخلق)) (٣). نَقدهُ للخلفاء والأمراء في عَضْره: ولمْ يكن الشيخ يقتصر على وَعظ العامة ودعوتهم؛ إنما كان صدَّاعاً بالحق صريحاً قوياً في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، يتناول الخليفة والملوك (١) الفتح الرباني: المجلس الرابع والثلاثون. [والحديث أخرجه أحمد في المسند (٤/ ١٩٧) برقم (١٧٧٩٨)، وابن حبان في الصحيح (٦/٨) برقم (٢٣١٠)، والبيهقي في الشعب (٩١/٢) برقم (١٢٤٨) من حديث عمرو بن العاص رضي الله عنه]. (٢) المصدر السابق: المجلس الواحد والخمسون. (٣) المصدر السابق: المجلس السادس والأربعون. ٣٢٠ الإمام عبد القادر الجيلاني: دعوته ، إصلاحه والأمراء بالنَّقد والملامة ، ويذمُّ ظلمهم؛ ولا يُحابي في ذلك أحداً ، ولا تمنعه منه وجاهة أو سلطان. قال ابنُ كثير: ((كان يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر للخلفاء والوزراء والسَّلاطين والقضاة والخاصة والعامة ، يَصدعُهم بذلك على رؤوس الأشهاد على رؤوس المنابر وفي المحافل. ويُنكر على من يُولي الظلمة ، ولا تأخذه في الله لومة لائم)). ويقول صاحبُ قلائد الجواهر: ((ولما وَلَّى المُقتفي لأمر الله أمير المؤمنين القاضي أبي الوفاء ، يحيى بن سعيد بن يحيى بن المظفِّر ، المشهور بابن المزحم المظالمَ ، قال على المنبر: ولَّيتَ على المسلمين أظلمَ الظالمين ، ما جوابُك غداً عند رب العالمين أرحم الراحمين؟! فارتعد الخليفةُ وبكى ، وعزل القاضي المذكور لوقته))(١). إنكاره على عُلماءِ الشوء: وكان يُنكِر على ((عُلماء)) البلاط و((العلماء الرسميين)) الذين التزموا صُحبة الملوك والأمراء ، وأصبحوا نُدماءهم ورجال حاشيتهم ، يُوافقونهم على كل ما يراه هؤلاء الملوك ويُنفّذونه من أحكام جائرة ، ويُخضِعون لهم الشريعة ونصوصها ، ويُؤَوِّلون لهم أحكام الشرع ، وقد تجرأ بهم هؤلاء على المعاصي والأهواء وتنفيذ الأحكام الجائرة ، وقد كان الشيخ يُشَنِّع عليهم ، وُيغلظ لهم القول ، يقول في مجلس مخاطباً لهؤلاء العلماء: ((أين أنتم وهم؟ (يعني علماء الآخرة) يا خونة في العلم والعمل ، يا أعداء الله ورسوله ، يا قاطعي عباد الله عزَّ وجلَّ ، أنتم في ظُلم ظاهر ، ونفاق ظاهر ، هذا النفاق إلى متى؟ يا علماء ، يا زهاد ، كم تنافقون الملوك والسلاطين حتى تأخذوا منهم حطام الدنيا وشهواتها ولذاتها؟ أنتم وأكثر الملوك في هذا الزمن (١) قلائد الجواهر: ص ٨.