Indexed OCR Text

Pages 121-140

١٢١
الجهود الإصلاحية في القرن الثاني، الحسن البصري
الإداري ومفاسِده ، يدل على فهم عميق واطلاع واسع على شُؤون الدولة ،
ومواضع الضعف والفساد في الإدارة.
ومن أمثلته البليغة الرائعة ما نقل ابن عبد ربه في كتابه ، مِن كلام رجل من
العُّاد عند المنصور وقد جاء فيه :
((إنَّ الله استرعاكَ أمر عبادِه وأموالهم، فأغفلتَ أمورهم ، واهتممتَ بجمع
أموالهم ، وجعلتَ بينك وبينهم حجاباً من الجِصِّ والآجُر ، وأبواباً من
الحديد ، وحُرّاساً معهم السلاح ، ثم سَجنتَ نفسك عنهم فيها ، وبعثتَ
عمالك في جبايات الأموال وجمعِها ، وقوَّيتهم بالرجال والسلاح والكُراع ،
وأمرت ألا يدخل عليك أحدٌ من الرجال إلا فلان وفلان - نفراً أسميتَهمْ - ولم
تأمر بإيصال المظلوم ولا الملهوف ولا الجائع العاري ، ولا الضعيفِ الفقير
إليك ، ولا أحدٌ إلا وله في هذا المال حقٌّ.
فلمَّا رآك هؤلاء النَّفر الذين استخلصتهُم لنفسك ، وآثّرْتَهم على رعيتك ،
وأمرت ألَّ يُحجبوا دونك ، تجبي الأموال وتجمعُها ، قالوا: هذا قد خانَ الله؛
فما لنا لا نخونه! فائتمروا ألا يصل إليك من علمٍ أخبارِ الناس شيءٌ إلا ما
أرادوا ، ولا يخرج لك عامل فيخالف أمرَهم إلاخوَّنوه عنك ونفَوْه ، حتى
تسقط منزلته .
فلمَّا انتشرَ ذلك عنك وعنهم ، أعْظَمهُم الناس وهابوهم وصانعوهم؛ فكان
أولَّ من صانعهم عمالُك بالهدايا والأموال ، ليقوَوْا بها على ظلم رعيتك ، ثم
فعل ذلك ذوو المقدرة والثروة من رعيتك؛ لينالوا ظلم من دونهم.
فامتلأت بلادُ الله بالطمع ظُلماً وبغياً وفساداً ، وصار هؤلاء القوم شركاءك
في سلطانك وأنت غافل؛ فإن جاء مُتظلُّم حیلَ بينك وبينه.
فإن أراد رفع قصته إليك عند ظهورك ، وجَدك قد نهيت عن ذلك ، ووقَفْتَ
للناس رجلاً ينظر في مظالمهم فإن جاء ذلك المتظلم فبلغَ بطانتَك خبرُه ، سألوا
صاحب المظالم ألا يرفع مظلمتَه إليك ، فإنَّ المتظلم منه له بهمْ حُرمة ،

١٢٢
الجهود الإصلاحية في القرن الثاني ، الحسن البصري
فأجابهم خوفاً منهم؛ فلا يزال المظلوم يختلف إليه ويلوذ به ، ويشكو ويستغيث
وهو يدفعه؛ فإذا أُجهد وأخرج ثم ظهرتَ ، صرخ بين يديك ، فيُضرب ضرباً
مبّحاً يكون نكالاً لغيره ، وأنت تنظر فما تُنكر ، فما بقاءُ الإِسلام على
هذا؟!».
وقد كان لسِيرة هؤلاء الأعلام ، وحياتِهم النزيهة ، وزُهْدهم في حكام
الدنيا ، وابتعادهم عن مناصب الدولة ، وتفلتهم من شَرك كان يُنصب لهم حيناً
بعد حين ، وتمزُّدهم على الشهوات ، ومواجهتهم لكبار الملوك والخلفاء
بالحق ، وإرشادِهم للخلق بإخلاص ونزاهة ، ولإيمانهم القوي ، تأثيرٌ كبير في
نفوس الناس؛ حتى في أهل الذِّمة؛ فكان يُسْلِم منهم كثير ، وكانوا خاضعين
لهؤلاء يعترفون لهم بالفضل، ويَدينون لهم بالحُبِّ(١).
جُهودٌ لإقامة الحكم الصالح وتغيير الأوضاع:
ولم تكن جهودُ المصلحينَ مقتصرةً على الدعوة والإصلاح الفرديِّ ،
والوعظ والإرشاد ، بل رافقت هذه الجهود التي لم تنقطع محاولات كانت تظهر
- على فترات قصيرة - لقلب الحكم ، وإعادة الخلافة إلى نصابها ، والقضاء
على هذا الاحتكار الأموي أو العباسي للخلافة والحكم.
وقد قامتِ الخلافةُ - مع الأسف - على نظام الوراثة والسُّلالات ، ودان
العرب - مع الأسف - لمبدأ الشَّرف في الخلافة؛ فلم يكن لأحد أن يقوم في
وجه الخليفة الأموي أو العباسي ، ويطمحَ في النجاح إلا إذا كان حائزاً على
شرف النَّسب وعُلوِّ البيت ، متمتعاً بعصبية قوية واسعة ، حتى يقرعَ الحديد
بالحديد ، ويقابل الريح بالإعصار؛ لذلك كان كلُّ مَن خرج على الدولة الأموية
والعباسية ، ورفع راية الجهاد، من أهل بيت الرسول ◌َّله ومن العلويين؛ لأن
إمكانات نجاحهم كانت ألمعَ وأظهر ، والمسلمون إليهم أميل ، وأيَّدهم أهل
(١) انظر: ((تاريخ بغداد)) للخطيب، و((حلية الأولياء)) لأبي نعيم، و«تاريخ ابن
خلکان».

١٢٣
الجهود الإصلاحية في القرن الثاني ، الحسن البصري
الصلاح ومحبو الإصلاح في عصرهم ، والذين كانوا يتألمون بمشاهدة فسادٍ
الأوضاع ، وضياع الخلافة ، وضياع أموال المسلمين في الشهوات والنّزَعات
الجامحة العاتية إلى الترف والعادات الجاهلية.
وقد قام بعد الحسين بن علي - رضي الله عنه وعن آبائه - حفيدُه زيدُ بن
علي بن الحسين ، خرج على هشام بن عبد الملك الخليفة الأموي ، وقُتل
وصُلب سنة ١٢٢ هـ، وقد أرسل إليه الإمام أبو حنيفة بعشرة آلاف درهم ،
واعتذر عن عدم حضوره(١).
ثم قام من بني الحسن: محمدُ بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي ذو
النَّفس الزكية ، في المدينة ، وأخوه إبراهيم ، في الكوفة باتفاق منهما ، وكان
أبو حنيفة ومالك من أنصار ذي النَّفس الزكية ، وقد انتصرَ له أبو حنيفة علانيةً ،
وأرسل إليه ببعض المال ، ونهى قائد المنصور ، والحسن بن قحطبة ، عن
مُحاربته فاعتذر من المنصور ، وكان هذا هو السبب الحقيقي لما وقع من
المنصور مع أبي حنيفة بحياتهِ.
وقد جاء في تاريخ ((الكامل)) لابن الأثير، أنَّ أهل المدينة قد استفتَوا ((مالك
ابن أنس)) في الخروج مع محمد ، وقالوا: إنَّ في أعناقنا بيعةً لأبي جعفر ،
فقال: ((إنما بايعتُم مكرهين ، وليس على مُكْرَهٍ يمينٌ؛ فأسرع الناس إلى
محمد ، ولزم مالكٌ بيته))(٢) .
وقد قُتل محمد ، سنة ١٤٥ هـ في المدينة في شهر رمضان ، وقتل أخوه
إبراهيم في ذي القعدة من ذلك العام.
إنَّ هذه المحاولات قد أخفقت ولم تأتٍ بالنتيجة المطلوبة؛ لأنَّ الحكومة
قد كانت قويةً ومنظمة ، وكانت تملك الوسائل والذخائر. وقد رأينا في التاريخ
الماضي والحاضر ، محاولاتٍ كثيرةً تقوم على الإخلاص والإيمان والبطولة
(١) مناقب أبي حنيفة: للبزاري: ج١، ص ٥٥.
(٢) الكامل: ج٥، ص ٢٥١.

١٢٤
الجهود الإصلاحية في القرن الثاني ، الحسن البصري
والشجاعة ، ولا يقصِّر قادتُها وأتباعها في التضحية بالأموال والأنفس، ثم كثيراً
ما تُخفق أمامَ الحكومات المنظّمة وجيوشِها العظيمة وقواها الهائلة.
وليس هذا يبدع في التاريخ ، ولا بمُستغرَب في سير هذا الكون؛ ولكنها
- على إخفاقها في ميدان السياسة والنتائج المادية - قد خدمتِ الإسلام خدمة
عظيمة؛ لأنها حفظت على تاريخ الإِسلام شرَفهُ وكرامته؛ فلولا هذه الجهود
وهذه المحاولات حيناً بعد حين ، لكان التاريخ الإسلامي قصةً متصلة للأنانية
والنفعية ، قصة الملوك الذين يتسلَّطون ، وقصة أصحاب الأغراض والأطماع
الذین یخضعون .
ولكن هؤلاء الأبطال المجاهدين؛ ولكن هؤلاء المؤمنين المغامرين قد
نَصبوا للأجيال القادمة مناراتٍ للنور تُضيء لهم في غياهب التاريخ من بعيد ،
وتُنير لهم السبيل، وتُلْهِمُ بالفروسية الإسلامية الصادقة والثّورةِ على الأوضاع
الفاسدة ، والغضبِ لنظام الإِسلام المظلوم ، ولكرامتِهِ المُهدَرة.
إنَّه تُراث مجيدٌ يعتزُّ به الإِسلام ، وثَروةٌ غالية تتجمّل بها الأجيال ، وسِلسلَة
متصلة من المجاهدين تَبَعث على الثقة والإيمان واليقين.
﴿ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَهَدُواْ اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَن يَنْتَظِّ
وَمَا بَدَّلُواْ تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب: ٢٣].

حركة التدوين في الإسلام
وتنظيم الحياة على الأسمر الدرفية

١٢٧
حركة التدوين في الإسلام
المحاضرة الرابعة:
حركةُ التّدوين في الإسلام
وتنظيمُ الحَياةِ على الأسس الدِّينِيَّة
الأُمّةُ على مُفترق الطُّرق:
لقد اتَّصل تاريخ الإصلاح والدعوة ، كما قدّمنا في المحاضرتين السابقتين؛
ولكن بقيتْ ناحيةٌ من نواحي الحياة الأولى ، تتطلَّبُ العناية السريعة ،
وتَسترعي اهتمام المهتمين بشؤون هذه الأمة ، ولا تسمحُ بالتأخير أو الإِرجاء
يوماً واحداً ، وذلك ما سيكون موضوع محاضرتنا الرابعة ، إن شاء الله.
لقد خَرجتْ هذه الأمةُ - بفضل الدعوة الإِسلامية التي عَمَّتِ الآفاق وتخطتِ
الحدود ، وبفضل الجهاد الذي أخضع نصف المعمورة للإِسلام - من طَور
البداوة والبساطة والانحصار في دائرة ضيقة جغرافية ، ومجتمع صغير ، إلى
طَور الإمبراطورية العظيمة.
وقد كانتْ قارةُ إفريقية تحتَ وصاية الإِسلام وإدارته ، وتدخُل في هذه
الإمبراطورية الإسلامية أقطارٌ وبلادٌ من أرقى البلاد في العالم وأعرقِها في
المدنية والعلوم ، وكانتْ هذه الحكومة العظيمة تُواجه بطبيعة الحال تطوراتٍ
كثيرة سريعة بحكم الاختلاط بالعناصر المختلفة ، والمدنيّات الكثيرة ، وتواجه

١٢٨
حركة التدوين في الإسلام
شُؤوناً جديدة ومشاكل عديدة في التجارة والزراعة والجزية والخَراج ،
وتُواجِه من مسائلِ البلدان والأقطار التي يفتحها الإسلام ويحكَّمها
المسلمون الشيءَ الكثير ، وتَجدُ من عادات أهلها وتقاليدهم واجتماعهم
ما يتنافى مع الإِسلام كثيراً ، ويتَّفق معه قليلاً ، وكان الحُكم في كل ذلك
مما لا يمكن تأخيرهُ أو الإعراض عنه ، وكانت هذه النواحي كلَّها تتطلب
الحل الحاسم السريع ، وتمتحِن كفاية هذه الأمة الفكرية ، وصلاحية
التشريع الإسلامي لمسايرة العصر والمدنية وشؤون الاجتماع البشري ،
وكانتِ الحكومة في حاجة مُلحَّة إلى دستور شامل كامل ، وكان الجهاز
الإداري لا يُمكن إيقافه عن السَّير ، أو تعطيلُه عن الحركة في انتظار
التشريع .
فإذا تكاسلَ العلماءُ في الاجتهاد والاستنباط ، وآثروا الراحةَ على العمل
والكدح ، أو ضَعُف إنتاجُهم وجَمدت قرِيحتُهم ، التجأتِ الحكومة - تحت
وطأة حاجات الحياة العملية ومطالبها - إلى أن تقتبسَ النُّظُم الرومية
والفارسية ، وتُطبقَ القانون الروماني والإيراني على المملكة الإسلامية، فكان
ذلك يَجُّ على هذه الأمة شقاءً طويلاً ، لأنها تحرَم سعادة القانون الإسلامي ،
وبركات المجتمع الإسلامي ، ويُكتبُ عليها أن تَعيش مسلمة متدينة في
مساجدها ، جاهليةً أو لا دينية في بيوتها وأسواقها ومحاكمها. كما هو الواقع
في البلاد والدول التي ديانتها الرسمية النصرانية وليس عندها تشريعٌ مسيحي
كما هو واقع - مع الأسف والخجل - في البلاد والدُّول التي تدين بالإسلام في
العقيدة والعبادة ، ولا تدين به في التشريع والقانون.
وإذا ساغ في النصرانية التي لا تملكُ الثروة الدستورية ، ولا تُلِخُّ على تطبيق
الدين على الحياة ، فإنه لا يسُوغ في الإسلام الذي هو دينٌ ودولة ، وعقيدةٌ
وسياسة ، وعبادة واجتماع.
فكانتِ الأمةُ تجتاز مرحلةً خطيرة دقيقةً في حياتها ، وقد وقفتْ على مُفترق
الطُرق. وكانت الغلطة الواحدة ، أو العَثرة الخفيفة كافيةً لقطع صلتها عن

١٢٩
حركة التدوين في الإسلام
الحياة الإسلامية والاجتماع والنظم الإسلامية ، وتفرض على الأجيال القادمة
أن تعیش حیاة لیس فيها إلا نصیب ضئيل.
الحاجة إلى تدوين الحديث:
وكانتِ الأمةُ لا تستطيع أن تتفادى هذا المصير المُؤلِم المظلم إلا إذا كانت
مصادرُ التشريع ، ومنابعُ الفقه الإسلامي ، محفوظةً من الضياع ، ميسورة
للانتفاع. وأهم هذه المصادر - بعد القرآن الذي لا يُخاف عليه من الضياع
والتحريف - هو ((الحديث)) الذي هو مصدر مُنظّم ، وثروةٌ زاخرةٌ لاستنباط
الأحكام ، ولا يعرف التاريخ سيرة نبوية أوثق من هذه السيرة ، وأحراها
بالاعتماد والتَّعويل ، ويَصحُ أن يسمى سِجلَّ الوقائع اليومية ، وشبه ((مذكَّرات))
- إذا صحَّ هذا التعبير - لمدَّة ثلاث وعشرين سنة قضاها النبي ◌َّ بعد ما أكرمه
الله بالنبوّة على ظهر الأرض، تُرينا كيف كان الرسول وَّر يعيش في هذه
الحياة ، وكيف يقضي نهارَهُ وليلَه.
وهي مجموعةٌ خصَّ الله بها هذه الأمة؛ فلا نَعرفُ أُمةً من أمم الُّسل سعدتْ
بمثل هذه المجموعة الناطقة ، وبهذا السجلِّ الخالد لنبيِّها؛ بل بالعكس من
ذلك ، نرى الأمم كلها فقيرة لا تملك مصدراً من مصادر العلم عن الأنبياء
والُّسل ، وهي - في عمى وظلام تاريخي - قد انقطعت الصلةُ بينها وبين
أنبيائها علمياً وتاريخياً ، وفقدتِ الحلقة التاريخية التي تصلها بعصر هؤلاء
الرسل - سلام الله عليهم - وتُوقِفُها على شؤون حياتهم ، وما يكتنفها من
ظروف وملابسات.
فهذه الأمةُ المسيحيةُ - التي هي من أغنى الأمم بالتأليف والثروة العلمية -
لا تعرفُ عن سيدنا المسيح إلاَّ أخبارَ ثلاث سنوات حَوتها الأناجيل الأربعة (١)،
(١) هذا كان يقال في القديم، وقد انتهى تحقيق الباحثين وأصحاب الاختصاص في
الموضوع في الزمن الأخير إلى أنها لا تتجاوز أخبار خمسين يوماً من حياته (راجع مقال
الدكتور شارلس أندرسن أسكات في دائرة المعارف البريطانية، ج١٣. ص ١٧١٠).

١٣٠
حركة التدوين في الإسلام
وهي أخبار مُبعثرةٌ متقطِّعة ملفَّقةٌ ، لا يستطيع الإنسان أن يؤُلِّف منها تاريخاً
متصلاً.
وأما شأنُ الُّسل قبله ، وشأن مؤسِّسي الديانات في الهند وغيرها فأمرُها
أعجب ، وفقر الأمم أبينُ من ذلك وأوضح؛ حتى صار كثير من المستشرقين
والمؤرِّخين يشُكُّون في وجودهم ، ويميلون إلى أنَّها شخصياتٌ خرافية ليس لها
وجود تاريخي ونحن - على معارضتنا لهذا التطرف - نُوافق على أنها شخصيات
مطمورة في ركام الماضي ، وعلى أنَّ هنالك حلقات مفقودةٌ لا يمكن البحث
عنها والاهتداء إليها(١).
وأمَّا الرَّسول الأعظم ◌َّ فهو الشخصيةُ الفريدة - من بين الرُّسل والعُظماء -
التي نَعرِفُ عنها كُلَّ دقيقٍ وجليل ، ونَعرفُ عنها من دقائق الأخلاق والعاداتِ
والميول والرَّغبات والقول والعمل ما لا نعرفه عن كثير من الشخصيات التي
مضت قريباً؛ بل عن الشخصيات المعاصرة أحياناً ، وذلك كلُّه بفضل
((الحديث)) الذي سجَّلَ لنا هذه الحياة المباركة العظيمة .
لقد اعتادتِ الأممُ القديمةُ والدياناتُ أن تصوَّر أنبياءَها ، وأن تنحتَ لهم
تماثيلَ وأصناماً تُمثِّلُهم للأجيال القادمة ، وتجدد ذكراهم ، ونشأت من ذلك
الوثنيةُ وعِبادةُ التماثيل التي يَعرفُها الجميع ، ونشأتْ من ذلك آفاتٌ لا تزال
الأمم والدِّيانات تعانيها .
وقد لَطف الله بهذه الأمة وبالإِنسانية؛ إذ حرَّم عليها تصوير الأنبياء
والعظماء ، ونَحْتَ تماثيلهم ، وأبدَلها بهذا الحديث النبوي ، الذي هو
مجموعُ صُورٍ ناطقةٍ يتعرَّف بها الإِنسان بنبيِّه ويَسعدُ بصحبته ، وكأنَّه حضر
مجلسه ، واستمع لحديثه ، وقضى معه مُدَّة من الزمان؛ ليسمع كلامه ويشاهد
(١) اقرأ في ذلك المحاضرة الثانية من محاضرات (الرسالة المحمدية) للأستاذ الكبير السيد
سليمان الندوي رحمه الله. [وقد طُبع بعنايتنا في دار ابن كثير بدمشق عام ١٤٢٣ هـ].

١٣١
حركة التدوين في الإسلام
فعله ويدرس سيرته؛ فكان ضياعُ هذه الثروة - لا سمح الله بذلك - كارثةً
لا تُقَدَّر ، وخسارةٌ لا تُعوض.
ثم إنَّ الحديث ميزان عادل يستطيع المصلحون في كل عصر أن يَزنوا فيه
أعمال هذه الأمة واتجاهاتِها ، ويعرفوا الانحراف الواقع في سير هذه الأمة ،
ولا يتأتى الاعتدال الكاملُ في الأخلاق والأعمالِ إلا بالجمع بين القرآن وبين
الحديث الذي يملأ هذا الفراغ الذي وقع بانتقال الرسول ◌َ لل إلى الرفيق
الأعلى. وهذه الفجوة لا بد منها في السُّنن الإلهية، ﴿ وَمَا مُحَمَّدُّ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ
خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ [آل عمران: ١٤٤] ﴿ إِنَّكَ مَيِّتُ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ﴾ [الزمر: ٣٠].
فلولا الحديثُ الذي يمثِّل هذه الحياة المعتدلة الكاملة المتّزنة ، ولولا
التوجيهاتُ النبوية الحكيمة ، ولولا هذه الأحكام التي أخذ بها الرسول
المجتمع الإسلامي لوَقعتْ هذه الأمةُ في إفراط وتفريط واختلَّ الاتزان ، وفقد
المثال العلمي الذي حثَّ الله على الاقتداء به، بقوله ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِ رَسُولِ اللَّهِ
أُسْوَةُ حَسَنَّةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١] وبقوله: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَتَِّعُونِ يُحْسِبْكُمُ اللَّهُ﴾
[آل عمران: ٣١] والذي يطلبه الإنسان ويستمدُّ منه الثقة والقوة في الحياة ، ويقتنعُ
بأنّ تطبيق الأحكام الدينية على الحياة ميسورٌ وواقعٌ.
ثم إنَّ الحديثَ زاخر بالحياة والقُوة والتأثير الذي لم يزل يبعث على الإنتاج
والزهد والتقوى ، ولم يزل باعثاً على محاربة الفساد والبدع ، وحسبة
المجتمع ، ولم يزل يظهر بتأثيره في كل عصر وبلد مَن رفع راية الإصلاح
والتجديد ، وحارب البدع والخرافات والعادات الجاهلية ، ودعا إلى الدين
الخالص والإسلام الصحيح؛ لذلك كله كان الحديثُ من حاجات هذه الأمة
الأساسية ، وكان لا بدَّ من تقييده وتسجيله وحفظه ونَشره .
حركةُ الجَمْعِ والتَّدوينِ في القرن الأول والثانيِ:
وقد يسَّرَ الله ذلك؛ إذ بعثَ نبيه وََّ في أُمة عُرفتْ بقوة الذاكرة والصدق
والأمانة في الرواية ، وفاقتْ في ذلك الأمم ، وقد وَعى الصحابة - رضي الله

١٣٢
حركة التدوين في الإسلام
عنهم - لحكمة أرادها الله - كلَّ ما سمعوا وشاهدوا ، وحرصوا على حفظه
ونشره وتبلیغه حرصاً لم يُعرف عن أمة نبيّ وأصحاب ديانة. وقد بدؤوا يكتبون
الحديثَ في عهد النبي ◌ََّ ، ومنهم من كان له مجموعةٌ خاصة اشتهرت به؛
فقد كان لعبد الله بن عمرو بن العَاص مجموعةٌ تسمَّى (الصادقة)(١)، وأثر
عنه أنه كان يقول: ما يُرغُّبني في الحياة إلا خصلتان ((الصادقة)) و((الوهط))(٢)؛
فأما الصادقة، فصحيفةٌ كتبتُها عن رسول الله ◌ََّ(٣).
وكان لعليّ بن أبي طالب صحيفةٌ(٤) ، وكان لأنس صحيفة كان يُبرزها إذا
اجتمع الناس(٥) ، ونُقل الجمع والكتابة عن عبد الله بن
(١) جامع بيان العلم وفضله وما ينبغي في روايته وحمله: لابن عبد البر (٧٢/١).
(٢) [الوَهْط: قال ابن الأثير في ((النهاية)) (٢٣٢/٥): هو مالٌ كان لعمرو بن العاص
بالطائف ، وقال الذهبي في ((سير أعلام النبلاء)) (٥٨/٣): هو بستانٌ عظيمٌ بالطائف ،
قُوَّم مرةً على عروشه ألف ألف درهم].
(٣) [ولهذه الصحيفة أهمية علمية عظيمة، وقيمة تاريخية كبيرة ، لأنها تثبت كتابة الحديث
النبوي بين يدي رسول الله بَّر وبإذنه، وقد اشتملت هذه الصحيفة على ألف حديث
كما يقول ابن الأثير، وإذا لم تصل إلينا هذه الصحيفةُ كما كتبها عبد الله بن عمرو
بخطُّه ، فقد وَصَلَ إلينا محتواها لأنَّها محفوظةٌ في ((مسند الإمام أحمد بن حنبل))].
(٤) الجامع الصحيح: للبخاري ، كتاب العلم، باب كتابة العلم، [رقم الحديث (١١١)،
كتب علي بن أبي طالب رضي الله عنه مجموعةً له فيها أحاديث رسول الله وَّر، واشتهر
أمر هذه الصحيفة ، وعلم الناس بها في حياته ، لأنه ذكرها في بعض المناسبات لسؤال
بعض الناس عنه. ويبدو أنه عندما اشتدَّ الخلافُ بينه وبين معاوية - رضوان الله عليهما -
بدأ بعضُ الناس يشيعون أن رسولَ الله ◌ِّر عهد إلى عليّ بأشياء. قال قيس بن عبادة:
(دخلتُ على علي، أنا والأشتر، فقلنا: هل عهد إليك النبيُّ ◌َلّ عهداً لم يعهده إلى
الناس كافة؟ فقال: لم يعهد لي النبيُّ بَّس عهداً غير ما عهده إلى الناس إلاَّ ما كان في
كتابي هذا، وأخرج صحيفة من جفن سيفه، فيها: ((المسلمون تتكافأ دماؤهم))
(الأموال: ص ١٨٥، والمستدرك: ١٤١/٢)، وذكر هذه الصحيفة كثيرٌ من الرواة،
ولمزيد من التفصيل عن هذه الصحيفة يُراجع الكتب الأخرى في السنة].
(٥) تقييد العلم: ص ٥. [وقد ورد في بعض الروايات أنه كانت لديه كتبٌ كثيرةٌ ، روى عتبة
ابن أبي الحكيم عن هُبيرة بن عبد الرحمن قال: كان أنس بن مالك إذا حدَّثَ وكثر عليه =

١٣٣
حركة التدوين في الإسلام
عباس(١) ، وعبد الله بن مسعود(٢)، وعن جابر بن عبد الله(٣).
وتدلكُّ صحيفة(٤) هَمَّام بن مُنبّه (م ١٠٣ هـ) صاحب أبي هريرة رضي الله
عنه التي يرجع تأليفها إلى أواسط القرن الأول (لأنَّ أبا هريرة توفي نحو سنة ٥٨
للهجرة وهي من إملائه) على تقدُّم هذه الحركة.
الناسُ جاء بكتب فألقاها، ثم قال: هذه أحاديث سمعتُها من رسول الله وَّهِ، وكتبتُها
=
عن رسول الله وَّر وعرضتها عليه (تاريخ واسط: ص ٣٨، وتاريخ الفسوي (٣٦٣/٣)،
وتقييد العلم: ص ٩٥ - ٩٦ لكنه لم يذكر عرضها على رسول الله (وَ لاو)].
(١) الترمذي في ((كتاب العلل)) [قالت سلمى: ((رأيتُ عبد الله بن عباس معه ألواحٌ يكتب
عليها من أبي رافع شيئاً مِن فعل رسول اللّه ◌َّر (طبقات ابن سعد: ١٢٣/٢). ويبدو أنه
كان يستخدم أحياناً مواليه للكتابة. قال ابن حجر في الإصابة (٣٣٢/٢): كان ابن
عباس يأتي أبا رافع فيقول: ما صنع النبي ◌َّر يوم كذا ومع ابن عباس من يكتب
ما يقول))].
(٢) جامع بيان العلم وفضله: (١/ ٧٢) [كَتَب عبد الله بن مسعود رضي الله عنه كتاباً فيه جزء
من أحاديث الرسول وَّر، فإنه قد روي عن مسعر عن معن قال: أخرج لي عبدُ الرحمن
ابن عبد الله بن مسعود كتاباً وحلف لي أنه بخط أبيه بيده (جامع بيان العلم: ١/ ٧٢)].
(٣) صحيح مسلم [كتب جابر بن عبد الله رضي الله عنه صحيفةً له فيها جزء من الأحاديث،
ومن المحتمل أن تكون هذه الصحيفةُ غير ((المنسك الصغير)» الذي أورده مسلم في كتاب
الحج من صحيحه (الدكتور عجاج الخطيب في ((السنة قبل التدوين)) ص ٣٥٢)، وكان
كثيرٌ من التابعين يذهبون إليه ويكتبون الحديث عنه].
(٤) طبعت هذه الصحيفة تباعاً في مجلة المجمع العلمي بدمشق، وطبعت مع المقدمات
والتعليقات في حيدر آباد الهند عام ١٣٧٤ هـ بعناية الفاضل الأستاذ الدكتور حميد الله
الحيدرآبادي الذي حصل على نسخ لها من برلين.
[وهي في الحقيقة صحيفةُ أبي هريرة لهمام ، وإنَّ همام بن منبه كان أحد أعلام التابعين
فلقي أبا هريرة وكتب عنه كثيراً من حديث رسول الله رَّ وجمعه في صحيفة أو صحف
أطلق عليها اسم الصحيفة الصحيحة ، وقد نقلها الإمامُ أحمد بتمامها في مسنده كما نقل
الإمام البخاري عدداً كثيراً من أحاديثها في أبواب كثيرة ، ولهذه الصحيفة أهمية كبرى
في تاريخ كتابة الحديث وتدوينه ، لأنها حجة قاطعة ودليل ساطع على أن الحديث كان
قد كُتب في عصر مبكر، وتصحيح الخطأ الشائع بأن الحديث لم يدوَّنْ إلا في القرن
الهجري الثاني (السنة قبل التدوين: ٣٥٦)].

١٣٤
حركة التدوين في الإسلام
وإذا جُمعتْ هذه الصحُفُ والمجاميعُ وما احتوت عليه من الأحاديث،
كَوَّنتِ العدد الأكبر من الأحاديث التي جُمعت في الجوامع والمسانيد والسنن
في القرن الثالث ، وهكذا يتحقَّق أنَّ المجموع الكبير الأكبر من الأحاديث سبقَ
تدوينه وتسجيله - من غير نظام وترتيب - في عصر الرسول وَّل وفي عصر
الصحابة رضي الله عنهم.
وقد شاع في الناس - حتى المثقّفين والمؤلِّفين - أن الحديث لم يُكتب ولم
يسجَّل إلا في القرن الثالث الهجري ، وأحسنُهم حالاً من يرى أنه قد كُتب
ودُوِّن في القرن الثاني ، وما نشأ ذلك الغلطَ إلا عن طريقين:
الأولى: أن عامَّة المؤرِّخين يقتصرون على ذكر مُدوِّني الحديث في القرن
الثاني ، ولا يُعنَون بذكر هذه الصُّحف والمجاميع التي كُتبت في القرن الأول ،
لأن عامّتها فُقدت وضاعت ، مع أنها اندمجتْ وذابتْ في المؤلفات المتأخرة.
الثانية: أنَّ المحدِّثين يذكرون عددَ الأحاديث الضَّخْم الهائل الذي لا يُصوَّر
أن يكون قد جاء في هذه المجاميع الصغيرة التي كُتبت في القرن الأول ، مع أنَّ
عدد الأحاديث الصحاح غير المتكررة المتجردة من المتابعات والشواهد
لا يزالُ قليلاً، وقد نبّه على ذلك العلاَّمة مَنَاظِر أحسن الكيلاني رئيس القسم
الديني سابقاً في الجامعة العثمانية بحيدر آباد في كتابه العظيم: ((تدوين
الحدیث»(١) يقول رحمه الله:
((قد يتعجَّب الإنسان من ضخامة عدد الأحاديث المروية ، فيقال: إن
أحمد بن حنبل كان يحفظ أكثر من سبعمئة ألف حديث ، وكذلك يقال عن
أبي زرعة ، ويُروى عن الإمام البخاري أنه كان يحفظ مِئتي ألفٍ من الأحاديث
الضعيفة ، ومئة ألفٍ من الأحاديث الصحيحة ، ويروى عن مسلم أنه قال:
(١) [نقله إلى العربية الأستاذ الدكتور عبد الرزاق الإسكندر، وراجعه الشيخ عبد الفتاح أبو
غدة ، لكنه لم يطبع إلى الآن].

١٣٥
حركة التدوين في الإسلام
جمعتُ كتابي من ثلاثمئة ألف حديث))(١).
ولا يَعرِفُ كثير من المتعلِّمين - فضلاً عن العامة - أن الذي يُكوِّن هذا العددَ
الضخم هو كثرةُ المتابعات والشواهد التي عُني بها المحدِّثون؛ فحديث: ((إنَّما
الأعمال بالنيات))(٢) مثلاً يروى من سبعمئة طريق، فلو جرَّدنا مجاميع الحديث
من هذه المتابعات والشواهد ، لبقيَ عددٌ قليل من الأحاديث.
فالجامع الصحيح للبخاري لا تزيدُ الأحاديث التي رُويت بالسند الصحيح
فيه على ألفين وستمئةٍ وحديثين ، وأحاديث مسلم يبلغ عددها إلى أربعة آلاف
حديث ، وهكذا لا يبلغ عدد الأحاديث المروية في الصحاح الستة ، ومسند
أحمد ، وكُتب أخرى ، خمسين ألف حديث ، منها الصحيح ومنها السقيم ،
ومنها المتفق عليه ومنها المتكلّم فيه.
صرَّح الحاكم أبو عبد الله - الذي يُعد من المتسامحين المتوسّعين - أنَّ
الأحاديث التي في الدرجة الأولى لا تبلغ عشرة آلاف.
ومُعظَم هذه الثروة الحديثية قد كُتب ودوِّن بأقلام رواة في العصر الأول ،
وقد يزيد ما حُفظ في الكتب والدفاتر كتابة وتحريراً في العصر النبوي وفي عصر
الصحابة رضي الله عنهم على عشرة آلاف حديث ، إذا جُمِعت صُحف ومجاميع
أبي هريرة ، وعبدِ الله بن عمرو بنِ العاص؛ وأنس بن مالك ، وجابر بن
عبد الله ، وعليٍّ ، وابنِ عباسٍ رضي الله عنهم ، فيمكن أن يقال: إنَّ ما ثَبتَ
من الأحاديث الصحاح ، واحتوت عليه مجاميعُها ومسانيدها قد كُتب ودُوِّن في
(١) [توجيه النظر إلى أصول الأثر: للشيخ طاهر الجزائري، وقد طُبع بعناية الشيخ عبد
الفتاح أبي غدّة - رحمه الله - في مكتب المطبوعات الإسلامية بحلب عام ١٤١٦ هـ،
انظر اقتباس العلاَّمة الكيلاني من هذا الكتاب في الجزء الأول ، صفحة ٤١].
(٢) [أخرجه البخاري في كتاب ((بدء الوحي)) برقم (١)، وأبو داود في كتاب الطلاق، باب
في ما عُني به الطلاق برقم (٢٢٠١)، وابن ماجه في أبواب الزهد ، باب النية برقم
(٤٢٢٧) وغيرهم من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه].

١٣٦
حركة التدوين في الإسلام
عصر النبوة، وفي عصر الصحابة، قبل أن يُدوَّن الموطأ والصِّحاح بكثير))(١).
ولمْ ينتَصِف القرنُ الثاني حتى كانت حركة الجمع والتدوين أشدَّ وأقوى ،
وكان ممَّن سبق إليها من رجال هذا القرن ابنُ شهاب الزُّهري (ت عام ١٢٤ هـ)،
وابن جُرَيج المكي (ت ١٥٠ هـ)، وابن إسحاقَ (ت ١٥١ هـ)، ومعمرٌ اليمني
(ت ١٥٣ هـ)، وسعيد بن أبي عروبة المدني (ت ١٥٦ هـ)، وربيعُ بن صَبِيحٍ(ت
١٦٠ هـ)، وسفيان الثوري (ت ١٦١ هـ)، ومالكُ بن أنس (ت ١٧٩ هـ) واللَّيث
ابن سعد (ت ١٧٥ هـ)، وابنُ المبارك (ت ١٨١ هـ)، ثم تتابع الناسُ(٢).
المُحدِّثون وعُلُوُ هِمَّتِهِم:
ثم قَيَّضَ الله لهذا العمل الجليل فوجاً من طلبة العلم يُعدُّون بالآلاف ،
ويمتازون بعلوِّ هِمَّتهم وشدة نشاطهم وقوة احتمالهم وصبرهم ، وقوة ذاكرتهم
وحفظِهم ، وقد تدفق سيلهُم من بلاد العجم ، وقد ملكت قلوبَهم وعقولهم
الرغبةُ الشديدة في جمع الحديث ، وشغفوا به شغفاً حال بينهم وبين
الشهوات ، فطاروا في الآفاق ، ونقَّبوا في البلاد في البحث عن الروايات
المختلفة ، والأسانيد الصحيحة وكان لهم في ذلك هيام وغرام لم يُعرفا عن أمة
من الأمم للعلم في التاريخ ، يدلُّ على ذلك بعض الدلالة ما يُروى عن
المحدِّثين من التجوُّل في البلاد والسَّفر في العالم الإسلامي من أقصاه إلى
أقصاه ، فقد رُوي أنَّ البخاري صاحب ((الصحيح)) قد بدأ رحلته العلمية وهو
لا يزال في الرابعة عشرة من سنِّه ، وقد زار البلدان الإسلامية ما بين بُخارى
ومصرَ ، وشيوخَها(٣).
(١) تدوين الحديث: للعلامة مناظر أحسن الكيلاني (في الأردوية) طبع المجلس العلمي
بباكستان.
(٢) يحسن الرجوع في هذا البحث إلى مقالات المرحوم الأستاذ الكبير الدكتور مصطفى
السباعي في مجلة (المسلمون) وإلى كتابه القيم (السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي).
(٣) تذكرة الحفاظ: ج٣، ص١٣٤.

١٣٧
حركة التدوين في الإسلام
ورُوي عن أبي حاتم الرَّازي (ت ٢٧٧ هـ) قال: ((أولَ ما رحلتُ أقمتُ سبع
سنين ، ومشيت على قدمي زيادةً على ألف فرسخ ، ثم تركتُ العدد ،
وخرجت من البحرين إلى مصر ثم إلى الرَّملة ماشياً ، ثم إلى طرطوس ولي
عشرون سنة))(١).
وقد سمع محدِّثُ الأندلس ابن حَيُّون (م ٣٠٥هـ) الحديث في الأندلس ،
والعراق ، والحجاز واليمن(٢). وهكذا قطع قارة إفريقية من طَنْجَةَ إلى مصر،
وعبر البحر الأحمر.
ومِن المحدِّثين من سافر في قارة آسيا وإفريقية وأوربة في طلب الحديث ،
وهكذا انتظمتْ رحلته العلمية ثلاثَ قاراتٍ كبرى؛ وكان كثيرٌ من المحدِّثين
يخرُج من الأندلس ، أقصى الغرب في العالم المتمدِّن المعروف يومئذ ، ويبلغ
إلى أقصاه في الشرق إلى خراسان أو بالعكس ، والمُطالِعُ في ((تذكرة الحفاظ))
للذهبي يُدْهَش لطموح هؤلاء ، واحتمالِهم للمشاق في طلب العلم (٣).
فَنُّ أسماءِ الرجال:
ولم يقتصِرُ هؤلاء المخلصون على جمع الحديث وتدوينِه؛ بل تعدَّتْ
عنايتهم إلى الوسائط التي قد وقعت في رواية الحديث ، وهم الرواة الذين رووا
هذه الأحاديثَ ، فعنُوا بمعرفتهم ومعرفة أسمائهم وأسماء آبائهم ، وحوادثٍ
حياتهم وأخلاقهم ، ومكانتهم في الأمانة والصدق والحفظ ، وهكذا أصبح
الذين اتصلوا بالشخصية الكريمة التي وعدها الله بالخلود وبقاء الذكر وانتشار
الاسم ﴿ وَرَفَعْنَا لَّكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح: ٤] أصبح الذين اتصلوا بها موضوع الدارسين
والباحثين ، وخرجوا من زوايا الخمول ، واستحقُّوا الحياة والاشتهار،
(١) تذكرة الحفاظ: ج٢، ص ١٤٦.
(٢) المصدر السابق: ج٣، ص٤.
(٣) [اقرأ في ذلك ((الرحلة في طلب الحديث)) للإمام الخطيب البغدادي، و((صفحات مِن
صبر العلماء)» للشيخ عبد الفتاح أبو غدَّة].

١٣٨
حركة التدوين في الإسلام
وأصابهم فيضٌ من حياة هذه الشخصية الخالدة، فحَيوا وظهروا واحتفَظ التاريخ
بأسمائهم وأحوالهم ، ورآه حقاً على نفسه.
وهكذا ظهر علمُ أسماء الرِّجال إلى عالم الوجود ، وكان من مفاخر هذه
الأمة التي لا يُشارِكها فيها أمة من الأمم.
قال الدكتور ((اسبرنجر)) (Sprenger) في مقدمته الإنجليزية على كتاب
(الإصابة في أحوال الصحابة) للحافظ ابن حجر العسقلاني ما ترجمته:
((لم تُعرفْ أمةٌ في التاريخ ، ولا توجد الآن على ظهر الأرض ، وُفِّقَتْ
لاختراع فنٌّ مثل فنّ أسماء الرجال الذي نستطيع بفضله أن نقف على ترجمة
خمسِمئة ألفٍ (نصف مليون) من الرجال)) (١).
ولم يُعْنَ المحدِّثون بتعريف رجال الحديث فحسب ، بل التزموا الصدقَ
والصراحة في تعريفهم ، وجمعوا كل ما يتَّصلُ بأخلاقهم وعاداتهم ، وما يدلُّ
على قوَّتهم وضعفهم واحتياطهم وتساهُلهم وتقواهم وعلمهم وذاكرتهم.
وجمعوا كل ما قاله معاصروهم فيهم ولم يُداروا ولم يجاملوا في ذلك. ولم
يهابوا أحداً ولو كان بعضهم أميراً مُهاباً أو شيخاً وقوراً.
وقد روى التاريخُ في ذلك طرائف تدل على شدَّة هؤلاء الناقدين وعِلمهم
بقوله تعالى: ﴿﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا كُونُواْ قَوَمِينَ بِاَلْقِسْطِ شُهَدَآءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ
أَوِ الْوَلِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِنُ إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيْرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَّا فَلَا تَتَّبِعُواْ الْمَوَى أَنْ تَعْدِلُواْ
وَإِن تَلْوٍُ أَوْ تُعْرِضُواْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [النساء: ١٣٥]. وتدقيقهم.
قال أبو داود: كان أبو وكيع على بيت المال؛ فكان وكيع (م ١٩٧ هـ) إذا
روى عنه قَرنَه بآخر(٢).
(١) طبع كلكته ١٨٥٣، ١٨٦٤ م.
(٢) تهذيب التهذيب: ج١١، ص ١٣٠.

١٣٩
حركة التدوين في الإسلام
وقد ترك مُعاذُ بنُ معاذ العنبريُّ (م ١٩٦ هـ) روايةَ المسعودي؛ لأنه رآه يطالع
الكتابَ، يعني قد تغيَّر حِفظُه(١).
وقدٍ قدَّم إليه رجلٌ عشرة آلاف دينار ، وطلب منه أن يسكُت عن فلان
لا يتكلَّم فيه بجَرح ولا تعديل ، فأبى ورفض هذا المال العظيم ، وقال:
(«لا أَكتمُ الحقَّ»(٢).
وهذا قليلٌ من كثيرٍ يدلُّ على أمانة علماء الحديث والرجال ، وتدقيقِهم في
موضوعهم ، وتحرِّيهم الحقَّ والعدل في شهاداتهم ، فهل يوجدُ في تاريخ
العلم نظير لهذه الأمانة والتدقيق؟
قُوَّةُ الذّاكرة واستحضار العلم:
وقد كان هؤلاء المشتغلون بحديث رسول الله ◌َّ صفوةَ البلاد التي فتحها
الإِسلام ، كانوا أقوياءَ ، وكانوا على جانب عظيم من الصَّبر والجَلَد واحتمال
المشاق ، وقُوَّةِ الذاكرة ، وكانتْ عندهم نَهامة للعمل ، وحِرصٌ زائد على
اقتباسه والتقاطه من مواضعه ، وقد قَويتْ ذاكرتُهم لاعتمادهم عليها ،
وعنايتهم بها ، شأن الأعضاء التي يُعتنى بها ويُعتمد عليها؛ حتى صدرت منهم
خوارقُ في ذلك قد يتبادر الشك فيها واستغرابُها إلى من لم يُجرِّبها ولم يشاهد
أهلها. ولم يعرف كيف تنشأ الملكات في الرجال بكثرة الاشتغال ، وكيف
تقوى ، وكيف تأتي بالعجائب.
وقد استفاضَ ذلك عن كثير من الأدباء والشعراء والموهوبين ، ورُويت
عنهم أخبارٌ في قوة الذاكرة يستغربها الإنسان في هذا العصر الذي انصرفتْ فيه
النفوس عن التحفظ والاستحضار ، واعتُمد فيه على الكتب والأسفار. وإذا
(١) تهذيب التهذيب: ج٦، ص ٢١١.
(٢) الرسالة المحمدية: العلامة السيد سليمان الندوي [المحاضرة الثالثة، ص ٨٢ - ٨٣،
طبع دار ابن كثير بدمشق]. نقلاً من ((تهذيب التهذيب)) للحافظ ابن حجر.

١٤٠
حركة التدوين في الإسلام
عكف الإنسان على شيءٍ ، وانصرف إليه بكل همته ، وملك عليه هذا
الموضوع فكرَه ومشاعره ، تفتَّحت قريحتُه في ذلك ، حتى يُخيَّل إلى الإنسان
أنه يُلهم إلهاماً.
ومِن أَعجب ما رُوي في ذلك ، هو ما يرويه أبو أحمد بنُ عَدِيِّ الحافظ ،
عن الإمام محمد بن إسماعيل البخاري ، صاحب ((الجامع الصحيح)) ، قال:
(«سمعتُ عدةً من مشايخ بغداد يقولون: إنَّ محمدَ بن إسماعيل البخاري قدم
بغداد ، فسمع به أصحابُ الحديث ، فاجتمعوا وأرادوا امتحانَ حِفظه ،
فعمدوا إلى مئة حديث ، فقلبوا متُونَها وأحاديثها ، وجعلوا متنَ هذا الإسناد
الإسناد آخر ، وإسنادَ هذا المتن لمتنٍ آخر ، ودفعوها إلى عَشرة أنفُسٍٍ ، لكلِّ
رجل عشرةُ أحاديث ، وأمَروهم إذا حضروا المجلس أن يُلقوا ذلك على
البخاري ، وأخذوا عليه الموعدَ للمجلس ، فحضروا وحضرَ جماعة من الغُرباء
من أهل خراسان وغيرهم من البغداديين ، فلمَّا اطمأنَّ المجلس بأهله انتدب
رجلٌ من العشرة ، فسأله عن حديث من تلك الأحاديث. فقال: ((لا أعرفه)).
فلم يزل يُلقي عليه واحداً واحداً حتى فرغ والبخاري يقول: ((لا أعرفه)).
وكان العلماء ممَّن حضر المجلس يلتفت بعضهم إلى البعض ويقولون:
((فَهِمَ الرجل)). ومَن كان لم يدرِ القصة ، يقضي على البخاري بالعَجز والتقصير
وقلّة الحفظ .
ثم انتدب رجلٌ من العشرة أيضاً فسأله عن حديث من تلك الأحاديث
المقلوبة، فقال: ((لا أعرفه)). فسأله عن آخر، فقال: ((لا أعرفه)). فلم يزلْ
يُلقي عليه واحداً واحداً حتى فرغ من عشرته. والبخاري يقول: ((لا أعرفه)).
ثم انتدب الثالث والرابع إلى تمام العشرة ، حتى فرغوا كلهم من إلقاء تلك
الأحاديث المقلوبة. والبخاري لا يزيدُهم على أن يقول: ((لا أعرفه)).
فلما علم أنَّهم قد فرغوا ، التفت إلى الأول فقال: أما حديثكَ الأول فقلتَ
كذا ، وصوابه كذا ، وحديثكَ الثاني كذا ، وصوابُه كذا ، والثالث والرابع على
الولاء، حتى أتى على تمام العشرة. فردَّ كل مَتن إلى إِسناده، وكل إسنادٍ إلى