Indexed OCR Text
Pages 101-120
١٠١ الجهود الإصلاحية في القرن الثاني ، الحسن البصري الأمة وخلفاء الرسول بالحق ، والأمةُ مدينةٌ له بالفضل إلى أن تقوم القيامة. لقد كان هؤلاء الدُّعاةُ والمصلحون مُنْبَئِّينَ في الحواضر الإسلامية ، مرابطين على الثغور ، قائمين بالدعوة ، وليس كلُّ واحد منهم ذكره التاريخ ، وليس كل أحد سُجِّلت مواقفه ونتائجُ دعوته وجهاده؛ ولكن اشتهرتْ منهم جماعةٌ من فضلاء التابعین کان اشهرهم سعيد بن جُبير ، ومحمدُ بن سِیْرین ، والشَّعبيُ؛ ولكن الذي حمل هذه الراية ، وتفرَّد من بينهم بالإمامة ، هو الحسنُ البصري. الحَسَنُ البَصْرِيُّ ، شَخصيَّتْهُ ومُؤَهّلاتُه: وُلِدَ الحسنُ البصري سنة ٢١ للهجرة ، وأبوه يَسار ، مولى زيد ابنِ ثابت، صاحبٍ رسول الله ◌َّ، وكاتبِ الوحي، وأُه خَيِّرة، مولاةُ أَمِّ سلمة، زوج النبي ◌َّةُ، نشأ في بيتها، ولقيَ جماعة كثيرةً من الصحابة وسمع منهم. وقد جَمَعَ الله فيه من الفضائل والمواهب ما استطاع به أن يُؤْثِّر في قلوب الناس ، ويرفع به قيمة الدين وأهل الدين في المجتمع ، فقد كان واسعَ العلم غزير المادة في التفسير والحديث ، ولم يكن لأحد في ذلك العصر أن ينشرَ دعوته ويقوم بالإصلاح ، إلا إذا كان متوفّراً على هذين العلمين. وقد أدرَكَ عصرَ الصحابة وعاصر كثيراً منهم ، ويظهرُ من حياته ومواعظه أنَّه درسَ هذا العصر دراسةً عميقة ، وأدرك روحَه ، وعرف كيف تطوّر المجتمع الإسلامي ، ومن أين انحرف. وكان واسعَ الاطلاع ، دقيقَ الملاحظة للحياة ومختلف الطبقاتِ وعوائدِها وأخلاقها وعِللها وأدوائِها ، كطبيبٍ مارس العلاج مُدةً. وكان مع ذلك غايةً في الفصاحة وحلاوة المنطق والتأثير في مستمعيه، يقول أبو عمرو بن العلاء: ((ما رأيتُ أفصحَ من الحسن البصري ، والحجَّاج بن يوسف ، والحسنُ أفصحُ منه)). ١٠٢ الجهود الإصلاحية في القرن الثاني ، الحسن البصري وكان آيةً في اتساع المعلومات ووُفور العلم ، قال الربيع بن أنس: اختلفت إلى الحسن عَشْر سنينَ ، وما من يوم إلا أسمع منه ما لم أسمعْ قبله . وقال محمدُ بن سعد: كان الحسن جامعاً عالماً رفيعاً فقيهاً ، ثقة مأموناً ، عابداً ناسكاً ، كثير العلم ، فصيحاً ، جميلاً وسيماً ، وقدم مكة فأجلس على سرير ، واجتمع الناس إليهٍ ، وقالوا: لم نرَ مثل هذا قط! وقد وصَفَه ثابتُ بنُ قُرَّةَ - كما نقل عنه أبو حيَّان التَّوحِيدي - فقال: ((كان مِن دراري النجوم علماً وتقوى ، وزهداً وورعاً ، وِفَّةً ورِقَّة ، وفقهاً ومعرفة ، يجمع مجلسه ضُروباً من الناس ، هذا يأخذ عنه الحديث ، وهذا يَلقَفُ منه التأويل ، وهذا يسمعُ منه الحلال والحرام ، وهذا يحكي له الفتيا ، وهذا يتعلَّم الحُكم والقضاء ، وهذا يسمع الوعظ ، وهو في جميع ذلك كالبحر اللَّجاج تدفّقاً، وكالسِّراج الوهَّاج تألُّقاً، ولا تُنسَى مواقِفُه ومشاهدُه بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، عند الأمراء وأشباهِ الأمراء ، بالكلام الفَصْل واللفظ الجَزْلِ» . وكان فوق ذلك كلِّه ــ وهو سرُّ تأثيره في القلوب ، وسحره في النفوس ، وخضوع الناس له ، وقد قَسوا على كثيرٍ من الوعاظ والعلماء - أنه كان صاحب عاطفةٍ قوية ، وروح مُلتهبة ، وكان من كبار المخلصين ، وكان يجمع بين بلاغة اللسان ، وقوة الإيمان ، وكان يُؤمن بما يقوله ويعمل بما يعتقده ، وكان الذي يقول يَخرُج من القلب فيدخل في القلب. وكان إذا ذَكر الصحابةَ ، أو وَصف الآخرة ، أدمعَ العيون وحَرَّك القلوب؛ لأنه يتذوَّق الإيمان ، ويتكلَّم عن عاطفة ووجدان؛ لذلك كانت حلقته في البصرة أوسعَ الحلقات ، وانجذاب الناس إليه انجذابَ الحديد إلى المغناطيس - وذلك شأنُ أهل القلوب والإخلاص في كل زمان -. وكان مِن أعظم ما امتازَ به هو أنَّ كلامه كان من أشبهِ ما سمع الناس بكلام النبوَّة، وقال الغزالي في ((إحياء العلوم)): ((ولقد كان الحسنُ البصريُّ رحمه الله ١٠٣ الجهود الإصلاحية في القرن الثاني ، الحسن البصري أشبه الناس كلاماً بكلام الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وأقربهم هدياً من الصحابة رضي الله عنهم، اتَّفقتِ الكلمة في حقه على ذلك))(١). كانت نتيجةُ المواهب العظيمة والفضائل الكثيرة ، أنه كان صاحبَ شخصيةٍ قويةٍ جذّابة حبيبة إلى النفوس ، وكان الناس مأخوذين بسحرها ، خاضعين لعظمتها ، حتى قال ثابتُ بنُ قُرَّةَ الحكيمُ الحَّاني: ((إنَّ الحسنَ من أفراد الأمة المحمدية التي تَتباهى بهم على الأمم الأخرى)). مَواعِظُ الحَسَنِ البَصْريّ: ومَواعِظُ الحَسن البصري تجمع بين القوة والسهولة التي عُرف بها كلام عَهد الصحابة ، وهي تدور غالباً حول قِصَر الحياة وغَدْر الدنيا ، وخُلود الآخرة ، والحثِّ على الإيمان والعمل الصالح والتقوى ، والخشية والتحذير من غرور النفس وطول الآمال. ولا شكَّ أنَّ المجتمعَ الذي افترستْهُ المادية ، واستحوَذتْ عليه الشهواتُ ، وأُصيب بالإِغراق في التَّرفِ ، والإمعان في الأماني، كان في حاجة مُلِحَّة إلى مثل هذه المواعظ التي تكشِفُ الغطاء عن العيون ، وتمسُّ القلوب. وكان يُصوِّر فى أكثر مواعظه عصر الصحابة ، وما اتَّسم به من أخلاق وصِفاتٍ ، ويُقارن بين عصرهم وعصرِه ، ويَصِفُ التَّدهور الذي أُصيب به المجتمع الإسلامي في الإيمان والأخلاق. وكان إذا وصل إلى هذه النقطة أثار الأحزان ، وأهاج الوجدان. ومَواعِظُه مثالٌ جميل للنثر البليغ ، والأدب الرفيع ، وموضوعُ دراسة الأَديب والناقد ، وأُقدِّمُ هنا مثالين من هذه المواعظ ، فمنها موعظَة يذكُر فيها عَهد الصحابة ، ويصفُ المؤمن: (١) إحياء العلوم: ج١، ص٦٨ . ١٠٤ الجهود الإصلاحية في القرن الثاني ، الحسن البصري ((هَيهاتَ هَيهاتَ! أهلك الناس الأماني ، قولٌ بلا عمل ، ومعرفة بغير صَبر ، وإيمانٌ بلا يقين. ما لي أرى رجالاً ولا أرى عقولاً! وأسمع حسيساً ولا أرى أَنيساً! دخل القومُ والله ثم خرجوا، وعرفوا ثم أنكروا، وحَّموا ثم استحلُّوا ، إنما دين أحدكم لَعقةٌ على لسانه ، إذا سُئل: أمؤمنٌ أنت بيوم الحساب؟ قال: نعم. كذب ومالك يوم الدين. إنَّ من أخلاق المؤمن قوةً في دين ، وإيماناً في يقين ، وعلماً في حلم ، وحلماً بعلم ، وكَيساً في رِفق ، وتحمّلاً في فاقة ، وقَصداً في غنى ، وشفقةً في نفقة ، ورحمةً لمجهود ، وعطاءً في الحقوق ، وإنصافاً في الاستقامة ، لا يحيف على من يبغض ، ولا يأثم في مساعدة من يحب ، لا يهمز، ولا يغمِز ، ولا يلْمِز ، ولا يلغو ، ولا يلهو ولا يلعب ، ولا يمشي بالنميمة ، ولا يتبعُ ما ليس له ، ولا يجحد الحق الذي عليه ، ولا يتجاوز في العُذر ، ولا يَشمَتُ بالفجيعة إن حلَّت بغيره ، ولا يُسر بالمعصية إذا نزلت بسواه. المؤمنُ في الصلاة خاشعٌ ، وإلى الركوع مسارعٌ ، قولُه شفاءٌ ، وصبره تُقيّ، وسكوته فكرةٌ، ونظَرُه عِبرةٌ، يُخالِط العلماء ليَعلَم ، ويَسكت بينهم ليسلَم، ويتكلَّم لِيَغْنَم، إنْ أحسن استبشر ، وإنْ أساء استغفر، وإنْ عُتِبَ استعتَب ، وإنْ سُفه عليه حلُم ، وإنْ ظُلم صَبَر ، وإنْ جير عليه عدل. ولا يتعوَّذ بغير الله ، ولا يستعينُ إلا بالله ، وَقورٌ في الملأ، شكورٌ في الخلاء ، قانع بالرزق ، حامد في الرخاء ، صابرٌ على البلاء ، إنْ جلس مع الغافلين كُتب من الذاكرين ، وإنْ جلس مع الذاكرين كُتب من المستغفرين. هكذا كان أصحابُ النبيِ نَِّ، الأوَّل بالأولِ، حتى لحقوا بالله عزَّ وجلَّ، وهكذا كان المسلمون من سلفكم الصالح ، وإنما غُيِّر بكم لما غيّرتُم ، ثم تلا: ١٠٥ الجهود الإصلاحية في القرن الثاني ، الحسن البصري ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِرُواْ مَا يَنْفُسِهِمٌّ وَإِذَا أَرَادَ اَللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ، وَمَا لَهُم مِّن دُونِ مِن وَالٍ﴾ [الرعد: ١١](١). وموعظةٌ أخرى يُفسِّر فيها آيات من سورة الفرقان، [الآيات: ٦٣ - ٦٥]، ويَصِفُ المؤمنین الأولین: ((إنَّ المؤمنين لمَّا جاءتهم هذه الدعوة من الله صدَّقوا بها ، وأفضى يقينُها إلى قلوبهم ، خشعتْ لله قلوبهم وأبدانهم وأبصارهم ، كنتَ والله إذا رأيتهم رأيتَ قوماً كأنَّهم رأيُ عين ، والله ما كانوا بأهل جدل ولا باطل ، ولكنهم جاءهم أمر من عند الله فصدَّقوا به ، فنعَتُهُم الله في القرآن أحسنَ نَعت ، فقال: ﴿ وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنَا﴾ والهَوْنُ في كلام العرب: اللِّين والسكينةُ والوقار ﴿ وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُواْ سَلَمًا﴾ حُلماء لا يجهلون ، وإن جُهل عليهم حَلِموا ، يُصاحبون عباد الله نَهارهم بما يسمعون. ثم ذَكَرَ ليلَهم خيرَ ليلٍ فقال: ﴿ وَلَّذِينَ يَبِئُونَ لِرَيْهِمْ سُجَدًا وَقِيَمًا﴾ ينتصبونَ لله على أقدامهم ، ويفترشونَ وجوههم سُجّداً لربهم ، تجري دموعهم على خدودهم فَرَقاً من ربهم ، لأمرٍ مَّا سهروا ليلَهم، ولأمرٍ مَا خَشَعوا نهارهم، قال: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَتَّمَ إِنَ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا﴾ وكلُّ شيء يصيبُ ابنَ آدم ثم يزول عنه فليس بغرام ، إنما الغرام اللَّزم له ما دامتِ السموات والأرض، صدقَ القومُ واللهِ الذي لا إله إلا هو ، فاعملوا وأنتم تتمنَّون ، فإياكم وهذه الأماني رحمكم الله، فإنَّ الله لم يُعط عبداً بأُمنيته خيراً في الدنيا والآخرة))(٢). (١) الحسن البصري: لابن الجوزي: ص ٦٩، ٦٠. (٢) قيام الليل: ص ١٢ . ١٠٦ الجهود الإصلاحية في القرن الثاني ، الحسن البصري صَدْعُه بالحقِّ وشجاعتُه أمام رجال الحُكم: وكان الحسنُ البصريُّ صادعاً بالحق ، شُجاعاً لا يخشى في صَدْعِه بالحق غائلةً ، وهذه الشجاعة لها قيمتها ومكانتُها في الحكومات الشخصيّة التي لم تزلْ حُرةً في تصرفاتها وأهوائها ، عنيفة قاسية في حُكمها ، سريعةً مُتهوِّرة في تنفيذ إرادتها وانفعالاتها ، وقد روى التاريخُ من أخبار شجاعة الحسن الدينية ما يرفعُ مكانته في علماء عصره ، ودُعاة الإصلاح. منها ما رواه ابن خلِّكان، قال: ((لَمَّا وليَ عمر بنُ هبيرة الفِزاريُّ العراق ، وأضيفت إليه خراسان ، وذلك في أيام يزيد بنِ عبد الملك ، استدعى الحسنَ البصري ، ومحمدَ بن سيرين ، والشعبيّ ، وذلك في سنة ثلاثٍ ومئةٍ فقال لهم: إن يزيدَ خليفةُ الله استخلفه على عباده ، وأخذ عليهمُ الميثاق بطاعته ، وأخذ عهدنا بالسمع والطاعة ، وقد ولَّني ما ترون ، فيكتب إلي بالأمر من أمرٍه فأقلِّده ما تقلده من ذلك الأمر ، فما ترون؟ فقال ابنُ سيرين والشعبي قولاً فيه تقيّةٌ. فقال ابنُ هبيرة: ما تقول يا حسن؟ فقال: يابن هبيرةً خَفِ اللهَ في يزيد ، ولا تخفْ يزيدَ في الله. إنَّ اللهَ يمنعُك من يزيد ، وإن يزيدَ لا يمنعُك من الله . وأوشكَ أن يبعث إليك مَلَكاً فيُزيلك عن سريرك ، ويُخرجك من سَعةِ قصرك إلى ضيق قبرك ، ثم لا يُنجِّيك إلا عملك. يابن هبيرة ، إن تَعْص الله ، فإنما جعلَ الله هذا السلطان ناصراً لدين الله وعباده ، فلا تَركَبَنَّ دينَ الله وعباده لسلطان الله؛ فإنَّه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق)). فأجازهُم ابن هبيرة ، وأضعَف جائزة الحسن ، فقال الشعبيُ لابن سيرين: سَفْسَفْنا له فسَفْسَفَ لنا. ١٠٧ الجهود الإصلاحية في القرن الثاني ، الحسن البصري وروى ابنُ سعد في ((طبقاته)) بإسناده عن مسلم بن أبي الذَّيال، قال: ((سأل رجلٌ الحسنَ وهو يسمعُ وأناسٌ من أهل الشام ، فقال: لا تکن مع هؤلاء ولا مع هؤلاء. فقال رجل من أهل الشام: ولا مع أمير المؤمنين يا أبا سعيد؟ فغضب ، ثم قال بيده فخَطر بها ، ثم قال: ولا مع أمير المؤمنين يا أبا سعيد، نَعم، ولا مع أمير المؤمنين)»(١) . النّفاق والمنافقون في الدولة الإسلامية: لقد نشأت في المملكة الإسلامية بحُكم نفوذ الإسلام السياسي والمادي ، طبقةٌ تَدينُ بالإسلام، وتتسَمَّى بالمسلمين؛ ولكنها لم تُسغ الإسلام إساغة يطلبها الإسلام ، ولم تُمثِّله في أخلاقها وسلوكها وميولها إنها لم تتحقق بحقيقةِ الإِيمان ، ولم تدخل في السِّلْمِ كافَّةٌ كما يأمر به القرآن ، وقد وُجد في الجيل الإسلامي الجديد الذي لم تتمَّ تربيتُه على أساس الإِسلام، رجالٌ لم تَنْقَ رُؤوسهم ولا نفوسهم من النّزعات الجاهلية ، ولم تكن صِلَتهم بالإسلام صلةٌ عميقةً مُتَغلغلةً في الأحشاء ، مُسيطرة على الحياة والتفكير ، وقد وُجد في المجتمع ، وبصفةٍ خاصة في دوائر الحكومة ، وفي أوساط الأمراء والأغنياء ، أفرادٌ - ليس عددُهم قليلاً - يُمثِّلون بأخلاقهم وأساليب حياتهم ومناهج تفكيرهم المنافقين القدماء ، وهؤلاء هم الذين كانت لهمُ السيطرة على الحياة والنفوذُ في المجتمع ، يَشغلون في الحكومة مناصبَ خطيرةً ، ويحتلُّون في الجيش مراكزَ كبيرة ، وكانت عاداتُهم وأخلاقهم وأزياؤهم هي التي يُقلِّدها المُترفون والمتأنِّقون من الشباب والأغنياء. اعتقَدَ بعضُ العلماء أنَّ النفاق قد انقرض، وأنَّه كان مَرضاً محلياً ومؤقتاً اقتضتهُ الظروف الخاصة في العصر الإسلامي الأول ، فلمَّا غلب الإِسلام (١) طبقات ابن سعد: ج٧، ص٢١٩. ٠ ١٠٨ الجهود الإصلاحية في القرن الثاني ، الحسن البصري وزالت شوكةُ الكفر وانتهى الصراع بين فكرتين متنافستين وبين قُوتين متحاربتين ، وبقي الإِسلام لا يُصارعه الكفر ، فقدتِ الطبقةُ التي كانت تعالج صراعاً نفسياً ، وتتأرجح بين الإِسلام والكفر ، فلا تخلّص لأحد منهما؛ وتتمتع بمنافعهما في وقت واحد ، أما وقد بقي إسلام ولا كفر - كما هو الشأن في الدولة الإسلامية - أو كفرٌ ولا إسلام - كما هو الشأن في دار الحرب - فلا حاجةَ إلى هذا الأسلوب من التفكير وهذا الطِّراز من النفسية ، ولا محلّ للنفاق في دار الإِسلام التي يحكم فيها الإِسلام ، ويَسودُ فيها الدين؛ وقد راجتْ هذه الفكرة في الأوساط العلمية في الزمن المتقدم ، وترى لها ظلالاً في كتب التفسير والتاريخ. ولكن يجب أن يُلاحظ، أنَّ النِّفاق عِلَّةٌ قديمة من عِلَل الفطرة البشرية ، يُصاب بها ضِعاف النفوس في كل عصر من العصور. ولا يتولَّد هذا المرض في مجتمع يتصارع فيه الإسلام والكفر ويتكافآن فحسب؛ بل يتولد كذلك حيث يسيطر الإسلام ويحكم. فتوجدُ طبقة لا تُسيغ الإسلام بسبب من الأسباب؛ ولكنها لا تملك الشجاعة التي تحملها على إنكار الإسلام والإعلان بعقيدته وموقفه ، أو لا تسمح مصالحه وأغراضه وملابساته بأن تتنازل عن الفوائد والمناصب التي تتمتع بها بفضل الانتساب إلى الإسلام. وعن المركز الذي تحتله في الأمة لأجل ثِقتها بها واعتمادها عليها. فهي تستغلُّ الإِسلام لمصالحها وتظهر في مظهر لتحافظ على شخصيتها وتُؤْمِّن مستقبلها؛ ولكنها لا تخضع للإِسلام خضوعاً حقيقياً ولا تُسيغ فكرته وعقيدته ونظامه. فتظلَّ طول حياتها مذبذبة بين الإسلام والكفر، مُضطربة اضطراباً عقلياً ونفسياً وعملياً. تحكي المنافقين السابقين في فساد الأخلاق ، وعبادة الشهوات والتَّهالك على اللذات ، وانتهاز الفرص ، وترجيح المصلحة الشخصية على المصلحة الاجتماعية ، والجرأة والاستئسادِ على الضعفاء ، والجُبن والخَوَر أمام الأقوياء. وقد وُجِدَ في العلماء والمحقِّقين من أثبت أن النِّفاق ظاهرةٌ اجتماعية وعِلَّة ١٠٩ الجهود الإصلاحية في القرن الثاني ، الحسن البصري نفسية لا ينحصر في زمان خاص ومکان خاص. يُعجبني في ذلك كلمة المفكّر الإسلامي الكبير شيخ الإسلام أحمد بن عبد الرحيم الدهلوي ، المعروف بالشيخ وَليِّ الله (١)، فقد قال في كتابه البديع ((الفوز الكبير في أصول التفسير))(٢) بعد ما ذكر أن النفاق قسمان: النفاق في العقيدة ، والنفاق في العمل والأخلاق: أما النفاقُ في العقيدة فإن كان ممكناً وواقعاً بعد عصر الرسالة ، ولكنه لا يُمكن الجزمُ به لانقطاع الوحي. أمّا نفاق العمل والأخلاق ، فكثيرٌ وشائع في كل عصر من العصور. يقول: (إن النفاق شائع ومشهود في هذا العصر. وإن أحببتَ أن ترى أنموذجاً للمنافقين ، فعليك بمجالس الأغنياء وندمائهم ، كيف آثروا هوى سادتهم على حكم الشارع، إن الحقَّ يجب أن يقال: إنه لا فرق بين من سمع كلام النبي بَل من غير واسطة ، واختارَ النفاق ، وبين من وُلد في هذا العصر ، وعَرف بطريق اليقين حكم الشارع ثم آثر ضِدَّه عليه ورجَّح كلام غيره ، وكذلك جماعةٌ من علماء الفلسفة والعلوم العقلية اليونانية - في الإسلام - يحملون شبهات عظيمة ، وشكوكاً كثيرة في قلوبهم ، ونسوا المعاد حتى لا يخطُر منهم على بال ، هم نموذج المنافقين في عصرنا)). دَلالةُ الحسن البصري علي النّفاق والمُنافقين ونُفوذه في المجتمع: لقد كان مِن ذكاء الحسن البصري وفطنته الدينية؛ أنَّه اهتدى إلى أن النِّفاق لا يزال يَعيش في المجتمع الإسلامي ، وأن المنافقين لهم صولةٌ وجوْلَةٌ في الدولة الإسلامية ، وسيطرةٌ على الحياة السياسية ، وأن المدن الكبيرة (١) [انظر سيرته في الجزء الرابع من هذه السلسلة]. (٢) [أصل الكتاب بالفارسية، وقد نقله الشيخ سلمان الحسيني الندوي إلى العربية، وطبع في دار الفارابي بدمشق]. ١١٠ الجهود الإصلاحية في القرن الثاني ، الحسن البصري والعواصم الإسلامية مَدينة لهؤلاء في الزَّهو واللهو ، قال له رجلٌ: يا أبا سعيد اليومَ نِفاقٌ؟ قال: ((لو خَرجوا من أزِقَّة البصرة لاستوحشْتُم فيها))(١). وقال في مناسبة أخرى: ((يا سبحان الله! ما لَقِيتْ هذه الأمة من منافق قهرها واستأثر عليها))(٢) يشير إلى الحُكّام والأمراء. وقال مرةً: ((لو خرجوا لما انتصفْتُم من عدوكم)) يشير إلى الجيش الإسلامي وقُوَّاده. وهكذا تناول الطبقات الممتازة في الأمة ، وبيَّن أن فيها النفاق والمنافقين ، وأن لهمُ السيادةَ والغَلَبة. وكان مِن أعظم أسباب تأثير الحسن البصري في المجتمع ، ونفوذِه في القلوب والعقول ، أنه ضرب على الوتر الحساس ، ونزل في أعماق المجتمع ، ووصَف أمراضَه ، وانتقده انتقادَ الحكيم الرفيق ، والناصحِ الشفيق ، لقد كان عصرُه يغُصُّ بالدعاة والوعاظ ، ولكنَّ المجتمع لم يخضع لأحد خضوعَه للحَسن؛ لأنه كان يَمسُّ قلبه وينزل في صميم الحياة ، ويُعارض التيار. إنَّه كان يَنْعى على الإِخلاد إلى الحياةِ والانهماك في الشهوات. وقد انتشرَ هذا المرضُ في الحياة. إنه كان يُذكر بالموت ، ويستحضرُ الآخرة. والمُترفون يتناسون ذلك ويُعلِّلون نفوسهم بالأماني الكذَّابة والأحلام اللذيذة ، ويتضايقون بذكر ما يُكدِّر عليهم الحياة ويُعكِّر صفوَ عيشهم ، فكان دائماً في صراع مع الجاهلية. والجاهليةُ لا تخضع إلا لمن صارعها. ولا تعترف إلا بوجود الرجل الذي يحاربها . وكان الحسنُ البصريُّ هو ذلك الرجل ، فعظُم تأثيرُه ، وكثر التائبون والمُقْلعِون عن المعاصي والحياة الجاهلية التي كانوا يعيشونها، وانطلقتْ موجة (١) صفة النفاق وذم المنافقين: للمحدث أبي بكر ص ٦٨ . (٢) المصدر السابق: ص ٥٧ . ١١١ الجهود الإصلاحية في القرن الثاني ، الحسن البصري الإصلاح قويةً مؤثِّرة؛ لأن الحسنَ لم يقتصر على مواعظَ وخطب كانَ يُلقيها؛ بل كان يُعنى بتربية من يتَّصل به ويجالسه. فكان جامعاً بين الدعوة والإرشاد ، وبين التربية العملية والتزكية الخُلقية والروحية. فاهتدى به خلائقُ لا يحصيهم إلا الله، وذاقوا حلاوة الإيمان وتحلَّوا بحقيقة الإِسلام. وقد صدق عَوام بن حَوشب إذ قال: ((ما أشبه الحسن إلا بنبيّ أقام في قومه ستينَ سنةً يدعوهم إلى الله))(١). وفَاةُ الحسن البصري: وكان مِن أثر هذا الإخلاص، والتفاني في الدعوة، والتأثير في القلوب، أنه أَجمعت القلوبُ على حُبِّه والاعتراف بفضلِه وشغلتْ به البصرة. وكانتِ المدينةَ التي تلي دمشق في العظمة والأهمية في ذلك العصر. حتى إذا مات في سنة ١١٠ هـ - وكان دفْنُه بعد صلاة الجمعة - تبعَ الناس كُلُّهم جنازتَه، واشتغلوا به ، فلم تُقُمْ صلاة العصر بالجامع؛ لأنه لم يبقَ بالمسجد من يُصلي العصر. وقال بعضُهم ممَّن شهد جنازته: ((لا أعلم أن صلاة العصر تُركت في الإسلام (يعني في جامع البصرة) إلا يومئذٍ))(٢). خلفاء الحسن: وجرى خُلفاء الحسن - ممَّن توارثوا علمه وروحه - على الدعوة إلى الله والتذكير بالآخرة ، والدَّعوة إلى حقيقة الإيمان وسيرة الإسلام؛ وهكذا اتصل تاريخُ الإصلاح والتجديد والدعوة إلى الإسلام الحقيقي من جديد لا تتخلَّله فترة ، وانتقلتِ العاصمة الإِسلامية بعد اثنتين وعشرين سنةً من وفاة الحسن البصري من دمشق إلى بغداد ، وأصبح العراقُ مركز الحضارة والسياسة في عالم الإسلام. (١) دائرة المعارف: للبستاني، ج٧ ص ٤٤. (٢) ابن خلكان: ترجمة الحسن البصري. ١١٢ الجهود الإصلاحية في القرن الثاني ، الحسن البصري الخلافة العباسيةُ وأثرها: قامتِ الدولةُ العباسيةُ على أنقاضٍ الدولة الأموية ، وخَلفتها في أساس الحكم ومناهجه ، والروح السارية في الجهاز الإداري ، ونظرتها إلى بيت المال وإلى المسلمين ، والأثَرة والتَّرف ، وامتازت عنها في شيء واحد ، وهو أن الدولة الأموية كانت عليها مِسحة العروبة ، وكانت مُحافظة على الروح العربية والتقاليد العربية ، وكانت عيوبُها والأخلاق التي يُمثِّلها رجالٌ الحكم هي عيُّوب العرب ورؤساء القبائل إذا ضَعُفت صِلتهم بالدين، أو طغتْ عليهم النزعة القبلية أو جرفتهم المادية . أمّا الدولة العباسية ، فقد سرتْ فيها الروح العجمية، وأُصيبت بعِلَل الحضارة العجمية وعيوبها ، واتَّسعتِ الدولة اتساعاً عظيماً ، وامتدت على مساحة واسعة من آسيا وإفريقية؛ حتى رُوي أنَّ هارون الرشيد مرّت به قطعة من سحاب فخاطبها وقال: ((أمطري حيثُ شِئتٍ، فسيأتيني خراجُكِ)). وقد روى ابنُ خلدون أَنَّ دَخْلَ المملكة في عهد الرشيد كان في كل سنة ٧٠١٥ قنطاراً ، والقنطار في حسابه عشرةُ آلاف دينار؛ فيكون مجموع ذلك سبعين مليوناً ومئةً وخمسين ألف دينار(١). وإذا لاحظنا رُخْص الأسعار وكثرة الإنتاج ، وجدنا أن الميزانية ضخمة. وقد زادت هذه الميزانيةُ زيادةً عظيمة في عهد المأمون ، وقد كانت بغداد - بحكم أنها عاصمة الإمبراطورية الإسلامية - مَصبَّ أموال المملكة الواسعة الغنية ، وسوقَ الطرائفِ والخيرات والمنتجات ، ومنتجعَ أصحاب الحِرَفِ والصناعات ، كما كانتْ مُنْتَجع أصحاب المُجون والمغِّين الكبار والشعراء ونوابغَ كل فن جديد وهزل وحق وباطل؛ فأمعنتْ بغداد في الحضارة ، وتفئَّنت في الترف والسرف ، وبلغتِ المدنيّة شأواً بعيداً لاتبلغه (١) مقدمة ابن خلدون: ص ١٥١ . ١١٣ الجهود الإصلاحية فى القرن الثاني ، الحسن البصري الدُّول إلا بعد قرون ، وقد وصلتْ إليه الدولة العباسيةُ في قرن واحد ، وقد أثّرت هذه الحضارة المنحرفة ، والأموال المغدقة ، والاختلاط بالعجم ، وازدحام الجواري والرقيق من كل جنس ومن كل بلد ، في الأخلاق والميول والعادات ، وأغرق الناس في هذه المدنية التي هي مزيجٌ من مدنيَّات مختلفة ، وأقبلوا على اللهو والبذْخ إقبالاً يصوِّره كتابُ ((الحيوان)) للجاحظ ، وكتابُ ((الأغاني)) لأبي الفرج الأصبهاني(١). ويستطيع الرجُلُ أن يأخذ فِكرة عن هذه المدنيَّة المترفة ، وعن الحياة الباذخة ، وإلى ما وصل إليه الخلفاء ، ومن كان يتَّصل بهم ومن كان على آثارهم إذا قرأَ صفة عرس المأمون الخليفة العباسي. يقول ابن خلكان - وقد جمع روايات مختلفة : («تزوَّجَ المأمونُ بورانَ بنتَ الحسن بن سهل، واحتفل أبوها بأمرها ، وعمل من الولائم والأفراح ما لم يُعهد مثله في عصر من الأعصار ، وكان ذلك بفمِ الصُّلح، وانتهى أمُرُه إلى أن نَثر على الهاشميين، والقُوَّاد ، والكُتَّاب ، والوجوه بنادقَ مسك فيها رقاع بأسماء ضياع ، وأسماء جَوارٍ ، وصفاتٍ دواب ، وغير ذلك ، فكانت البندقية إذا وقعت في يد الرجل فتحها ، فيقرأ ما في الرقعة ، فإذا علم ما فيها ، مضى إلى الوكيل المُرصَد لذلك فيدفعها إليه ، ويتسلَّم ما فيها ، سواء كان ضيعةً أو ملكاً آخر ، أو فرساً ، أو جاريةً ، أو مملوكاً. ثم نثَر بعد ذلك على سائر الناس الدنانيرَ والدراهم ، ونوافِجَ المسك وبيض العنبر ، وأنفق على المأمون وقُوّاده وجميع أصحابه وسائر من كان معه من أجناده وأتباعه - وكانوا خَلْقاً لا يُحصى _ حَتى على الحمَّالين ، والمكاريّة ، (١) راجع ((كتاب الحيوان)): للجاحظ: ج٢، ص ٩١، وج٥، ص ١١٥، ومجلدات «الأغاني». ١١٤ الجهود الإصلاحية في القرن الثاني ، الحسن البصري والملَّحين، وكلٍّ من ضمه عسكره؛ فلم يكن في العسكر من يشتري شيئاً لنفسه ولا لدوابه»(١). وذكر الطَّبريُّ في تاريخه: ((أنَّ المأمون أقام عند الحسن تسعة عشر يوماً ، يُعِدُّ له في كل يوم ولجميع من معه ما يحتاج إليه ، وكان مبلغ النفقة عليهم خمسين ألفَ ألفِ درهم ، وأمر له المأمون عند منصرفه بعشرة آلاف ألفٍ درهم ، وأقطعه فمَ الصُّلْح ، فجلس الحسن وفَّق المال على قواده وأصحابه وحَشَمِه)). وقال غيره: ((وفُرِشَ للمأمون حصيرٌ منسوجٌ بالذَّهب ، فلما وقف عليهِ نُثرتْ على قدميه لآلىءُ كثيرة ... وأطلق المأمونُ خراج فارس وكور الأهوازِ مدة سنةٍ)) . وقال الطبريُّ أيضاً: «دخل المأمونُ على بورانَ الليلة الثالثة من وصوله إلى فَمِ الصُّلح، فلما جلس معها نَثَرتْ عليها جدَّتُها ألفَ دُرَّةٍ كانت في صَينية ذهَب ، فأمر المأمون أن تجمع ، وسألها عن عدد الدُّرِّ كمْ هو؟ فقالت: ألف حَبَّة ، فوضعها في حجرها ... وأوقدوا في تلك الليلة شمعة عنبرٍ وزْنُها أربعون منّاً في تَوْرٍ من ذهب؛ فأنكر المأمون ذلك عليهم وقال: هذا سَرفٌ))(٢). وأنا لا أُرِيد أن أسائل هل يُبيح الإِسلام هذا السَّرفَ المتناهي؟ فالجواب واضح ، ولا أريد أن أقارن بين زواج فتى بني هاشم «علي بن أبي طالب» مع سيدة نساء أهل الجنة، وبِضعةِ الرسول ((فاطمةَ بنتِ محمد رسول الله اَّةٍ))، فالقصة غنية عن المقارنة ، ولا يوجد لها نظيرٌ في التاريخ بسهولة كما لاحظَ ابن خَلِّكان ، ولا أريد أن أسائل من أي مال أنفق هذه النفقات الملوكية؟ وهل سَمحتِ الأمةُ بها؟ إنني لا أريد أن أثير هذه الأسئلة؛ ولكني أريد أن أُصوِّر لكم - بعض التصوير - المدنيّة المُترفةَ التي كانت تسود في العصر العباسي الأول ، (١) وفيات الأعيان: ترجمة بوران بنت الحسن، ج١، ص ٢٦٠ طبع مكتبة النهضة. (٢) المصدر السابق: ترجمة بوران بنت الحسن، ج١، ص ٢٥٩ - ٢٦٠. ١١٥ الجهود الإصلاحية في القرن الثاني ، الحسن البصري وإلى أيِّ حدٍّ بلغ العَبث بالأموال ، وكيف تطوّر ، بل تطرّف الذوق العربي الإسلامي؛ حتى وصل في مدَّة قليلة إلى هذا الحد من التأثّق والتبذير في الولائم والأعراس. وإليكم حكاية ثانيةٌ تدكُّ على ما وصلت إليه المدنيَّةُ في العصر العباسي من التأتُقِ والإسراف في الولائم والمآدب ، وذلك في عصر الرّشيد الذي يتقدّم عصر المأمون الذي حکیتُ عنه. روی المسعوديُّ في كتابه ((مروج الذهب» قال: ((حدَّثَ إبراهيم بن المهدي قال: استزرتُ الرَّشيد بالرقَّة؛ فزارني ، وكان يأكلُ الطعام الحار قبل البارد؛ فلما وضعت البوارد ، رأى فيما قُرِّبَ إليه منها جامُ قريض سمكٍ ، فاستصغرَ القطعَ ، وقال: لم صغَّر طبَّاخك تقطيعَ السمكِ؟ فقلت: يا أمير المؤمنين، هذه ألسنةُ السَّمك ، قال: فيشبه أن يكون في هذا الجام مِئة لسان ، فقال مراقب خادمه: يا أمير المؤمنين؛ فيها أكثر من مئة وخمسين ، فاستحلفه عن مَبلغ ثمنِ السمك ، فأخبره بأنه قام بأكثر من ألف درهم ، فرفع الرشيد يدَه ، وحلف ألا يطعم شيئاً دون أن يُحضره (مراقب) ألف درهم ، فلما حضر المال أمر أن يُتصدق به ، وقال: أرجو أن يكون كفَّارةً لسَرفِك في إنفاقك على جام سمكٍ ألف درهم ، ثم ناول الجام بعضَ خدمه، وقال: أول سائل تراه فادفعه إليه !)). الدُّعاة إلى الله في العَصر العبّاسي: ولكن بجوار هذه المدنيّة المائجة والحياة الباذخة ، وبجانب هذا السَّرف والتَّرف ، والزَّهو واللهو ، نرى رجالاً قد انقطعوا إلى الدعوة إلى الله ، وتزكية النفوس ، ونشر العلوم الدينية ، والعُكوف على التعلُّم والتعليم ، وقد ثاروا على هذه الحياة وإغراءاتها ، وانحسرتْ عنهم موجاتُ الغنى والترف ، وارتدتْ عنهم خائبةً حسيرة ، وكأنَّها لم تجد إلى قلوبهم سبيلاً ، وقد شُغلوا - كالحسن البصري من قبل - بالمحافظة على رُوح هذه الأمة وصِلتِها بالله ، ١١٦ الجهود الإصلاحية في القرن الثاني ، الحسن البصري وبالمحافظة على منافع الحياة الإسلامية ((القرآن والحديث)) وأخفقت الحكومات في أن تشتري ضمائرهم ، أو تَشغلهم عن عملهم. وكانوا جُزُراً بشرية في بحر المادية المائج ، يَأوي إليها الغرقى ومن انكسرت سفينتُه ، وقد أقاموا بجنْب الحياة المترفة في بغداد ، حياةً زاهدة تقوم على الإيمان وتقديرِ القِيَم الروحية والخلقية ، تفوق - في سلطانها على القلوب ، وفي سعتها أحياناً - الحياةَ المادية ، فإن كان الخلفاء وأمراؤهم يحكُّمون الأجسام فقد كان هؤلاء يحكمون القلوبَ والعقول ، فإذا وقع صراعٌ بين هؤلاء وأولئك كان الانتصار في كثير من الأحيان للآخرين ، ويخضعُ سلطان السياسة لسلطان العقيدة ، ويتضاءلُ الخليفة والأمير إمام عالمٍ كبير أو محدِّثٍ جلیل. وقد حكى ابن خلِّكان قصةً تدل على سلطان رجال العلم والدين في هذا العصر. قال: ((قَدم هارون الرشيد الرقةَ، فانجفل الناس خَلْفَ عبد الله بن المبارك ، وتقطّعت النعال ، وارتفعتِ الغبرةُ فأشرفت أمُّ ولد أمير المؤمنين من برج الخشب ، فلما رَأت الناس قالت: ما هذا؟ قالوا: عالم أهل خراسان قدم الرِّقة يقال له عبد الله بن المبارك، فقالت: هذا والله المُلك ، لا ملك هارون الذي لا يجمع الناس إلا بشُرَطٍ وأعوان!))(١). وقد ظهَرتْ هذه الحياةُ الدينية التي يسود فيها الإيمان والتقوى والانقطاع إلى العلم والزهد بوضوح في بغداد؛ فكانت بغدادُ منتجعاً لرواد العلم والدين ، ولأصحاب الإيمان واليقين ، وللدعاة إلى الله؛ فقد قصدوها من كلِّ جانب ، وألقوا فيها عصا التِّسيار ، واتخذوها مركز نشاطهم ودعوتهم؛ لأنّها مركزٌ الأعصاب في جسم العالم الإسلامي وقلبُه النابض ، فإذا تأثرت بالدعوة فقد تأثر العالم الإسلامي ، وإذا صلح القلب صلح الجسدُ كله؛ لذلك نرى فيها أئمة الفنون وكبار الدُّعاة وأعلام الزهاد ، حتى إنَّ الذي يطالع كُتب الطبقات (١) وفيات الأعيان: ج٢، ص ٢٣٨، ترجمة عبد الله بن المبارك. ١١٧ الجهود الإصلاحية في القرن الثاني ، الحسن البصري والتراجم يتَخيل أن بغداد هي مدرسةٌ للحديث ، أو مسجد للوعظ والتذكير ، أو مركزٌ للتزكية والتربية ، لا يسمع فيها إلا درساً يُقرأ، وقرآناً يُتلى، وحديثاً يُروى ، وقلباً عليلاً يُداوى فيُشفى ، ويرى فيها دولة للعلم والدين لا تَقِلُّ في سلطانها وسعتها عن خلافة العباسيين . وقد كان للعلماء الأعلام وبعضٍ الزُّهاد المحدِّثين مواقفُ مجيدةٌ أمام الخلفاء أدّوا فيها حق النصيحة، وحذروهم من سَطْوة الله، وتبرَّؤوا من هذا الجَوْر الفاشي ، والظلم القاسي ، كالذي كان من الأوزاعي(١)، وسفيان الثوري(٢) عند المنصور ، وصالح بنِ عبد الجليل(٣) بين يدي المهدي ، وابنٍ السَّماك عند الرشيد(٤)، وإليكم بعض الأمثلة لهذه الشجاعة وقوة الإيمان والصراحة في قول الحق: ((عن الفَضل بن الرَّبيع قال: حَجَّ أمير المؤمنين الرشيد ، فأتاني ، فخرجت مُسرعاً ، فقلتُ: يا أمير المؤمنين لو أرسلت إليَّ أتيتك؛ فقال: ويحك قد حَاك في نفسي شيءٌ، فانظر لي رجلاً أسأله ، فقلتُ: هنا سفيان بن عيينة، فقال: امضٍ بنا إليه، فأتيناه، فقرعتُ الباب ، فقال: من ذا؟ فقلت: أجب أمير المؤمنين ، فخرجَ مسرعاً ، فقال: يا أمير المؤمنين لو أرسلتَ إليَّ أتيتُك؟ فقال له: خُذ لما جئناك له رحمك الله فحدَّثه ساعة ثم قال له: عليك دين؟ قال: نعم ، فقال: أبا عباس ، اقضٍ دينه. فلمَّا خرجنا قال: ما أغنى عني صاحبُك شيئاً، انظر لي رجلاً أسأله، فقلتُ له: هاهنا عبد الرزَّاق بن همام ، قال: امضٍ بنا إليه ، فأتيناه فقرعت الباب ، فقال: من هذا؟ قلت: أجبْ أمير المؤمنين ، فخرج مسرعاً، فقال: يا أمير المؤمنين ، لو أرسلتَ إلي أتيتُكَ؛ قال: خذ لما جئناك له، فحادثَه ساعة ثم قال (١) انظر: العقد الفريد: لابن عبد ربه: ج٣، ص ١٦٢ . (٢) المصدر السابق: ص ٦٥ . (٣) المصدر السابق: ص ١٥٨. (٤) المصدر السابق: ص ١٦٤ . ١١٨ الجهود الإصلاحية في القرن الثاني ، الحسن البصري له: علیك دین؟ قال: نعم، قال: أبا عباس اقض دينه . فلما خرجنا قال: ما أغنى عنِّي صاحبك شيئاً ، انظر لي رجلاً أسأله؛ قلت: هاهنا الفضيلُ بن عياض ، قال: امض بنا إليه. فأتيناه فإذا هو قائم يُصلي يتلو آية من القرآن يردِّدها، فقال: اقرع الباب فقرعتُ البابَ، فقال: من هذا؟ فقلت: أجب أمير المؤمنين ، فقال: ما لي ولأمير المؤمنين؟! فقلتُ: سبحان الله! أما عليكَ طاعة؟ أليس قد روي عن النبي ◌َّ أنه قال: ((ليس للمؤمن أن يُذِلَّ نفسَه))!(١) فنزلَ ، ففتح الباب ، ثم ارتقى إلى الغرفة فأطفأ المصباح ، ثم التجأ إلى زاوية من زوايا البيت ، فدخلنا ، فجعلنا نَجُول عليه بأيدينا ، فسبقتْ كفُّ هارون قبلي إليه ، فقال: يا لها من كفِّ ما ألينها إنْ نجت غداً من عذاب الله عز وجل! فقلتُ في نفسي: ليُكلِّمَنْهُ اليوم بكلامٍ نَقيٌّ من قلب تَقيِّ ، فقال له: خُذ لما جئناك له رحمك الله ، فقال: إن عمر بن عبد العزيز لما وَلي الخلافة ، دعا سالم بن عبد الله ، ومحمدَ بنَ كعب القُرظي ، ورجاءَ بن حَيَوة ، فقال لهم: إني قد ابتليتُ بهذا البلاء فأشيروا عليَّ، فعَدَّ الخلافة بلاء ، وعددَتها أنت وأصحابك نعمة . فقال له سالم بنُ عبد الله: إن أردتَ النجاة غداً من عذاب الله فصُمٍ عن الدنيا ، وليَكُنْ إفطارك من الموت !. وقال له محمدُ بن كعب القُرَظي: إن أردتَ النجاة من عذاب الله ، فليكن كبيرُ المسلمين عندك أباً ، وأوسطهم عندك أخاً ، وأصغرهم عندك ولداً ، فوقر أباك ، وأكرم أخاك ، وتحنّنْ على ولدك. وقال له رجاء بن حَيّوة: إن أردتَ النجاة غداً من عذاب الله عز وجل فأحبَّ للمسلمين ما تُحب لنفسك، واكرة لهم ما تكْرهُ لنفسك ، ثم مت إذا شئت. وإنِّي أقول لك: إني أخافُ عليك أشدَّ الخوف يوماً تَزل فيه الأقدام؛ فهل (١) [أخرجه أبو يعلى في المسند (٥٣٦/٢) برقم (١٤١١) عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، والبزار في المسند (٢١٨/٧) برقم (٢٧٩٠) عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه]. ١١٩ الجهود الإصلاحية فى القرن الثانى ، الحسن البصري معك - رحمك الله - من يُشير عليك بمثل هذا؟ فبكى هارون بكاء شديداً حتى غشي عليه ، فقلت له: ارفق بأمير المؤمنين ، فقال: يابنَ أَمّ الربيع تقتله أنت وأصحابك وأَرفقُ به أنا!؟ ثم أفاق، فقال له: زِدْني رحمك الله. فقال: يا أمير المؤمنين بلغني أنَّ عاملاً لعمر بن عبد العزيز شكي إليه؛ فكتب إليه عمر: يا أخي أُذكِّرك طولَ سهرٍ أهل النار في النار مع خلود الأبد ، وإياك أن يُنصرف بك من عند الله؛ فيكون آخر العهد وانقطاع الرجاء قال: فلما قرأ الكتاب ، طوى البلاد حتى قدم على عمر بن عبد العزيز فقال له: ما أقدمك؟ قال: خلعتَ قلبي بكتابك ، لا أعود إلى ولايةٍ أبداً حتى ألقى اللهَ عزَّ وجلَّ. قال: فبكى (هارون) بكاء شديداً ثم قال له: زدني رحمك الله فقال: يا أمير المؤمنين إن العبَّاس عمَّ المصطفى وَّ جاء إلى النبي ◌َّ فقال: يا رسول الله أَمِّزْني على إمارة، فقال له النبي ◌َّ: ((إنَّ الإمارة حسرةٌ ونَدامةٌ يوم القيامة فإن استطعت ألا تكون أميراً فافعل)) (١). فبكى (هارون) بكاءً شديداً وقال له: زدني رحمك الله. فقال: يا حسن الوجه؛ أنت الذي يسألك الله عز وجل عن هذا الخلق يوم القيامة؛ فإن استطعت أن تَقي هذا الوجه من النار فافعل ، وإياك أن تصبح وتمسي وفي قلبك غشٍّ لأحدٍ من رعيتك؛ فإن النبي ◌َّ قال: ((من أصبح لهم غاشاً لم يَرَحْ(٢) رائحة الجنة))(٣). فبكى هارون وقال له: عليك دَینٌ؟ (١) [أخرجه ابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (٤٣٩/٤٨)، وذكره ابن الجوزي في ((صفوة الصفوة» (٢٤٥/٢)]. (٢) لم يَّرَحْ رائحة الجنة: لم يَشُمَّ ريحها. (٣) [أخرجه أبو نعيم في الحلية (١٠٧/٨)، وابنُ عساكر في تاريخه (٤٣٩/٤٨)]. ١٢٠ الجهود الإصلاحية في القرن الثاني ، الحسن البصري قال: نعم دَينٌ لَرَبي يحاسبني عليه؛ فالويل لي إن سألني ، والويل لي إن ناقشَني ، والويل لي إن لمْ أُلهمْ حُجَّتِي. قال: إنما أعني دين العباد. قال: إنَّ ربي لم يأمرني بهذا، أمر ربي أن أُوحِّدَه وأطيع أمره ، فقال عز جَ مَا أُرِدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَآ أُرِيدُ أَن وجل: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنِسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ يُطْعِمُونِ ﴿ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَنِينُ﴾ [الذاريات: ٥٦ -٥٨]. فقال له: هذه ألف دينار ، خذها فأنْفِقها على عيالك ، وتَقوَّ بها على عبادتك. فقال: سبحان الله ، أنا أدلُّك على طَريقِ النجاة وأنت تكافئُني بمثل هذا؟ سلَّمك الله ووفقك. ثم صمتَ فلم يكلمنا؛ فخرجنا من عنده ، فلما صِرنا على الباب قال هارون: أبا عباس إذا دَلَلْتَني على رجل فدُلِّني على مثل هذا، هذا سيد المسلمين. فدخلتْ عليه امرأةٌ من نسائه، فقالت: يا هذا قد ترى ما نحن فيه من ضِيق الحال ، فلو قبلتَ هذا المال فتفرِّجُنا به؛ فقال لها: مَثلي ومَثلُكم كمَثلٍ قومٍ كان لهم بَعيِرٌ يأكلون من كَسْبه؛ فلما كبر نحروه فأكلوا لحمَه ، فلما سمع هارون هذا الكلام ، قال: تَدخلُ ، فعسى أن يقبل المال ، فلما علم الفضيل ، خرجٍ فجلس في السطح على باب الغُرفة ، فجاء (هارون) فجلس إلى جنبه ، فجعل يكلمه فلا يجيبه ، فبينا نحن كذلك ، إذ خرجت جاريةٌ سوداء فقالت: يا هذا قد آذيتَ الشيخ منذ الليلة، فانصرف رحمك الله فانصرفْنا)) (١). وقد كان مِن بعض هؤلاء استعراضٌ لنظام الحكم ، ووصفٌ دقيقٌ للجهاز (١) صفة الصفوة: ج٢، ذكر فضيل بن عياض التميمي، ص ١٣٧، ١٣٨، ١٣٩.