Indexed OCR Text

Pages 81-100

٨١
جهود الإصلاح والتجديد في القرن الأول، عمر بن عبد العزيز
وأعمقه في حياة المسلمين ، ولا يزال المسلمون في أنحاء العالم مَدِينين لها في
حياتهم الدينية ، فقد أقبل إلى تدوين العلوم الإسلامية التي هي من منابع الحياة
في المسلمين، وقد تعرَّضتْ للضَّياع ، لانصراف الناس إلى السياسة والإدارة
والحروب ، وأولُ ما عني به عمر بعدما تقلد الخلافة ، هو علمُ الحديث، وقد
أراد الله أن يكون له فضيلة السَّبقِ في هذا الميدان ، كما كان لجدِّه العظيم
- عمر بن الخطاب - فضيلةُ السَّبْقِ لجمع القرآن، فإنَّه هو الذي أشار وألحَّ على
خليفة الرسول أبي بكر الصديق بجمعه.
وقد كتَبَ إلى أحد كبار علماء الحديث وأوعية العلم في عصره ، أبي بكر
ابن محمد بن حزم: ((انظر ما كان من حديث رسول الله ◌َّ فاكتبه فإنّي خفت
دُروس العلم وذهابَ العلماء))(١).
وأشار عليه بالعناية الخاصة بمجاميع عمرةَ ابنة عبد الرحمن الأنصارية ،
وقاسمٍ بنِ محمد بنِ أبي بكر ، لأهميَّتهَما.
ولم يكتفٍ - رحمه الله - بأبي بكر بن حزم ، بل كتب إلى عماله بالأقاليم:
((انظروا إلى حديث رسول الله تٌَّ فاجمعُوه))(٢).
ولم يكتفِ بالحثّ على ذلك ، بل سعى في تيسير هذه المهمة ، فأجرى
الرِّزقَ على العلماء ورتَّب لهم رواتب ليتوفروا على نشر العلم ، ويُكفوا مؤونة
الاكتساب .
قال محمدُ بن الحكم: ((وبعث عمر بن عبد العزيز يزيد بن أبي مالك
والحارث بن محمد إلى البادية أن يعلِّما الناس السنة ، وأجرى عليهم الرزق ،
فقبِلَ يزيد ولم يقبل الحارث ، وقال: ((ما كنت لآخذ على عِلْمِ علَّمنِيه الله
(١) [أخرجه البخاري في كتاب العلم برقم (٩٨)، والدارمي في السنن (١٣٧/١) برقم
(٤٨٧)، وابن أبي عاصم في السنة (٣١/١) برقم (٩٦)].
(٢) تاريخ أصبهان: لأبي نعيم.

٨٢
جهود الإصلاح والتجديد في القرن الأول، عمر بن عبد العزيز
أجراً ، فذُكر ذلك لعمر بن عبد العزيز فقال: ما نَعلمُ بما صنع يزيد بأساً ،
وأكثر اللهُ فينا مثلَ الحارث))(١).
وكان عمرُ من العلماء الراسخين الربانيين ، ولولا الخلافةُ وتكاليفها لكان
من العلماء المعدودين ، ومن الفقهاء المشهورين.
قال الذهبيُ في ((تذكرة الحفاظ)): ((كان يُقرنُ بالزّهري في عِلْمِهِ)) (٢)، وقال
مجاهد: ((أتيناه لِنُعلِّمه فما بَرِحنا حتى تعلَّمنا منه))(٣).
وقد حدَّث عنه الزهريُّ وأبو بكر بنُ حزمٍ وأبو سلَمَة بنُ عبد الرحمن ، وله
مُسنَدٌ مطبوع (٤).
وكان حريصاً على نشر العلم الصحيح والسنن النبوية ، إلا أن الخلافة
وأعباءها لم تُمهله.
وقد كتب في أوائل خلافته إلى عديٍّ بنِ عدي: ((إنَّ للإِيمان فرائضَ وشرائع
وحدوداً وسنناً ، فمن استكملها استكمل الإيمان ، ومن لم يستكمِلْها لم
يستكمل الإيمان ، فإن أَعِشْ فسأُبيِّنها لكم حتى تعملوا بها ، وإنْ أَمُتْ فما أنا
على صُحبتكم بحريص))(٥) .
نماذجُ من رسائِله تدلُّ على فكرته ونَفْسِيَّتِه:
ولا أدلّ على فكرتِه الإسلامية الأصيلة وروحه الإيمانية القوية من رسائله
(١) سيرة عمر بن عبد العزيز: ص ١٦٧ .
(٢)
تذكرة الحفاظ : ص١٠٦ .
(٣) المصدر السابق: ص ١٠٦ .
(٤) [هو ((مسند أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه)) لمحمَّد بن محمد
ابن سليمان أبي بكر الأزدي الواسطي المعروف بابن الباغَنْدِي ، وقد طُبع بتحقيق وشرح
الشيخ محمد عوَّامة].
(٥) [أخرجه البخاري في كتاب الإيمان، باب قول النبي ◌َّير: (بُني الإسلام على خمس))،
وابن أبي شيبة في المصنف (١٧٢/٦) برقم (٣٠٤٤٤)، والبيهقي في الشعب (٧٨/١)
برقم (٥٩)].

٨٣
جهود الإصلاح والتجديد في القرن الأول، عمر بن عبد العزيز
وكُتبه التي وجَّهها إلى عُمّاله وأمراء أجناده ، وهي رسائل لا يجد فيها المدقِّقُ
مأخذاً جاهلياً وظلا من ظلال البيئة التي نشأ فيها ، يشعر فيها القارىء كأنه خُلق
في الخلافة خلقاً جديداً ، وكأنَّ الُوحِ الإِسلامية تتكلمُ على لسانه وتَفيضُ من
قلمه .
منها رسالتهُ التي كتبها إلى عامله الضَّخَّاكِ بن عبد الرحمن ، وقد بلغه أن
بعض أهل البادية وممن تقلَّدوا الإمارة حديثاً يتحاربون إلى بعض القبائل العربية
- شأنهم في الجاهلية - ويزعمون أنهم ولاةٌ على من سواهم ، ولما كان في
ذلك إحياءٌ للنَّعرة الجاهلية والحَمِيَّة الجاهلية ، وخروجٌ على الوحدة الدينية
والأخوّة الإسلامية التي أبدَلها الله بها العرب ، شقَّ ذلك على عمر بن عبد
العزيز وأهمَّه ، ولوكان من سبقه من الخلفاء من أُسرته تشاغل عنه أو استغلَّه
لمصالح دولته ، ولكن عمر لم يسعْهُ السكوت عليه ، وكتب هذه الرسالة
البليغة :
((أمَّا بعد فإنَّ اللهَ جعل الإسلام الذي رضي به لنفسه ومن كَرُم عليه من
خلقه ، لا يقبلُ ديناً غيره ، كرمه بما أنزل من كتابه الذي فرّق بين الإسلام
وبين ما سواه ، فقال: ﴿قَدْ جَآءَ كُمْ رَسُولُنَا يُبَيٌِّ لَكُمْ كَثِيرًا مِّمَا
كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَبِ وَيَعْفُواْ عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَآءُ كُمْ مِنَ اللَّهِ
يَهْدِى بِهِ اَللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَّمِ
١٥
نُورٌ وَكِتَبُ تُبِیٌ
وَيُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ، وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ
مُسْتَقِيمٍ﴾ [المائدة: ١٥ -١٦]، وقال: ﴿ وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَّ وَمَآ أَرْسَلْنَكَ إِلَّا
[الإسراء: ١٠٥]. فبعَثَ الله محمداً بَ لوحين بعثه، وأنزل عليه
مُبَشِرًا وَنَذِيرًا ﴾
الكتاب حين أنزله ، وأنتم معشرَ العرب فيما قد علمتُم من الضَّلالة والجَهالة
والجَهد وضنك العيش وتفرّق الدار ، والفِتَن بينكم عامةٌ ، والناس لكم
حاقدون مستأثرون علیکم بالدِّين.
وليس مِن ضلالتهم من شيء إلا وأنتم على مثله؛ من عاش منكم عاش فيما
ذكرتُ من الجهل والضَّلالة ، ومن مات منكم مات إلى النار ، حتى أخذ اللهُ

٨٤
جهود الإصلاح والتجديد فى القرن الأول ، عمر بن عبد العزيز
بنواصيكم عما كُنتم فيه من عبادة الأوثان والتقاطع والتدابُر وسُوء ذات البَيْن ،
فأنكرَ مُنكركم ، وكذَّب مكذُّبِكُم ، ونبيُ الله عليه السلام يدعو إلى كتاب الله
وإلى الإسلام.
ثم أسلَمَ معه قليلٌ مستضعَفون في الأرض ، يخافون أن يتخطَّفهم الناسُ
فآواهُم وأيَّدهُم بنصره ، ورزقَهم الله من أَذن له بالإِسلام والدنيا مقبوضةٌ عنه ،
والله مُنجِزٌ لرسوله موعودَه الذي ليس له خُلْفٌ ، فيراه من يراه بعيداً إلّ قليلاً من
المؤمنين فقال: ﴿هُوَ الَّذِىّ أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لُِظْهِرَهُ عَلَىَ الدِّينِ
كُلِّهِ، وَلَوْ كَرِهَ اَلْمُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣٣]. وقال في بعض ما يَعِدُه المسلمين
أن قال: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنْكُمْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا
أُسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِىِ ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَهُمُ مِنْ بَعْدِ
خَوْفِهِمْ أَمْنَّا يَعْبُدُ ونَفِى لَا يُشْرِكُونَ بِ شَيْئًا﴾ [النور: ٥٥]. فأنجز الله نبيّه عليه السلام
وأهلَ الإِسلام موعودَهُم الذي وعدهم.
فلم يُعطِكم يا أهل الإسلام ما أعطاكم من ذلك إلا بهذا الذي تَفلجون(١) به
على خَصْمِكم ، وبِهِ تقومون شهداء يوم القيامة ، ليس لكم نجاةٌ غيره ،
ولا حجةٌ ولا حِرِزٌ ولا منَعةٌ في الدنيا والآخرة.
فإذا أعطاكم الله منه أحسنَ يوم وُعدتموه فارجوا ثواب الله فيما بعد الموت ،
فإنَّ الله قال: ﴿تِلْكَ الذَّارُ الْآَخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِ الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَقِبَةُ
لِلْمُتَّقِينَ ﴾ [القصص
وإنَّي أُحذّركم هذا القرآن وتِباعته ، فإن تباعته وشروطه قد أصابكم منها
أيُّها الأمة وقائعُ من هراقة دماءٍ ، وخرَاب ديار ، وتَفَرُّق جماعات ، فانظروا
ما زَجرَكُم الله عنه في كتابه فازدجروا عنه ، فإن أحقَّ ما خِيف وعيدُ الله بقولٍ أو
بعملٍ أو غير ذلك ، فإن كان بقول في أمر الله فنعمَّا له ، وإن كان بقولٍ في غير
ذلك فإنما يُفضي إلى سبيل هَلَكةٍ.
(١) في مخطوطة ((ب)) ((تفلحون)) ولعلَّ ما هنا أصوب [هذا التعليق من أحمد عبيد].

٨٥
جهود الإصلاح والتجديد في القرن الأول، عمر بن عبد العزيز
ثم إنَّ ما هاجني على كتابي هذا أمرٌ ذُكر لي عن رجال من أهل البادية ،
ورجال أُمِّروا حديثاً، ظاهرٌ جفاؤهم ، قليلٌ عملهم بأمر الله ، اغتُوا فيه بالله
غَّة عظيمة ونسوا فيه بلاءه نسياناً عظيماً ، وغيروا فيه نعمه تغييراً لم يكن يصلح
لهم أن يبلغوه.
وذُكِر لي أنَّ رجالاً من أولئك يتحاربون إلى مضر وإلى اليمن ، يزعمون
أنهم ولاة على سواهم ، وسبحان الله وبحمده ما أبعدهم مِنْ شُكرِ نعمة الله ،
وأقربهم من كل مهلكة ومَذلة وصغر ، قاتلهم اللهُ أيََّ منزلةً نزلَوا ، ومن أي أمانٍ
خرجوا ، أو بأي أمر لصقوا.
ولكن قد عرفتَ أن الشقيَّ بِنِيَّتِهِ يشقى ، وأن النار لم تُخلق باطِلاً ، أوَ لَمْ
يسمعوا قول الله في كتابه: ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَ أَخْوَيَّكُمْ وَأَتَّقُواْ اللَّهَ
لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الحجرات: ١٠]. وقوله: ﴿اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْهُمْتُ عَلَيْكُمْ
نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَمَ دِينًا ﴾
[المائدة: ٣] .
وقد ذُكِر لي مع ذلك أن رجالاً يتداعون إلى الحلف ، وقد نهى رسول الله
وٍَّ عن الحِلف وقال: ((لا حِلْفَ في الإِسلام)) (١) قال - وما كان مِنْ حِلْفٍ في
الجاهلية فلم يَزِدهُ الإسلامُ إلا شِدَّة - فكان يرجو أحدٌ من الفريقين حفظ حِلفه
الفاجر الآثم الذي فيه معصيةُ الله ومعصيةُ رسوله ، وقد ترك الإسلام حين انخلعَ
منه .
وأنا أخُذَّرُ كل من سمع كتابي هذا ومن بلغه ، أن يتَّخذَ غير الإسلام حِصناً ،
أو دُونَ الله ودون رسوله ودون المؤمنين وليجةً ، تحذيراً بعد تحذير ،
(١) [أخرجه البخاري في كتاب الكفالة، باب قول الله عزَّ وجلَّ ﴿وَأَلَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَنُكُمْ
فَقَاتُوُهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ [النساء: ٣٣] برقم (٢٢٩٤)، ومسلم في كتاب فضائل الصحابة ،
باب مؤاخاة النبي ◌َالتر بين أصحابه ... برقم (٢٥٢٩)، والبيهقي في السنن (٢٦٢/٦)
برقم (١٢٣٠٣) وغيرهم من حديث عاصم الأحول، وروي نحوه عن جُبير بن مطعم
رضي الله عنه أيضاً].

٨٦
جهود الإصلاح والتجديد في القرن الأول، عمر بن عبد العزيز
وأذَكِّرهم تذكيراً بعد تذكير ، وأُشهد عليهم الذي هو آخذٌ بناصيةِ كلِّ دَابَّة ،
والذي هو أقرب إلى كلِّ عبد من حبل الوريد.
وإِنِّي لم آلكم بالذي كتبتُ به إليكم نصحاً ، مع أني لوأعلم أحداً من الناس
يُحرك شيئاً ليؤخذَ له به أو ليدفع عنه أحرصُ - والله المستعان - على مذلَّته من
كان؛ رجلاً ، أو عشيرة ، أو قبيلة ، أو أكثر من ذلك ، فادع إلى نصيحتي
وما تقدمت إليكم به ، فإنَّه هو الرشدُ ليس له خفاء ، ثم ليكون أهل البر وأهل
الإِيمان عوناً بألسنتهم ، وإن كثيراً من الناس لا يعلمون. نسأل الله أن يخلُفَ
فيما بيننا بخير خلافة في ديننا وأُلفتنا وذاتٍ بيننا، والسلام))(١).
وكذلك رسالته التي وجّهها إلى منصور بنٍ غالب حين بعثه على قتال أهل
الحرب ، وفيها يتجلَّى إيمانه القوي بأن النصر من عند الله ، وأن فضل هذه
الأمة على مَن سواها وميزتها ، في صِلتها الصادقة بالله ، والاحتراس من
المعاصي والتَّفوق في الطاعة ، وهذا هو الفهم الإسلامي الذي كان طابع
الصحابة وشعارهم.
ويظهَر في هذه الرسالة رِفقُه بالمسلمين وحُنوُّه عليهم حُنُوَّ الأمهات
والآباء ، وكذلك اهتمامُه بأهل الصلح وأهل الذمة والحضُّ على مصالحهم ،
وهذا مَثَلُ الخليفة الراشد ، يقول رحمه الله :
((هذا ما عَهِدَ به عبد الله عمر أميرُ المؤمنين ، إلى منصور بن غالب حين بعثه
إلى قتال أهل الحرب ، وحربه من استعرضَ من أهل الصُّلحَ ، آمُرُه في ذلك
بتقوى الله على كل حال نزل به من أمرِ الله ، فإن تقوى الله من أفضل العُدَّة ،
وأبلغ المكيدة ، وأقوى القوة.
وآمُرُه ألَّ يكون من شيءٍ من عدوه أشدَّ احتراساً منه لنفسه ومَنْ معه من
معاصي الله ، فإن الذنوب أخوفُ عندي على الناس من مكيدةٍ عدوهم ، وإنما
نُعادي عدُوَّنا ونُنصرُ عليهم بمعصيتهم ، ولولا ذلك لم يكن لنا قوةٌ بهم ، لأن
(١) سيرة عمر بن عبد العزيز: لابن عبد الحكم ص ١٠٣ وما بعدها.

٨٧
جهود الإصلاح والتجديد في القرن الأول ، عمر بن عبد العزيز
عددَنا ليس كعددهم ، ولا عُدتنا كعُدَّتهم ، فلو استوينا نحن وهم في المعصية
كانوا أفضل منا ، في القُوة والعدد ، فإن لا ننصر عليهم بحقّنا لا نغلبهم بقوَّتنا.
ولا تكونوا لعداوةٍ أحدٍ من الناس أحذرَ منكم لذنوبكم ، ولا تكونوا بالقدرة
لكم أشد تعاهداً منکم لذنوبکم.
واعْلموا أنَّ معكم من الله حفظةً عليكم ، يعلمون ما تفعلون في مسيركم
ومنزلكم ، فاستحيوا منهم ، وأحسنوا صحابتهم ، ولا تُؤْذوهمٍ بمعاصي الله
وأنتم زعمتم في سبيل الله ، ولا تقولوا إنَّ عدونا شرٌّ منا فلن يُسلَّطُوا علينا وإن
أذنبنا ، فُرُبَّ قوم قد سُلُّطَ عليهم شرٌّ منهم بذنوبهم، فاسألوا اللهَ العونَ على
أنفسكم، كما تسألونه النصر على عدوٍّكم ، أسألُ الله ذلك لنا ولكم.
وآمُره أن يرفَق بمَن معه في سفرهم ، ولا يُجِّمهم مسيراً يُتَعِبُهم فيه ،
ولا يُقصّر بهم عن منزل يرفق بهم حتى يلقوا عدؤَّهم، والسفرُ لم ينقص
قوَّتهم ، فإنما يسيرون إلى عدوٍّ مقيم جامِّ الأهبةِ والكُراع ، فإن لا يرفقوا
بأنفسهم وكراعهِم في مسيرهم يكنْ لعدوهم فضلٌ في القوة عليهم بإقامتهم في
جِمام الأنفس والكراع ، والله المُستعان.
وآمرُه أن يُقيم ومَن معه في كل جمعة يوماً وليلة يكون لهم راحة يجمعون(١)
فيها أنفسهم وكراعهم ، ويَرمون أسلحتهم وأمتعتهم.
وآمرُه أن يُنجِّي منزلَه عن قُرى الصلح ، فلا يدخلها أحدٌ من أصحابه
لسُوقهم وجماعتهم إلا من يثقُ بدينه وأمانته على نفسه ، ولا يصيبوا منها ظلماً.
ولا يتزوَّدوا منها إثماً ولا يؤذوا أحداً من أهلها بشيء إلا لحق؛ فإنَّ لهم حرمة
وذمة ابتليتُم بالوفاء بها كما ابتُلوا بالصبر عليها ، فما صبروا لكم فَقُوا لهم.
ولا تستنصروا على أهل أرض الحرب بظلم أهل (أرضٍ) الصُّلح، فلَعمري
لقد أعطيتم مما يحلُّ منهم ما يُغنيكم عنهم ، فلم أترك لكم خللاً في العدة ،
(١) [في مخطوطة ش ود وابن الجوزي والحلية: يُجِتُّونَ].

٨٨
جهود الإصلاح والتجديد فى القرن الأول، عمر بن عبد العزيز
ولا رِقة في القوة فتظاهرت واكتفتْ لكم العُدد ، وانتخبتُ لكم الجُند ،
وأَغنيتك بأرض الشرك عن أرض الصلح. وبسطتُ لك أفضلَ ما بسطتُ لغازٍ ،
فلم أجعل لك عِلَّة في التقوية ، وبِالله الثُّقة ، ولا حول ولا قوَّة إلا بالله.
وآمُرُه أن تكون عيونُه من العرب ، وممنْ يطمئن إلى نصيحته وصدقه من
أهل الأرض ، فإن الكَذوب لا ينفعُ خبره وإن صدق في بعضه ، وإنَّ الغاشَّ
عينٌ عليك وليس بعَين لك، والسلام عليك))(١).
تأثيرُ إصلاحاته في الدَّولةِ والمجتمع:
إنَّ هذه الإصلاحات التي قام بها عمر بن عبد العزيز في عهده ، وإن هذه
الخطواتِ الجريئة التي خطاها في سبيل إصلاح نظام الحكم وتطبيق الشريعة
على الحكومة كان يُخشى أن تُسبب الأزماتِ المالية والخسائر الفادحة ، وأن
تقع الدولة في مشاكل جديدة لا تجدُ لها حلاّ، وهذه حجة الثائرين على الدين
والمعارضين لتطبيق الأحكام الإسلامية على النُّظُمِ والحكومات ، والدعاة إلى
فصل الدين عن السياسة في كل زمان ، وكان عمرُ بن عبد العزيز مستعدًّاً ليُواجه
هذه الأزماتِ في شجاعة ، وقد كتب إلى عامله الذي تخوّف من سوء عاقبة فُشُوِّ
الإِسلام في أهل الذمة أنه يَسرّه أن يَحرُث الأرض ويأكلَ مِن عمل يده إذا أسلم
أهل الذّمة كلّهم فتنقطع الجزية وتعجزَ مالية الدولة من كفالته(٢).
ولكنَّ هذه الأزماتِ لمْ تقعْ ، وفُوجىء الناس أن الرَّفاهية قد عمَّت ومالية
الدولة قد قويت ، واطمأنَّ الناس في كلّ رقعة من رقع هذه المملكة الواسعة ،
حتى عزَّ وُجود من يستحقُّ الزكاة ويقبلها ، وأصبحت هذه مشكلةً للأغنياء
وأصحابٍ الأموال تطلب حلًّ سريعاً.
قال يحيى بن سعيد: ((بعثني عمرُ بن عبد العزيز على صدقات إفريقية
فاقتضيتُها ، وطلبتُ فقراء نعطيها لهم فلم نجد بها فقيراً ، ولم نجد من يأخذُها
(١) سيرة عمر بن عبد العزيز: لابن عبد الحكم ص: ٨٤ وما بعدها.
(٢) مناقب عمر بن عبد العزيز: طبع أوربة: ص: ٦٣.

٨٩
جهود الإصلاح والتجديد في القرن الأول، عمر بن عبد العزيز
مني ، قد أغنى عمر بن عبد العزيز الناسَ ، فاشتريت بها رقاباً فأعتقتُهم ،
وولاؤُهم للمسلمين)) (١) .
وقال رجلٌ مِن ولد زيدٍ بنِ الخطاب: ((إنما وَليَ عمر بن عبد العزيز
سنتين ونصفَاً ، فذلك ثلاثون شهراً ، فما مات حتى جعل الرجلُ يأتينا بالمال
العظيم فيقول: اجعلوا هذا حيث ترون في الفقراء ، فما يبرحُ بماله يتذكر من
يضعه فيهم فما يجده، فيرجعُ بماله. قد أغنى عمرُ بن عبد العزيز
الناسَ))(٢).
ولا تزالُ خلافةُ عمر بن عبد العزيز حُجَّةً تاريخيةً على من لا يزال يردِّد
ترديد الببغاء للكلمات والأصوات: إن الدولة التي تقوم على الأحكام الإسلامية
والشريعة عرضةٌ للمشاكل والأزمات وعرضةٌ للانهيار في كل ساعة ، وأنها
ليست إلاحُلُماً من الأحلام. ولا يزال هذا التاريخ يتحدَّى هؤلاء ، ويقول لهم:
﴿ قُلْ هَاتُواْ بُهَنَكُمْ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ﴾ [البقرة: ١١١].
إنَّ هذه الفوائد المادية والرفاهية العامة من بركات الحكومة الإسلامية
الصحيحة ، ومن نتائجها الطبيعية ، وهي فائدةٌ لا يُستهان بقيمتها.
ولكنَّ الفائدة الكبرى التي جرت على يد عمر بن عبد العزيز والتي أَحرزته
مَنصبَ التجديد ، هي الاتجاهُ الجديد الذي اتّجهته الأمةُ والمجتمع الإسلامي
والتطوُّر الذي وقع في الأذواقِ والأخلاق والميول والرغبات في هذه المدَّة
القصيرة.
فقد حدَّثَ الطَّبريُّ في تاريخه عن عليٌّ قال: ((كان الوليد صاحب بناءٍ واتخاذ
المصانع والضياع ، وكان الناس يلتقون في زمانه فإنما يسأل بعضهم بعضاً عن
البناء والمصانع.
(١) سيرة عمر بن عبد العزيز: ص: ٦٩.
(٢) المصدر السابق: ص: ١٢٨.

٩٠
جهود الإصلاح والتجديد في القرن الأول ، عمر بن عبد العزيز
فولِّي سليمان فكان صاحب نكاح وطعام ، فكان الناس يَسأل بعضُهم بعضاً
عن التزويج والجواري.
فلمَّا ولي عمر بن عبد العزيز كانوا يلتقون فيقول الرجل للرجل: ما وراءكَ
الليلة ؟ وكم تحفظَ من القرآن ؟ ومتى تَختم ؟ ومتى ختمت ؟ وما تصوم من
الشَّهر؟))(١).
النقطة المركزية والأساسية في حَياة عمر بن عبد العزيز:
إنَّ ميزةَ عمرَ بنِ عبد العزيز ليست في الزهادة والتقشّف ، فقد يُشارِكه في
ذلك بعضُ المتطوِّعين ورجال الحركات والثورات السياسية - وإن كنت أشك
أنّ أحداً بلغ مبلغه في العزوف عن الشهوات والزهد في الحياة - ولكنَّ ميزته
الكبرى والسِّمة التي يتَّسِم بها هو أن الدافع إلى كل ذلك هو إيمانُه القويُّ
بالآخرة ، وخشية الله ، والشوق إلى الجنة ، فلم يَعِشْ هذه الحياة الزاهدة إلا
خوفاً لله وشوقاً إلى الجنة ، وإيثاراً للآخرة على الدنيا ، وإيماناً بقوله تعالى:
﴿ وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَىْ﴾ [القصص: ٦] وإيماناً بقوله: ﴿ وَإِنَ الدَّارَ الْآَخِرَةَ لَهِىَ
اُلْحَيَوَانُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٤] وتسليماً لقول رسول الله: ((اللّهم
لا عيشَ إلا عيش الآخِرة))(٢).
وهذا مفترقُ الطرق الذي يَنفصل منه زُمَّاد الإسلام عن السياسة ، وتلاميذ
الرسول عن تلاميذ المدرسة السياسية والاقتصادية ، وليس لِغير هذا الإِيمان
(١) تاريخ الأمم والملوك: لأبي جعفر محمد بن جرير الطبري: ج٣، ص ٩٨
(حوادث سنة ٩٦).
(٢) [أخرجه البخاري في كتاب الجهاد والسير، باب البيعة في الحرب برقم (٢٩٦١)،
والنسائي في السنن الكبرى (٨٥/٥) برقم (٨٣١٦)، والترمذي في أبواب المناقب ،
باب مناقب سهل بن سعد رضي الله عنه برقم (٣٨٥٧)، وأحمد في المسند (١٧٢/٣)
برقم (١٢٧٨٠) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه ، وقد روي بنحوه عن سهل بن
سعد رضي الله عنه أيضاً].

٩١
جهود الإصلاح والتجديد في القرن الأول، عمر بن عبد العزيز
القوي الذي امتاز به عمر بن عبد العزيز أن يحفظ إنساناً - في مثل شباب عمر بن
عبد العزيز وقوَّته وحُرِّيته وسلطانه - من إغراءات المادية القاهرة ومن تسويلاتٍ
الشيطان والنفس المغرية ، وتفرضُ عليه المحاسبةَ الدقيقة للنفس ، والاستقامة
على طريق الحق.
فقد رأينا في قادة الحركات السياسية الشعبية ، وفي رُؤساء الدول التي تقوم
على مبدأ الديمقراطية والاشتراكية والشيوعية ، كيف يتسلَّلون إلى أنواع التَّرَفِ
والبذخ ، وكيف يعيشون في القصور عَيْشَ الملوك ، وكيف يُبيحون لأنفسهم
التمتعَ بالملذات والامتيازات.
أمَّا عمر بن عبد العزيز فإذا نُصح في ذلك ، وأُشير عليه بالتوسع في المطعم
والملبس والتمتع ببعض ((حقوق)) الخلفاء قرأ قول الله تعالى: ﴿قُلّ إِنَّ أَخَافُ إِنْ
عَصَيْتُ رَبِى عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الأنعام: ١٥].
ولم يكن ذلك إلا لعلوِّ استعداده ومداركه ، ونتيجة الطموح الصادق الذي
تَتصفُ به النفس الكبيرة المؤمنة ، فإنه لم يزل يتدرَّج في المعالي حتى بلغ من
ذلك الغاية التي ليست وراءها غاية في هذه الحياة؛ فطمحت نفسه إلى غايةٍ
فوقها ، وتاقت إلى نعيمٍ لا يحول ، ومُلك لا يزول ، وقرّة عين لا تنقطع.
وكان شأنه في ذلك شأنَ يوسف الصديق إذ قال: ﴿﴿ رَبِّ قَدْ ءَاتَّيْتَنِ مِنَ الْمُلَّكِ
وَعَلَّمْتَنِ مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِّ فَاطِرَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَإِيّ، فِ الدُّنْيَا وَاَلْآَخِرَةِ تَوَفَِّى
مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِى بِالصَّلِحِينَ﴾ [يوسف: ١٠١] . يتجلَّى هذا في كلمته التي قالها
لمُزاحِمٍ مولاه: ((إنَّ لي نفساً تواقة، لم تَتُقْ إلى منزلةٍ إلا تاقتْ إلى ما هو أرفع
منها ، حتى بلغت اليوم المنزلة التي ليس بعدها منزلة ، وإنها اليومَ قد تاقتْ
إلى الجنة))(١).
وكان شديدَ الخوف لله ، سريعَ الدمعة ، غزيرَها ، دخل عليه رجلٌ وبينَ
يديه كانونٌ فيه نارٌ ، فقال: عِظْني.
(١) سيرة عمر بن عبد العزيز: ص: ٦١.

٩٢
جهود الإصلاح والتجديد في القرن الأول، عمر بن عبد العزيز
قال: يا أميرَ المؤمنين ، ما ينفعُك من دخل الجنة إذا دخلتَ أنت
النار؟ وما يضرُّك من دخل النار إذا دخلتَ أنت الجنة؟ قال: فبكى عمرُ حتى
أطفأ الكانون الذي بين يديه(١).
وقال يزيد بن حَوْشَب: ما رأيتُ أخوفَ من الحسن وعمر بن
عبد العزيز! كأنَّ النَّار لم تُخلقْ إلا لهما(٢).
وفَاةُ عمر بن عبد العزيز:
ولكنَّ هذه المدَّة التي كانت أشبهَ بفصل الربيع في عالم الدّين والأخلاق،
وفي تاريخ الإنسانية ، وكانت فَلْتةً من فَلَتاتِ الدهر لم تَطُل؛ فقد تُوفي عمرُ بنُ
عبد العزيز عام ١٠١ للهجرة بدّير سمعان ، وهو ابنُ تسع وثلاثين سنةً
. (٣)
وأشهُرٍ (٣).
وتدلُّ بعضُ القرائن على أنه سُمَّ؛ لأنه بمقدار ما سَعدت الأمة وسَعِد به
المجتمع الإسلامي ، شَقي بنو أمية ، أسرتُه التي كانت تنظر إلى الخلافة
كطُعمة أو مُلك شخصي ، ووقف عمر بن عبد العزيز حاجزاً بينهم وبين
شهواتهم وتصرُّفاتهم ، فكان ربحُ الإسلام فيه على حساب الأسرة الحاكمة؛
فلا غرابة إذا تخلّصوا منه ، وحرموا الإسلام من هذه الثروة الغالية.
إنَّ كلَّ ما تحدَّثنا عنه من مآثرَ جليلة ، وأعمال خالدة ، وإصلاحاتٍ واسعة
تتجمّلُ بها حياةٌ طويلة ، وعُمر عريض قد تمَّ في سنتين وخمسة أشهر؛ فكان
عمر بنُ عبد العزيز معجزة من معجزات الإِسلام ، وآيةً من آيات الله العظام في
جلالة عمله ، وضخامة إنتاجه ، وبُعد أثره ، وكان معجزةً؛ لأن كل ذلك قَد تمّ
في مُدة قصيرة لم تُعرف عن مصلح وعبقري وإداري.
(١) سيرة عمر بن عبد العزيز: ص: ١٠٨ - ١٠٩.
(٢) صفة الصفوة: لابن الجوزي: ج٣ ص١٥٦.
(٣) ابن سعد، ابن الأثير، ابن الجوزي.
:

٩٣
جهود الإصلاح والتجديد في القرن الأول، عمر بن عبد العزيز
سَنتان وبضعة أشهر يُحقِّقُ فيها ما لا تحقِّقه الحكومات والمنظَّمات في
عُقود من السنين ، ويُغيِّر اتجاه أمة ومجتمعٍ بأسره.
إنَّ هاتين السنتين لتَرجحان على الأعمار الطويلة ، وهذه الصفحات
المعدودة المشرقة لترجحُ على مكتبةٍ حافلة في تاريخ الإصلاح والإدارة
والسياسة.
يُسعدني - وأنا واقفٌ في دمشقَ - أن أُحِّي هذه الروحَ الطاهرة والشخصيةَ
الفريدة في بلده ، وأُعلِنَ أن هذا العصر ليس بأحوج إلى شيء منه إلى رجل من
طراز عمر بنِ عبد العزيز ، وقد خَلَتِ القرون والأجيال ولم يظهر مثله ولا يزال
التاريخ منشداً :
حَلَفَ الزَّمانُ لَيأْتِينَّ بِمِثْلِهِ حَنَثَتْ يمينُك - يا زمانٌ - فَكَفٍِّ

1

الجهود الإصلاحية في القرن الثاني
الحسن المصري وخلفاؤه
yOlo

.
.
.
.

٩٧
الجهود الإصلاحية في القرن الثاني ، الحسن البصري
المحاضرة الثالثة:
الجهود الإصلاحيّةُ في القرن الثاني
الحسنُ البَصْرِيُّ وَخُلفَاؤُه
الانحطاطُ الخُلُقِيُّ والإِيمانِيُّ في الأُمة:
عادتِ الخلافةُ - عقب وفاة عمرَ بنِ عبد العزيز - سيرتَها الأولى، وأَنْشَبتِ
الجاهليةُ أظفارها في المجتمع الإسلامي ، وكأنَّ الخلیفة بعده كان حريصاً على
أن يملأ هذا الفراغ الذي أحدثهُ عمر في اتجاه الخلافةِ المستمر ، وكذلك مَن
جاء بعده من الخلفاء.
لقد نشأَ الثَّرفُ في المجتمع الإسلامي - كما قدَّمنا - لعوامل سياسية
واجتماعية واقتصادية ، ونشأت طبقةُ المترفين بأخلاقهم ونفسيَّتهم ، وكثُرتِ
الأموال وأدواتُ الترف ، واشتدتِ الإغراءات المادية وفعلتْ فعلها في
المجتمع حتى أشرف الإيمانُ والعمل الصالح - وبهما تمتاز هذه الأمةُ عن
غيرها من الأمم ، وفيهما سِرُّ قوتها وانتصارها ، وهما تُراث النبوّة - على
الضَّياع والتلف ، وأصبحت هذه الأمة تتقدّم إلى انهيارٍ في الأخلاق والروح ،
وخمود في العاطفة والشعور الإيماني ، وضعْفٍ في صِلتها بالله بخُطىّ واسعةٍ .
وكان ذلك نذيراً لكارثةٍ كبرى ، كارثة أصيبت بها الأممُ من قَبل ، وهي

٩٨
الجهود الإصلاحية في القرن الثاني ، الحسن البصري
الإِفلاسُ في الإيمان والروحِ والأخلاق ، وهي خسارة لا تُعوِّضها الدول
والحكومات والفتوحُ المادية وَالسِّياسية ، ولا بقاءَ لأمةٍ - ذات رسالة وعقيدة -
بعد ذلك.
بَدَتْ طلائُع هذه الفاجعة في الأفق ، والخلافةُ مشغولٌ عن ذلك؛ بل هي
السبب في حلولها ودُنوِّها ، ولو أرادت أن تَمنع وقوعها لما استطاعت؛ لأنَّ
القائمين على رأسها لا يملكون تلك المؤهّلات التي يستطيعون بها أَن يُواجهوا
هذه الفاجعة ، وهي الإيمانُ القوي والحياة النزيهة ، والأخلاق الإسلامية ،
والدعوة التي تملك عليهم قلوبَهم ومشاعرهم؛ إنما هي طبقة من المترفين
المتنعِّمين يحتاجون بأنفسهم إلى الدعوة والتربية .
لقد كان هذا التَّطوُّرُ خطراً كبيراً على هذه الأمة ، وكان أبعثَ على القلق من
انتقاص أطراف مملكة الإِسلام الواسعة ، وقِلَّة مواردها ، إلى غير ذلك من
الحوادثِ السياسية والتطوّراتِ الاقتصادية؛ وذلك لأنَّ الإِيمان ليس خَلْقُه في
أمةٍ أمراً يسيراً ، وليس لكل أحد أن يبعث هذا الإيمان ، وإذا زال لا يعود في
الغالب .
وتاريخُ الأمم والديانات شاهدٌ على ذلك. تُفْلِس أمة في الإِيمان وتملك كل
شيء ، وتنقطعُ صلتها بربها وتتَّصل بكل شيء؛ فلا تعود سيرتها الأولى ،
ولا تستردُّ ذلك الإِيمان وتلك الصِّلة القوية بالله ، وتذهبُ جهود المصلحين
والدعاة هباءً منثوراً. وهذه الأمم الأوربية والأمة الهندوكية العظيمةُ تُصدِّق هذه
الحقيقة .
إنَّ هذا الإِيمان بالله ، وإنَّ هذه الصلةَ الحية القوية التي عُرفت بها هذه
الأمةُ ، وسَحقتْ بها الأممَ ، وأخضعتْ بها العالم ، وإنَّ هذه المظاهر الإيمانية
التي تُقرأُ أمثلتُها الرائعة في تاريخ العهد النبوي والخلافة الراشدة: من إنابةٍ
صادقة إلى الله ، وثقةٍ بهِ ، وتَفانٍ في سبيله ، وعزوفٍ عن الشهوات ، واستهانةٍ
بزخارف الحياة ، وشَوقٍ إلى الشهادة ، وحَنينٍ إلى الجنة ، وخُشوع في
الصلاة ، ولَذَّة في الدعاء ، وعطف ومواساةٍ ، وزُهد وإيثار ، إلى غير ذلك ،

٩٩
الجهود الإصلاحية في القرن الثاني ، الحسن البصري
مما هو نتيجةُ الإِيمان القوي العميق ، إنما كان مِنْحةَ النبوّة ، وتأثيرَ الشخصية
النَّبوية الفَذَّة التي سُعد بها العالم مرَّةً في التاريخ.
فإذا تجَرَّدتِ الأمةُ من هذه الثروة الإيمانية التي منحتها النُّبوة الأخيرة
وشخصية الرسول المعجزة ، فقد تجَّدت من رأس مالها ، وأفلست إفلاساً
تاماً ، ولا مطمع في إيجاد هذا الإيمان ، وإعادة هذه الثروة بعدما انقطعت
النبوة .
أمّا تجديدُ هذا الإِيمان وتَقويتُه قبل أن يزول ، والمحافظةُ على هذه الثروة
والزيادة قبل أن تضيع ، فمُمكِنةٌ وميسورة ، إذا قام لذلك رجالٌ أكفاء ،
وجاهدوا في سبيله حقَّ الجهاد.
لقد واجهَتِ الأُمّةِ في سَيْرِها نقطةَ تحوُّل ، قد فَطن لها من فَتح اللهُ بصيرتَه ،
وألهَمه الحكمةَ والدعوة ، عرفوا أن الأمة مُهَددة بخطرٍ هو أعظم من الخطر
الخارجي ومن الأخطار السياسية ، هو خطر المادية الجارفة ، والانحطاطِ
الخُلقي والروحي ، ما أصيبتْ به أمةٌ إلا كانت فريسة للأدواء الخلقية
والاجتماعية ، وخواءِ الروح ، وإفلاس الباطنِ ، وعبادةِ الشهوات ، والتنافس
في الحياة.
وما أُصيبتْ بذلك أمةٌ إلا ضاعت وطُويت مع الأمم الغابرة.
وقد أنبأ بهذا الخطر لسانُ النبوّة قبل حدوثه ، فقد روي عن النبي ◌ِّ: أنه
خطب قبل وفاته خُطبةً أنذر فيها المسلمين بهذا الخطر وقال: ((ما الفقر أخشى
علیکم؛ ولکن أخشی علیگُم أن تُبسط عليگُم الدنيا كما بُسطت على من قبلكم ،
فتتنافسوها كما تنافسوها ، وتُهلكَكُم كما أهلكتهم)» (١).
(١) [أخرجه البخاري في كتاب المغازي، باب شهود الملائكة بدراً برقم (٤٠١٥)، وفي
كتاب الرقاق ، باب ما يحذر من زهرة الدنيا ... ، برقم (٦٤٢٥)، ومسلم في كتاب
الزهد والرقائق باب ((الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر) برقم (٢٩٦١)، والترمذي في
أبواب صفة القيامة، باب حديث ((والله ما الفقر أخاف عليكم)) برقم (٢٤٦٦)،

١٠٠
الجهود الإصلاحية في القرن الثاني ، الحسن البصري
لقد حَلَّ هذا الخطر، وتحقَّق الذي تحوَّفه النبي ◌ََّ على هذه الأمة، وقد
بلغ ذلك أوجَهُ في عهدٍ بني أمية؛ ولكن الله لطفَ بهذه الأمة؛ إذ قيَّض
لمواجهته ، والوقوفٍ في وجهه رجالاً مخلصين ، ودعاةً مؤمنين ، عارضوا
هذا التيار بكل ما عندهم من قوىّ ومواهب ، ومنعوا عدداً كبيراً من المسلمين
أن تجرفهم الماديةُ وتستعبدَهم الشهوات.
إنَّهم لم يستطيعوا أن يُحوِّلوا التيار أو يُوقفوا سَيْرَهُ؛ ولكنهم استطاعوا أن
يُبطئوا سيرهُ ويُنقذوا من لُجَّتِه من استمع إليهم أو جالَسهم وتأثَّر بدعوتهم.
إنّ لهم فضلاً لا ينساه الإسلام ، ولا يغمطه التاريخ؛ لأنهم كانوا سبباً وعاملاً
قوياً في استمرار الإسلام الزُّوحي والخُلقي الذي هو أهم من استمرار هذه الأمة
التَّسْليِّ والسياسي.
فإذا كان الفضلُ في بقاء هذه الأمة ذاتَ عددٍ كبير ومكانةٍ سياسية يرجع إلى
المجاهدين وملوك الإسلام ، فالفضلُ في بقائها أمةً ذاتَ عقيدة ودينٍ وأخلاق
خاصة ، وطابع خاص تمتاز به بين الأمم ، يرجع إلى هؤلاء الدعاة المُخلصينَ
والمصلحين والمجاهدين الذين بذلوا جُهدَهم في المحافظة على خصائص هذه
الأمة الباطنية والنفسيّة ، واتصال حياتها الروحية والخلقية ، ولا شكَّ أن
فضلهم أكثرُ، ومِنَّتهم أعظمُ؛ فلا خيرَ في بقاء هذه الأمة من غير هذه
الخصائص.
ولا لذلك بُعثَ الرسول ◌َّه ودعا دعوته ، وجاهد الصحابةُ والتابعون لهم
بإحسان ، ولا لذلك كانتْ بدرٌ وأحد ، واليرموك والقادسية.
ولا لذلك استحقَّ المسلمون النصرَ والتأييد من الله ، إنما كان كل ذلك
للعقيدة التي يعتقدونها ، والأخلاقِ التي يتَّصفون بها ، والدعوة التي
يحملونها ، والسِّمة التي يتَّسِمون بها؛ فمن ساهم في ذلك فهو من مُحسِنِي هذه
ابن ماجه في أبواب الفتن، باب فتنة المال برقم (٣٩٩٧)، وأحمد في المسند
=
(١٣٧/٤) برقم (١٧٢٧٣) وغيرهم من حديث عروة بن الزبير رضي الله عنه].