Indexed OCR Text

Pages 41-60

٤١
الحاجة إلى الإصلاح والتجديد والبعث الجديد
ومواقف دقيقة لا عهد للتاريخ بها ، وتُبتلى بعصورٍ وأجيال لم تعرفها أمةٌ قبلها،
وأن تواجه صراعاً في ميدان العقول ، والعلم ، والحضارة، والاجتماع ،
والتشريع ، لم تواجهها أمةٌ في التاريخ.
ولذلك نرى أنَّ الفترة التي منحت هذه الأمة لتوجيه الأمم والوصاية على
العالم هي أكثر الفترات التاريخية تقلُّباً وتطوُّراً ، وأكثرها تنوعاً واختلافاً ، ينشأ
فيها من المشاكل والمسائل الدقيقة ما لم يخطر من أمةٍ على بالٍ ، ولم يحلم به
جيلٌ من الأجيال ، ويمتحن الذكاء وقوة التشريع والثبات على المبدأ
والمحافظة على الروح ، والصلاحية للحياة ، فالأمة التي تتغلب على هذه
المشاكل كلّها ، وتخرج من هذه المعارك ظافرةً منتصرةً ، هي أمةٌ جديرة
بالحياة ، صالحةٌ للقيادة ، ولا يُمكن لقوَّة سياسية أو غارة خارجية أن تقضي
على كيانها ، وتمحوها من الوجود.
كيف استطاعت الأمة أن تُقاوم تغيراتِ الزمانِ والمكان:
ولكم أن تتساءلوا: كيف استطاعت الأُمّةُ أن تُقاومَ المؤثرات الخارجية
العنيفة والتقلبات التي لا تكاد تنتهي ، واختلافَ الزمان والمكان ، وقد كان
بَعْضُه يكفي للقضاء على ديانة قوية قديمةٍ ، أو تحريفها على الأقل كما وقع
مراراً في تاريخ الأديان؟
والجواب: أنها استطاعت ذلك بقوتين:
القوَّة الأولى: هي الحيوية الكامنة في وضع الإسلام نفسِه ، وصلاحيته
للحياة والإرشاد في كل بيئةٍ وفي كل محيطٍ ، وفي كل عَهدٍ من عهودِ التاريخ.
فقدَ خَصَّ اللهُ محمد آلٌّ برسالةٍ وتعاليم كاملة للإنسان صالحة لكلِّ زمان
ومكان ، تستطيع أن تُواجه ما يتجدَّد من الشؤون وأطوار الحياة ، وتحلَّ كلَّ
ما يعتري من المشكلات والمعضلات.
والدراسةُ العميقة الشاملة للقرآن الكريم والحديث النبوي الصحيح

٤٢
الحاجة إلى الإصلاح والتجديد والبعث الجديد
ومصادر الإِسلام ، كافلةٌ بالاقتناع بما أقول ، ولكنه موضوع الفقه
الإسلامي والنُّظُم الإسلامية.
والقوَّة الثانية: هو أنَّ الله قد تكفَّل بأن يمنح هذه الأمة التي قضى ببقائها
وخلودها رجالاً أحياءَ أقوياء في كل عصر ، يَنقُلون هذه التعاليم الإسلامية إلى
الحياة ، ويُعيدون إلى هذه الأمة الشباب والنشاط ، إنَّ هذا الدين نفسه هو من
أقوى العوامل في وجود هؤلاء الأشخاص في كل عصرٍ ومصر ، لأنَّه يُثيرُ في
أتباعه ودارسيه كوامن القوة ، ويبعث فيهم الثورة والتمرُّد على الأوضاع
الفاسدة ، والمجتمع الزائغ، والأخلاق المنحلّة ، والسياسة المستبدة ،
والحكم الجائر ، والتَّرف المسرف ، ويَفْرضُ عليهم إنكار المُنكر ، وكلمةً
حقِّ عند سلطان جائر، ويُحرِّمُ عليهم الاستنامة إلى الأوضاع الفاسدة ،
والرضا بالحياة الدنيا ، وَبِيعَ الضمائر.
ويَهَبُهُم كذلك الأصول والنصوص المتينةَ الحكيمة التي يَحلُّون في ضوئها
المشاكل الطريفةَ ، والمسائلَ المعقدة ، لذلك نرى أن هذه الأمة لم تَعْدَم في
عصر من عصورها مُجدِّدين في الدين ، وأئمةً في العلم ، وعماليقَ في الفكر ،
وأبطالاً في الجهاد، وأعلاماً في الإصلاح ، لا يوجد نظيرهم - لا في الكمية
ولا في الكيفية - في أُمةٍ من الأمم ، ولم يكن ذلك من المصادفات والاتفاقات
- وأنا لا أؤمن بالمصادفات في صنع الله وسَيْرِ الكون - إنَّما هو طبيعةُ هذا
الدين ، وقدرتُه العجيبة على الإنتاج وَالتوليد ، وطبيعةُ هذه الأمة وصلاحيتُها
للبعْثِ الجديد ، وإنما هو لُطفُ الله بهذه الأُمة بل بالإنسانية، إذ لو ضاعتْ هذه
الأمة لضاعتْ أمانة السماء، ولضاعت أمانة الإنسانية ، وإنما هي حراستُه
الكريمة وخفارتُه القوية لهذا الدين الذي فُرض عليه أن يرافق الحياة إلى آخر
مرحلة من مراحلها: ﴿ إِنَّا غَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ ◌َفِظُونَ ﴾[ الحجر: ٩].
هَجَمَاتٌ على الإسلام:
وقد كان الإسلامُ من أوَّلِ عهده هدفاً لهجماتٍ عنيفةٍ قاسية لا تحتملُها

٤٣
الحاجة إلى الإصلاح والتجديد والبعث الجديد
ديانةٌ من الديانات ، هجماتٍ على قلبه وأعصابه لا تعرف الهوادة
ولا الرِّفْق، ولا تَرضَى إلّ بالفناء ، إنَّ الدياناتِ التي فَتحتْ في عصرها الدُّنيا،
وأخضعت الأمم والحضارات قد ذابت وتحلَّتْ أمام هجماتٍ أضعف منها
بكثير ، وفقدت شخصيتها وكيانها ، ولكنَّ الإسلام بالعكس من ذلك ردًّ هذه
الهجمات كلّها على أعقابها وكسرَها ، وظل محافظاً على قُوَّته وشخصيته ،
وعلی مزایاه وروحه.
وقد كانتِ الباطنيةُ بفروعها ومذاهبها المتنوعة خطراً على روح الإسلام
النقية، وعقائدِه الصافية الواضحة، تتهدَّد وضع الإسلام الحقيقي ، وكذلك
كانت الغارةُ الصليبية ، ثم هجومُ التَّتار - ذلك الجرادُ المنتشر- صاعقةً نزلت
على الإسلام والأمةِ الإِسلامية ، وكانت جديرةً بأن تقضي على الإِسلام وتُقْصيهِ
من ميدان الحياة ومصافِّ الأمم الحية ، فلو كان غير الإسلام من الديانات للفَظَ
نفسَه الأخير ، وأصبحَ أُسطورة من الأساطير.
ولكنَّ الإِسلام تحمَّل كلَّ هذه الصدمات وكلَّ هذه الصواعق ، واستطاع أن
يعيش رغم كل ذلك ، ولم يكفِ أنه عاش وبقي يلعب دوره ، بل إنه شقَّ طريقه
إلى الأمام ، وفتح فتوحاً جديدة في ميدان العلم والعقلِ والسياسة .
وقد مُنِيَ الإِسلامُ في سَيره الطويل بمؤثرات وثورات ومقاومات داخلية
وخارجية ، فقد كان مراراً عُرضة لتحريف الغالين ، وتأويل الجاهلين ،
وانتحال المُبطلين ، ودخلتْ فيه البدع والأفكار العجمية وتسرب إليه الشِّرك
والجاهلية عن طريق الأمم التي كانت تُسْلِمُ ، وعن طريق التقليد والجهل ،
وفشَتْ فيه الأعمال والتقاليد الجاهلية.
ثم امْتُحِنَ - منذ العهد الأموي - بمادية جارفة ، وترفٍ فاحش ، وعبادة
البُطون والشهوات ، ثم ابتُلي - من العهد العباسي - بالإلحادِ والزندقة ،
والفلسفات العجمية ، إلى غير ذلك مما يحويه تاريخ الإسلام الدينيُّ والعقليُّ.
وقد كانتْ هذه الهجماتُ شديدةً ودقيقةً؛ حتى أصبح كثيرٌ من الناس يَشُكُون

٤٤
الحاجة إلى الإصلاح والتجديد والبعث الجديد
في قدرة الإسلام على مقاومة هذه الهجمات ، وأصبح بعضُهم يتوقع نهاية
الإِسلام بصفته ديناً من الأديان ، ونهايةَ الأمة الإسلامية بصفتها أمةً ذاتَ عقيدةٍ
ورسالة.
ولكنَّ الإسلامَ أبى أن يستسلم لهذه الهجمات ، وأن يخضعَ ويستكينَ
لأعدائه ، وأبَتْ رُوحِ الإِسلام أن تنهزمَ ، وأبى ضميرُ الأمة المسلمة أن يُصالح
هذه الفتن ، وأن يتفاهم مع أعداء الإسلام والمتآمرين ضدَّهُ ، وأن يتنازل عن
بعض ثروته ، وقام في كل عهدٍ وفي كل ناحية من نواحي العالم الإسلامي
رجالٌ فضحوا المحرِّفين والمتآمرين ، ورفعوا اللَّام عن وجه الإسلام ،
ونفضوا عنه غبار الجهل والضلالات ، وأنكروا على البدع والخرافات والأفكار
العجمية ، ودافعوا عن السُّنة دفاعاً قوياً ، وردوا على العقائد الباطلة ، وشنُّوا
الحربَ على الجاهلية وأعمالها وتقاليدها ، وحاربوا الماديةَ والتَّرف بكل قوة ،
ونَعَوْا على المترفين في عصرهم ، وجهروا بالحق في وجوه السلاطين الجائرينَ
والملوكِ المستبدين ، وحَدُّوا من سلطان العقل الذي قد طغى وتخطى
الحدود ، ونفخوا في الإِسلام روحاً جديدةً ، وخلقوا في المسلمين إيماناً
جديداً وثقةً جديدةً.
وقد كان هؤلاء الأفراد نوابغ عصورهم ، عقليةً وعلماً وخُلقاً ، وكانوا
أصحاب شخصية جذّابةٍ ، وكفاية فائقةٍ ، وكانت عندهم لكل فتنة وظلمة ((يد
بيضاء)» تُبدِّدُ الظلماتِ وتُنير السبيلَ.
وقد وَضَحَ من وجود هؤلاء المصلحين المجدِّدين للدين الإسلامي
باستمرار لا يُحْمَلُ على مجرَّد المصادفات: أنَّ هذا هو الدين الذي اختاره الله
لتوجيه العالم وإرشادِ الإنسانية ، وقضى بخُلوده وبقائه ، وأنَّ مهمّة الهداية
والإرشاد الجليلة التي كان الأنبياءُ يُبعثون لها في العصور الماضية قد أُلقيثْ
على عاتق هذه الأمة التي تَخْلَفُ خاتم النبيين ◌َلِيِ في هذه المهمة ، وأنه لا يخلو
زمان من الأزمان من خلفائه ودُعاته .

٤٥
الحاجة إلى الإصلاح والتجديد والبعث الجديد
نُذْرَةُ شخصياتٍ التجديدِ في الأديان الأخرى :
بالعكسِ من ذلك يَندُر في الديانات الأخرى شِخصياتٌ عظيمةٌ تعيد إليها
الحياةَ والشباب ، وتُوجِد في أتباعها وأصحابِها الحركة والنشاط ، وتُوجِدُ
فيهم الثقة بأديانهم وعقائِدهم ، وتنفُض عنهم غُبارَ القرون الماضية ،
ورُكامَ عصور الانحطاط.
إنَّنا إذا استعرضنا تاريخَ هذه الديانات رأينا فتراتٍ طويلة قد تمتدُّ على مئاتٍ
وآلافٍ من السنين لم يظهر فيها من رجال الدين والإصلاح من يُجدِّد هذا الدِّين
ويُدِيلُه من أعدائه الذين تآمروا ضد رُوحه ونظامه ، وينقِّيه من شوائب البِدَع
وألوانِ التَّحريف ، ويَعرضُه في صورته الصادقة ، ويدعو إلى أصل الدين
وحقيقته دعوةً قوية سافرة ، ويُجرِّده من التقاليد والبدع التي لصقت به وهو منها
براء ، ويحارب المادية والترفَ الذي ابتُليَ به أتباع هذا الدين ، ويُوجد بإيمانه
القوي وبروحانيته الصادقة وبجهاده المتواصل روحاً جديدة في هذه الأمة ،
وثقة جديدة بدینهم .
ونضربُ لذلك مثلاً بالمسيحية ، فقد امتُحِنت في عهدها الباكر - يعني في
منتصف القرن الأول المسيحي - بتحريفٍ لا يوجد له نظيرٌ في تاريخ الديانات
في عهدها الأول ، فقد انتقلت من ديانة بسيطةٍ توحيدية إلى ديانة وثنية تتركب
من الأفكار اليونانية والبوذية وذلك على يد داعيها الكبير وبطلها العظيم بولس
(Paul - ١٠ - ٦٥°م) وكان هذا الانتقال أشبهَ بقفزةٍ من رُوح إلى روحٍ ، ومن
وضع إلى وضع ، ومن نظام إلى نظام ، لا يشارك الثاني الأول إلا في الاسم
وبعض الطُّقوس ، ويتحدث عنه عالم مسيحي (Ernest de bunsen) فيقول:
((إنَّ العقيدة والنظام الديني الذي جاء في الإنجيل ليس الذي دعا إليه السيِّدُ.
المسيح بقوله وعمله ، إن مَردَّ النزاع القائم بين المسيحيين اليومَ وبين اليهود
والمسلمين ليس إلى المسيح بل إلى دهاء بولس ، ذلك المارِق اليهودي
والمسيحي ، وشَرحِه للصُّحف المقدسة على طريقة التجسيم Essenie

٤٦
الحاجة إلى الإصلاح والتجديد والبعث الجديد
والتمثيل ، ومَلْئِهِ هذه الصحفَ بالتُّبوءات والأمثلة ، إن بولس في تقليده
لإسطفانوس Stephen داعي المذهب الإنساني قد ألصق بالمسيح التقاليد
البوذية .
إنَّه واضعُ ذلك المزيج ، من الأحاديث والقصص المتعارضة التي يحتوي
عليها الإنجيل اليوم ، والتي تعرض المسيح في صورة لا تتفق مع التاريخ
أصلاً.
ليس المسيحُ ، بل بولس والذين جاؤوا بعده من الأحبار والرهبان ، همُ
الذين وضعوا تلك العقيدة والنظامَ الديني الذي تلقَّاه العالم المسيحي كأساسٍ
للعقيدة المسيحية الأرثوذكسية خلال ثمانية عشر قرناً)) (١).
وبَقيتِ المسيحيةُ قروناً طوالاً - ولا تزال - تحمل روح بولس وتحافظ على
تُراثه ، ولم يظهر في العالم المسيحي في هذه المدة الطويلة من يثورُ على هذا
الوضع الطارىء الدخيل على المسيحية ، ويحاول نَقْلَها إلى وضعها الأول
الذي ترك عليه سيدنا المسيح خلفَاءَه المخلصِينَ من أتباعه.
وانسلختْ قرونٌ ومضت أجيالٌ إثر أجيالٍ ولم يظهرِ الرجل المنتظرُ لتجديد
المسيحية وتجريدها من الأجزاء الأجنبية ، حتى كان القرن الخامس عشر
المسيحي ، فظهر ((مارتن لوثر)) Martin Luther في ألمانية وقام بإصلاح
محدود قاصر ينحصر في مسائل جُزئية ، وعارض بضع عقائدَ ألحّتْ عليها
الكنيسةُ النصرانية ، ولم يكن إصلاحها جوهرياً شاملاً ، ولا ثورةً ضد اتجاه
المسيحية المنحرف الطويل ، ثم لم يخلُّفْه رجلٌ في العالم المسيحي يرفعُ صوته
ضد انحرافات الكنيسة واعتداءاتها ، ويقومُ بمثل الدور الذي قام به لوثر على
ضعفه .
يقول الكاتب الفاضل ج. باس مولينغر (J.Bass Mullinger) في مقاله في:
((دائرة معارف بريطانيا)):
Islam or Trueó Christianity P. 128. (1)

٤٧
الحاجة إلى الإصلاح والتجديد والبعث الجديد
((إذا بحثنا عن الأسباب التي جعلتْ جهود الإصلاح الديني قبل القرن
السادس عشر لم تنجح أيَّ نجاحٍ نستطيع أن نقولَ بلا تلعثم: إنَّ السَّبب الوحيد
في ذلك هو خضوع عقلية القرون المتوسطة للمُثُلِ القديمةِ».
ويقول في محلٌّ آخر:
((إنَّ إخفاقَ الجهود المتتابعة لاتخاذ قرارٍ جامع حول إصلاح الكنيسة من
حقائقِ التاريخ الأوربيِّ الثابتة)).
ويقول:
((وُجِدتْ جهودٌ كثيرةٌ ذاتُ أهميةٍ بالغةِ لإصلاح المذاهب قبل القرن السادس
عشر. ولكنها وقعتْ فريسةً ضغطِ الكنيسة وأخفقت)).
وظلَّتِ المسيحية تمشي على الدَّرب الذي اختارته أو بالأصح فُرِضَ
عليها ، وضَعُف تأثير الكنيسة وانحلَّ سُلطانها في العهد الأخير ، وقامت دولة
الماديّةِ في أوربة ، وأصبحت الديانةَ الحقيقية التي خَلفتِ المسيحية وخلفتْ
كل ديانةٍ في هذا العالم الغربي ، فلم يظهر في الأوساط المسيحية من يحارب
هذه المادية ويُعيد المسيحية إلى مركزها في الحياة ، أو يُوجد الثقة في
المسيحيين بديانتهم ، ويُنشىء فيهم القوة الروحية والخُلقية التي يُقاوِمون بها
إغراءات الماديّةِ القاهرة ، ويتظاهرون بحياةٍ فاضلة تقوم على العلم والأخلاق
والعقائِد المَسيحية، ويواجهون مُعضلات العصر وأزَماتِهِ، ويحاولون حَلَّها في
ضوء الدِّين ، بالعكس من ذلك نرى أن المفكرين والمؤلفين المسيحيين في
أوربة يائسون من مُستقبل المسيحية ، ومُصابون بمركَّبِ النقص أمام الماديّة
اللادينية .
وهكذا الدياناتُ الشرقيةُ الأخرى ، فالبَرهميَّةُ قد انحرفت انحرافاً شديداً
عن جادّتها الأولى ، وفقدت بساطتها والاتصال الروحي المباشر بفاطرٍ
١

٤٨
الحاجة إلى الإصلاح والتجديد والبعث الجديد
الكون ، وفقدت قُوتها الخُلقية ، وتعقَّدت تعقداً أصبحت به فلسفةً دقيقةً غير
عملية، وفقدت - على مَرِّ الأيام - التوحِيدَ الخالص في العقيدة، والعَدل في
الاجتماع، وهما الدعامتان اللَّتان يقوم عليهما بناءُ ديانةٍ في الباطن وفي واقع
الحياة .
وقد بدأ ذلك من القرن الثامن قبل الميلاد وحاول مؤلفو أبنشد - شروح
الكتب المقدسة عند البراهمة - أن يتداركوا هذا الفساد فرفضوا التقاليد
والطقوسَ التي استحوذت على الديانة البرهمية والمجتمع الهندي ، وقدّموا
نظاماً فلسفياً تصورياً يقوم على وجود الوحدة في الكثرة ، ونال هذا العرضُ
الجديد للديانة البرهمية رضا الأوساط العلمية لنزعتها الدائمة إلى ((وحدة
الوجود))، ولكنه لم يُرض الشعبَ القاصر في الفكرِ ، المُفتقرَ إلى النظم العملية
والتعاليمِ الواقعية ، وبقيتِ الديانةُ البرهمية تَفقدُ قُوتها ونفوذها ، وبقيَ التذمّر
منها وعدمُ الثقة بها يزداد ويقوى على مر الأيام ، وتجسَّم هذا التذمر وهذا القلق
المتفشي في المجتمع الهندي والتماسُ العِوَضِ عن الديانة الهرمة في شخص
بوذا Buddha ولم يكن ذلك إلا في القرن السادس قبل الميلاد.
ظهر بُوذا بفكرةٍ جديدة أو ديانةٍ جديدة - إذا كان لا بدَّ من هذه الكلمة (١).
تقوم على تجريد النفس وتهذيبها ، وقمع الشهوات ، والعفة والمواساة ،
واللهج بالعمل ، وعلى رفضٍ التقاليد والطقوس والتفاوت الطبقي الذي أُصيب
به المجتمع الهندي في العهد الأخير ، وانتشرت هذه الفكرة أو الديانة بسرعة ،
وشملت الجزءَ الجنوبي والشرقي من آسيا الواقعة بين بحر الهندٍ والبحر
الکاهل.
ولكنْ ما لَبِئَتْ هذه الحركةُ الدينية العظيمة أن انحرفتْ وتحرَّفت ،
(١) أتردّد في إطلاق كلمة الديانة على البوذية لأنها لاتحمل فكرة أو عقيدة عن وجود خالق
الكون وعن المبدأ والمعاد كما يرجح أكثر المؤلفين والمؤرخين (راجع دائرة المعارف
البريطانية كلمة ((بوذا)) Buddha).

٤٩
الحاجة إلى الإصلاح والتجديد والبعث الجديد
وهجمتْ عليها الأوثانُ والتماثيل والطقوسُ التي حاربتها البوذية وثارت
عليها ، حتى أصبحت في الزمن القصير ديانة وثنية لا تمتاز عن الديانة البرهمية
إلا بأسماء الأوثان والتماثيل وعددها ، وأُصيبت بانحطاط في الأخلاق ،
والتعقّدٍ في الأفكار ، والكثرة في المذاهب والفِرق.
يقول أستاذُ تاريخ الحضارة الهندية في إحدى جامعات الهند: ((لقد
قامت في ظل البوذية دولةٌ تُعنى بمظاهر الآلهة وعبادة الأوثان ، وتغير
محيط الرابطة الأخوية البوذية وظهرت فيها البدع)) (١). وتقول مؤلّفة أوربية
Sir Radha) كما ينقل عنها رئيس الجمهورية الهندية (Mrs. Rhys Davids)
Krishnan): ((لقد أظلتِ الأفكارُ العليلة تعليم بوذا الخُلقي حتى توارى وراء
هذه التخيلات السقيمة ، لقد نشأ مذهبٌ جديد في الديانة وازدهر وملك على
الناس القلوب ، ثم اضمحلَّ وخلفه مذهبٌ آخر ، وهلمّ جرا ، حتى تراكمت
هذه الأوهامُ الخلَّبة وحجبتِ الجوَّ ، وساد الظلام ، وقد اضمحلتْ دروس
مؤسس الديانة الغالية البسيطة بسبب التدقيقات الكلامية والتَّنطعات)).
ولم يظْهَرْ في العالم البوذي الواسع وفي المدَّة الطويلة التي حكمت فيها
البوذية وسادت ، مُصلحٌ كبير ينتصر للبوذية الأصلية ، ويُحارب البوذية
الدخيلة بكل قوته ومقدرته ، يُجدِّد لهذه الديانة العظيمة شبابها الأول وبساطتها
الضائعة ونقاءها المفقود.
وهكذا بقيت الديانةُ البرهميّةُ منكسرةً أمام البوذية التي تغلَّبت عليها وعلى
رقعتها حتى جاء شَنْكَرْ أجَارِيَه (Shankiracharia (٢)) في القرن الثامن
المسيحي.
وقام بنشاطٍ عظيمٍ في محاربة البوذية ونشر البرهمية حتى تمكَّن من إجلاء
(١) الحضارة الهندية: لمؤلفه ايشورا توبا.
(٢) وُلد في ملابار جنوبي الهند، وجال في الهند من أقصاها إلى أقصاها ومات في الثانية
والثلاثين من عمره.

٥٠
الحاجة إلى الإصلاح والتجديد والبعث الجديد
الديانة البوذية من الهند وتضييق دائرتها وإضعاف سُلطانها حتى ضعفت جداً
وبقيت ديانةً من الديانات الهندية القديمة الدارسة.
استطاع شنكر أجاريه بنشاطه وحماسته وذكائه أن يُقصي البوذيةَ من الحياة
ولكنه لم يستطع - ولعل الأصح أنه لم يُرد - أن يُعِيدَ البرهميةَ إلى وضعِها
الأول، ويُعيدَ عقيدة التوحيد والاتصال المباشر بفاطر الكون ، ورفض الوسائط بين
العبد وربّه ، والعدالة الاجتماعية والمساواة بين الطبقات.
ويقولُ كاتب مقال ((موسوعة الديانات والأخلاق)) C.V.H Chate الذي كان
أستاذ السَّنْسكريتية بكلية ((الفستن)) في ((بمباي)) ويمتاز باطلاع واسع على
الديانات القديمة وفلسفاتها ، وهو يتحدَّث عن (شنكر أشاريه):
((إنَّ الغاية الأولى التي استهدفها (شنكر أجاريه) في حياته ، هي إحياء
ذلك النظام الديني والفلسفة الدينية التي تَحثُّ عليهما ((اوبنشد)) (شروح
الكتب المقدَّسة عند البراهمة) إنه نشَرَ العقيدة المطلقة لوحدة الوجود ،
وكانت غايته الرئيسة أن يقوم بتعليم الناس أن ((اوبنشد)) و(بَهْكْوَتْ كِيْتًا))
لا يتعرَّضان للقانون ، وإنما جُلُّ ما فيهما هو تعليم وحدة الوجود في أكمل
صورها .
إنَّ شنكر أشاريه لم يستنكر الوثنية ولا هاجمها. إن الأصنام عنده مظهرٌ
للإله ورمز له. إنه ذَم الغُلوَّ في الطقوس والتقاليد وفلسفة الأعمال ، ولكنه دافع
عن عبادة الآلهة التي حظيت بالقبول ، يقول: ((إن الوثنية حاجةٌ طبيعية لنا في
مرحلة خاصة لنشأتها ، وعندما تبلغُ الروحُ الدينية النضجَ والاكتمال تستغني عن
الوثنية. فكلما تبلغ الروحُ الدينية مرحلة النُّضج يجب الإعراض عن المظاهر
والرموز)).
وقد سمحَ شنکر أشاریه بعبادة الأصنام کرمز الإله. ولکن لمن لم يبلغ مبلغ

٥١
الحاجة إلى الإصلاح والتجديد والبعث الجديد
البراهمة الذين تحرروا عن الصفات ، وأصبحوا من النضج بمكانٍ لا يقبلون أي
تغییر وتبدیل)) (١) .
ولا تزالُ هاتان الديانتان الهنديتان - البرهمية والبوذية - محتفظتين
بوضعهما المحدّث ، محتفظتين بتُراث عصور الانحطاط ، محتفظتين
بالطقوس والتقاليد والأصنام والتماثيل ، وأخفقتْ جميع المحاولات والجهود
التي تبتدىء من (شَنْكَرْ أَشَارِيَهْ) وتنتهي إلى (دَيَانَنَذْ سَرَسْوَتِي(٢)) إلى غاندي
الزعيم ، أن تُعيدَ هذه الديانة القديمة إلى وضعها الأول ، وإلى الوضع
الصحيح الذي يَتَّفق عليه مع رسالات الأنبياء والفطرة السليمة والعصر
المتجدِّد.
وقد ألقتْ أوزارها أخيراً للمادية واللادينية واعتزلَتِ الحياة وانحصرَتْ في
المعابد وفي بعض المظاهر والتقاليد ، ولا يُعرف في الهند دعوةٌ قوية ذاتٌ بالٍ
شعارُها وهتافها ((إلى الدين من جديد)) بينما نعرفُ دعواتٍ قويةً نشيطةً شعارها
وهتافها ((إلى الحضارة القديمة من جديد)» وإلى لغة الهند القديمة الدارسة
«السَّنْسکریتیة)) من جدید .
حَاجةُ الأديان إلى الرِّجال الأحياء:
والسِّ في ذلك أن الأديان لا تعيش ولا تزدهر ولا تعود إلى نشاطها وشبابها
بعد اضمحلالها وضعفها ، ولا تنسجمُ مع المجتمع المعاصر ولا تتلاءمُ مع
روح العصر إلا عن طريق الرجال النوابغ الذين يظهرون فيها حيناً بعد حين ،
يملكون الإيمان القويَّ الجديد وسمُوّاً روحياً لا يُشارِكهم فيه عامَّةُ الناس ،
ونزاهةً ممتازة عن الأغراض وعزوفاً عن الشهوات وتفانياً في المبادىء والعقائد
(١) مقتطف من مقالة شنكر أشاريه باختصار وتلخيص، اقرأ كتاب: Encyclopaedia of
Religion and Etchics (Fourth Edition 1958). Volume
XI. Article Shankar Acharya.
(٢) واضع الديانة الآرية الثائرة على الوثنية وهي أشد الفرق حماسة وعداء للمسلمين وتقول
بقدم العالم.

٥٢
الحاجة إلى الإصلاح والتجديد والبعث الجديد
وفي سبيل الدعوة؛ ومستوىّ عقلياً وعلميّاً أرقى من الكثير ، ينفخون في أمتهم
روحاً جديدة ، ويخلقون في أتباع دينهم إيماناً جديداً وثقة جديدة ، ويُلهبون
نفوسهم بحاسة دينية جديدة.
وذلك لأنَّ مطالب الحياة وتكاليفَها مُتجدِّدة، وإغراءات المادية قويةٌ
جديدة دائماً ، وشجرةَ المادية لا تذوي ولا يعروها الذبول وهي خضراء
لا تنقطع ثمارها ، وللمادّية - مع أنها غنيةٌ بسحرها على النفوس وإغرائها
للطبائع عن الدعاة والترغيب - في كل عصر دعاة متحمسون ورجال
مخلصون ، فإذا أصاب الدعوةَ الدِّينية الوهن ، وإذا أُصيب أهل دينٍ بضعفٍ في
العقيدة ، أو ضعفٍ في الخُلق أو ضَعْفٍ في الدعوة ، لم يستطيعوا أن يقاوموا
المادّية الفتية والدعواتِ المعارضةَ القوية .
إنَّ الأصنام - باختلاف أنواعها - لا تزال مُحتلةً للحياةِ ، وإنَّ اللات ومناة
- وهما رمزان للوثنية والهوى ــ لا تزالان في شبابهما وجِدَّتهما كما يقول
إقبال ، فلا يَظُنَّ الدَّاعي أنه قد انتهت مهمته ، ولا تُمكن مقاومة المادية الفتاة ،
ولا يمكن سحبُ اللات ومناة عن الحياة إلّ بالدّين القوي والإيمان الجديد
والدّعوة المتحمسة والعِلم الراسخ والعقل الواسع.
تاريخ الإصلاح والتَّجديد مُتَّصلّ في الإسلام:
من الحقائق التاريخية أن تاريخ الإصلاح والتَّجديد متصلٌ في الإسلام ،
والمُتقصِّي لهذا التاريخ لا يرى ثَغرة ولا ثُلمة في جُهود الإصلاح والتجديد ،
ولا فَترة لم يظهر فيها من يُعارض التيار المنحرف ويُكافح الفساد الشامل ويرفعُ
صوت الحق ، ويتحدَّى القوى الظالمة أو عناصرَ الفساد ويفتحُ نوافذ جديدةً في
التفكير .
والدَّارسُ لهذا التاريخ والمُتتبع لحوادثه وشخصياته لا يعرف عهداً قصيراً
ساد الظلامُ فيه على العالم الإسلامي ، وخبت مصابيحُ الإصلاح وخفتتْ

٥٣
الحاجة إلى الإصلاح والتجديد والبعث الجديد
أصواتُ الحق ، وماتَ الضمير الإِسلامي، وتبلَّدَ الشعور، وأضرَب الفكر
الإسلامي عن العمل.
إنَّ هذه الثغرات التي قد نشعر بها في دراستنا العابرة للتاريخ الإسلامي
وفي نظرتنا العجلى في كتبه ، إن مردّها إلى منهج التأليف الذي اتخذه
المؤرخون للإِسلام قديماً وحديثاً ودرجت عليه الأجيال ، إن النقص
- ومعذرتي إلى المؤلِّفين الذين أَدين لهم في معلوماتي ومحاضراتي ويدينُ لهم
كل مؤلِّف ودارس - في التأليفِ وليس في التاريخ ، أو بكلمة أخرى: إن
المسؤولية تقع على المؤرخين والمؤلفين ، لا على المُجدِّدين والمصلحين
الذين ظهروا حيناً بعد حين ، وحفظوا على الإِسلام جِدَّته وشبابه ، وقضوا على
كثير من الفِتن والبدع والمؤامرات والتحريفات ، حتى أصبحت مطمورةً في
رُكام الماضي ، لا يهتدي إليها أحدٌ في هذا العصر إلا بعد بحث وعناء ، وكثيرٌ
من أفراد هذا الجيل لم يسمعوا بأسمائها ولا يعرفون حقيقتها إلا بشق الأنفس
وإجهادِ العقل والعين.
وقد كان بعضُ هذه المذاهب وبعض هذه الحركات تتمتع بحماية البلاط ،
وتستندُ إلى الملك والسلطان والمال والجاه ، وقد كانت في عصرها صاحبة
حَوْلٍ وطَوْل ، ولكنها طُويت - بفضل جهود هؤلاء المصلحين المخلصين - في
صحائف الماضي ، وأصبحتْ موضوعَ علماء الآثار لا محل لها إلا في
المتاحف والصحائف.
التَّجَنِّي على صَلاحية الإسلام:
إنَّ هذا النقصَ في التأليف الذي صَرَّحْتُ به مع الاعتذار ، جعل كثيراً من
الناس يعتقدون أن تاريخ الإصلاح والكفاح في الإسلام مُتقطعٌ يحتوي على
ثَغرات واسعة وفترات طويلة ، لا ترى فيها إلا المندفعين مع التيار ،
المستسلمين للفساد ، وأقزاماً في العقل والتفكير والعلم والإنتاج ، لقد كان
يظهر ((عملاق)) أو نابغة أو عبقريٌّ بعد عصر طويل ، وقد تخلو قرونٌ ومئات

٥٤
الحاجة إلى الإصلاح والتجديد والبعث الجديد
سنينَ عن عظيم يستحق أن يُسمَّى عملاقاً أو عبقرياً أو مجدّداً في العلم والدين.
إِنَّ هذه العقيدة الخاطئة التي لم تَقُم إلَّ على الدراسةِ القاصرة
المستعجلة للتاريخ ، وعلى منهاج التأليف الذي اتَّخذه مع الأسف أكثر
المؤرِّخين ، وهو تأليف التاريخ الذي يدور حول الملوك وحاشيتهم ، وحول
الحوادث التي لها اتصالٌ بالسياسة والحكم ، قد تنتهي ببعض الشباب
المتحمِّسين وببعض رجال الدعوة إلى سوء الظن بالإِسلام وضَعف إنتاجه ، إنها
نتيجة خطرة تُضعِف الثقة بالإسلام ، وتُضعف العاطفة والإرادة للكفاح في هذا
العصر ، فإن القوة الباطنة التي تدفع إلى الكفاح والعمل للدعوة ، لا تنبعُ إلا
من الثقة بالماضي ، وبأن هنالك رصيداً من الجهاد والإخلاص ، وسنداً من
الكفاح والنجاح.
مَصادرُ التّاريخ المهجورة:
والذَّنْبُ ليس على المؤرِّخين فقط ، إن الذَّنْبَ على من يقتصرُ على كُتب
التاريخ ((الرسمي)) والمصطلح، ولا يتعدَّى هذه الكتب إلى الكتب التي
لا تحمل اسم التاريخ ولا تُوجد في ركن التاريخ في مكتبة ، ولكنها مادة واسعة
للتاريخ ، ومصدرٌ قيّمٌ من مصادر التاريخ ، هي كُتب الأدب وكُتب الدين
والكتب التي دَوَّنَ فيها بعضُ العظماء اعترافاتهم وسجَّلوا حوادث حياتهم
وتجاربهم ، والكتبَ التي حفظ فيها بعضُ التلاميذ وأصحاب الشيوخ كلمات
شيوخهم أو مواعظَهُم ، أو ما دار في مجلسهم من حديث أو حوار ، ومجاميعُ
الرسائل والخطب التي تدلّ على روح أصحابها وفكرتهم ، أو الكتُب التي
أُلِّفتْ في الحسبة وفي انتقاد المجتمع وإنكار البدع والمنكرات.
فلو اتسعت الدِّراسةُ وشملت هذه المصادرَ المهجورة وتخصَّص لهذا
الموضوع باحثٌ واسعَ الفكر ، صبورٌ على المطالعة ، دقيق في الملاحظة؛
استطاع أن يُنتج تاريخاً متصلاً شاملاً للإصلاح والتجديد والتفكير الجديد في
الإسلام ، يدل على أن الإصلاح والكفاح مرافقان لهذه الأمة لا يتخلَّفان عنها.

٥٥
الحاجة إلى الإصلاح والتجديد والبعث الجديد
كيف يُؤْلَّفُ تاريخ الإصلاح؟
ويجبُ على هذا الدارس ألا يقتصر على بعض النقول ، وألا يقتضب
العباراتِ المنقولةَ عن كُتب هذه الشخصيات العظيمة ، ولا يضُنَّ بالألفاظ
والكلمات ، وألا يمرّ بها وبمؤلفاتها ومنتجاتها مرّاً سريعاً في دراسته
التاريخية ، بل يجب أن يعيش في كُتبها ومؤلَّفاتها وأفكارها مدةً ، ويتذوَّق
أدبها وفكرتها ، ويتنسَّم طِيبها ، ويحاولَ أن ينتقل من جَوِّهِ إلى جَوِّ هؤلاء
الرجال ، ومن عصره إلى عصرهم ، حتى يعرفهم على حقيقتهم ، ويُصوِّرهم
في حقيقتهم ، ويُشعرَ القارىءَ أنه انتقل إلى عصرهم وعرفهم معرفةً شخصية ،
وعاشَ معهم مدة من الزمان .
لذلك تسمحون لي بأن أَعرض لكلِّ واحد ممن أذكرهم في محاضراتي أمثلةً
مِن كتاباتهم وخطبهم ورسائلهم ، وقد تكون متنوِّعَة ، وقد تكون مُسهبَةً ،
لأني أعتقد أن الرجل لا يُعرف إلا في كتاباته المتنوعة الطويلة ، ولا يجوز
الحكم عليه إلا بعد مشاهدة طويلة ، ومجالسَ وألوانٍ من الحياة عديدة ،
ولا سبيل لنا إلى هذه المشاهد وإلى هذه المجالس إلا عن طريق هذه الكتابات
والمؤلّفات.
تَطبيقُ مقاييس العصر على الشّخصياتِ القديمة:
ثمَّ الخطيئةُ الثانيةُ التي يرتكبها بعضُ المتحمِّسين والمؤلِّفين في هذا
العصر ، أنهم يُكوِّنون في ذهنهم صورةً خاصّة للمُجدِّد أو المصلح ، ثم
يلتمسونها في تاريخ الإسلام ومجموع صور الأعلام ، فإذا لم يجدوا هذه
الصورة الحبيبةَ في التاريخ الإسلامي أو في عصر من العصور ، تذمَّروا
وأنكروا ، وكثيرٌ منهم عندهم مقاييس خاصةٌ ، وهي مقاييسُ عصريةٌ يقيسون
بها ((العظيم)) أو ((الدَّاعي) أو ((المصلح)) أو ((المفكر)) في كل زمن وفي كل بيئة ،
فإذا لم تنطبق هذه المقاييسُ - التي هي مقاييس العصر - على رجل مهما كان
عظيماً ، ومهما كان قديماً ، ومهما كانت خدمتُه للإِسلام عظيمة ، ومهما كان

٥٦
الحاجة إلى الإصلاح والتجديد والبعث الجديد
مخلصاً ، ومهما نجح في مهمته التي تكفَّلها أو أُسندت إليه ، أسقطوه أو
بخسوه حقه ، ولم يَعدُّوه من المصلحین .
وبعضهم يلتزم مقياساً واحداً كمقياس الإبداع في الأفكار مثلاً ، أو فتح باب
الاجتهاد مثلاً ، أو الكفاح لإقامة الحكم الإسلامي ، أو معارضةِ الدولة القائمة
في عصره مثلاً، فإذا لم يُحققْ هذه الشريطة ، لم يكنْ رجلَ عصره ، ولم
يَستحقَّ أن يَدخُلَ في صفِّ المُصلحين.
إنَّ هذه المقاييس والمعايير لها قيمةٌ عظيمةٌ ، وأنا لا أُنكِر أهميتها ومكانتها
في الإصلاح ، ولكن الذي أريد أن أقول لكم: إن الزمان والبيئة عاملان هامان
في حياة الرجال ، فلكل عصر مشاكلُ ومسائل ، وملابساتٌ وعوائق ، قد تحدِّد
نطاق العمل ، وقد تفرِض منهجاً دون منهج ، وأسلوباً دون أسلوب ، والغايةٌ
واحدة .
فلا يجوز لنا أن ننقل رجلاً من عصره ، ونُطبّق عليه مقاييس هذا العصر ، ثم
نحكُم عليه بالفشل والإِخفاق ، أو الضعف والعجز ونسلبه محاسن نفسه ،
ونحرِمَه من كل مأثرةٍ وكل عظمة ، لأنه لم يحقّق شرطاً من شروطنا ، ولم يكن
((المثل الكامل)) في الإصلاح المنشود ، والتجديدِ المطلوب.
التُّراتُ الإسلاميِ مجموعةٌ تَدِينُ لكل مُصلحٍ وعامل:
إنَّ هذا التراث الذي وصل إلى أيدينا اليوم - ولستُ أسميه التراثَ بالمعنى
الذي يريده الغربيون من كلمة (Legacy)، لأن الإسلام دينٌ حيٌّ خالدٌ ، ولكنْ
أسمِّيه بمعنى الثروة التي انتقلتْ إلينا من أسلافنا: تُراث العلم الواسع ،
والعقيدة المحفوظة ، والإيمان القوي، والسُّنَّة الخالصة ، والأخلاق
المستقيمة ، وثروة الفقه والتشريع الزاخرة ، والأدب الإسلامي الرائع مجموعةٌ
فيها نصيب لكل من ساهم فيها بإقامة حُكم على منهاج الخلافة الراشدة،
ومُحاربة الجاهلية والمادية ، وبالعودة إلى الله وإلى دار السلام، وإحياء
ما درس من الخصائص الإسلامية، وبثُّ الروح الإيمانية في هذه الأمة .

٥٧
الحاجة إلى الإصلاح والتجديد والبعث الجديد
ولكلِّ مَن أوجد الثقة بالدين ومصادره وتعبيراته ، وردّ هجماتِ الفلسفات
الأجنبية .
ولكلِّ مَن دافع عن الفكرة الأصيلة وعصم هذه الأمة من فتنةٍ هددتٍ
الإسلام.
ولكلِّ مَن حَفِظ على هذه الأمة دينَها ، ومصادرَهُ ، وقام بتدوينٍ جديدٍ
للحديث والفقه ، أو فتحَ باب الاجتهاد ، ومَنحَ هذه الأمة ثروة واسعة في
التشريع ، وقانوناً مُنظّماً للحياة والمجتمع.
ولكلِّ مَن حاسب المجتمع في عصره ، وأنكر انحرافه عن مُثل الإسلام
ونُظُمهِ ، ودعاه إلى الإسلام الصحيح.
ولمَن سلك سبيل الإقناع العلمي في العصر الذي كثُرت فِيه الشكوكُ ،
واضطربتِ العقائد ، ووضع لعصره كلاماً جديداً.
ولكل من خَلف الأنبياءَ في الدعوة والتذكير ، والإنذارِ والتبشير ، وحرك
الإيمان في النفوس ، وقام في وجه المادية الجارفة في عصره ، فحدَّ من
تأثيرها ، وأنقذ خلقاً كثيراً من الاندفاع والغرق فيه.
ولكُلِّ مَن حفظ هذه الأمة وقُوّتها السياسية من الانهيار ، ومن أن تكونَ
فريسةً للغاراتِ الأجنبية ، ولمنْ أَخضع بدعوته الحكيمة الرفيعة عدوّاً لم تَعملْ
فيه السيوف ، ولم تُقاومه الجنود ، وحطّم العالمَ الإِسلامي من أقصاه إلى
أقصاه ، فسخَّرهُ أصحاب الدعوة بقُوتهم الروحية وإيمانهمُ القوي للإِسلام ،
وجعلوه من أتباع محمد عليه السلام ، ولمن أخضع بأدبِه القوي وشعره البليغ
عقولاً لم تُخضعها المباحثُ العلمية والفلسفات الدينيةُ إلى غير ذلك، ولكُلِّ
فضلٌ.
وما التاريخُ إلا تأديةُ الأمانات إلى أهلها، والحُكمُ بالعدل، والاعترافُ
بالفضْلِ، وقد قام كلُّ واحدٍ منهم بدوره، وساهم بقسطه؛ القسط المطلوب منه،
وكلٌّ كان مرابطاً على ثغر من ثغور الإسلام ، وكلٌّ كان سهماً مُصيباً في كنانة

٥٨
الحاجة إلى الإصلاح والتجديد والبعث الجديد
الإسلام ، ولولا هذه الجهودُ المخلصة ، ولولا هذه الأقساط التي قد لا تُرى
إلا بِمُكَبِّرَة التاريخ ، لما وصلتْ إلينا هذه المجموعة التي نَعتزُّ بها ونَستندُ
إليها ، ونقتبسُ منها النور سليمةً مَوفورة نتباهى بها على الأمم والديانات.
وعلى هذا المنهاج الذي أعتقدُ أنه المنهاج العادل الواسع ، سأتحدّث عن
هذه الشخصيات الإصلاحية ، وعن عصورها والظروف والملابسات التي
تكتنفها ، ومقدارِ نجاحها في حقل الدّعوة والإصلاح والتجديد ، وبِیَدِ اللهِ.
التوفيقُ.

•كهود الإصلاح والتجديد
في القرن الأول
سيدنا عمر بن عبد العزيز