Indexed OCR Text
Pages 241-260
ضماد الأزديّ من أزد شَنُوءة . قال : أخبرنا محمد بن عمر قال : حدّثّني خارجة بن عبد الله وإبراهيم ابن إسماعيل بن أبي حبيبة عن داود بن الحُصين عن عكرمة عن ابن عبّاس قال : قدم رجل من أزد شنوءة يقال له ضماد مكّة معتمراً ، فسمع كُفّارَ قريش يقولون : محمد مجنون ، فقال: لو أتيتُ هذا الرجلَ فداويتُه . فجاءه فقال له : يا محمد إني أداوي من الريح فإن شئتَ داويتُك لعلّ اللّه ينفعك. فتشهد رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم، وحَمِدَ اللّهَ وتكلّم بكلمات فأعجب ذلك ضماداً فقال : أعِدْها عليّ ، فأعادها عليه فقال : لم أسمع مثل هذا الكلام قطّ ، لقد سمعتُ كلام الكَهَنَةِ والسّحَرَةِ والشعراء فما سمعتُ مثل هذا قطّ ، لقد بلغ قاموسَ البحر ، يعني قَعْرَه ، فأسلم وشهد شهادة الحقّ وبايعه على نفسه وعلى قومه . فخرج عليّ بن أبي طالب بعد ذلك في سريّة إلى اليمن فأصابوا إداوةً فقال: رُدّوها فإنّها إداوة قوم ضِماد . ويقال بل أصابوا عشرين بعيراً بموضع فاستوفوها فبلغ عليّاً أنّها لقوم ضِماد فقال: رُدّوها إليهم ، فُرُدّتْ إليهم . بريدة بن الحصيب ابن عبد الله بن الحارث بن الأعرج بن سعد بن رزاح بن عَديّ بن سَهْم بن مازن بن الحارث بن سلامان بن أسلم بن أفصى ، وأسْلَمُ فيمن انخزع من بطون خُزاعة هو وأخواه مالك ومَلْكان ابنا أفصى بن حارثة ابن عمرو بن عامر وهو ماء السماء . وكان بُريدة يُكنى أبا عبد الله . وأسلم ١٦-٤ ٢٤١ حين مرّ به رسول الله ، صلّى الله عليه وسلّم ، للهجرة . قال : أخبرنا محمد بن عمر قال : فحدّثني هاشم بن عاصم الأسلميّ عن أبيه قال: لما هاجر رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم، من مكّة إلى المدينة فانتهى إلى الغَميم أتاه بريدة بن الحُصيب فدعاه رسول الله، صلّى اللّه عليه وسلّم ، إلى الإسلام فأسلم هو ومن معه ، وكانوا زُهاء ثمانين بيتاً . فصلّى رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم ، العشاء فصلّوا خلفه. قال : أخبرنا محمد بن عمر قال : فحدّثني هاشم بن عاصم الأسلميّ قال : حدّثّني المنذر بن جَهْم قال : كان رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم، قد علّم بريدة بن الحُصيب لَيْلَتَئِذِ صدراً من سورة مَرْيَمَ. وقدم بريدة بن الحُصيب بعد أن مضت بدر وأحد على رسول الله، صلّى اللّه عليه وسلّم، المدينةَ فتعلّم بقيّتَها ، وأقام مع رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم ، فكان من ساكني المدينة . وغزا معه مَغازِيّه بعد ذلك . قال : أخبرنا محمد بن عمر قال : حدثني أبو بكر بن عبد الله بن أبي سَبرة عن أبي بكر بن عبد الله بن أبي جَهْم قال : أمر رسول اللّه بأسارى المُرَيْسيع فكُتفوا وجُعلوا ناحيةً ، واستعمل بريدة بن الحُصيب عليهم . قال محمد بن عمر : وعقد رسول الله ، صلّى الله عليه وسلّم ، في غَزْوَةٍ فتح مكّة لواءينٍ فحمل أحدهما بُريدة بن الحُصيب وحمل الآخر ناجية بن الأعجم . وبعث رسول الله ، صلّى الله عليه وسلم ، بُريدة بن الحُصيب على أسلم وغِفار يصدّقهم، وبعثه رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم ، حين أراد غَزْوَةَ تَبَوكَ إلى أسلم يستنفرهم إلى عدوّهم . ولم يزل بعد وفاة رسول الله، صلّى الله عليه وسلم، مقيماً بالمدينة حتى فُتحت البصرة ومُصّرَتْ فتحوّل إليها واختط بها ثمّ خرج منها غازياً إلى خراسان فمات بمَرْو في خلافة يزيد بن معاوية ، وبقي ولده بها ، وقدم منهم قوم فنزلوا بغداد فماتوا بها . ٢٤٢ قال : أخبرنا هاشم بن القاسم أبو النّضْر الكنانيّ قال : حدّثنا شُعْبة قال : حدثنا محمد بن أبي يعقوب الضّبّ قال : حدّثني من سمع بُريدة الأسلمي من وراء نهر بَلْخ وهو يقول: لا عيشَ إلاّ طِراد الخِيْلِ الخَيْلَ. قال: أخبرنا فَهْدُ بن حيّان أبو بكر القيسيّ قال : حدّثنا قُرّة بن خالد السّدوسيّ عن أبي العلاء بن الشخّير عن رجلٍ من بكر بن وائل لم يُسّه لنا قال : كنتُ مع ببريدة الأسلميّ بسِجِسْتان، قال فجعلتُ أُعَرّضُ بعليّ وعثمان وطلحة والزّبير لأستخرج رأيه ، قال فاستقبل القبلة فرفع يديه فقال : اللهمّ اغفر لعثمان واغفر لعليّ بن أبي طالب واغفر لطلحة بن عبيد اللّه واغفر للزّبير بن العوّام. قال ثمّ أقبل عليّ فقال لي: لا أبا لك أتُراك قاتلي ؟ قال فقلتُ: والله ما أردتُ قتلك ولكنّ هذا أردتُ منك ، قال : قوم سبقَتْ لهم من اللّه سوابق فإن يَشَأْ يَغْفِرُ لهم بما سبق لهم فَعَلَ وإن يَشَأ يُعَذّبُهُم بما أُحْدَثُوا فَعَلَ ، حسابُهم على اللّه . مالك ونعمان ابنا خلف ابن عوف بن دارم بن عَنْز بن وائلة بن سَهْم بن مازن بن الحارث ابن سلامان بن أسلم بن أفصى بن حارثة . قال : أخبرنا هشام بن محمد بن السائب الكلبيّ بأسمائهما ونَسَبهما هكذا، وقال : كانا طَليعَتَينِ للنبيّ، صلّى الله عليه وسلّم، يومَ أُحُد فقُتلا يومئذٍ شَهيدينِ فدُفنا في قبرٍ واحدٍ . ٢٤٣ أبو رُهْمِ الغِفاري واسمه كُلْثوم بن الحُصين بن خَلَف بن عبيد بن معشر بن زيد بن أُحيمس بن غفار بن مُليك بن ضَمْرة بن بكر بن عبد مناة بن كنانة . أسلم بعد قدوم رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم، المدينة وشهد معه أحداً ورُميّ يومئذٍ بسهمٍ فوقع في نحره فجاء إلى رسول الله ، صلّى الله عليه وسلّم، فبسق عليه فبرأ ، فكان أبو رُهْم يسمّى المنحور . قال : أخبرنا محمد بن عمر قال : حدّثنا عبد الرحمن بن الحارث عن عُبيد بن أبي عُبيد عن أبي رُهْم الغِفاريّ قال: كنتُ ممن أسوق الهَدْيَ وأركب على البُدُّن في عُمْرة القضيّة . قال محمد بن عمر : وبينا رسول اللّه، صلّى الله عليه وسلّم ، يسير من الطائف إلى الجِعْرانة وأبو رُهْم الغِفاريّ إلى جنب رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم، على ناقة لهُ وفي رجليه نَعْلان له غليظتان ، إذ زحمت ناقتُهُ ناقةَ رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم، قال أبو رُهْم : فوقع حرف فعلي على ساقه فأوجعه فقال رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم: أوْجَعْتَني أخّر رجلك . وقرع رجلي بالسوط . قال فأخذني ما تقدّم من أمري وما تأخّر وخَشيتُ أن ينزَّل فيّ قرآن لعظيم ما صنعتُ . فلمّا أصبحنا بالجِعْرانة خرجتُ أرعى الظَّهْرَ وما هو يومي فَرَقاً أن يأتي للنبيّ ، عليه السلام ، رسول يطلبني ، فلمّا رَوّحتُ الرّكابَ سألتُ فقالوا: طلبك النبيّ ، صلّى الله عليه وسلّم، فقلتُ: إحداهنّ واللّه، فجئتُه وأنا أتَرَقْبُ فقال : إنّك أوْجَعَتني برجلك فقرعتُك بالسوط وأوجعْتُك فخُذْ هذه الغَنَمِ عِوَضاً من ضرْبتي . قال أبو رُهْم : فرضاه عني كان أحبّ إليّ من الدنيا وما فيها . قال وبعث رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم، أبا رُهْم حين أراد الخروج إلى تبوك إلى قومه يستنفرهم إلى عدوّهم وأمره أن يطلبهم ببلادهم ، فأتاهم إلى مجالهم ٢٤٤ فشهد تبوك منهم جماعة كثيرة ، ولم يزل أبو رهم مع النبيّ ، صلّى الله عليه وسلّم ، بالمدينة يغزو معه إذا غزا ، وكان له منزل بني غفار ، وكان أكثر ذلك ينزل الصّفْراء وغَيْقةَ وما والاها ، وهي أرض كنانة . عبد الله وعبد الرحمن ابنا الهُبيب من بني سَعْد بن لَيْث بن بكر بن عبد مناة بن كنانة، وأمّهما أمّ نوفل بنت نوفل بن خُويلد بن أسد بن عبد العُزّى بن قُصَيّ . أسلما قديماً وشهدا مع رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم، أحُداً، وقُتلا يومئذٍ شهيدين في شوّال على رأس اثنين وثلاثين شهراً من الهجرة . جُعال بن سراقة الضمري ويقال ثَعْلَبيّ ، ويقال إنّه عَديد لبي سواد من بني سلمة من الأنصار . وكان من فقراء المهاجرين ، وكان رجلاً صالحاً دَميماً قبيحاً وأسلم قديماً وشهد مع رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم، أحداً. قال : أخبرنا محمد بن عمر قال : حدّثنا أسامة بن زيد عن أبيه قال : قال جُعال بن سُراقة وهو يتوجّه إلى أحُد : يا رسول الله إنّه قيل لي إنّك تُقْتَلُ غداً ، وهو يتنفّس مكروباً ، فضرب النبيّ، صلّى الله عليه وسلّم، بيده في صدره وقال : أليس الدهرُ كلّه غداً ؟ قال : أخبرنا محمد بن عمر قال : حدثني يحيى بن عبد العزيز عن عاصم بن عمر بن قتادة قال : كان جُعيل بن سراقة رجلاً صالحاً ، وكان دَميماً قبيحاً ، وكان يعمل مع المسلمين في الخندق فكان رسول الله، صلّى ٢٤٥ الله عليه وسلّم ، قد غيّر اسمه يومئذ فسمّاه عَمْراً ، فجعل المسلمون يرتجزون ويقولون : سَمَّهُ مِن بعدِ جُعَّيْلٍ عُمَرْ وكان للبائسِ يَوْماً ظُهَرْ فجعل رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم، لا يقول من ذلك شيئاً إلاّ أن يقول عمر . قال : أخبرنا محمد بن عمر قال : فحدّثني يزيد بن فِراس اللّيّيّ عن شريك بن عبد الله بن أبي نَمِر قال : وجعل جُعيل يقول مع المسلمين : .سمّاه من بعد جُعيل عمر ، وهو يضحك مع المسلمين فعرفوا أنّه لا يبالي . قال محمد بن عمر : هو جُعال بن سُراقة فصُغّرَ فقيل جُعيل ، وسمّاه رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم، عَمْراً ولكن هكذا جاء الشعر عُمَرْ. وشهد أيضاً جعال المُرَيْسيع والمشاهد كلّها مع رسول الله، صلّى الله عليه وسلم ، وأعطى رسول الله، صلّى الله عليه وسلم، المُؤلّفة قلوبهم بالجِعْرانة من غنائم خَيْبَرَ فقال سعد بن أبي وقّاص : يا رسول اللّه أعطيتَ عُبينة ابن حِصْن والأقرع بن حابس وأشباههما مائةً مائةً من الإبل وتركتَ جُعيل بن سُراقة الضّمْريّ، فقال رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم : أما والذي نفسي بيده لجُعيل بن سُراقة خير من طلاع الأرض كلّها مِثْلٍ عيينة والأقرع ولكي تَألّفْتُهُما ليُسْلِمَا ووكلتُ جُعيل بن سراقة إلى إسلامه . قال : أخبرنا محمد بن عمر قال : حدثنا عبد الملك بن محمد بن عبد الرحمن عن عمارة بن غَزيّة قال : بعث رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم، جعال بن سراقة بشيراً إلى المدينة بسلامة رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم، والمسلمين في غزوة ذات الرّقاع . ٢٤٦ --- ----- ---- وهب بن قابوسَ المُزَني أقبل ومعه ابن أخيه الحارث بن عقبة بن قابوس بغم لهما من جبل مُزينة فوجدا المدينة خُلوفاً فسألا : أين الناس ؟ فقالوا : بأحُدٍ ، خرج رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم، يقاتل المشركين من قريش فقالا: لا نسأل أثراً بعد عين. فأسلما ثمّ خرجا حتى أتيا النبيّ، صلّى الله عليه وسلّم، بأحد فيجدان القوم يقتتلون والدولة لرسول اللّه وأصحابه ، فأغاروا مع المسلمين في النّهْبٍ ، وجاءت الخيل من ورائهم خالد بن الوليد وعكرمة بن أبي جَهْل فاختلطوا فقاتلا أشدّ القتال، فانفرقت فرْقَةٌ من المشركين فقال رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم : مَن لهذه الفرقة ؟ فقال وهب بن قابوس: أنا يا رسول الله. فقام فرماهم بالنبل حتى انصرفوا ثمّ رجع ، فانفرقت فرقة أخرى فقال رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم : مَن لهذه الكتيبة ؟ فقال المُؤَّنيّ : أنا يا رسول اللّه. فقام فذبّها بالسيف حتى ولوا ثمّ رجع المُزْنيّ ، ثمّ طلعت كتيبةٌ أُخرى فقال : مَن يقوم لهؤلاء ؟ فقال المُزَنيّ: أنا يا رسول اللّه، فقال: قُمْ وأبْشِرْ بالجنّة، فقام المُزّنيّ مسروراً يقول : والله لا أقيل ولا أستقيل. فقام فجعل يدخل فيهم فيضرب بالسيف حتى يخرج من أقصاهم ورسول الله ، صلّى الله عليه وسلّم ، والمسلمون ينظرون إليه، ورسول الله يقول: اللهمّ ارْحَمْه. فما زال كذلك وهم مُحَدّقون به حتى اشتملت عليه أسيافُهم ورماحُهم فقتلوه فوُجِدَ به يومئذ عشرون طَعْنَةَ برُمْحٍ كلّها قد خلصت إلى مقتل ، ومُثّلَ به يومئذٍ أقبح المُشَل . ثمّ قام ابن أخيه الحارث من عقبه فقاتل كنحوٍ من قتاله حتى قُتلَ ، فوقف عليهما رسول اللّه وهما مقتولان فقال: رضي الله عنك فإني عنك راضٍ ، يعني وَهْباً، ثمّ قام على قدميه وقد ناله ، عليه السلام ، من الجراح ما ناله وإنّ القيام لَيَشقّ عليه فلم يزل قائماً حتى وُضعَ المُزَّنيّ في لحده عليه بُرْدة ٢٤٧ لها أعلام حُمْرٌ، فمدّ رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم ، البردة على رأسه فخمّره وأدرجه فيها طولاً وبلغت نصف ساقيه، وأمَرَنا فجمعنا الحَرْمَلَ فجعلناه على رجليه وهو في اللحد ، ثمّ انصرف رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم ، فكان عمر بن الخطّاب وسعد بن أبي وقاص يقولان : فما حالٌ نموت عليها أحبّ إلينا من أن نلقى الله على حال المُزّنيّ . عمرو بن أُميّة ابن خُويلد بن عبد الله بن إياس بن عبد بن ناشرة بن كعب بن جُدَ يّ ابن ضَمْرة بن بكر بن عبد مناة بن كنانة . وكانت عنده سُخيلة بنت عُبيدة ابن الحارث بن المطّلب بن عبد مناف بن قُصيّ فولدت له نفراً . وشهد عمرو بن أميّة بدراً وأحُداً مع المشركين ثمّ أسلم حين انصرف المشركون عن أحُد ، وكان رجلاً شجاعاً له إقدام ويُكْني أبا أميّة ، وهو الذي يروي عنه أبو قلابة الجَرْمي عن أبي أميّة . قال : أخبرنا عبد الله بن نُمير قال : حدثنا الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير عن أبي قلابة في حديث رواه عن النبيّ ، صلّى الله عليه وسلّم ، أنّه قال لعمرو بن أميّة الضمريّ يا أبا أميّة. قال محمد بن عمر : فكان أوّل مشهد شهده عمرو بن أمية مسلماً بئر معونة في صَفَرَ على رأس ستّةٍ وثلاثين شهراً من الهجرة فأسرته بنو عامر يومئذٍ فقال له عامر بن الطّفيل : إنّه قد كان على أمّي نَسَمَةٌ فأنت حُرّ عنها. وجزّ ناصيتَه وقدم المدينة فأخبر رسول اللّه بقتل من قُتل من أصحابه ببئر معونة ، فقال رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم: أنت من بينهم ، يعني أفْلَتّ ولم تُقْتَلْ كما قُتلوا . ولما دنا عمرو من المدينة منصرفاً من ٢٤٨ بئر معونة لقي رجلين من بني كلاب فقاتلهما ثمّ قتلهما، وقد كان لهما من رسول الله، صلّى الله عليه وسلم، أمان فوداهما رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم ، وهما القتيلان اللذان خرج رسول الله ، صلّى الله عليه وسلّم ، بسَبَبهما إلى بني النّضير يستعينهم في دِيّتهما . قال : وبعث رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم، عمرو بن أميّة ومعه سَكَمة بن أسلم بن حريش الأنصاري سَرِيّةً إلى مكة إلى أبي سفيان بن حَرْب فعلم بمكانهما فطُلبا فتواريا ، وظفر عمرو بن أميّة في تواريه ذلك في الغار بناحية مكّة بعبيد الله بن مالك بن عُبيد الله التيميّ فقتله، وعمد إلى خُبيب بن عديّ وهو مصلوب فأنزله عن خَشَبته ، وقتل رجلاً من المشركين من بي الدّيل ، أعور طويلاً، ثمّ قدم المدينة فسُرّ رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم ، بقدومه ودعا له بخير . وبعثه رسول الله ، صلّى الله عليه وسلّم ، إلى النجاشيّ بكتابين كتب بهما إليه في أحدهما أن يزوّجه أمّ حبيبة بنت أبي سفيان بن حَرْب ، وفي الآخر يسأله أن يحمل إليه مَن بقي عنده من أصحابه . فزوّجه النجاشيّ أمّ حبيبة وحمل إليه أصحابه في سفينتين . وكانت لعمرو بن أميّة دار بالمدينة عند الحدّاكين ، يعني الخرّاطين، ومات بالمدينة في خلافة معاوية بن أبي سفيان . دحية بن خليفة ابن فَرْوة بن فضالة بن زيد بن امرئ القيس بن الخزرج ، وهو زید مناة بن عامر بن بكر بن عامر الأكبر بن عوف بن بكر بن عوف بن عُذْرة ابن زيد اللاّت بن رُفيدة بن ثور بن كلب بن وبرة بن تغلب بن حُلْوان ابن عمران بن الحاف بن قُضاعة . وأسلم دحية بن خليفة قديماً ولم يشهد ٢٤٩ بدراً وكان يُشَبَّهُ بجبرائيل . قال : أخبرنا يعلى بن عبيد وعبيد اللّه بن موسى والفضل بن دكين قالوا : حدّثنا زكريّاء بن أبي زائدة عن عامر الشعبيّ قال : شبّه رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم، ثلاثة نَفَرٍ من أميّة فقال: دحية الكلبيّ يُشْبهُ جبرائيل ، وعُروة بن مسعود الثّقَفيّ يُشْبِهُ عيسى بن مريم، وعبد العُزّى يُشْبُهُ الدجّال . قال : أخبرنا عفّان بن مسلم قال : حدّثنا أبو عوانة عن مغيرة عن يزيد بن الوليد عن أبي وائل قال : كان دِحْية الكلبيّ يشبّه بجبرائيل ، وكان عُرْوة بن مسعود مَثَلُهُ كَمَثَلِ صاحب يس ، وكان عبد العُزّى ابن قَطَن يُشَبّه بالدجّال . قال : أخبرنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد الزهريّ عن أبيه عن ابن شهاب قال : قال رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم: أشبه من رأيتُ بجبرائيل دحية الكلبيّ قال : أخبرنا عفّان بن مسلم قال : حدّثنا حمّاد بن سَلَمة عن إسحاق ابن سُويد عن يحيى بن يَعْمُر عن ابن عمر عن النبيّ قال : كان جبرائيل يأتي النبيّ في صورة دحية الكلبيّ . قال : أخبرنا خالد بن مخلّد قال : حدثنا عبد الله بن عمر عن يحيى ابن سعيد عن القاسم بن محمد عن عائشة قالت: وثب رسول اللّه وَثْبَةً شديدةً فنظرتُ فإذا معه رجلٌ واقف على بِرْذَوْن وعليه عمامةٌ بيضاء قد سدّل طَرَفتها بين كتفيه، ورسول الله ، صلّى الله عليه وسلّم ، واضع يده على مَعْرَفةٍ برذونه فقلتُ : يا رسول الله لقد راعتني وثبتُك ، من هذا ؟ قال : ورأيتِهِ ؟ قلتُ : نعم ، قال : ومَن رأيتِ ؟ قلتُ : رأيتُ دِحْية الكلبيّ ، قال : ذاك جبرائيل ، عليه السلام. قال : أخبرنا وكيع بن الجراح عن سفيان بن عيينة عن ابن أبي نجيح ٢٥٠ ١ عن مجاهد قال : بعث رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم، دحية الكلبيّ سريّةً وَحْدَه . قال : أخبرنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد الزهريّ عن أبيه عن صالح ابن كيسان قال : قال ابن شهاب : أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عُشْبة ابن مسعود أنّ عبد اللّه بن عبّاس أخبره أنّ رسول الله، عليه السلام، كتب إلى قيصر يدعوه إلى الإسلام وبعث بكتابه مع دحية الكلبيّ وأمره رسول الله، صلّى الله عليه وسلم، أن يدفعه إلى عظيم بُصْرى ليدفعه إلى قَبْصَرِ ، فدفعه عظيم بُصْرى إلى قَبْصَر . قال محمد بن عمر : لقيه بحمص فدفع إليه كتاب رسول الله، صلّ الله عليه وسلّم ، وذلك في المحرّم سنة سبعٍ من الهجرة . وشهد دحية مع رسول الله ، صلّى الله عليه وسلّم ، المشاهد بعد بدر وبقي إلى خلافة معاوية ابن أبي سفيان . ٢٥١ الصحابة الذين أسلموا قبل فتح مكة خالد بن الوليد ... أُصاحبُ فلقيتُ عثمان بن طلحة فذكرتُ له الذي أريد فأسرع الإجابة وخرجنا جميعاً فأدلجنا سحراً ، فلمّا كنّا بالهِلّ إذا عمرو بن العاص فقال : مرحباً بالقوم ، قلنا : وبك ، قال : أين مسيركم ؟ فأخبر ناه وأخبر نا أنّه يريد أيضاً النبيّ، صلّى الله عليه وسلّم، وَلِنُسْلِمَ. فاصطحبنا حتى قدمنا المدينة على رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم ، أوّل يوم من صفر سنة ثمان . فلمّا اطلعتُ على رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم، سلمتُ عليه بالنبوّة فردّ عليّ السلام بوجْهِ طَلْقٍ فأسلمتُ وشهدتُ شهادة الحقّ، فقال رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم: قد كنتُ أرى لك عقلاً رجوتُ ألاّ يسلمك إلاّ إلى خيرٍ. وبايعتُ رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم، وقلتُ: استغفر لي كلّ ما أوضعتُ فيه من صدّ عن سبيل الله، فقال: إنّ الإسلام يَجُبّ ما كان قبله، قلتُ: يا رسول اللّه على ذلك، فقال: اللهمّ اغفر لخالد بن الوليد كلّ ما أوضع فيه من صدّ عن سبيلك . فقال خالد : وتقدّم عمرو بن العاص وعثمان بن طلحة فأسلما وبايعا رسول الله ، صلّى الله عليه وسلّم، فوالله ما كان رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم، من يوم أسلمتُ يَعْدِلُ بي أحداً من أصحابه فيما يَجْزِيه . قال : أخبرنا محمد بن عمر قال : حدّثنا محمد بن عبد اللّه عن الزهري ٢٥٢ عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة قال: أقطع رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم، خالد بن الوليد موضع داره . قال محمد بن عمر: والمنّاءَ أقطعه رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم، بعد خيبر وبعد قدوم خالد عليه وكانت دوراً لحارثة بن النعمان ورثها من آبائه فوهبها لرسول الله، صلّى الله عليه وسلّم ، فأقطع منها رسول اللّه، صلّى الله عليه وسلّم ، خالد بن الوليد وعمّار بن ياسر . قال : أخبرنا محمد بن عمر قال : حدثني إسماعيل بن مُصْعَب عن إبراهيم بن يحيى بن زيد بن ثابت قال: لما كان يوم مُؤْتَةَ وقُتل الأمراء أخذ اللواء ثابت بن أقرم وجعل يصيح : يا آل الأنصار ، فجعل الناس يثوبون إليه فنظر إلى خالد بن الوليد فقال : خُذِ اللواء يا أبا سليمان ، قال : لا آخذه ، أنت أحقّ به، لك سِنّ وقد شهدتَ بدراً. قال ثابت: خُذْهِ أيّها الرجل فوالله ما أخذته إلا لك ، وقال ثابت للناس : آصطلحتم على خالد ؟ قالوا : نعم . فأخذ خالد اللواء فحمله ساعةً وجعل المشركون يحملون عليه فثبت حتى تكركر المشركون وحمل بأصحابه ففَضّ جمعاً من جمعهم ثمّ دُهِمَ منهم بشرّ كثير فانحاش بالمسلمين فانكشفوا راجعين. قال : أخبرنا محمد بن عمر قال : حدّثّني عبد الله بن الحارث بن الفضل عن أبيه قال: لما أخذ خالد بن الوليد الراية قال رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم : الآنَ حَمِيَ الوَطيس . قال : أخبرنا وكيع بن الجرّاح وعبد الله بن عمير ومحمد بن عُبيد الطنافسيّ عن إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم قال: سمعتُ خالد بن الوليد بالحيرة يقول : قد انقطع في يدي يومَ مُؤْتةً ( تسعة أسياف ) . ٢٥٣ عمرو بن العاص وأسلَمُ لي في ديني وأمّا أنت يا محمد فأمرتّني بالذي أَنْبَهُ لي في دنيايَ وأشرّ لي في آخرتي، وإنّ عليّاً قد بويع له وهو يُدِلّ بسابقته ، وهو غير مُشْرٍكي في شيء من أمره ، ارحلْ يا ورْدان . ثمّ خرج ومعه ابناه حتى قدم على معاوية بن أبي سفيان فبايعه على الطلب بدم عثمان وكتبا بينهما كتاباً نُسْخَتُه: بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما تعاهد عليه معاوية ابن أبي سفيان وعمرو بن العاص ببيت المقدس من بعد قتل عثمان بن عفّان وحمل كلّ واحد منهما صاحبه الأمانةَ، إنّ بيننا عهد اللّه على التناصر والتخالص والتناصح في أمر اللّه والإسلام ولا يَخْذُلُ أحدُنا صاحبه بشيء ولا يتّخذ من دونه وَليجةً، ولا يحول بيننا ولدٌ ولا والدّ أبداً ما حيينا فيما استطعنا فإذا فُتِحَتْ مصر فإنّ عمراً على أرضها وإمارته التي أمّره عليها أمير المؤمنين ، وبيننا التناصح والتوازر والتعاون على ما نابنا من الأمور ، ومعاوية أمير على عمرو بن العاص في الناس وفي عامّة الأمر حتى يجمع اللّه الأمّةَ فإذا اجتمعت الأمّةُ فإنّهما يدخلان في أحسن أمرها على أحسن الذي بينهما في أمر الله الذي بينهما من الشرط في هذه الصحيفة . وكتب وردان سنة ثمان وثلاثين . قال : وبلغ ذلك عليّاً فقام فخطب أهل الكوفة فقال : أمّا بعد فإنّه قد بلغني أنّ عمرو بن العاص الأبتر بن الأبتر بايع معاوية على الطلب بدم عثمان وحضّهم عليه فالعضد واللّه الشّلاَءُ عمرو ونُصْرَتُه . قال : أخبرنا محمد بن عمر قال : أخبرنا هشام بن الغاز وإبراهيم ابن موسى عن عكرمة بن خالد وغيرهما قالوا : كان عمرو بن العاص يباشر القتال في القلب أيّام صفّين بنفسه ، فلمّا كان يوم من تلك الأيّام اقتتل أهل العراق وأهل الشأم حتى غابت الشمس فإذا كتيبة خَشْناءُ من خلف ٢٥٤ ١ صفوفنا أراهم خمسمائة فيها عمرو بن العاص ، ويُقْبِلُ عَليّ في كتيبة أُخرى نحو من عدد الذي مع عمرو بن العاص ، فاقتتلوا ساعةً من الليل حتى كثرت القتلى بينهم ثمّ صاح عمرو بأصحابه : الأرض يا أهل الشام ، فترجلوا ودبّ بهم وترجّل أهلُ العراق ، فنظرتُ إلى عمرو بن العاص يباشر القتال وهو يقول وخُطوبٍ تري البياضِ الوَليد! وَصَبَرْنا على مَوَاطِنِ ضَنْك ويُقْلُ رجل من أهل العراق فخلص إلى عمرو وضربه ضربة جرحه على العائق وهو يقول : أنا أبو السّمْراء ، ويُدْرِكُه عمرو فَضربه ضربة أثْبَتَه وانحاز عمرو في أصحابه وانحاز أصحابه . قال : أخبرنا محمد بن عمر قال : حدّثني إسماعيل بن عبد الملك عن يحيى بن شِبْل عن أبي جعفر عن عبيد الله بن أبي رافع قال : نظرتُ إلى عمرو بن العاص يوم صفّين وقد وُضِعَتْ له الكراسيّ بَصُفّ الناس بنفسه صفوفاً ويقول كقَصّ الشارب ، وهو حاسر ، وأسمَعُه وأنا منه قريب يقول : عليكم بالشيخ الأزديّ أو الدجّال ، يعني هاشم بن عتبة. قال : أخبرنا محمد بن عمر قال : حدّثني معمر بن راشد عن الزهريّ قال : اقتتل الناس بصفّين قتالاً شديداً لم يكن في هذه الأمّة مثله قط حتى كره أهل الشأم وأهل العراق القتال وملّوه من طول تباذُلهم السيف ، فقال عمرو بن العاص ، وهو يومئذ على القتال ، لمعاوية : هل أنت مُطيعي فتأمرَ رجالاً بنشر المصاحف ثمّ يقولون يا أهل العراق ندعوكم إلى القرآن وإلى ما في فاتحته إلى خاتمته ، فإنّك إن تفعل ذلك يختلف أهل العراق ولا يزيد ذلك أمرَ أهل الشأم إلاّ استجماعاً . فأطاعه معاوية ففعل وأمر عمرو رجالاً من أهل الشأم فقُرىء المصحف ثمّ نادى: يا أهل العراق ندعوكم إلى القرآن . فاختلف أهل العراق فقالت طائفة : أوَلسنا على كتاب الله وبيعتنا ؟ وقال ٢٥٥ آخرون كرهوا القتال: أجَبْنا إلى كتاب الله. فلمّا رأى عليّ ، عليه السلام ، وَهْنتهم وكراهتهم للقتال قارب معاوية فيما يدعوه إليه واختلف بينهم الرسل فقال عليّ ، عليه السلام : قد قبلنا كتاب الله فمن يحكم بكتاب الله بيتنا وبينك ؟ قال : نأخذ رجلاً منّا نختاره وتأخذ منكم رجلاً تختاره . فاختار معاوية عمرو بن العاص واختار عليّ أبا موسى الأشعريّ . قال : أخبرنا محمد بن عمر قال : حدّثنا منصور بن أبي الأسود عن مجالد عن الشعبيّ عن زياد بن النضر أنّ عليّاً ، عليه السلام ، بعث أبا موسى . الأشعريّ ومعه أربعمائة رجل عليهم شُريح بن هانىء ومعهم عبد الله بن عبّاس يصلّي بهم ويلي أمرهم ، وبعث معاوية عمرو بن العاص في أربعمائة من أهل الشأم حتى توافوا بدومة الجندل . قال : أخبرنا محمد بن عمر قال : حدّثّني أبو بكر بن عبد الله بن أبي سَبْرةَ عن إسحاق بن عبد الله بن أبي فَرْوة عن عمرو بن الحكم قال : لما التقى الناس بدومة الجندل قال ابن عبّاس للأشعري : احذر عمراً فإنّما يريد أن يُقَدّمّك ويقول أنت صاحب رسول الله ، صلّى الله عليه وسلّم، وأسنّ مني ، فَكُنْ متدبّراً لكلامه . فكانا إذا التقيا يقول عمرو إنّك صحبت رسولَ الله، صلّى الله عليه وسلّم، قبلي وأنت أسنّ مي فتَكَلّمْ ثمّ أتكلّم . وإنّما يريد عمرو أن يُقَدّمَ أبا موسى في الكلام ليَخْلَعَ عليْاً ، فاجتمعا على أمرهما فأداره عمرو على معاوية فأبى ، وقال أبو موسى : عبد اللّه بن عمر ، فقال عمرو : أخبرني عن رأيك ، فقال أبو موسى : أرى أن نَخْلَعَ هذين الرجلين ونجعل هذا الأمر شُورَى بين المسلمين فيختارون لأنفسهم من أحبّوا . . قال عمرو: الرأي ما رأيتَ. فأقْبَلا على الناس وهم مجتمعون فقال له عمرو : يا أبا موسى أعْلِمْهم بأنّ رأينا قد اجتمع . فتكلّم أبو موسى فقال أبو موسى : إنّ رأينا قد اتّفق على أمرٍ نرجو أن يصلح به أمر هذه ٢٥٦ الأُمّة . فقال عمرو : صَدَقَ وبرّ ونِعْمَ الناظرُ للإسلام وأهله ، فتكلّم يا أبا موسى. فأتاه ابن عبّاس فخلا به فقال: أنتَ في خُدْعَةٍ، ألم أقُلْ لك لا تَبْدَأه وتَعَقّبْهُ فإنّ أخشى أن يكونَ أعطاكَ أمراً خالياً ثمّ ينزع عنه على ملأٍ من الناس واجتماعهم . فقال الأشعريّ : لا تَخْشَ ذلك ، قد اجتمعنا واصطلحنا . فقام أبو موسى فحمد الله وأثنى عليه ثمّ قال : أيّها الناس قد نظرنا في أمر هذه الأمّة فلم نَرَ شيئاً هو أصلح لأمرها ولا ألمّ لشَعَئِها من أن لا نَبْتَزّ أمورها ولا نعصبها حتى يكون ذلك عن رضّ منها وتشاوُرِ ، وقد اجتمعتُ أنا وصاحبي على أمر واحدٍ ، على خلع عليّ ومعاوية وتَسْتَقْبُلُ هذه الأمّة هذا الأمرَ فيكون شُورَى بينهم بُوَلونَ منهم من أحبّوا عليهم ، وإني قد خلعتُ عليّاً ومعاويةَ فوَلّوا أَمْرَكم مَن رأيتم؛ ثمّ تنحى، فأقبل عمرو بن العاص فحمد الله وأثنى عليه ثمّ قال: إنّ هذا قد قال ما قد سمعتم وخلع صاحبه وإني أخلع صاحبه كما خلعه وأُثبِتُ صاحبي معاويةَ فإنّه وليّ ابن عفّان والطالب بدمه وأحقّ الناس بمقامه . فقال سعد بن أبي وقاص : ويحك يا أبا موسى ما أضعفك عن عمرو ومكائده ! فقال أبو موسى : فما أصنع ؟ جامعي على أمرٍ ثمّ نزع عنه ، فقال ابن عبّاس : لا ذَنْبَ لك يا أبا موسى ، الذنب لغيرك، الذي قدّمَك في هذا المقام ، فقال أبو موسى : رحمك الله غدرني فما أصنع ؟ وقال أبو موسى لعمرو: إنّما مَثَلُكَ كالكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أو تَتْرُكْهُ بَلْهَتْ، فقال له عمرو: إنّما مَثَلُكَ مَثَلُ الحِمارِ يَحْمِلُ أسْفاراً . فقال ابن عمر : إلى مَ صُيّرَتْ هذه الأمّة ؟ إلى رجل لا يبالي ما صنع وآخَرَ ضعيفٍ ، وقال عبد الرحمن بن أبي بكر : لو مات الأشعريّ من قبل هذا كان خيراً له . قال : أخبرنا محمد بن عمر قال : حدثني عبد الرحمن بن عبد العزيز عن الزهري قال : كان عمرو يقول لمعاوية حين خرجت الخوارج على عليّ : ١٧-٤ ٢٥٧ كيف رأيتَ تدبيري لك حيث ضاقت نفسك مستهزئاً على فرسِك الوَرْدِ تستبطئه فأشرتُ عليك أن تدعوهم إلى كتاب اللّه وعرفتُ أنّ أهلَ العراق أهلُ شُبَهِ وأنّهم يختلفون عليه ، فقد اشتغل عنك عليّ بهم وهم آخرَ هذا قاتلوه ، ليس جُندٌ أَوْهَنَ كيداً منهم . قال : أخبرنا محمد بن عمر قال : حدّثّني مفضّل بن فَضالة عن يزيد ابن أبي حبيب قال : وحدّثني عبد الله بن جعفر عن عبد الواحد بن أبي عون قالا : لما صار الأمر في يَدَيْ معاوية استكثر طُعْمَةَ مصر لعمرو ما عاش ورأى عمرو أنّ الأمر كلّه قد صلح به وبتدبيره وعنائه وسَعْيه فيه ، وظنّ أنّ معاوية سيزيده الشأم مع مصر فلم يفعل معاوية ، فتنكر عمرو لمعاوية فاختلفا وتغالظا وتميّز الناس وظنوا أنّه لا يجتمع أمرهما ، فدخل بينهما معاوية بن حُديج فأصلح أمرهما وكتب بينهما كتاباً وشرط فيه شروطاً لمعاوية وعمرو خاصّةً وللناس عليه، وأنّ لعمرو ولاية مصر سبع سنين ، وعلى أنّ على عمرو السمع والطاعة لمعاوية ، وتواثقا وتعاهدا على ذلك وأشهدا عليهما به شهوداً . ثمّ مضى عمرو بن العاص على مصر والياً عليها وذلك في آخر سنة تسعٍ وثلاثين ، فوالله ما مكث بها إلاّ سنتين أو ثلاثاً حتي مات . قال : أخبرنا الضحّاك بن مَخْلَد أبو عاصم الشيباني النبيل قال : حدّثنا حَيْوَةُ بن شُريح قال : حدثنا يزيد بن أبي حبيب عن ابن شماسة المَهْريّ قال : حضرنا عمرو بن العاص وهو في سياقة الموت فحوّل وجهه إلى الحائط يبكي طويلاً وابنه يقول له : ما يُبكيك ؟ أما بشّرك رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم ، بكذا؟ أما بشّرك بكذا ؟ قال وهو في ذلك يبكي ووجهه إلى الحائط، قال ثمّ أقبل بوجهه إلينا فقال: إنّ أفضلَ ممّا تَعُدّ عليّ شهادةُ أن لا إله إلاّ اللّه وأنّ محمداً رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم ، ولكني قد كنتُ على أطباقٍ ثلاثٍ ، قد رأيتُني ما من الناس من أحدٍ ٢٥٨ أبغض إليّ من رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم، ولاٍ أحبّ إليّ من أن أَسْتَمْكِنَ منه فأقتله ، فلو متّ على تلك الطبقة لكنتُ من أهل النار ، ثمّ جعل الله الإسلام في قلبي فأتيتُ رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم، لأبايعه فقلتُ : ابسط يمينك أبايِعْك يا رسول اللّه، قال فبسط يده ثمّ إني قبضتُ يدي فقال : ما لك يا عمرو ؟ قال فقلتُ : أردتُ أن أشترط ، فقال : تشترط ماذا ؟ فقلتُ : أشترط أن يُغْفَرَ لي ، فقال : أما علمتَ يا عمرو أنّ الإسلامَ يَهْدِمُ ها كان قبله وأنّ الهجرة تهدم ما كان قبلها وأنّ الحجّ يهدم ما كان قبله ؟ فقد رأيتُني ما من الناس أحد أحبّ إليّ من رسول اللّه، صلّى الله عليه وسلّم، ولا أجلّ في عيني منه، ولو سُئِلتُ أن أَنْعَتَه ما أَطَقْتُ لأني لم أكن أطيق أن أملأ عيني إجلالاً له ، فلو متّ على تلك الطبقة رجوتُ أن أكون من أهل الجنّة. ثمّ ولينا أشياءَ بعدُ فلستُ أدري ما أنا فيها أو ما حالي فيها ، فإذا أنا متّ فلا تَصْحَْني نائحةٌ ولا نار، فإذا دفنتموني فسُنّوا عليّ الترابَ سَنّاً ، فإذا فرغتم من قبري فامكثوا عند قبري قدر ما يُنْحَرُ جَزَورٌ ويُقْسَمُ لحمها فإني أستأنس بكم حتى أعلم ماذا أراجع به رُسُلَّ ربّي . قال : أخبرنا رَوْح بن عُبادة قال : حدّثنا عوف عن الحسن قال : بلغني أنّ عمرو بن العاص لما كان عند الموت دعا حرَسَه فقال : أيّ صاحب كنتُ لكم ؟ قالوا : كنتَ لنا صاحب صِدْقٍ تُكْرِمُنَا وتُعْطينا وتفعل وتفعل ، قال : فإنّ إنّما كنتُ أفعل ذلك لتمنعوني من الموت ، وإنّ الموتَ ها هو ذا قد نزل بي فأغْنوه عنّي . فنظر القوم بعضهم إلى بعض فقالوا : والله ما كنّا نَحْسِبُك تَكَلّمُ بالعَوْراءِ يا أبا عبد الله، قد علمتَ أنّا لا نُغْني عنك من الموتِ شيئاً، فقال: أما والله لقد قلتُها وإني لأَعْلَمُ أنّكم لا تُغْنُون عنّي من الموت شيئاً ولكن والله لأنْ أكون لم أتّخِذْ منكم رجلاً قطّ يمنعني من الموت أحبّ إليّ من كذا وكذا ، فيا وَيْحَ ابن أبي ٢٥٩ طالب إذ يقول حَرَسٌ أمراء أجَلِه، ثمّ قال عمرو: اللهمّ لا بَرِيءٌ فأعتذر ولا عزيز فأنتصر وإلاّ تُدْرِكْتي برحمةٍ أكن من الهالكين . قال : أخبرنا عبيد الله بن أبي موسى قال : أخبرنا إسرائيل عن عبد اللّه بن المختار عن معاوية بن قُرّة المُزَني قال : حدثني أبو حرب بن أبي الأسود عن عبد الله بن عمرو أنّه حدّثْه أنّ أباه أوصاه قال : يا بُنَّيّ إذا مِتّ فاغسلني غَسْلَةً بالماء ثمّ جَفَقْي في ثوب، ثمّ اغسلي الثانية بماءٍ قَرَاح ثمّ جَفّفْني في ثوب، ثمّ اغسلي الثالثة بماء فيه شيء من كافور ثمّ جَفّفْتي في ثوب ، ثمّ إذا أليستني الثياب فأزِرّ عليّ فإنّي مخاصم ، ثمّ إذا أنت حملتّي على السرير فامْشٍ بي مَشْباً بين المِشْيَتَيْنِ وكن خلف الجنازة فإنّ مُقَدّمَها للملائكة وخلفها لبني آدم ، فإذا أنت وضعتّني في القبر فسُنّ عليّ التراب سَنّاً، ثمّ قال: اللهمّ إنّك أمرتنا فركبْنا ونهيتنا فأضَعْنا فلا بريء" فأعتذر ولا عزيزٌ فأنتصر ولكن لا إله إلاّ اللّه . ما زال يقولها حتى مات . قال : أخبرنا عليّ بن محمد القرشي عن عليّ بن حمّاد وغيره قال : قال معاوية بن حُديج : عُدْتُ عمرو بن العاص وقد ثقل فقلتُ : كيف تجدك ؟ قال : أذوب ولا أثوب وأجد نَجْوِي أكثر من رُزْئي ، فما بقاء الكبير على هذا ؟ قال : أخبرنا هشام بن محمد بن السائب الكلبي عن عوانة بن الحكم قال : عمرو بن العاص يقول : عَجَباً لمتن نزل به الموت وعقله معه کیف لا يصفه ، فلمّا نزل به قال له ابنه عبد الله بن عمرو: يا أبت إنّك كنت تقول عجباً لمَن نزل به الموت وعقله معه كيف لا يصفه فصِفْ لنا الموت وعقلك معك ، فقال : يا بُنّيّ ، الموت أجلّ من أن يوصف ولكنّي سأصف لك منه شيئاً، أجدني كأنّ على عنقي جبالَ رَضْوَى، وأجدني كأنّ في جوفي شوك السُّلاَءِ، وأجدني كأنّ نفَسي يخرج من ثَقْبٍ إِبْرَةٍ . ٢٦٠