Indexed OCR Text

Pages 21-40

أخبرنا الفضل بن دُكين ، أخبرنا عمر بن شَبّة عن الزهريّ قال :
سألت أبا بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام عن ليلة بدر فقال : ليلة
الجمعة لسبع عشرة مضت من رمضان .
أخبرنا خالد بن خداش ، أخبرنا حاتم بن إسماعيل عن جعفر بن محمد
عن أبيه قال : كانت بدر لسبع عشرة من رمضان يوم الجمعة .
قال محمد بن سعد : وهذا الثبت أنه يوم الجمعة ، وحديث يوم الاثنين شاذ .
أخبرنا قُتيبة بن سعيد ، أخبرنا ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب عن
مَعَمَر بن أبي حبيبة عن ابن المسيّب أنّه سأله عن الصّوم في السفر ، فحدّثه
أنّ عمر بن الخطّاب قال: غزونا مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم ، في
رمضان غزوتين : يوم بدر ، ويوم الفتح ، فأفطرنا فيهما .
أخبرنا عبيد الله بن موسى، أخبرنا موسى بن عُبيدة عن عبد اللّه بن عُبيدة:
أنّ رسول الله، صلى الله عليه وسلّم، غزا غزوة بدر في شهر رمضان فلم
يَصُمْ يوماً حتى رجع إلى أهله .
: أخبرنا الفضل بن دكين ، أخبرنا عمرو بن عثمان بن عبد الله بن مَوْهَب :
سمعت موسى بن طلحة يقول : سُئل أبو أيوب عن يوم بدر فقال : إمّا لسبع
عشرة خلت ، أو لثلاث عشرة بقيت ، أو لإحدى عشرة بقيت ، أو لتسع
عشرة خلت .
أخبرنا يونس بن محمّد المؤدّب ، أخبرنا حمّاد بن سَلَمّة عن عاصم عن
زِرّ عن ابن مسعود قال : كنّا يوم بدر كلّ ثلاثة على بعير ، وكان أبو لبابة
وعليّ زميلَيْ رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فكان إذا كانت عُقبة النبيّ
قالا : اركبْ حتى نمشي عنك ؛ فيقول : ما أنتما بأقوى على المشي مني وما أنا
أغنى عن الأجر منكما .
أخبرنا عُبيد الله بن موسى عن شيبان عن أبي إسحاق عن أبي عبيدة بن
عبد الله عن أبيه قال : لمّا أسرنا القومَ يوم بدر قلنا : كم كنتم ؟ قالوا : كنّا ألفاً .
٢١

أخبرنا عُبيد الله بن موسى عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن أبي عبيدة
عن أبيه قال : أخذنا رجلاً منهم ، يعني من المشركين ، يوم بدر فسألناه عن
عدّهم فقال : كنّا ألفاً .
أخبرنا هُشيم بن بشير ، أخبرنا مُجالد عن الشعبي قال : كان فداء أسارى
بدر أربعة آلاف إلى ما دون ذلك، فمن لم يكن عنده شيء أمر أن يُعَلّمَ غِلمان
الأنصار الكتابة .
أخبرنا الفضل بن دكين ، أخبرنا إسرائيل عن جابر عن عامر قال : أسر
رسول الله ، صلى الله عليه وسلم، يوم بدر سبعين أسيراً، وكان يفادي بهم على
قدر أموالهم ، وكان أهل مكّةٍ يكتبون وأهل المدينة لا يكتبون ، فمن لم يكن
له فداء دُفع إليه عشرة غلمان من غلمان المدينة فعلمهم ، فإذا حذقوا فهو
فدائه .
أخبرنا محمد بن الصّبّاح، أخبرنا شريك عن قريش عن عامر قال : كان
فداء أهل بدر أربعين أوقيّة أربعين أوقيّة ، فمن لم يكن عنده علّم عشرة من
المسلمين الكتابة ، فكان زيد بن ثابت ممّن عُلّم .
أخبرنا محمد بن عبد الله الأنصاري ، أخبرنا هشام بن حسّان ، أخبرنا
محمد بن سيرين عن عبيدة : أنّ جبريل نزل على النبيّ ، صلى الله عليه وسلم،
في أسارى بدر فقال : إن شئتم قتلتموهم ، وإن شئتم أخذتم منهم الفداء واستُشهد
قابلٌ منكم سبعون؛ قال: فنادى النبيّ، صلى الله عليه وسلم، في أصحابه
فجاؤوا أو من جاء منهم فقال : هذا جبريل يخيّركم بين أن تقدّموهم فتقتلوهم
وبين أن تُفادوهم واستُشهِد قابلٌ منكم بعدّتهم ؛ فقالوا : بل تفاديهم فنتقوّى
به عليهم ويدخل قابل منّا الجنّة سبعون ، ففادَوْهم .
أخبرنا الحسن بن موسى ، أخبرنا زهير ، أخبرنا سماك بن حرب قال :
سمعت عكرمة يقول : قيل لرسول الله، صلى الله عليه وسلم ، لمّا فرغ من
أهل بدر : عليك بالعير ليس دونها شيء ؛ قال : فناداه العبّاس أنّه لا يصلح
٢٢
1

ذلك لكّ؛ قال: لِمَ ؟ قال: لأنّ اللّه تعالى وعدك إحدى الطائفتين فقد أعطاك
ما وعدك .
أخبرنا محمد بن عبد الله ، أخبرنا يونس بن أبي إسحاق عن العيزار بن
حُريث قال : أمر رسول الله، صلى الله عليه وسلّم ، فنادى يوم بدر ألا إنّه
ليس لأحد من القوم عندي مِنّةٌ إلا لأبي البختري، فمن كان أخذه فليُخَلّ
سبيله ؛ وكان رسول اللّه قد آمنه قال: فوُجد قد قُتل .
أخبرنا الحسن بن موسى ، أخبرنا زهير ، أخبرنا أبو إسحاق عن عمرو
ابن ميمون عن عبد الله بن مسعود قال: استقبل رسول الله، صلّى الله عليه
وسلم، البيت فدعا على نفر من قريش سبعة ، فيهم أبو جهل وأمية بن خلف
وعُتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة وعُقبة بن أبي معيط، فأقسم بالله لقد رأيتهم
صَرْعِى على بدر قد غَيْرَ تهم الشمسُ، وكان يوماً حارّاً .
أخبرنا خلف بن الوليد الأزدي ، أخبرنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن
حارثة عن عليّ قال : لمّا كان يوم بدر وحضر البأس اتقينا برسول الله ، صلى
اللّه عليه وسلم، وكان من أشدّ الناس بأساً يومئذ ، وما كان أحد أقرب إلى
المشركين منه .
أخبرنا خلف بن الوليد الأزدي ، أخبرنا يحيى بن زكريّاء بن أبي زائدة ،
حدّثني إسماعيل بن أبي خالد عن البهيّ قال : لما كان يوم بدر برز عُتبة وشيبة
ابنا ربيعة ، والوليد بن عتبة ، فخرج إليهم حمزة بن عبد المطلب وعليّ بن
أبي طالب وعبيدة بن الحارث ، فبرز شيبة لحمزة فقال له شيبة : من أنت ؟ فقال :
أنا أسد الله وأسد رسوله! قال: كُفْءٌ كريم ، فاختلفا ضربتين فقتله حمزة ،
ثمّ برز الوليد لعليّ فقال: من أنت؟ فقال: أنا عبد اللّه وأخو رسوله؛ فقتله
عليّ، ثمّ برز عتبة لعُبيدة بن الحارث فقال عُتبة: مَن أنت ؟ قال : أنا
الذي في الحلف ، قال : كفءٌ كريم؛ فاختلفا ضربتين أوهنَ كلّ منهما
صاحبه فأجاز حمزة وعليّ على عُتبة .
٢٣

قال أبو عبد الله محمد بن سعد: والثبت على الحديث الأوّل أنّ حمزة
قتل عتبة ، وأنّ عليّاً قتل الوليد ، وأنّ عُبيدة بارز شيبة .
أخبرنا حُجين بن المُثنّى وقُتيبة بن سعيد قال : أخبرنا الليث بن سعد عن
خالد بن يزيد عن سعيد بن أبي هلال عن يزيد بن رومان : أنّ رسول الله،
صلى الله عليه وسلم ، لم يكن معه يوم بدر إلا فرسان ، فرس عليه المقداد بن
عمرو حليف الأسوَد خال رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وفرس لِمَرْثَد
ابن أبي مرتد الغنوي حليف حمزة بن عبد المطلب ، وكان مع المشركين يومئذ
مائة فرس . قال قُتيبة في حديثه : كانت ثلاثة أفراس فرس عليه الزّبير بن العوّام.
أخبرنا سليمان بن حرب ، أخبرنا حمّاد بن زيد عن أيوب عن عكرمة :
أنّ النبيّ، صلى الله عليه وسلم، بعث عدِيّ بن أبي الزّغباء وبَسبَسَ بن
عمرو طليعة ، يوم بدر ، فأتيا الماء فسألا عن أبي سفيان فأُخبرا بمكانه ، فرجعا
إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلّم . فقالا : يا رسول الله نزل ماء كذا يوم
كذا ، وننزل نحن ماء كذا يوم كذا ، وينزل هو ماء كذا يوم كذا ، وننزل نحن
ماء كذا يوم كذا حتى نلتقي نحن وهو على الماء ، قال : فجاء أبو سفيان حتّى
نزل ذلك الماء فسأل القوم : هل رأيتم من أحد ؟ قالوا : لا إلاّ رجلين ، قال :
أرُوني مُنَاخَ رِكابهما ، قال : فأرَوْه ، قال : فأخذ البَعْر ففتّه فإذا فيه النّوَى
فقال : نواضح يثرب واللّه ! قال : فأخذ ساحل البحر وكتب إلى أهل مكة
يُخبرهم بمسير النبيّ ، صلى الله عليه وسلّم.
أخبرنا سليمان بن حرب ، أخبرنا حماد بن زيد عن أيّوب عن عكرمة
قال : استشار رسول الله، صلى الله عليه وسلم ، يومئذ الناس، فقال سعد بن
عبادة أو سعد بن معاذ : يا رسول الله سر إذا شئت وانزلْ حيث شئت وحاربْ
من شئت وسالِمْ من شئت ، فوالذي بعثك بالحقّ لو ضربتَ أكبادها حتّى.
تبلغ بَرْك الغُماد من ذي يَمن تبعناك ما تخلف عنك منّا أحد ! قال : وقال
لهم يومئذ عتبة بن ربيعة : ارجعوا بوجوهكم هذه التي كأنها المصابيح عن هؤلاء
٢٤
ج

الذين كأنّ وجوههم الحيّات، فوالله لا تقتلونهم حتّى يقتلوا منكم مثلهم
فما خيركم بعد هذا ؟ قال : وكانوا يأكلون يومئذ تمراً ، فقال رسول الله، صلى
اللّه عليه وسلم: ابتدروا جنّة عرضها السموات والأرض ، قال : وعمير بن
الحُمام في ناحية بيده تمرٌّ يأكله فقال: بَخْ بَخْ! فقال له النبيّ ، صلى الله
عليه وسلم : مَهْ! قال: لن تعجزَ عنّي، ثمّ قال: لا أزيد عليكنّ حتى
ألحق باللّه، فجعل يأكل ثمّ قال: هِيهِ حبستني! ثمّ قَذَفَ ما في يده وقام
إلى سيفه وهو معلّق ملفوف بِخِرَقٍ، فأخذه ثمّ تقدّم فقاتل حتّى قُتِل،
وكانوا يومئذ يميدون من النّعاس ونزلوا على كَثيب أهيَل ، قال : فمطرت
السماء فصار مثل الصفا يَسْعونَ عليه سَعياً، وأنزل اللّه، جلّ ثناؤه : إذْ
يُغْشّيْكُمُ النّعاسَ أَمَنَةً مِنْهُ ويُنَزَّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السّماءِ ماءَ لِيُطَهّرَكُمْ
بِهِ وَيُذْهِبَ عَنَكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبْتَ
بِهِ الْأقْدَامَ .
قال: وقال عمر لمّا نزلت ((سَيُهْزَمُ الجَمْعُ وَيُوَلّونَ الدُّبُرَ)) قال:
قلت وأيّ جمع يهزم ومن يُغلب ؟ فلمّا كان يوم بدر نظرت إلى رسول الله ،
صلى الله عليه وسلّم، يثب في الدّرع وَتَباً وهو يقول: سَيُهزَمُ الجمعُ وَيُوَلَونَ
الدُّبُرَ ، فعلمت أنّ اللّه، تبارك وتعالى ، سيهزمهم.
أخبرنا سليمان بن حرب ، أخبرنا حمّاد بن زيد عن أيوب عن عكرمة
قال: ونزلت هذه الآية: واذْكرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَليلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الأرْض ؛
قال : نزلت في يوم بدر . قال : ونزلت هذه الآية: إذا لَقِيتُمُ الّذين كَفَرُوا
زَحفاً فَلا تُوَلّوهُمُ الأدبارَ ؛ قال : نزلت في يوم بدر . قال : ونزلت هذه
الآية : يَسْألُونَكَ عن الأنْفالِ ، يوم بدر .
أخبرنا سليمان بن حرب ، أخبرنا حمّاد بن زيد ، أخبرنا أيّوب ويزيد
ابن حازم: أنهما سمعا عكرمة يقرأ: فَثَبّتُوا الّذين آمنوا ، قال حمّاد :
وزاد أيوب قال : قال عكرمة : فَاضربوا فَوْقَ الأعناقِ ، قال : كان يومئذ
٢٥
٠٠

بندُر رأس الرجل لا يُدْری من ضربه وتندر ید الرجل لا يُدری من ضربه .
أخبرنا سليمان بن حرب ، أخبرنا حمّاد بن زيد عن أيّوب عن عكرمة
قال : قال رسول الله، صلى الله عليه وسلّم، يومئذ: اطلبوا أبا جهل، فطلبوه
فلم يوجد فقال: اطلبوه فإنّ عهدي به وركبتُهُ مَحُوزةٌ ، فطلبوه فوجدوه
وركبته مَحُوزة . قال : وبلغ فداء أهل بدر يومئذ أربعةَ آلاف فما دون
ذلك ، حتى إن كان الرّجل يُحسنُ الخطّ ففُوديَ على أن يُعَلّمَ الخطّ.
أخبرنا عُبيد الله بن عبد المجيد الحنفي قال : أخبرنا عبيد الله بن عبد الرحمن
ابن مَوْهَب ، حدّثّني اسماعيل بن عَوْن بن عبيد الله بن أبي رافع عن عبد اللّه
ابن محمد بن عمر بن عليّ بن أبي طالب عن أبيه محمد بن عمر عن عليّ بن أبي
طالب قال : لمّا كان يوم بدر قاتلتُ شيئاً من قتال ثمّ جئتُ مُسرعاً إلى النبيّ ،
صلى الله عليه وسلم ، لأنظر ما فعل ، فإذا هو ساجد يقول: يا حَيّ يا قيّوم!
يا حَيّ يا قيّوم! لا يزيد عليهما، ثمّ رجعت إلى القتال، ثمّ جئت وهو ساجد
يقول ذلك ، ثمّ ذهبت إلى القتال، ثمّ رجعت وهو ساجد يقول ذلك ، ففتح
الله عليه .
أخبرنا سعيد بن منصور ، أخبرنا عبد الرحمن بن أبي الزّناد عن أبيه عن
عُبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس قال: تنفّل رسول الله، صلى الله عليه
وسلم ، سيفه ذا الفقار يوم بدر .
٩
أخبرنا عتّاب بن زياد ، أخبرنا عبد الله بن المبارك ، أخبرنا هشام بن
عروة عن عبّاد بن حمزة بن الزبير قال : نزلت الملائكة يوم بدر عليهم عمائم
صُفْرٌ وكان على الزبير يوم بدر ريطة صفراءُ قد اعتجر بها .
أخبرنا عتّاب بن زياد بن المبارك ، أخبرنا أبو بكر بن أبي مريم الغَسّاني
عن عطيّة بن قيس قال: لمّا فرغ النبيّ ، صلى الله عليه وسلّم ، من قتال
أهل بدر أتاه جبريل على فرس أنثى حمراء عاقداً ناصيته ، يعني جبريل عليه
درعه ومعه رمحه قد عصم ثنيّتَه الغبارُ، فقال: يا محمد إن اللّه، تبارك وتعالى، بعثني
٢٦
١

إليك وأمرني أن لا أفارقك حتى ترضى ، هل رضيت ؟ قال : نعم رضيتُ ،
فانصرف .
أخبرنا عفّان بن مسلم ، أخبرنا حماد بن زيد قال : سمعت أيّوب عن
عكرمة: إذْ أنْتُمْ بِالعُدْوَةِ الدّنْيا وَهُمْ بِالعُدْوَةِ القُصْوَى؛ قال:
وكان هؤلاء على شفير الوادي وهؤلاء على الشفير الآخر ، قال : وهكذا قرأه
عفّان بالعُدْوة .
أخبر نا أحمد بن عبد الله بن يونس ، أخبرنا زهير ، أخبرنا جابر عن عامر
قال : خرج رسول الله، صلى الله عليه وسلّم، إلى بدر فاستخلف على المدينة
عمرو بن أُمّ مكتوم .
أخبرنا أبو المنذر البزّاز ، أخبرنا سفيان عن الزبير بن عديّ عن عطاء بن
أبي رباح: أنّ رسول الله، صلى الله عليه وسلّم، صلى على قتلى بدر .
أخبرنا الفضل بن دُكين ، أخبرنا زكرياء بن أبي زائدة عن عامر قال :
سمعته يقول إنّ بدراً إنّما كانت لرجل يدعى بدراً، قال : يعني ميراً.
قال محمد بن سعد : قال محمد بن عمر : وأصحابنا من أهل المدينة ومن
روى السيرة يقولون : اسم الموضع بدر .
سريّة عمير بن عدي
ثمّ سريّة عمير بن عديّ بن خرشَة الخَطمي إلى عَصماء بنت مروان
من بني أميّة بن زيد لخمس ليالٍ بقين من شهر رمضان على رأس تسعة عشر
شهراً من مُهاجر رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، وكانت عصماء عند يزيد
ابن زيد بن حصن الخطمي ، وكانت تعيب الإسلام وتُؤذي النبيّ وتُحرّض
عليه وتقول الشعر ، فجاءها عمير بن عديّ في جوف الليل حتى دخل عليها
٢٧

بيتها ، وحولها نفرٌ من ولدها نِيام منهم من تُرْضِعُه في صدرها ، فجسّها
بيده ، وكان ضريرَ البصر ، ونَحّى الصبيّ عنها ووضع سيفه على صدرها حتّى
أنفذه من ظهرها ، ثمّ صلى الصّبح مع النبيّ ، صلى الله عليه وسلم ، بالمدينة
فقال له رسول الله، صلى الله عليه وسلّم: أقتلتَ ابنةَ مروان ؟ قال : نعم ،
فهل عليّ في ذلك من شيء ؟ فقال : لا ينتطح فيها عَزانٍ ! فكانت هذه
الكلمة أوّلَ ما سُمعت من رسول الله، صلى الله عليه وسلّم ، وسمّاه رسول
الله، صلى الله عليه وسلّم ، عُميراً البصير.
سريّة سالم بن عمير
ثمّ سريّة سالم بن عمير العمري إلى أبي عَفَك اليهوديّ في شوّال على
رأس عشرين شهراً من مُهاجَر رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، وكان أبو عفك
من بني عمرو بن عوف شيخاً كبيراً قد بلغ عشرين ومائة سنة، وكانيهوديّاً،
وكان يحرّض على رسول الله، صلى الله عليه وسلم ، ويقول الشعر، فقال
سالم بن عمير ، وهو أحد البكائين وقد شهد بدراً : عليّ نَذْرٌ أنْ أقتلَ أبا
عفك أو أموتَ دونه؛ فأمهَلَ يطلب له غِرَة حتّى كانت ليلةٌ صائفةٌ ، فنام
أبو عفك بالفناء وعلم به سالم بن عمير ، فأقبل فوضع السيف على كبده ثمّ
اعتمد عليه حتى خشٍّ في الفراش، وصاح عدوّ اللّه، فئاب إليه ناسٌ ممن
هُمْ على قوله فأدخلوه منزله وقبروه .
غزوة بني قينقاع
ثمّ غزوة رسول الله، صلى اللّه عليه وسلم، بني قينقاع يوم السبت للنصف
٢٨

من شوّالٍ على رأس عشرين شهراً من مُهاجَره ، وكانوا قوماً من يهود حُلفاء
لعبد الله بن أبيّ بن سكول، وكانوا أشجعَ يهودَ ، وكانوا صاغَة فوادعوا
النبيّ، صلى الله عليه وسلّم ، فلمّا كانت وقعة بدر أظهروا البَغي والحَسَدَ
ونَبذوا العَهدَ والمِرّة، فأنزل الله، تبارك وتعالى، على نبيه: وإمّا تَخافَنّ مِنْ
قَوْمٍ خِيانَةً فَانْبِذْ إليهِمْ عَلى سَوَاء إنّ اللّهَ لا يُحِبّ الخائنين. فقال
رسول الله ، صلى الله عليه وسلم: أنا أخاف بني قينقاع، فسار إليهم بهذه الآية.
وكان الذي حمل لواءه يومئذ حمزة بن عبد المطلب ، وكان لواء رسول اللّه ،
صلى الله عليه وسلم ، أبيض ولم يكن الرايات يومئذ ، واستخلف على المدينة أبا
لُبابة بن عبد المنذر العمري ثمّ سار إليهم فحاصرهم خمس عشرة ليلة إلى
هلال ذي القعدة ، فكانوا أوّلَ من عدر من اليهود وحاربوا وتحصّنوا في حصنهم،
فحاصرهم أشدّ الحصار حتى قذف اللّه في قلوبهم الرّعبَ، فنزلوا على حكم
رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، أن لرسول الله، صلى الله عليه وسلم ،
أموالهم وأنّ لهم النساء والذّرّيّة ، فأمر بهم فكُتفوا ، واستعمل رسول اللّه،
صلى الله عليه وسلم ، على كتافهم المنذر بن قُدامة السِّلمي من بني السلم ،
رهط سعد بن خيشَمَة ، فكلم فيهم عبدُ الله بن أبيّ رسولَ الله، صلى الله عليه
وسلم ، وألحّ عليه فقال : خلّوهم لعنهم الله ولعنه معهم! وتركهم من القتل
وأمر بهم أن يُجلَوا من المدينة ، وولّى إخراجهم منها عبادة بن الصامت
فلحقوا بأذرعات فما كان أقلّ بقاءَهم بها ، وأخذ رسول الله ، صلى الله عليه
وسلم ، من سلاحهم ثلاث قسيّ : قوساً تُدعى الكَتَومَ كُسرت بأُحُد ،
وقوساً تُدعى الرّوْحاء ، وقوْساً تُدعى البيضاء ، وأخذ درعين من سلاحهم :
درعاً يقال لهما الصغديّة وأخرى فضّة، وثلاثة أسياف سيفٌ قَلَعَيّ وسيف
يقال له بتّار وسيف آخر ، وثلاثة أرماح ، ووجدوا في حصنهم سلاحاً كثيراً
وآلة الصّياغة فأخذ رسول الله، صلى الله عليه وسلّم، صَفيّهُ والخُمس وفَضّ
٢٩

أربعة أخماس على أصحابه ، فكان أوّلَ خُمس خُمس بعد بدر ، وكان الذي
ولي قبض أموالهم محمد بن مسلمة .
غزوة السّويق
ثمّ غزوة النبيّ، صلى اللّه عليه وسلم، التي تُدعَى غزوة السويق. خرج
رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يوم الأحد لخمس خلون من ذي الحجّة على
رأس اثنين وعشرين شهراً من مُهاجتره ، واستخلف على المدينة أبا لبابة بن
عبد المنذر العمري ، وذلك أنّ أبا سفيان بن حرب لما رجع المشركون من بدر
إلى مكّة حرم الدّهن حتى يثْثِرَ من محمد وأصحابه ، فخرج في مائتي راكب ،
في حديث الزهري ، وفي حديث ابن كعب في أربعين راكباً ، فسلكوا النجديّة
فجاؤوا ببني النّضِير ليلاً فطرقُوا حُييّ بن أخطب ليستخبروه من أخبار رسول
الله، صلى الله عليه وسلّم، وأصحابه، فأبى أن يفتح لهم، وطرقوا سَلام بن
مِشكَم ففتح لهم وقراهم وسقاهم خمراً وأخبرهم من أخبار رسول الله ، صلى
اللّه عليه وسلم ؛ فلمّا كان بالسحَر خرج أبو سفيان بن حرب فمرّ بالعُريض ،
وبينه وبين المدينة نحو من ثلاثة أميال ، فقتل به رجلاً من الأنصار وأجيراً له
وحرّق أبياتاً هناك وتبناً، ورأى أن يمينه قد حلّت ثمّ ولى هارباً ، فبلغ ذلك
رسول الله، صلى اللّه عليه وسلم، فندب أصحابه وخرج في مائتي رجل من
المهاجرين والأنصار في أثرهم يطلبهم ، وجعل أبو سفيان وأصحابه يتخفّفون
فيُلقون جُرُبَ السويق وهي عامّة أزوادهم ، فجعل المسلمون يأخذونها فسميت
غزوة السويق ولم يلحقوهم ، وانصرف رسول الله، صلى الله عليه وسلم، إلى
المدينة وكان غاب خمسة أيام .
٣٠

غزوة قَرْقرة الكُدْر
ويُقال : قَرارة الكُدر .
ثمّ غزوة رسول الله، صلى الله عليه وسلّم، قرقرة الكُدْر، ويُقال
قرارة الكُدْر ، للنصف من المحرّم على رأس ثلاثة وعشرين شهراً من مُهاجَره،
وهي بناحية معدن بني سُليم قريب من الأرْحَضِيّة وَرَاء سُدّ مَعُونَة ، وبين
المعدن وبين المدينة ثمانية بُرُّد ، وكان الذي حمل لواءه ، صلى الله عليه وسلم،
عليّ بن أبي طالب ، واستخلف على المدينة عبد اللّه بن أُمّ مكتوم ، فكان بلغه
أن بهذا الموضع جمعاً من سُليم وغطفان ، فسار إليهم فلم يجد في المجال أحداً ،
وأرسل نفراً من أصحابه في أعلى الوادي واستقبلهم رسول الله ، صلى الله عليه
وسلم°، في بطن الوادي فوجد رُعاءً فيهم غلام يقال له يسار ، فسأله عن الناس
فقال : لا علم لي بهم إنما أُورِدُ لِخمسٍ وهذا يوم رِبعيّ والناس قد ارتفعوا
إلى المياه ونحن عُزّاب في النعم . فانصرف رسول الله، صلى الله عليه وسلم ،
وقد ظفر بالنعم فانحدر به إلى المدينة فاقتسموا غنائمهم بصِرار ، على ثلاثة
أميال من المدينة ، وكانت النعم خمسمائة بعير ، فأخرج خمسه وقسم أربعة
أخماس على المسلمين ، فأصاب كلّ رجل منهم بعيران ، وكانوا مائتي
رجل ، وصار يسار في سهم النبيّ ، صلى الله عليه وسلّم، فأعتقه ؛ وذلك أنّه
رآه يصلّي . وغاب رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، خمس عشرة ليلة .
سرية قتل كعب بن الأشرف
ثمّ سريّة قتل كعب بن الأشرف اليهوديّ، وذلك لأربع عشرة ليلة
مضت من شهر ربيع الأوّل على رأس خمسة وعشرين شهراً من مُهاجر رسول
٣١

٥
الله، صلى الله عليه وسلم، وكان سبب قتله أنه كان رجلاً شاعراً يهجو النبيّ ،
صلى الله عليه وسلم، وأصحابَه ويُحرّض عليهم ويؤذيهم، فلمّا كانت
وقعة بدر كُبِتَ وذلّ وقال : بطن الأرض خيرٌ من ظهرها اليوم ، فخرج
حتى قدم مكّة فبكى قتلى قريش وحرّضهم بالشعر، ثمَّ قدم المدينة فقال رسول
الله، صلى الله عليه وسلم: اللهمّ اكفني ابن الأشرف بما شئت في إعلانه الشرّ
وقوله الأشغار ، وقال أيضاً : مَن لي بابن الأشرف فقد آذاني ؟ فقال محمد بن
مَسلمة : أنا به يا رسول اللّه وأنا أقتله، فقال: افعلْ وشاوِرْ سعْد بن مُعاذ في
أمره . واجتمع محمد بن مسلمة ونفر من الأوس منهم عبّاد بن بشر وأبو
نائلة سلكان بن سلامة والحارث بن أوس بن مُعاذ وأبو عبس بن جبر فقالوا :
يا رسول الله نحن نقتله فأذنْ لنا فَلنَقُلْ؛ فقال : قولوا . وكان أبو نائلة أخا
كهب بن الأشرف من الرّضاعة فخرج إليه ، فأنكره كعب وذعر منه فقال : أنا
أبو نائلة إنّما جئت أخبرك أنّ قدوم هذا الرّجل كان علينا من البلاء ، حاربتنا
العرب ورمَتنا عن قوس واحدة ونحن نريد التنحي منه ، ومعي رجال من
قومي على مثل رأيي وقد أردت أن آتيك بهم فنبتاع منك طعاماً وتمراً ونَرهنك
ما يكون لك فيه ثقةٌ، فسكن إلى قوله وقال : جِىءْ بهم متى شئت . فخرج
من عنده على ميعاد فأتى أصحابه فأخبرهم ، فأجمعوا أمرهم على أن يأتوه إذا
أمسى ، ثمّ أتوا رسول الله، صلى الله عليه وسلم ، فأخبروه فمشى معهم حتى
أتى البقيع ثمّ وجّههم وقال: امضوا على بركة الله وعونه؛ قال: وفي ليلة
مقمرة ، فمضوا حتى انتهوا إلى حصنه ، فهتف له أبو نائلة فوثب . فأخذت
امرأته بملحفّته وقالت : أين تذهب ؟ إنّك رجل محارب ! وكان حديث عهد
بعُرْسٍ ، قال : ميعادٌ عليّ وإنما هو أخي أبو نائلة ، وضرب بيده الملحقة وقال :
لو دُعِي الفتى لطعنةٍ أجاب ، ثم نزل إليهم فحادثوه ساعة حتى انبسط إليهم
وأنس بهم، ثم أدخل أبو نائلة يده في شعره وأخذ بقُرون رأسه وقال لأصحابه :
اقتلوا عدوّ اللّه! فضربوه بأسيافهم فالتفّت عليه فلم تُغنِ شيئاً ورد بعضها
٣٢
٠٠٪

بعضاً ولصق بأبي نائلة ؛ قال محمد بن مسلمة : فذكرتُ مِغولاً كان في سيفي
فانتزعته فوضعته في سُرّته ثمّ تحاملت عليه فقططته حتى انتهى إلى عانته ، فصاح
عدوّ اللّه صَّيحة ما بقي أطمٌ من آطام يهود إلاّ أوقدت عليه نار؛ ثمّ حزّوا
رأسه وحملوه معهم ، فلمّا بلغوا بقيع الغَرْقد كبّروا وقد قام رسول الله ، صلى
اللّه عليه وسلم ، تلك الليلة يصلي ، فلمّا سمع تكبيرهم كبّر وعرف أن قد
قتلوه ، ثمّ انتهوا إلى رسول الله، صلى اللّه عليه وسلم، فقال: أفلحَت
الوجوهُ! فقالوا : ووجهك يا رسول اللّه ، ورموا برأسه بين يديه ، فحمد الله
على قتله ، فلمّا أصبح قال : من ظفرتم به من رجال يهود فاقتلوه ! فخافت
اليهود فلم يطلع منهم أحد ولم ينطقوا وخافوا أن يُبَيّتوا كما بُيّتَ ابن الأشرف .
أخبرنا محمد بن حُميد العبدي عن معمر بن راشد عن الزّهري ، في
قوله تعالى: وَلَتَسمعُنّ مِنَ الّذينَ أُوتُوا الكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ
الّذينَ أَشْرَكُوا أذَّى كثيراً؛ قال : هو كعب بن الأشرف ، وكان يحرّض
المشركين على رسول الله، صلى الله عليه وسلّم، وأصحابه يعني في شعره ،
يهجو النبيّ، صلى الله عليه وسلّم، وأصحابه . فانطلق إليه خمسة نفر من
الأنصار فيهم محمد بن مسلمة ورجل آخر يقال له أبو عبس، فأتوه وهو في
مجلس قومه بالعوالي ، فلمّا رآهم ذُعِرَ منهم وأنكرَ شأنهم ، قالوا : جئناك
في حاجة ، قال: فَلْيَدْنُ إليّ بعضكم فَليُخْبِرني بحاجته، فجاءه رجل
منهم فقالوا : جئناك لنبيعك أدراعاً عندنا لنستنفِق بها ، فقال: والله لئن فعلتم
لقد جُهِدتم مذ نزل بكم هذا الرجل . فواعدوه أن يأتوه عشاء حين تهدّأ عنهم
الناس ، فنادوه ، فقالت امرأته : ما طَرَفَك هؤلاء ساعتَهم هذه لشيء ممّا
تُحبّ ! قال : إنّهم حدّثوني بحديثهم وشأنهم .
أخبرنا محمد بن حُميد عن معمر عن أيوب عن عكرمة أنّه أشرف
عليهم فكلّموه وقال : ما تَرهنون عندي ؟ أترهنوني أبناء كم ؟ وأراد أن
يُسلِفهم تمراً، قالوا : إنّا نستحي أن يُعيّرَ أبناؤنا فيقال هذا رهينةُ وسقٍ
٣ - ٢
٣٣

وهذا رهينة وسقين ! قال : فترهنوني نساءكم ؟ قالوا : أنت أجمل الناس ولا
نأمنك ، وأيّ امرأة تمتنع منك لجمالك ؟ ولكنّا نرهنك سلاحنا وقد علمتَ
حاجتنا إلى السلاح اليوم ! قال : نعم اثتُوني بسلاحكم واحتملوا ما شئتم ،
قالوا : فانزلْ إلينا نأخُذْ عليك وتأخُذْ علينا ، فذهب ينزل ، فتعلّقت به
امرأته وقالت : أرسل إلى أمثالهم من قومك يكونوا معك ، قال : لو وجدني
هؤلاء نائماً ما أيقظوني ، قالت : فكلّمهم من فوق البيت ، فأبى عليها فنزل
إليهم تفوح ريحه فقالوا : ما هذه الريح يا فلان ؟ قال : عطر أمّ فلان لامرأته ،
فدنا بعضهم يشمّ رأسه ثمّ اعتنقه وقال: اقتلوا عدوّ اللّه! فطعنه أبو عَبس في
خاصرته وعلاه محمد بن مسلمة بالسيف فقتلوه ، ثمّ رجعوا فأصبحت اليهود
مذعورين ، فجاؤوا النبيّ، صلى الله عليه وسلّم، فقالوا: قُتِل سيدنا غِيلةً !
فذكّرهم النبيّ ، صلى اللّه عليه وسلم، صنيعَه وما كان يحضّ عليهم ويحرّض
في قتالهم ويؤذيهم ، ثمّ دعاهم إلى أن يكتبوا بينه وبينهم صلحاً أحسبُهُ . قال:
وكان ذلك الكتاب مع عليّ ، رضي الله عنه، بعدُ .
غزوة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، غطفان
ثمّ غزوة رسول الله، صلى الله عليه وسلّم، غَطَفان إلى نجد ، وهي
ذو أمَرّ ، ناحيةَ النُّخيل ، في شهر ربيع الأوّل على رأس خمسة وعشرين شهراً
من مُهاجَرَه ، وذلك أنّه بلغ رسولَ الله، صلى اللّه عليه وسلم ، أنّ جمعاً من
بني ثعلبة ومحارب بذي أمَرّ قد تجمّعوا يريدون أن يصيبوا من أطراف رسول
الله، صلى الله عليه وسلم. جَمَعَهُم رجل منهم يقال له دُعثور بن الحارث
من بني محارب ، فندب رسول الله ، صلى اللّه عليه وسلم ، المسلمين وخرج
لاثنتي عشرة ليلة مضت من شهر ربيع الأوّل في أربعمائة وخمسين رجلاً ،
١
٣٤

ومعهم أفراس ، واستخلف على المدينة عثمان بن عفّان ، فأصابوا رجلاً منهم
بذِي القَصّة يقال له جبّار من بني ثعلبة ، فأُدخل على رسول الله ، صلى الله
عليه وسلّم ، فأخبره من خبرهم وقال : لن يلاقوك لو سمعوا بمسيرك هربوا
في رؤوس الجبال وأنا سائرٌ معك ، فدعاه رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ،
إلى الإسلام فأسلم . وضمّه رسول الله، صلى الله عليه وسلم، إلى بلال ولم
يلاقٍ رسول الله، صلى اللّه عليه وسلم، أحداً إلا أنّه ينظر إليهم في رؤوس
الجبال . وأصابَ رسولَ اللّه وأصحابه مَطَرٌ، فنزع رسول الله، صلى الله عليه
وسلم ، ثوبَيه ونشرهما ليَجِفّا وألقاهما على شجرة واضطجع ، فجاء رجل
من العدوّ يُقال له دُعثور بن الحارث ومعه سيف حتى قام على رأس رسول
الله، صلى الله عليه وسلّم، ثمّ قال : من يمنعك منّ اليوم ؟ قال رسول الله،
صلى الله عليه وسلّم: اللّهُ! ودفع جبريل في صدره فوقع السيف من يده ،
فأخذه رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، وقال له : من يمنعك منّي ؟ قال :
لا أحد ! أشهد أن لا إله إلاّ اللّه، وأنّ محمّداً رسول اللّه ! ثمّ أتى قومه فجعل
يدعوهم إلى الإسلام ونزلت هذه الآية فيه: يَا أيّهَا الّذينَ آمَنُوا اذْكُرُوا
فِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمّ قَوْمٌ (الآية) ثمّ أقبل رسول الله، صلى الله
عليه وسلم ، إلى المدينة ولم يلق كيداً وكانت غيبته إحدى عشرة ليلة .
غزوة رسول الله، صلى الله عليه وسلم ، بني سليم
ثمّ غزوة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بني سُلَيم ببُحران لستّ
خلون من جمادى الأولى على رأس سبعة وعشرين شهراً من مُهاجَره ، وبُحران
بناحية الفُرُع وبين الفُرُع والمدينة ثمانية بُرُد، وذلك أنّهِ بلغه أنّ بها جمعاً
من بني سُليم كثيراً ، فخرج في ثلاثمائة رجل من أصحابه واستخلف على المدينة
٣٥
2

ابن أمّ المكتوم، وأغذّ السير حتّى ورد بُحرانَ فوجدهم قد تفرّقوا في مياهِهِم،
فرجع ولم يلقّ كيداً ، وكانت غيبته عشر ليال .
سرية زيد بن حار ثة
ثمّ سريّة زيد بن حارثة إلى القَرَدّة، وكانت لهلال جمادى الآخرة على
رأس ثمانية وعشرين شهراً من مُهاجر رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، وهي
أوّل سريّة خرج فيها زيد أميراً، والقَرَّدَة من أرض نجد بين الرّبَذَة والغَمرة
ناحيّةَ ذات عِرْق ، بعثه رسول الله، صلى الله عليه وسلم ، يعترض لعير قريش،
فيها صَقوان بن أُميّة وحُويطب بن عبد العُزّى وعبد الله بن أبي ربيعة ، ومعه
مال كثير نُقَرٌّ وآنية فضّةٍ وزن ثلاثين ألف درهم . وكان دليلهم فُرات بن
حَيّان العِجلي، فخرج بهم على ذاتِ عِرْق طريقَ العراق ، فبلغ رسول الله،
صلى الله عليه وسلم ، أمرهم فوجّه زيد بن حارثة في مائة راكب فاعترضوا
لها ، فأصابوا العير وأفلت أعيان القوم ، وقدموا بالعير على رسول الله ، صلى
اللّه عليه وسلم ، فخمّسها فبلغ الخمسُ فيه عشرين ألف درهم ، وقسم ما بقي
على أهل السريّة، وأُسِرَ فُرات بن حيّان فأتي به النبيّ، صلى الله عليه وسلّم،
فقيل له : إن تُسلمْ تُتْرَكْ! فأسلم فتركه رسول الله ، صلى الله عليه وسلم،
من القتل .
غزوة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أحْداً
ثمّ غزوة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أُحُداً يوم السبت لسبع ليال
خلون من شوّال على رأس اثنين وثلاثين شهراً من مُهاجَرَه . قالوا : لمّا رجع
٣٦

من حضر بدراً من المشركين إلى مكّة وجّدوا العِيرَ التي قدم بها أبو سفيان بن
حرب موْقُوفةً في دار النّدْوة ، فمشت أشراف قريش إلى أبي سفيان فقالوا :
نحن طيّبُو أنفُسٍ إن تُجَهّزوا برِبح هذه العير جيشاً إلى محمد ، فقال أبو
سفيان : وأنا أوّل من أجاب إلى ذلك وبنو عبد مناف معي ؛ فباعوها فصارت
ذهباً فكانت ألفَ بعير والمال خمسين ألف دينار ، فسلّم إلى أهل العير رؤوس
أموالهم وأخرجوا أرباحهم ، وكانوا يَرْبَحُون في تجارتهم للدينار ديناراً ، وفيهم
نزلت : إنّ الّذينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أموَالَهُمْ لِيَصُدِّوا عن سَبِيلِ اللّهِ؛
وبعثوا رُسُلَهُم يسيرون في العرب يدعونهم إلى نصرهم ، فأوعبوا وتألّب من
كان معهم من العرب وحضروا ، فأجمعوا على إخراج الظُّعن، يعني النساء، معهم
ليذكّرْنَهم قَتَلَى بدر فيُحفِظنّهُم فيكون أحدّ لهم في القتال . وكتب العبّاس
ابن عبد المطلب بخبرهم كلّه إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فأخبر
رسول الله، صلى الله عليه وسلم، سعدَ بن الرّبيع بكتاب العبّاس، وأرجف
المنافقون واليهود بالمدينة ، وخرجت قريش من مكّة ومعهم أبو عامر الفاسق ،
وكان يسمى قبل ذلك الرّاهب ، في خمسين رجلاً من قومه ، وكان عددهم
ثلاثة آلاف رجل فيهم سبعمائة دارع ، ومعهم مائتا فرس وثلاثة آلاف بعير ،
والظعن خمس عشرة امرأة ، وشاع خبرهم ومسيرهم في الناس حتى نزلوا ذا
الحُليفة ، فبعث رسول اللّه، صلى الله عليه وسلّم، عينَينِ له أنّساً ومُؤنِساً
ابي فَضَالة الظّفَريّين ، ليلة الخميس لخمس ليال مضينَ من شوّال ، فأتيا
رسولَ الله، صلى الله عليه وسلم، بخبرهم وأنّهم قد خلّوا إبلهم وخيلهم في
الزرع الذي بالعُريض حتى تركوه ليس به خضراءُ، ثمّ بعث الحُبابَ بن
المنذر بن الجموح إليهم أيضاً فدخل فيهم فحزرهم وجاءه بعلمهم ، وبات
سعد بن مُعاذ وأسيد بن حُضير وسعد بن عبادة ، في عِدّة ليلة الجمعة ،
عليهم السّلاحُ في المسجد بباب رسول الله ، صلى الله عليه وسلم، وحُرست
المدينة حتى أصبحوا . ورأى رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، تلك الليلة كأنّه
٣٧

في درع حصينة ، وكأنّ سيفه ذا الفقار قد انفصم من عند ظُبَته، وكأنّ
بقرأْ تُذَّبّح، وكأنّه مُرْدِفٌ كبشاً ، فأخبر بها أصحابَه ، وأوّلَها فقال: أمّا
الدّرْع الحصينة فالمدينة، وأمّا انفصامُ سيفي فمُصيبةٌ في نفسي، وأمّا البقر
المذبّح فَقَتْلٌ في أصحابي، وأمّا مردفٌ كبشاً فكبشُ الكتيبة يقتله اللّه إن
شاء الله، فكان رأي رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أن لا يخرج من المدينة
لهذه الرؤيا ، فأحبّ أن يوافق على مثل رأيه فاستشار أصحابَه في الخروج
فأشار عليه عبد الله بن أبيّ بن سلول أن لا يخرج ، وكان ذلك رأي الأكابر من
المهاجرين والأنصار ، فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: أمكثوا في
المدينة واجعلوا النساء والذّراريّ في الآطام . فقال فتيانٌ أحداثٌ لم يشهدوا
بدراً فطلبوا من رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، الخروج إلى عدوّهم ورغبوا
في الشهادة وقالوا : اخرجْ بنا إلى عدوّنا ، فَغَلَبَ على الأمر الذي يريدون
الخروج ، فصلّى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، الجمعة بالناس ثمّ وعظهم
وأمرهم بالجدّ والجِهاد وأخبرهم أنّ لهم النصر ما صبروا، وأمرهم بالتهيّؤْ
لعدوّهم ففرح النّاس بالشّخوص، ثمّ صلى بالناس العصر وقد حشدوا وحضر
أهل العوالي ، ثمّ دخل رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، بيتَه ومعه أبو بكر
وعمر فعمماه ولبساه وصفّ الناس له ينتظرون خروجه ، فقال لهم سعد بن
معاذ وأسيد بن حُضير: استكرهتم رسولَ الله ، صلى الله عليه وسلم ، على
الخروج والأمرُ ينزل عليه من السماء فرُدّوا الأمرَ إليه . فخرج رسول الله ،
صلى الله عليه وسلم ، قد لبس لأمته وأظهر الدرع وحزم وسطها بمنطقة
من أدُم من حمائل السيف ، واعتمّ وتقلّد السيف وألقى الترس في ظهره ، فندموا
جميعاً على ما صنعوا وقالوا : ما كان لنا أن نخالفك فاصنع ما بدا لك ، فقال
رسول الله، صلى الله عليه وسلم: لا ينبغي لنبيّ إذا لبس لأمته أن يضعها حتّى
يحكم الله بينه وبين أعدائه ، فانظروا ما أمرتُكم به فافعلوه وامضوا على اسم
اللّه فلكم النصر ما صبرتم . ثمّ دعا بثلاثة أرماح فعقد ثلاثة ألوية ، فدفع لواء
٣٨

٦
الأوس إلى أسيد بن حضير ، ودفع لواء الخزرج إلى الحُباب بن المنذر ، ويُقال
إلى سعد بن عُبادة ، ودفع لواءه لواء المهاجرين إلى عليّ بن أبي طالب ، رضي
اللّه عنه، ويُقال إلى مصعب بن عمير، واستخلف على المدينة عبد الله بن أمّ.
مكتوم ، ثمّ ركب رسول الله، صلى الله عليه وسلّم، فرسه وتنكّب القوس"
وأخذ قناةً بيده والمسلمون عليهم السّلاحُ قد أظهروا الدّروع فيهم مائة دارع ،
وخرج السعدانِ أمامَه يعدُوَانِ: سعد بن معاذ وسعد بن عُبادة ، وكلّ
واحد منهما دارعٌ والنّاس عن يمينه وشماله . فمضى حتّى إذا كان بالشّيخين ،
وهما أطمان ، التفت فنظر إلى كتيبة خشناء لها زُجَلٌ فقال: ما هذه ؟ قالوا :
حلفاء ابن أبيّ من يهود ؛ فقال رسول الله ، صلى اللّه عليه وسلم : لا تستنصروا
بأهل الشرك على أهل الشرك . وعرض من عرض بالشيخين فردٌ من ردّ وأجاز
من أجاز ، وغابت الشمس وأذّن بلال المغرب فصلّ النبيّ ، صلى الله عليه
وسلم ، بأصحابه وبات بالشيخين وكان نازلاً في بني النجّار ، واستعمل على
الحَّرَس تلك الليلة محمد بن مسلمة في خمسين رجلاً يُطيفون بالعسكر .
وكان المشركون قد رأوا رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، حيث راح ونزل ،
فاجتمعوا واستعملوا على حَرَسهم عكرمة بن أبي جهل في خيل من المشركين ،
وأدلج رسول الله، صلى اللّه عليه وسلم ، في السحر ودليله أبو حئمة الحارثي
فانتهى إلى أُحُد إلى موضع القنطرة اليوم فحانَت الصلاة، وهو يرى المشركين،
فأمر بلالاً وأذن وأقام فصلى بأصحابه الصبح صفوفاً ، وانخزل ابن أبيّ من
ذلك المكان في كتيبة كأنّه هَيقٌ يقدمهم وهو يقول: عصاني وأطاع الولد انّ
ومن لا رأيّ له ، وانخزل معه ثلاثمائة ، فبقي رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ،
في سبعمائة ومعه فرسه وفرس لأبي بُرْدَةَ بن نِيار ، وأقبل يصفّ أصحابه
ويسوّي الصّفوف على رجليه ، وجعل ميمنةً وميسرةً وعليه درعان ومغفر
وبيضة، وجعل أُحُداً خلف ظهره واستقبل المدينة ، وجعل عَيَنَينِ جبلاً
بقناة عن يساره وجعل عليه خمسين من الرّماة ، واستعمل عليهم عبد الله بن
٣٩
----
------------

جُبير وأوعز إليهم فقال : قوموا على مصافّكم هذه فاحموا ظهورنا ، فإن
رأيتمونا قد غنمنا فلا تَشرَكونا ، وإن رأيتمونا نُقتَل فلا تنصرونا ، وأقبل
المشركون قد صفّوا صفوفهم واستعملوا على الميمنة خالد بن الوليد وعلى الميسرة
عكرمة بن أبي جهل ، ولهم مُجنّبتان مائتا فرس ، وجعلوا على الخيل صفوان
ابن أميّة ، ويقال عمرو بن العاص ، وعلى الرّماة عبد الله بن أبي ربيعة ، وكانوا.
مائة رامٍ ، ودفعوا الدّواء إلى طلحة بن أبي طلحة ، واسم أبي طلحة عبد الله بن
عبد العُزّى بن عثمان بن عبد الدار بن قُصيّ. وسأل رسول الله ، صلى الله عليه
وسلم : مَن يحمل لواء المشركين ؟ قيل : عبد الدار ، قال : نحن أحقّ بالوفاء
منهم ، أين مُصعَب بن عمير ؟ قال : هَأنَذا، قال: خُذ اللّواء ، فأخذه
مصعب بن عمير فتقدّم به بين يدي رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، فكان
أوّلَ من أنشب الحرب بينهم أبو عامر الفاسق ، طلع في خمسين من قومه
فنادى : أنا أبو عامر ، فقال المسلمون : لا مرحباً بك ولا أهلاً ، يا فاسق !
قال : لقد أصاب قومي بعدي شرّ، ومعه عبيدُ قريش ، فتراموا بالحجارة هم
والمسلمون حتى والتى أبو عامر وأصحابه ، وجعل نساء المشركين يضربن
بالأكبار والدّفوف والغرابيل ويحرّضن ويذكر هم قتلى بدر ويقلن : .
نَحنُ بِنَاتُ طارِقْ، نَمْشِي عَلَى النّمَارِقْ
إنْ تُقبِلُوا نُعانِقْ، أَوْ تُدْبِرُوا نُفَارِقْ
فِرَاقَ غَيْرٍ وامِقْ
قال : ودنا القوم بعضهم من بعض والرّماة يَرْشُقون خيل المشركين بالنبل
فتولى هوازن ، فصاح طلحة بن أبي طلحة صاحب اللواء : من يبارز ؟ فبرز له
عليّ بن أبي طالب ، رضي الله عنه، فالتقيا بين الصفّين فبدره عليّ فضربه على
رأسه حتّى فلق هامته فوقع، وهو كبش الكتيبة ، فسُرّ رسول اللّه،
صلى الله عليه وسلم ، بذلك وأظهر التكبير ، وكبّر المسلمون وشدّوا على كتائب
٤٠
r