Indexed OCR Text

Pages 181-200

ابهار الليل، إذ نَعَسَ النبيّ، صلى الله عليه وسلّم ، فمال على راحلته
فدعمتُه ، يعني أسندته ، من غير أن أوقظه ، فاعتدل على راحلته ثمّ سرنا .
ثمّ تهوّ الليل فنعس النبيّ، صلى الله عليه وسلم ، فمال على راحلته ميلة
أُخرى فدعمتُه من غير أن أوقظه ، فاعتدل على راحلته ثمّ سرنا حتى إذا
كان من آخر السَّحر مال ميلة هي أشدّ من الميلتين الأوليين حتى كاد أن ينجفل
فدعمته فرفع رأسه فقال: مَنْ هَذَا ؟ فقلت : أبو قتادة، فقال : متى
كَانَ هَذا مِنْ مَسِيرِكَ مِنّي ؟ قلت : ما زال هذا مسيري منك منذ
الليلة، قال: حَفِظَكَ اللّهُ بِمَا حَفِظْتَ نَبِيّهُ بِهِ، ثمّ قال: أتُرَانَا
نَخْفَ على النّاس؟ هَلْ تَرَى مِنْ أَحَدٍ؟ كأنّهُ يُريد أن يُعرّس، قال
قلت : هذا راكب ، ثمّ قلت : هذا راكب ، فاجتمعنا وكنّا سبعة رَكتَبة،
فمال النبيّ، صلّى الله عليه وسلّم ، عن الطريق فوضع رأسه ثمّ قال :
احْفَظُوا عَلَيْنَا صَلاتَنَا ، فَكان أوّل ما استيقظ هو بالشمس فقمنَا
فزعين ، قال : ارْكَبوا ، فسرنا حتى إذا ارتفعت الشمس نزل فدعا بميضأة
كانت معي فيها ماء فتوضّأنا وضوءاً دون وضوء وبقي فيها شيء من ماء ،
فقال النبيّ، صلى الله عليه وسلّم: يَا أَبَا قَتَادَةَ احْفَظْ عَلَيْنَا مَيْضَأْتَكَ
هَذِهِ فإنّهُ سَيَكُونُ لَهَا نَبَأْ، ثمّ نُودي بالصلاة فصلّى النبيّ، صلّى
اللّه عليه وسلم، ركعتين قبل الفجر ثمّ صلى الفجر كما كان يصلّ كلّ
يوم ، ثمّ قال : ارْكبوا ، فركبنا ، فجعل بعضنا يهمس إلى بعض ، فقال
النبيّ، صلى الله عليه وسلّم: مَا هَذَا الّذي تَهْمِسُونَ دُوني ؟ قال قلنا :
يا رسول اللّه تفريطنا في صلاتنا، قال فقال: أمَا لَكُمْ فِيّ أسْوَةٌ؟ إنّهُ
لَيْسَ فِي النّوْمِ تَقْرِيطٌ وَلَكِنّ التّفْريطَ عَلَى مَنْ لَمْ يُصَلّ الصّلاةَ
حَتّى يجِيءَ وَقْتُ الصّلاةِ الأخْرَىَ فَمَنْ فَعَلَ ذلِكَ فَلْيُصَلّ حين
يَنْتَبَهُ لَهَا، فإذا كانَ الغَدُّ فَلْيُصَلّهَا عِنْدَ وَقْتِهَا، ثمّ قال: مَا
تَرَوْنَ النّاسَ صَنَعُوا؟ ثمّ قال: أصبح النّاس فقَدُوا نبيّهُم ، فقال أبو
١٨١

بكر وعمر : رسول اللّه يعدكم لم يكن ليُخلِفكم ، فقال النّاس: النبيّ.
صلى الله عليه وسلم ، بين أيديكم فإن تُطيعوا أبا بكر وعمر ترشُدُوا ،
فانتهينا إلى الناس حين حمي كلّ شيء ، أو قال حين تعالى النّهار ، وهم
يقولون: يا رسول اللّه هلكنا عطشاً، قال: لا هُلْكَ عَلَيْكُمْ، فنزل
فقال : أطْلِقُوا لي غُمَري ، يعني بالغمر القعب الصغير ، ودعا بالميضأة
فجعل النبيّ ، صلى الله عليه وسلم ، يصبّ وأسْقيهم ، فلمّا رأى النّاس
ما فيها تكابّوا، فقال النبيّ، صلى الله عليه وسلّم: أحْسِنُوا المِلْءَ
فَكُلّكُمْ سَيُرْوَى، قال: فجعل النبيّ ، صلى الله عليه وسلّم، يصبّ
وأسْقيهم حتى ما بقي غيري وغيره ، قال : فصُبّ، وقال: اشْرَبْ،
قال : فقلت يا رسول اللّه لا أشرب حتى تشربَ، فقال النبيّ، صلّى اللّه عليه
وسلم: إنّ سَاقِيَ القَوْمِ آخِرُهُمْ، قال : فشربتُ وشربَ النبيّ ، صلى
اللّه عليه وسلّم، قال: فأتى النّاس الماء جامّينَ رِوَاءً ، فقال عبد الله بن رباح :
إني لفي مسجدكم هذا الجامع أحدّث هذا الحديث ، إذ قال لي عمران بن
حُصين : انظر أيها الفتى ، انظر كيف تحدّث ، فإني أحد الركب تلك الليلة ،
قال : قلت يا أبا نُجيد فأنت أعلم ، قال : ممن أنت ؟ قال : قلت من الأنصار ،
قال : فأنتم أعلم بحديثكم ، حدّثِ القوم ، قال : فحدّثت القوم ،
فقال عمران : وقد شهدتُ تلك الليلة وما شعرت أنّ أحداً من النّاس حفظه
كما حفظته .
حدّثنا فُضيل بن عبد الوهّاب أبو محمد الغطفاني ، أخبرنا شريك
عن سماك عن أبي ظَبْيان عن ابن عبّاس قال: جاء رجل إلى النّبيّ ، صلى
اللّه عليه وسلّم، فقال: بمَ كنتَ نبيّاً؟ قالَ: أَرَأيْتَ إنْ دَعَوْتُ شَيْئاً
مِنَ النّخْلَةِ فَأْجَابَي أَتُؤْمِنُ بي ؟ قال : نعم ، فدعاه فأجابه فآمن به
وأسلم .
أخبرنا هاشم بن القاسم ، أخبرنا شعبة قال : أخبرني عمرو بن مُرّة
١٨٢

وحصين بن عبد الرحمن عن سالم بن أبي الجعد عن جابر بن عبد الله قال :
أصابنا عطش بالحديبية فجهشنا إلى رسول الله ، صلى الله عليه وسلّم ، وبين
يديه. تَوْر فيه ماء فقال بأصابعه هكذا فيه ، وقال : خُذُوا باسم الله ، قال :
فجعل الماء يتخلّل من أصابعه كأنّها عُيون فَوَسِعَنَا وكفانا ، وقال حصين
في حديثه : فشربنا وتوضانا .
أخبرنا هاشم بن القاسم ، أخبرنا سليمان بن المغيرة عن ثابت البناني
عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن المقداد قال : أقبلتُ أنا وصاحبان لي قد
ذَهَبَتْ أسماعنا وأبصارنا من الجهد ، قال : فجعلنا نعرض أنفسنا على أصحاب
رسول الله، صلى الله عليه وسلّم، ليس أحد يقبلنا، قال: فانطلقنا إلى
رسول الله، صلى الله عليه وسلّم، فانطلق بنا إلى أهله ، قال: فإذا ثلاثة
أعنز، فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلّم: احْتَلِبُوا هَذَا اللّبَنَّ
بَيْنَنّا، قال : فكنّا نحتلب فيشرب كلّ إنسان نصيبه ، ونرفع لرسول الله،
صلى الله عليه وسلّم ، نصيبه ، قال : فيجيء من الليل فيسلم تسليماً لا يوقظ
نائماً ويسمع اليقظان، ثمّ يأتي المسجد فيصلّي ، ثم يأتي شرابه فيشربه ،
قال : فأتاني الشيطان ذات ليلة فقال: محمّد يأتي الأنصار فيُتحفونه ويصيب
عندهم ، ما به حاجة إلى هذه الجُرعة فاشربها ، قال : ما زال يزيّن لي حتّى
شربتها ، فلمّا وَغَلَت في بطني وعرف أنّه ليس إليها سبيل ندّمني قال :
ويحك ما صنعت ! شربت شراب محمّد فيجيء فلا يراه فيدعو عليك فتهلك ،
فتذهب دنياك وآخرتك ، قال : وعليّ شملة من صوف كلّما رُفعت على
رأسي خرجت قدماي ، وإذا أُرسلت على قدمي خرج رأسي ، قال : وجعل
لا يجيثني نوم ، قال: وأمّا صاحباي فناما، فجاء رسول الله، صلى الله عليه
وسلم ، فسلّم كما كان يسلّم ، ثمّ أتى المسجد فصلّى ، وأتى شرابه فكشف
عنه فلم يجد فيه شيئاً، قال: فرفع رأسه إلى السّماء ، قلت الآن يدعو عليّ
فأهلك ، فقال: اللّهُمّ أَطْعِمْ مَنْ أَطْعَمَنِي وَاسْقِ مَنْ سَقَاني !
١٨٣

قال : فعمدت إلى الشملة فشددتها عنيّ وأخذت الشفرة فانطلقت إلى الأعنز
أجُسَهُنّ أيّتهنّ أسمن فأذبح لرسول الله- صلى الله عليه وسلّم. فإذا
عنّ حُفَلٌ كُلهنّ. فعمدت إلى إناء لآل محمّد ما كانوا يطمعون أن يحلبوا
فيه ، فحلبت فيه حتى علته الرغوة، ثمّ جئت به إلى رسول الله- صلى الله
عليه وسلم، فقال: أَمَا شَرِبْتُمْ شَرَابَكُمُ اللَّيْلَةَ يا مِقْدَادُ ؟ قال
قلت : اشرب يا رسول الله ، قال: فشرب ثمّ ناولني. فقلت : يا رسول
اللّه اشرب، فشرب ثمّ ناولني. فأخذت ما بقيٍ فشربت ، فلمّاً عرفت
أنّ رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قد روي وأصابتني دعوته ضحكت
حتى أُلقيت إلى الأرض ، قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: إحْدَى
سَوْءَانِكَ يا مِقْدَادُ ، قال قلت: يا رسول اللّه كان من أمري كذا
وصنعت كذا ، فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: مَا كَانَتْ هَذِه
إلاَّ رَحْمَةً مِنَ اللّهِ، أَفَلَا كُنْتَ أَدْنَيْتَني فَتُوقِظَ صَاحِبَيْكَ هَذَيْنٍ
فيصيبان مِنْهَا ؟ قال قلت: والّذي بعثك بالحقّ ما أُبالي إذ أصبتها وأصبتُها
معك مَن أصابها من النّاس .
أخبرنا هاشم بن قاسم، أخبرنا زهير أبو خيثمة. أخبرنا سليمان الأعمش
عن القاسم قال : قال عبد الله بن مسعود: ما أعترف لأحد أسلم قبلي .
أتاني رسول الله، صلى الله عليه وسلّم، وأنا في غنم أهلي فقال: أفي غَنَمِكَ
تَبَنٌ؛ قال قلت: لا . قال : فأخذ شاة فلمس ضرعها فأنزلت ، فما أعترف
لأحد أسلم قبلي .
أخبرنا عليّ بن محمّد بن عبد الله بن أبي سيف القرشي عن أبي زكريّاء
العجلاني عن محمّد بن كعب القرظي وعن عليّ بن مجاهد عن محمد بن إسحاق
عن عاصم بن عمرو بن قتادة عن محمود بن أبيد عن ابن عبّاس عن سلمان
قال : أتيت رسول الله، صلى الله عليه وسلم ، وهو في جنازة رجل من
أصحابه ، فلمّا رآني مُقْبلاً قال لي: دُرْ خلفي ، وطرح رداءه فرأيت
١٨٤

الخاتم وقبّلته، ثمّ درت إليه فجلست بين يديه، فقال: كاتب، فكاتبت
على ثلاثمائة وديّة عالقة وأربعين أوقية من ذهب ، فقال رسول الله، صلى
الله عليه وسلّم: أعِينُوا أخَاكُمْ، فكان الرجل يأتي بالوديّة والثنتين
والثلاث حتى جمعوا لي ثلاثمائة ، فقلت : كيف لي بعلوقها ؟ فقال لي :
انْطَلِقْ فَفَقَرْ لهَا بِيَدِكَ، ففقّرت لها ثمّ أتيته فجاء معي فوضعها بيده ،
فما أخلفت منها واحدة وبقي الذهب ، فبينا أنا عنده أتي بمثل بيضة الحمامة
من ذهب صدقة فقال: أيْنَ العَبْدُ الْمُكَاتِبُ الفَارِسِيّ؟ فقمت فقال :
خُذْ هَذِهِ فَأَدّ مِنْهَا ، فقلت : وكيف تكفيني هذه ! فمسح رسول الله ،
صلى الله عليه وسلّم ، لسانه عليها ، فوزنْت منها أربعين أوقية وبقي عندي
مثل ما أعطاهم .
أخبرنا عليّ بن محمّد عن الصلت بن دينار عن عبد الله بن شقيق عن
أبي صخر العُقيلي قال: خرجت إلى المدينة فتلقّاني رسول الله، صلى الله
عليه وسلم ، بين أبي بكر وعمر يمشي ، فمرّ بيهودي ومعه سِفْر فيه
التوراة يقرؤها على ابن أخ له مريض بين يديه ، فقال النبيّ ، صلى الله عليه
وسلم: يا يَهُودِيّ نَشَدْتُكَ بِالّذِي أَنْزَلَ التّوْرَاةَ عَلى مُوسى وفَلَقَ
البَحْرَ لِسَي إِسْرَائيلَ أَتَجِدُ فِي تَوْرَاتِكَ نَعْي وَصِفَتِي وَمَخْرَجي ؟
فأومأ برأسه أن لا . فقال ابن أخيه : لكني أشهد بالّذي أنزل التوراة على
موسى ، وفلق البحر لبني إسرائيل ، أنه ليجد نعتك وزمانك وصفتك ومخرجك
في كتابه، وأنا أشهد أن لا إله إلاّ اللّه وأنك رسول اللّه، فقال النبيّ، صلى
اللّه عليه وسلم: أقيمُوا اليَهودِيّ عن صَاحِبِكُمْ، وَقُبِضَ الفتى ، فصلى
عليه النبيّ ، صلى اللّه عليه وسلم ، وأجنّه .
أخبرنا عليّ بن محمد عن يعقوب بن داود عن شيخ من بني جُمَح
قال: لمّا أتى النبيّ، صلى اللّه عليه وسلم، أمّ معبد قال: هَلْ مِنْ قِرَّى؟
قالت : لا ، قال : فانتبذ هو وأبو بكر ، وراح ابنها بشويهات فقال لأمه :
١٨٥

ما هذا السواد الذي أرى منتبذاً ؟ قالت : قوم طلبوا القرى فقلت ما عندنا
قِرَّى . فأتاهم ابنها فاعتذر وقال : إنها امرأة ضعيفة ، وعندنا ما تحتاجون
إليه ، فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلّم: انْطَلِقْ فَأتِي بِشَاةٍ مِنْ
غَنّمَكَ، فجاء فَأَخَذَ عَنَاقاً ، فقالت أمّه : أين تذهب ؟ قال :
سألاني شاةً ، قالت : يصنعان بها ماذا ؟ قال: ما أحبّا ، فمسح النبيّ ،
صلى الله عليه وسلّم. ضّرعها وضَرّتها فتحفّلت، فحلب حتى ملأ قعباً
وتركها أحفل ما كانت وقال : انْطَلِقْ بِهِ إلى أمّكَ وَأتِي بِشاةٍ أُخْرَى
مِنْ غَنَمِكَ ، فأتى أمّه بالقَعْب فقالت : أنّى لك هذا ؟ قال : من لبن
الفلانة . قالت : وكيف ولم تَقْرِ سَلاَ قطّ؟ أظنّ هذا واللاّتِ الصّابىءَ
الذي بمكّة ! وشربَتْ منه، ثمّ جاءه بعَنَاق أُخرى ، فحلبها حتى ملأ القعب
ثمّ تركها أخفل ما كانت ثمّ قال: اشْرَّبْ، فشرب. ثمّ قال: جِئْتِي
بأُخْرَى، فأتاه بها ، فحلب وسقى أبا بكر ، ثمّ قال : جِئْني بأُخرى ،
فأتاه بها ، فحلب ثمّ شرب وتركهنّ أحفل ما كنّ ..
أخبرنا عليّ بن محمد عن الحسن بن دينار عن الحسن قال : بينا رسول
اللّه. صلى الله عليه وسلم، في مسجده إذ أقبل جمل ناد" حتى وضع رأسه
في حجر النبيّ ، صلى الله عليه وسلّم، وجرجر ، فقال النبيّ، صلى الله عليه
وسلم: إنّ هَذَا الْجَمَلَ يَزْعُمُ أنّهُ لِرَجُلٍ وَأَنْهُ يُريدُ أنْ يَنْحَرَهُ
فِي طَعَّامٍ عَنْ أبِيهِ الآنَ فَجَاءَ يَسْتَغِيثُ، فقال رجل : يا رسول الله
هذا جمل فلان . وقد أراد به ذلك ، فدعا النبيّ ، صلى الله عليه وسلّم ،
الرجل فسأله عن ذلك. فأخبره أنّه أراد ذلك به ، فطلب إليه النبيّ، صلى اللّه
عليه وسلم ، أن لا ينحره ، ففعل .
أخبرنا عليّ بن محمد عن حُباب بن موسى السعيديّ عن جعفر بن محمّد
عن أبيه قال: قال عليّ ، رضي الله عنه: بتنا ليلة بغير عشاء، فأصبحتُ
فخرجت ثم رجعت إلى فاطمة ، عليها السّلام ، وهي محزونة ، فقلت :
١٨٦

ما لك ؟ فقالت : لم نتعشّ البارحة ولم نتغدّ اليوم وليس عندنا عشاء، فخرجتُ
فالتمستُ فأصبتُ ما اشتريتُ طعاماً ولحماً بدرهم ، ثمّ أتيتُها به فخبزتْ
وطبختْ ، فلمّا فرغت من إنضاج القدر قالت : لو أتيتَ أبي فدعوته ،
فأتيت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وهو مضطجع في المسجد وهو
يقول : أعوذُ باللّه مِنَ الجُوعِ ضجيعاً! فقلت : بأبي أنت وأمّي يا رسول
اللّه، عندنا طعامٌ فهلُمّ! فتوّكَأْ عليّ حتى دخل والقِدْرُ تَفُور ، فقال:
اغْرِفِي لِعَائِشَةَ، فغرفت في صحفة، ثمّ قال: اغْرِفي لحَقْصَةَ، فغرفت في
صحفة حتى غرفت لجميع نسائه التسع ، ثمّ قال : اغْرِفي لأبيَكِ وَزَوْجِكٍ
فغرفت ، فقال : اغْرِفي فكُلي ، فغرفت ثمّ رفعت القِدْر وإنها لتفيض
فأكلنا منها ما شاء الله
أخبرنا عليّ بن محمد عن يزيد بن عياض بن جُعدُبة الليثي عن نافع
عن سالم عن عليّ قال : أمر رسول الله، صلى الله عليه وسلّم ، خديجة وهو
بمكّة فاتخذت له طعاماً، ثمّ قال لعليّ، رضي اللّه عنه: ادْعُ لي بني عَبْد
المُطلب، فدعا أربعين، فقال لعليّ: هَلُمّ طَعَامَكَ، قال عليّ:
فأتيتهم بثريدة إن كان الرجل منهم ليأكل مثلها ، فأكلوا منها جميعاً حتى
أمسكوا ، ثمّ قال: اسْقِهِمْ ، فسقيتهم بإناء هو رِيّ أحدهم ، فشربوا
منه جميعاً حتى صدروا ، فقال أبو لهب : لقد سحركم محمّد ، فتفرّقوا
ولم يدْعُهم، فلبثوا أيّاماً، ثمّ صنع لهم مثله، ثمّ أمرني فجمعتهم فطعموا ،
ثمّ قال لهم، صلى الله عليه وسلّم: مَنْ يُؤازِرُنِي عَلَى مَا أَنَا عَلَيْهِ
وَيُجِيبُنِي عَلَى أنْ يَكُونَ أَخِي وَلَهُ الجَنّةُ؟ فقلت: أنّا يا رسول اللّه،
وإني لأحدثهم سِنّاً وأحمشهم ساقاً، وسكت القوم ، ثمّ قالوا : يا أبا طالب
ألا ترى ابنك؟ قال : دعوه فلن يَأْلُوَ ابن عَمّه خيراً ..
أخبرنا عليّ بن محمّد عن أبي معشر عن زيد بن أسلم وغيره أن عين
قتادة بن النعمان أصيبت فسالت على خدّه ، فردّها رسول الله ، صلى الله عليه
١٨٧

وسلم ، بيده ، فكانت أصحّ عينيه وأحسنهما .
أخبرنا عليّ بن محمّد عن أبي معشر عن زيد بن أسلم ويزيد بن رومان
وإسحاق بن عبد الله بن أبي فروة وغيرهم أنّ عُكنّاشة بن محصن انقطع
سيفه في يوم بدر، فأعطاه رسول الله، صلى الله عليه وسلّم، جِذْلاً من
شجرة ، فعاد في يده سيفاً صارماً صافي الحديدة شديد المتن .
أخبرنا عليّ بن محمد عن عليّ بن مجاهد عن عبد الأعلى بن ميمون بن
مهران عن أبيه قال : قال عبد الله بن عبّاس: كان رسول الله، صلى اللّه
عليه وسلم ، يخطب إلى خشبة كانت في المسجد ، فلمّا صُنع المنبر فصعده
رسول الله، صلى الله عليه وسلم، حنّت الخشبة، فنزل رسول الله، صلى
اللّه عليه وسلّم ، فاحتضنها فسكنت .
أخبرنا عليّ بن محمّد عن أبي معشر عن زيد بن أسلم وغيره أنّ
سراقة بن مالك ركب في طلب النبيّ ، صلى الله عليه وسلّم، بعدما استقسم
بالأزلام أيخرج أم لا يخرج ، فكان يخرج له أن لا يخرجَ ثلاث مرّات ، فركب
فلحقهم ، فدعا النبيّ ، صلى الله عليه وسلم ، أن ترسخ قوائم فرسه. فرسخت ،
فقال: يا محمّد ، ادعُ اللّه أن يُطلق فرسي فأردّ عنك، فقال النبيّ ، صلى
الله عليه وسلّم: اللّهُمّ إنْ كَانَ صَادِقاً فَأَطْلِقْ لَهُ فَرَسَهُ، فخرجت
قوائم فرسه .
أخبرنا محمد بن عمر قال : حدّثني الحكم بن القاسم عن زكريّاء بن
عمرو عن شيخ من قريش أنّ قريشاً لمّا تكاتبت على بني هاشم حين أبوا أن
يدفعوا إليهم رسول الله، صلى الله عليه وسلم ، وكانوا تكاتبوا ألا يُنكحوهم
ولا يتنكحوا إليهم، ولا يبيعوهم ولا يبتاعوا منهم، ولا يخالطوهم في شيء
ولا يكلموهم ، فمكثوا ثلاث سنين في شعبهم محصورين إلاّ ما كان من أبي
لهب فإنّه لم يدخل معهم ، ودخل معهم بنو المطّلب بن عبد مناف ، فلمّا
مضت ثلاث سنين أطْلَعَ اللّه نبيّه على أمر صحيفتهم، وأنّ الأرضة قد
١٨٨

أكلت ما كان فيها من جَوْر أو ظلم ، وبقي ما كان فيها من ذكر الله ،
فذكر ذلك رسول الله، صلى اللّه عليه وسلم ، لأبي طالب ، فقال أبو طالب:
أحقّ ما تخبرني يا ابن أخي؟ قال: نَعَمْ واللّهِ! قال: فذكر ذلك أبو طالب
لإخوته ، فقالوا له : ما ظنّك به ؟ قال : فقال أبو طالب: والله ما كذَبني
قطّ ، قال : فما ترى ؟ قال : أرى أن تلبسوا أحسن ما تجدون من الثياب
ثمّ تخرجون إلى قريش فنذكر ذلك لهم قبل أن يبلغهم الخبر ، قال : فخرجوا
حتى دخلوا المسجد ، فصمدوا إلى الحجر وكان لا يجلس فيه إلاّ مسَانّ
قريش وذوو نهاهم ، فترفعت إليهم المجالس ينظرون ماذا يقولون ، فقال
أبو طالب : إنّا قد جئنا لأمر فأجيبوا فيه بالذي يُعرف لكم ، قالوا : مرحباً
بكم وأهلاً وعندنا ما يسرّك فما طلبت ؟ قال : إن ابن أخي قد أخبرني ولم
يكذبني قطّ أنّ اللّه سلّط على صحيفتكم التي كتبتم الأرضة فلمست كلّ
ما كان فيها من جَوْر أو ظلم أو قطيعة رحم وبقي فيها كلّ ما ذُكر به الله ،
فإن كان ابن أخي صادقاً نزعتم عن سوء رأيكم ، وإن كان كاذباً دفعته
إليكم فقتلتموه أو استحييتموه إن شئتم ، قالوا : قد أنصفتنا ، فأرسلوا إلى
الصحيفة ، فلمّا أُتي بها قال أبو طالب : اقرؤوها ، فلمّا فتحوها إذا هي كما
قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قد أكلت كلّها إلاّ ما كان من ذكر
اللّه فيها، قال : فسُقط في أيدي القوم ثمّ نكسوا على رؤوسهم ، فقال أبو
طالب : هل تبين لكم أنكم أولى بالظلم والقطيعة والإساءة ؟ فلم يراجعه
أحد من القوم ، وتلاوم رجال من قريش على ما صنعوا بني هاشم ، فمكثوا.
غير كثير ، ورجع أبو طالب إلى الشعب وهو يقول : يا معشر قريش علام
نُحْصَر ونُحبّس وقد بان الأمر ؟ ثم دخل هو وأصحابه بين أستار الكعبة
والكعبة فقال : اللّهُمّ انصرنا ممن ظلمنا، وقطع أرحامنا، واستحلّ منّا
ما يحرم عليه منّا ! ثمّ انصرفوا.
أخبرنا عبد الله بن جعفر الرقي . أخبرنا عبيد الله بن عمرو عن ابن،
١٨٩

عقيل عن جابر أو غيره قال : إنّ أوّل خبر جاء إلى المدينة عن رسول الله،
صلى الله عليه وسلم ، أنّ امرأة من أهل المدينة كان ها تابع فجاء في صورة
طائر حتى وقع على حائط دارهم ، فقالت المرأة : انزل حدّثنا ونحدّثك
وتخبرنا ونخبرك ، قال : إنّه قد بُعث بمكّة نبيّ حرّم علينا الزنا ومنع
منّا القرار .
ذكر مبعث رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وما بعث به
أخبرنا محمد بن عبد اللّه الأسديّ ، أخبرنا سفيان الثوريّ قال : سمعت
السُّدّي يقول في قوله تعالى: وَوَجَدَكَ ضَالاً فَهَدَى، قال : كان على
أمر قومه أربعين عاماً
أخبرنا عبد الله بن مسلمة بن قَعْنَب ، أخبرنا سليمان بن بلال قال :
أخبرنا معن بن عيسى عن مالك بن أنس جميعاً عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن
سمع أنس بن مالك يقول : بُعث رسول الله ، صلى الله عليه وسلّم ، على
رأس أربعين سنة ، يعني من مولده .
أخبرنا رَوْح بن عُبادة ، أخبرنا هشام بن حسّان عن عكرمة عن ابن
عبّاس قال: بُعث رسول الله، صلى الله عليه وسلّم ، لأربعين سنة .
أخبرنا عبد الله بن عمرو أبو معمر المنْقَري ، أخبرنا عبد الوارث
ابن سعيد ، أخبرنا أبو غالب الباهليّ أنّه شهد العلاء بن زياد العدوي يسأل
أنس بن مالك قال : يا أبا حمزة بسنّ أيّ الرجال كان رسول الله، صلى الله
عليه وسلم ، إذ بُعث ؟ قال : كان ابن أربعين سنة ، قال: ثمّ كان ماذا ؟
قال : كان بمكّة عشر سنين وبالمدينة عشر سنين ، قال : هذا قول أنس إنّه
كان بمكّة عشر سنين ولم يكن يقوله غيره .
١٩٠

أخبرنا المعلّى بن أسد العمي ، أخبرنا وهيب بن خالد عن داود بن
أبي هند عن عامر ، وأخبرنا خلف بن الوليد الأزدي ، أخبرنا خالد بن عبد
الله عن داود بن أبي هند عن عامر، وأخبرنا نصر بن سائب الخراساني
عن داود بن أبي هند عن عمر أن رسول الله ، صلى الله عليه وسلم، أُنزلت
عليه النبوّة وهو ابن أربعين سنة ، وكان معه إسرافيل ثلاث سنين . ثمّ عزل
عنه إسرافيل وأقرن به جبريل عشر سنين بمكّة وعشر سنين مهاجره بالمدينة ،
فقبض رسول الله ، صلى الله عليه وسلم، وهو ابن ثلاث وستين سنة ؛
قال محمد بن سعد : فذكرت هذا الحديث لمحمد بن عمر فقال : ليس يعرف
أهل العلم ببلدنا أنّ إسرافيل قُرن بالنبيّ ، صلى الله عليه وسلم ، وإن علماءهم
وأهل السيرة منهم يقولون لم يقرن به غير جبريل من حين أُنزل عليه الوحي إلى
أن قُبض ، صلى الله عليه وسلّم .
أخبرنا عفّان بن مسلم ، أخبرنا حماد بن سلمة عن أبي محمّد قال
سمعت زرارة بن أَوْفى يقول : القرن مائة وعشرون عاماً ، قال : فبُعث رسول
الله، صلى اللّه عليه وسلم، في قرن كان العام الذي مات فيه يزيد بن
معاوية .
: أخبرنا الفضل بن دكين ، أخبرنا سالم بن العلاء الأنصاري عن عبد الملك
أبي سليمان عن أبي جعفر قال : قال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم:
بُعِشْتُ إلى الأحْمَرِ وَالأسْوَدِ ؛ قال عبد الملك: الأحمر النّاس والأسود
الجن
أخبرنا إسحاق بن يوسف الأزرق عن عوف عن الحسن قال : قال رسول
الله، صلى الله عليه وسلّم: أنّا رَسُولُ مَنْ أَدْرَكْتُ حَيّاً وَمَنْ يُولَهُ
بعدي .
أخبرنا محمد بن عمر الأسلمي ، حدثني أبو عُتبة إسماعيل بن عبّاس
عن بحير بن سعد عن خالد بن معدان قال: قال رسول الله، صلى الله عليه
١

وسلم: بُعِثْتُ إلى النّاسِ كَافّةً فَإنْ لمْ يَسْتَجِيبُوا لِي فإلى العَرَبِ فإنْ
لَمْ يَسْتَجِيبُوا لِي فَإلى قُرَيْشٍ فإنْ لمْ يَسْتَجِيبُوا لي فإلى بَنِي هَاشِمٍ
فإنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لِي فَإليّ وَحْدي.
أخبرنا عفان بن مسلم ، أخبرنا أبو عوانة عن عمر بن أبي سلمة عن
أبيه عن أبي هُريرة أن النبيّ، صلى الله عليه وسلّم، قال: أُرْسِلْتُ إلى
النّاسِ كَافّةٌ وَبي خُتِمَ النّبيّونَ.
أخبرنا عبد الله بن نُمير الهمداني عن مُجالد بن سعيد عن عامر عن
جابر قال : سمعت رسول الله، صلى الله عليه وسلّم، يقول: إنّ خَاتَمُ.
ألفٍ نبيٍ أو أكْثَرَ .
أخبرنا أحمد بن محمد بن الوليد المكي ، أخبرنا مسلم بن خالد الزنجي
قال : حدثني زياد بن سعد عن محمد بن المنكدر وعن صفوان بن سُليم عن
أنس بن مالك قال : قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: بُعِثْتُ عَلى إثْرٍ
ثَمانِيَةِ آلافٍ مِنَ الْأُنْبِياءِ، مِنْهُمْ أَرْبَعَةُ آلافٍ نَبِيٍ مِنْ بَنِي إِسرائيلَ.
أخبرنا محمد بن عبيد الطنافسي ، أخبرنا بُرد الحريري عن حبيب بن
أبي ثابت قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: بُعِثْتُ بالحَنِيفِيَّةِ
السّمْحّة .
أخبرنا سعيد بن منصور ، أخبرنا عبد العزيز بن محمد عن محمد بن
عجلان عن القعقاع عن أبي صالح عن أبي هريرة قال : قال رسول الله ، صلى
اللّه عليه وسلم: إنّمَا بُعِثْتُ لأَتَمّمَ صالِحَ الأَخْلاقِ.
حدّثنا الفضل بن دُكين ، أخبرنا مِسْعَر عن معبد بن خالد قال
قال رسول الله، صلى الله عليه وسلّم: تَعْلَمُونَ أنّي رَحْمَةٌ مُهْدَاةٌ.
بُعِثْتُ لِرَفْعِ قَوْمٍ وَوَضْعِ آخَرِين .
أخبرنا وكيع بن الجرّاح ، أخبرنا الأعمش عن أبي صالح قال : قال
رسول الله، صلى الله عليه وسلّم: أيّهَا النّاسُ إنّمَا أَنَا رَحْمَةٌ
١٩٢

مَهْدَاةٌ .
أخبرنا معن بن عيسى الأشجعي ، أخبرنا مالك بن أنس أنّه بلغه أنّ
رسول الله، صلى الله عليه وسلّم، قال: إنّمَا بُعِثْتُ لأتَمّمَ حُسْنَ
الأخْلاق .
حدّثنا محمد بن عمر قال : حدثني معمر بن راشد عن الزهريّ عن
سعيد بن المسيّب عن أبي هريرة قال : قال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم:
أُمِرْتُ أنْ أُقَاتِلَ النّاسَ حَتّى يقُولُوا لا إله إلاّ اللّه فمَنْ قَالَ لا إلّهَ
إلاّ اللهُ عَصم منّ مَالَهُ وَنَفْسَهُ إلاّ بحقّهِ وَحِسابُهُ على اللّهِ، وَأَنْزَلَ
، اللّهُ فِي كِتَابِهِ، وذكرَ قوماً قد اسْتكبروا، فقال: إنّهُم كَانُوا إذا
قِيلَ لَهُمْ لا إلَهَ إلاّ اللّهُ يَسْتَكْبِرُونَ.
أخبرنا محمد بن عمر قال : حدثني عبد الرحمن بن أبي الموالي عن
عبد الله بن محمد بن عقيل عن جابر بن عبد الله قال: وحد ثني محمد بن هلال
عن أبيه عن أبي هُريرة عن النبيّ، صلى الله عليه وسلّم، قال: أُمِرتُ
أن أُقَاتِلَ النّاسَ حَتّى يَقُولُوا لا إلَهَ إلاّ اللّه فَإذا قالوهَا مَنَعُوا
مِنِّي أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالهُمْ إلاّ بحقّهَا وَحِسَابُهُمْ عَلى اللّهِ عَزّ
وَجَمَلْ.
ذكر اليوم الذي بعث فيه رسول الله ، صلى الله عليه وسلم
أخبرنا محمد بن معاوية النيسابوري ، أخبرنا ابن لهيعة عن خالد بن أبي
عمران عن أبي حَنّش الصنعاني عن ابن عبّاس قال: نُبِّىء نبيكم ، صلى
اللّه عليه وسلم ، يوم الاثنين.
أخبرنا موسى بن داود ، أخبرنا عليّ بن عابس الكوفي عن مسلم عن
١٩٣
١٣-١

أنس قال: استنبأ النبيّ ، صلى الله عليه وسلم ، يوم الاثنين.
أخبرنا محمد بن عمر بن واقد قال : حدّني أبو بكر بن عبد الله بن
أبي سبرة عن إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة عن أبي جعفر قال : نزل المَلَك
على رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، بحراء يوم الاثنين لسبع عشرة خلت
من شهر رمضان ورسولُ اللّه يومئذ ابن أربعين سنة وجبريلُ الّذي كان
ينزل عليه بالوحي .
ذكر نزول الوحي على رسول الله ، صلى الله عليه وسلم
أخبرنا محمد بن حُميد أبو سفيان العَبْدي عن معمر عن قتادة في قوله
تعالى: وَأَيّدْنَاهُ بِرُوحِ القُدُّسِ ؛ قال : هو جبريل .
أخبرنا محمد بن عمر قال : حدّثني معمر بن راشد ومحمد بن عبد الله
عن الزهريّ عن عروة عن عائشة قالت : كان أول ما بُدىء به رسول الله ،
صلى الله عليه وسلّم، من الوحي الرؤيا الصّادقة، فكان لا يرى رؤيا إلاّ
جاءت مثل فَلَق الصبح ، قالت : فمكثَ على ذلك ما شاء الله، وحُبّبَ
إليه الخَلْوَة فلم يكن شيء أحَبّ إليه منها ، وكان يخلو بغار حراء يتحنّث
فيه الليالي ذوات العدد قبل أن يرجع إلى أهله ، ثمّ يرجع إلى خديجة فيتزوّد
لمثلها حتى فَجِئَه الحقّ وهو في غار حِراء.
أخبرنا محمد بن عمر قال : حدثني إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حَبيبة
عن داود بن الحُصين عن عِكْرِمة عن ابن عبّاس قال : فبينا رسول اللّه ،
صلى الله عليه وسلّم، على ذلك وهو بأجياد إذ رأى ملكاً واضعاً إحدى
رجليه على الأخرى في أفق السماء يصيح : يا محمد ، أنا جبريل ، يا محمّد ،
أنا جبريل، فذُعر رسول الله، صلى الله عليه وسلّم، من ذلك، وجعل
١٩٤

يراه كلّما رفع رأسه إلى السّماء ، فرجع سريعاً إلى خديجة فأخبرها خبره
وقال : يَا خَدِيجَةُ وَاللّهِ مَا أَبْغَضْتُ بُغْضَ هَذِهِ الأَصْنَامِ شَيْئاً قَطْ
وَلا الكُهَانِ وَإنّي لَأَخْشَى أنْ أَكُونَ كَاهِناً ، قالت : كلاّ يا ابنَ عَمّ
لا تَقُلْ ذلك، فإنّ اللّه لا يفعل ذلك بك أبداً، إنّك لتصل الرَّحِمِ وتَصْدق
الحديث وتؤدّي الأمانة، وإن خُلُقَكَ لكريم ، ثمّ انطلقت إلى وَرَقَة بن
نوفل ، وهي أوّل مرّة أتته ، فأخبرته ما أخبرها به رسول الله، صلى الله عليه
وسلّم، فقال ورقةُ : والله إن ابن عمّك الصادق، وإنّ هذا لبدءُ نبوّة،
وإنّه ليأتيه النّاموس الأكبر ، فمريه أن لا يجعل في نفسه إلاّ خيراً .
أخبرنا عفّان بن مسلم ، أخبرنا حماد بن سلمة عن هشام بن عروة
عن عروة أن رسول الله، صلى الله عليه وسلّم، قال: يَا خَديجَةُ إنّي
أرَى ضَوْءاً وَأَسْمَعُ صَوْتاً، لَقَدْ خَشِيتُ أنْ أَكُونَ كَاهِناً، فقالت :
إنّ اللّه لا يفعل بك ذلك يا ابن عبد اللّه، إنّك تصدقُ الحديث وتؤدّي الأمانة
وتصل الرّحم .
أخبرنا يحيى بن عبّاد وعفّان بن مسلم قالا : أخبرنا حمّاد بن سلمة
قال : أخبرنا عمّار بن أبي عَمّار ، قال يحيى بن عبّاد ، قال حمّاد بن.
سلمة : أحسبه عن ابن عباس ، أن النبيّ ، صلى الله عليه وسلّم ، قال :
يَا خَّدِيجَةُ إنّي أسْمَعُ صَوْناً وَأَرَى ضَوْءاً وإنّ أخْشَى أنْ يَكُونَ فِيّ
جُنُنٌ، فقالت: لم يكن اللّه ليفعل بك ذلك يا ابن عبد اللّه، ثمّ أتت وَرَقَةَ
ابن نوفل فذكرت له ذلك ، فقال : إن يكُ صادقاً فهذا ناموس مثل ناموس
موسى ، فإن يُبْعَثْ وأنا حَيّ فسأعزّره وأنصره وأومن به .
١٩٥

ذكر أول ما نزل عليه من القرآن
وما قيل له ، صلى الله عليه وسلم
أخبرنا محمد بن عمر قال : حدّي معمر بن راشد عن الزهريّ عن
محمّد بن عبّاد بن جعفر قال : سمعت بعض علمائنا يقول : كان أوّل ما
أنزل على النبيّ ، صلى الله عليه وسلّم: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبّكَ الّذِي خَلَقَ.
خَلَقَ الإِنْسَنَ مِنْ عَلَقٍ. اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلّمَ بِالقَلَمِ
عَلْمَ الإنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ؛ فهذا صدرها الذي أُنْزل على النبيّ ، صلى
الله عليه وسلّم، يوم حراء، ثمّ نزل آخرها بعد ذلك بما شاء الله.
أخبرنا هاشم بن القاسم الكناني ، أخبرنا شعبة عن عمرو بن دينار عن
عبيد بن عمير قال: أوّل سورة أنزلت على النبيّ ، صلى اللّه عليه وسلّم:
اقْرَأْ باسْمِ رَبّكَ .
أخبرنا محمد بن عمر قال : حدثني إبراهيم بن محمد بن أبي موسى
عن داود بن الحُصين عن أبي غطفان بن طريف عن ابن عبّاس أن رسول اللّه ،
صلّى الله عليه وسلّم ، لمّا نزل عليه الوحي بحراء مكث أيّاماً لا يرى جبريل ،
فحزن حزناً شديداً حتى كان يغدو إلى ثَبير مرة وإلى جِراء مرّة يريد أن يُلقي
نفسه منه ، فبينا رسول الله، صلى الله عليه وسلّم، كذلك عامداً لبعض
تلك الجبال إلى أن سمع صوتاً من السماء ، فوقف رسول الله ، صلى الله
عليه وسلّم ، صَعِقاً للصّوت ثم رفع رأسه فإذا جبريل على كرسيّ بين السماء
والأرض متربّعاً عليه يقول : يا محمد أنت رسول الله حقّاً وأنا جبريل ،
قال : فانصرف رسول الله، صلى الله عليه وسلّم، وقد أقرّ اللّه عينه وربط
جأشه ، ثمّ تتابع الوحي بعْدُ وَحَمِيَ.
أخبرنا محمد بن مُصْعَب القَرْقَسَاني ، أخبرنا أبو بكر بن عبد الله
١٩٦

ابن أبي مريم أنّ رسول الله، صلى الله عليه وسلّم، قال: قِيلَ لي يَا مُحمّدُ
لِتَنَمْ عَيْنُكَ وَلْتَسْمَعْ أُذْنُكَ وَلْيَعِ قَلْبُكَ، قال النبيّ، صلّى الله
عليه وسلم: فَنَامَتْ عَيْنِي وَوَعَى قَلْبِي وَسَمِعَتْ أُذُنِي .
ذكر شدة نزول الوحي على النبي ، صلى الله عليه وسلم
أخبرنا عفّان بن مسلم ، أخبرنا حماد بن سلمة ، أخبرنا قتادة وحميد
عن الحسن عن حطّان بن عبد اللّه الرقّاشي عن عُبادة بن الصامت أنّ النبيّ،
صلى الله عليه وسلّم، كان إذا نزل عليه الوحي كُرب له وتربّد
وجهه .
أخبرنا عبيد اللّه بن موسى العبسي قال : أخبرنا إسرائيل عن جابر عن
عكرمة قال : كان إذا أُوحي إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلّم، وُقُذٍ
لذلك ساعة كهيئة السكران .
أخبرنا محمد بن عمر الأسلمي، أخبرنا أبو بكر بن عبد الله بن أبي سَبرة
عن صالح بن محمد عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أني أروى الدوسي قال:
رأيت الوحي ينزل على النبيّ ، صلى الله عليه وسلّم ، وإنّه على راحلته ،
فترغو وتفتل يديها حتى أظنّ أن ذراعها تنقصم ، فربما بركت وربما
قامت مُوَتّدَة يديها حتى يُسرّى عنه من ثقل الوحي ، وإنّه ليتحدّر منه
مثل الجمان .
أخبرنا حُجين بن المثنى ، أخبرنا عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة
عن عمه أنّه بلغه أنّ رسول الله، صلى الله عليه وسلّم، كان يقول : كان
الوَحْيُ يَأْتِيْنِي على نحْوَيْنِ: يَأْتِيني بِهِ جِبْرِيلُ فَيُلْقِهِ عَلَيّ كَمَا
يُلْفي الرّجُلُ عَلَى الرّجُلِ فَذَلِكَ يَتَفَلْتُ منّي، ويَأْتِيِّي فِي شَيْءٍ
١٩٧

مِثْلِ صَوْتِ الْجَرَسِ حَتّى يُخَالِطَ قَدْبِي فَدَاكَ الّذي لا يَتَفَلْتُ منّي.
أخبرنا معن بن عيسى ، أخبرنا مالك بن أنس عن هشام بن عروة عن
أبيه عن عائشة أن الحارث بن هشام قال : يا رسول الله كيف يأتيك الوحي ؟
فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: أحياناً يَأْتِيني في مِثْلِ صَلْصَلَة
الجَرَسِ وَهُوَ أَشَدَّهُ عَلَيّ فَيُفْصِمُ عنّي وَقَدْ وَعَيْتُ مَا قَالَ، وَأَحْياناً
يَتَمَثّلُ لي المَلَكُ فَيُكَلْمُنِ فَأْعِي مَا يَقُولُ، قالت عائشة: ولقد
رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد فيفصم عنه وإن جبينه ليتفصّد
عرقاً .
أخبرنا عَبيدة بن حُميد التيمي قال : حدّثني موسى بن أبي عائشة عن
سعيد بن جبير عن ابن عبّاس قال: كان النبيّ، صلى الله عليه وسلّم، إذا
نزل عليه الوحي يعالج من ذلك شدّة ، قال : كان يتلقّاه ويحرّك شفتيه كي
لا ينساه ، فأنزل الله عليه: لا تُحَرّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بهِ؛ لتعجل
بأخذه ، إنّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ؛ إنّ علينا أن نجمعه في صدرك ،
قال : قرآنه أن يقرأه ، قال : فاتّبِعْ قُرْآنَهُ؛ قال: أنْصِتْ؛ إنّ عَلَيْنَا
بَيَانَهُ؛ أن نبيّته بلسانك ، قال : فانشرح رسول الله، صلى الله عليه
وسلّم .
أخبرنا عفّان بن مسلم ، أخبرنا أبو عوانة ، أخبرنا موسى بن أبي
عائشة عن سعيد بن جُبير عن ابن عبّاس في قول الله تعالى: لا تُحَرّكْ
بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ؛ قال : كان
رسول الله ، صلى الله عليه وسلّم، يعالج من التنزيل شدّة يحرّك به شفتيه،
فَأَنْزَلَ اللّه، تبارك وتعالى: لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنّ عَلَيْنَا
جَمْعَهُ وقُرْآنَهُ؛ علينا جمعه في صدرك ثمّ تقرؤه، قال: فَإذا قَرّأْنَاهُ
فاتّبِعْ قُرْآنَهُ؛ قال : استمع له وأنصت، قال : ثمّ إنّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ؛
١٩٨

قال: ثمّ علينا أن تقرأه، قال: فكان رسول الله، صلى الله عليه وسلّم،
بعد ذلك إذا أتاه جبريل استمع له فإذا انطلق جبريل قرأه كما أُقْرِئَهُ .
ذكر دعاء رسول الله، صلى الله عليه وسلم،
الناسَ إلى الاسلام
أخبرنا محمد بن عمر ، أخبرنا جارية بن أبي عمران عن عبد الرحمن
ابن القاسم عن أبيه قال : أُمر رسول الله، صلى الله عليه وسلّم ، أن يصدع
بما جاء من عند اللّه، وأن يناديّ النّاس بأمره، وأن يدعوهم إلى الله، فكان
يدعسو من أوّل ما نزلت عليه النبوّة ثلاث سنين مستخفياً إلى أن أُمر
بظهور الدعاء .
أخبرنا هَوْذة بن خليفة، أخبرنا عوف عن محمد: وَمَنْ أَحْسَنُ
قَوْلاً مِمِنْ دَعَا إلى اللّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إنّني مِنَ الْمُسْلِمِينَ ؛
قال : هو رسول الله ، صلى الله عليه وسلّم.
أخبرنا محمد بن عمر قال : حدّثني معمر بن راشد عن الزهريّ قال :
دعا رسول الله، صلى الله عليه وسلّم، إلى الإسلام سرّاً وجهراً، فاستجاب
للّه مَن شاء من أحداث الرّجال وضعفاء النّاس حتى كثر مَن آمن به وكفارُ
قريش غير منكرين لما يقول ، فكان إذا مرّ عليهم في مجالسهم يشيرون إليه
أنّ غلام بني عبد المطّلب ليُكلّم من السماء، فكان ذلك حتى عاب اللّه آلهتهم
التي يعبدونها دونه ، وذكر هلاك آبائهم الذين ماتوا على الكفر ، فَشَنِفوا
لرسول الله، صلى الله عليه وسلم، عند ذلك وعادَوْه.
أخبرنا محمد بن عمر قال : حدثني إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة
١٩٩

عن داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عبّاس قال: لمّا أنزلت: وَأَنْذِرْ
عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبينَ ؛ صعد رسول الله، صلى الله عليه وسلّم ، على الصّفا
فقال: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ! فقالت قريش : محمد على الصّفا يهتف ، فأقبلوا
واجتمعوا فقالوا: ما لك يا محمد؟ قال: أَرَأيْتَكُمْ لَوْ أَخْبَرْتُكُمْ أنّ
خَيْلاً بسَفْحِ هَذا الْجَبَلِ أكُنْتُمْ تُصَدَّقُونَني ؟ قالوا: نعم أنْت عندنا
غير متّهم وما جرّبنا عليك كذباً قطّ، قال: فإنّ نَذِيرٌ لَكُمْ بَينَ
يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطْلِبِ يَا بَنِي عَبْدِ مَنّافٍ
يَا بَي زُهْرَةَ، حَتّى عَدَّدَ الْأَفْخَاذَ مِن قُريش، إنّ اللّهَ أمَرَني أنْ أُنْذِرَ
عَشِيرَنّيَ الأَقْرَبِينَ وَإنّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ الدّنْيَا مَنْفَعَةً وَلا مِنَّ
الآخِرَةِ نَصِيباً إلاّ أنْ تَقُولُوا لا إلَهَ إلاّ اللّهُ، قال: يقول أبو لهب:
تَبّاً لكَ سَائِرَ اليوم ! ألهذا جمعتنا؟ فأنزل الله، تبارك وتعالى: تَبّتْ بَدَا
أَبِي لَهَبٍ وَتَبّ ؛ السّورة كلها .
أخبرنا محمد بن عمر قال : حدثني ابن مَوْهَب عن يعقوب بن عُشْبَة
قال: لمّا أظهر رسول الله، صلى الله عليه وسلّم، الإسلام ومَن معه وفشا
أمره بمكّة ودعا بعضهم بعضاً ، فكان أبو بكر يدعو ناحية سرّاً ، وكان سعيد
ابن زيد مثل ذلك ، وكان عثمان مثل ذلك ، وكان عمر يدعو علانية ،
وحمزة بن عبد المُطّلب ، وأبو عُبيدة بن الجرّاح ، فغضبت قريش من ذلك ،
وظهر منهم لرسول الله، صلى الله عليه وسلم، الحسدُ والبغي، وأشخص
به منهم رجال فبادَوَه وتستر آخرون وهم على ذلك الرأي إلاّ أنهم يتزّهون
أنفسهم عن القيام والإشخاص برسول الله، صلى الله عليه وسلم ، وكان أهلّ
العداوة والمباداة لرسول الله ، صلى الله عليه وسلّم، وأصحابه الذين يطلبون
الخصومة والجدل : أبو جهل بن هشام ، وأبو لهب بن عبد المطلب ، والاسود
ابن عبد يغوث ، والحارث بن قيس بن عديّ ، وهو ابن الغَيْطَلة والغيطلة
أمّه ، والوليد بن المغيرة ، وأُميّة وأُبيّ ابنا خلف ، وأبو قيس بن الفاكه
٢٠٠