Indexed OCR Text

Pages 241-260

كانوا فيه، وكان كلّ رجل منهم على ناحية من المدينة، وكان الأعراب حلولاً فيما بين
رأس الثنّة إلى راتج إلى بني حارثة إلى عبد الأشهل إلى البقيع إلى بني قريظة،
ومنهم طائفة بناحية بني سلمة هم مُحدقون بالمدينة، فسمعتُ عمر يقول ليلةً وقد
تعشّى الناس عنده: أحْصوا من تعشّى عندنا، فأحْصَوْهم من القابلة فوجدوهم سبعة
آلاف رجل، وقال: أحْصوا العيالات الذين لا يأتون والمرضى والصبيان، فأحصوا
فوجدوهم أربعين ألفاً. ثمّ مكثنا ليالي فزاد الناس فأمر بهم فأحصوا فوجدوا من تعشّى
عنده عشرة آلاف والآخرين خمسين ألفاً، فما بَرِحوا حتى أرسل الله السماء، فلما
مَطَرَتْ رأيتُ عمر قد وكّل كلّ قومٍ من هؤلاء النفر بناحيتهم يُخرجونهم إلى البادية
ويعطونهم قوتاً وحُمْلاناً إلى باديتهم، ولقد رأيتُ عمر يُخرجهم هو بنفسه. قال أسلم:
وقد كان وقع فيهم الموتُ فأراه مات ثلثاهم وبقي ثلثٌ، وكانت قُدورُ عمر يقوم إليها
العمّال في السحر يعملون الكركور حتى يُصْبحوا ثمّ يطعمون المرضى منهم ويعملون
العصائد، وكان عمر يأمر بالزيت فيُفارُ في القُدور الكبار على النار حتى يذهب حُمّتُه
وحرّه ثمّ يُثْرَدُ الخبز ثمّ يؤدم بذلك الزيت، فكانت العرب يُحَمّون من الزيت، وما أكل
عمر في بيت أحد من ولده ولا بيت أحد من نسائه ذواقاً زمان الرمادة إلّ ما يتعشّى مع
الناس حتى أحيا الله الناس أول ما أحْيَوْا.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدّثني عثمان بن عبدالله بن زياد عن عمران
ابن بشير عن مالك بن أوس بن الحَدَثان من بني نَصر قال: لما كان عام الرمادة قدم
على عمر قومي مائة بيت فنزلوا بالجّانة، فكان عمر يُطعم الناس من جاءَه، ومن لم
يأتِ أرسل إليه بالدقيق والتمر والأدم إلى منزله، فكان يرسل إلى قومي بما يُصلحهم
شهراً بشهر، وكان يتعاهد مَرْضاهم وأكْفَانَ مَن مات منهم. لقد رأيت الموت وقع فيهم
حين أكلوا الثُّفْلَ، وكان عمر يأتي بنفسه فيصلّي عليهم، لقد رأيتُه صلّى على عشرة
جميعاً، فلما أحيَوْا قال: اخْرُجوا من القرية إلى ما كنتم اعتدْتم من البَرّية. فجعل عمر
يحمل الضعيف منهم حتى لحقوا ببلادهم.
قال: أخبرنا إسحاق بن يوسف الأزرق والفضل بن دُكين قالا: أخبرنا زكريّاء بن
أبي زائدة عن الشعبي عن عبد الله بن عمر قال: رأيتُ عمر بن الخطّاب يَتَحَلّبُ فوهُ
فقلتُ له: ما شأنك؟ فقال: أشْتَهي جراداً مقليّاً.
قال: أخبرنا محمد بن عبيد الله قال: أخبرنا عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن
٢٤١

عمر قال: ذُكرَ لعمر جراد بالرّبَذَةِ فقال: لوَدِدْتُ أنّ عندنا منه قَفْعَةً أو قفعتين فنأكل
منه .
قال: أخبرنا محمّد بن عبدالله الأسدي قال: أخبرنا يونس بن أبي إسحاق عن
أبي الشعثاء عن ابن عمر قال: سمعتُ عمر يقول على المنبر: وددتُ أنّ عندنا خَصَفَةً
أو خَصفتين من جراد فأصَبْنَا منه.
قال: أخبرنا معن بن عيسى قال: أخبرنا مالك بن أنس عن إسحاق بن عبدالله
ابن أبي طلحة عن أنس بن مالك قال: رأيتُ عمر بن الخطّاب وهو يومئذٍ أمير
المؤمنين يُطرح له من صاعٍ من تمر فيأكلها حتى يأكل حَشَفَها.
قال: أخبرنا عفّان بن مسلم وعمرو بن عاصم الكلابي قالا: أخبرنا همّام قال:
أخبرنا إسحاق بن عبدالله بن أبي طلحة قال: حدّثني أنس أنّه رأى عمر أكل صاعاً من
تمر بحشفه .
قال: أخبرنا معن بن عيسى عن مالك بن أنس عن زيد بن أسلم عن أبيه عن
عمر مثلَ ذلك.
قال: أخبرنا الفضل بن دُكين، أخبرنا سفيان بن عيينة عن عاصم بن عبيد الله
ابن عاصم أنّ عمر كان يَمْسَحُ بنَعْلَيْه ويقول: إنّ مناديل آل عمر نعالهم.
قال: أخبرنا سعيد بن منصور قال: أخبرنا عبد العزيز بن محمّد عن محمد بن
يوسف عن السائب بن يزيد قال: ربّما تعشّيْتُ عند عمر بن الخطّاب فيأكل الخبز
واللحم ثمّ يمسح يده على قَدَمه ثمّ يقول: هذا منديل عمر وآل عمر.
قال: أخبرنا عفّان بن مسلم قال: أخبرنا حمّاد بن سلمة ووُهيب بن خالد قالا:
أخبرنا حُميد عن أنس قال: كان أحبّ الطعام إلى عمر الثَّقْلَ وأحبّ الشراب إليه
النبيذ.
قال: أخبرنا عفّان بن مسلم ومسلم بن إبراهيم قالا: أخبرنا جعفر بن سليمان
قال: أخبرنا مالك بن دينار عن الحسن قال: ما أدّهَنَ عمر بن الخطّاب حتى قُتِلَ إلا
بسمنٍ أو إهالةٍ أو زيت مُقَّت.
قال: أخبرنا سعيد بن محمد الثقفي عن الأحوص بن حكيم عن أبيه قال: أُتي
عمر بلحم فيه سمن فأبى أن يأكلهما وقال: كلّ واحد منهما أُدْمٌ.
٢٤٢

قال: أخبرنا الوليد بن الأغَرّ المكّي قال: أخبرنا عبد الحميد بن سليمان عن
أبي حازم قال: دخل عمر بن الخطّاب على حفصة ابنته فقَدّمَتْ إليه مَرَقاً بارداً وخُبزاً
وصَبّتْ في المرق زيتاً فقال: أُدْمانِ في إناءٍ واحدٍ، لا أذوقه حتى ألقى الله .
قال: أخبرنا يزيد بن هارون قال: أخبرنا هشام عن الحسن أنّ عمر دخل على
رجل فاستسقاه وهو عطشان فأتاه بعَسَلٍ فقال: ما هذا؟ قال: عسل، قال: والله لا
يكون فيما أحاسب به يوم القيامة .
قال: أخبرنا أبو معاوية الضرير وعبد الله بن نُمير قالا: أخبرنا الأعمش عن شقيق
عن يسار بن نمير قال: والله ما نخلتُ لعمر الدقيق قطّ إلّ وأنَا له عاصٍ .
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدّثني معمر بن راشد عن الزهريّ عن
السائب بن يزيد عن أبيه قال: رأيتُ عمر بن الخطّاب يصلّي في جوف الليل في
مسجد رسول الله، وََّ، زمانَ الرمادة وهو يقول: اللّهمَ لا تُهْلِكْنا بالسّنين وارْفَعْ عنّا
البلاءَ، يردّد هذه الكلمة.
قال: أخبرنا الفضل بن دُكين قال: أخبرنا زُهير عن أبي عاصم الغطفاني عن
يسار بن نُمير قال: ما نخلتُ لعمر الدقيق قطّ إلّ وأنا له عاصٍ .
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدّثني يزيد بن فراس الديلي عن السائب بن
يزيد قال: رأيتُ على عمر بن الخطّاب إزاراً في زمن الرمادة فيه ستّ عشرة رُقْعَة،
ورداؤه خمس وشبر، وهو يقول: اللّهُمّ لا تجعل هَلَكَةَ أمّة محمد على رِجْلَيّ.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: أخبرنا عبدالله بن يزيد عن عبدالله بن ساعدة
قال: رأيتُ عمر إذا صلّى المغرب نأدى: أيّها الناس استغفروا ربّكم ثمّ توبوا إليه
وسَلُوه من فضله واستسقوا سُقياً رحمةٍ لا سُقياً عذاب. فلم يزل كذلك حتى فَرّجَ الله
ذلك.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: أخبرنا عبد الله بن يزيد قال: حدّثني من حَضَرَ
عمر بن الخطّاب عام الرمادة وهو يقول: أيّها النّاس ادعوا الله أن يُذْهِبَ عنكم
المحلَ، وهو يطوف على رقبته دِرّةٌ.
قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثني الثوريّ عن مُطرّف عن الشعبيّ أنّ
عمر خرج يستسقي فقام على المنبر فقرأ هذه الآيات: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبّكُمْ إِنّه كان
٢٤٣

غفّاراً﴾ [نوح: ١٠]، ويقول: ﴿استغفروا ربّكم ثمّ توبوا إليه﴾ [هود: ٣]، ثمّ نزل
فقيل: يا أمير المؤمنين ما مَنَّعَك أن تستسقي؟ قال: قد طلبتُ المطر بمجاديح السماء
التي ينزل بها القطر.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدّثني عبدالله بن عمر بن حفص عن أبي
وَجْزَةَ السعديّ عن أبيه قال: رأيتُ عمر خرج بنا إلى المصلّى يستسقي فكان أكثرُ
دعائه الاستغفار حتى قلتُ لا يزيد عليه، ثمّ صلّى ودعا الله فقال: اللهمّ أسْقِنا.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدّثني عبد الملك بن وهب عن سليمان بن
عبدالله بن عُويمر الأسلمي عن عبدالله بن نيار الأسلمي عن أبيه قال: لما أجمع عمر
على أن يستسقي ويخرج بالناس كتب إلى عمّاله أن يخرجوا يومَ كذا وكذا وأن
يتضرّعوا إلى ربّهم ويطلبوا إليه أن يرفع هذا المحل عنهم، قال وخرج لذلك اليوم بُرْدُ
رسول الله، وََّ، حتى انتهى إلى المصلّى فخطب الناس وتضرّع، وجعل النّاس
يُلحّون فما كان أكثر دعائه إلا الاستغفار حتى إذا قرب أن ينصرف رفع يديه مدّاً وحوّل
رداءه وجعل اليمين على اليسار ثمّ اليسار على اليمين، ثمّ مَدّ يديه وجعل يُلحّ في
الدّعاء، وبكى عمر بكاءً طويلاً حتى أخْضَلَ.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدّثني خالد بن إلياس عن يحيى بن
عبد الرحمن بن حاطب عن أبيه أنّ عمر صلّى بالنّاس عام الرمادة ركعتين قبل الخطبة
وكبّر فيها خمساً وسبعاً.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدّثني عبد الله بن جعفر عن ابن أبي عون
قال: قال عمر بن الخطّاب للعبّاس بن عبد المطّلب: يا أبا الفضل كم بقي علينا من
النجوم؟ قال: العَوّاءُ، قال: كم بقي منها؟ قال ثمانية أيام، قال عمر:
عسى الله أن يجعل فيها خيراً. وقال عمر للعباس: اغْدُ غَداً إن شاءَ الله. قال
فلمّا ألحّ عمر بالدّعاء أخذ بيد العبّاس ثمّ رفعها وقال: اللّهمّ إنّ نتشفع إليك بعمّ نبيّك
أنْ تُذهِبَ عنّا المحل وأن تَسْقِيَنا الغيث. فلم يبرحوا حتى سُقُوا وأطبقت السماء عليه
أيّاماً، فلمّا مُطِرُوا وأحْيَوْا شيئاً أخْرَجَ العرب من المدينة وقال: الْحَقوا ببلادكم.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدّثني أسامة بن زيد عن ميمون بن ميسرة عن
السائب بن يزيد قال: نظرتُ إلى عمر بن الخطّاب يوماً في الرمادة غدا متبذّلاً متضرّعاً
عليه بُرْد لا يبلغ رُكْبَتَيْه، يرفع صوته بالاستغفار وعيناه تهراقان على خدّيْه، وعن يمينه
٢٤٤

العبّاس بن عبد المطّلب. فدعا يومئذٍ وهو مستقبل القبلة رافعاً يديه إلى السماء وعَجّ
إِلَىَ رَبّه، فدعا ودعا الناس معه، ثمّ أخذ بيد العبّاس فقال: اللّهمّ إنّا نستشفع بعمٌ
رسولك إليك. فما زال العبّاس قائماً إلى جنبه مليّاً والعبّاس يدعو وعيناه تهْمُلان.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدّثني عبدالله بن محمّد بن عمر بن حاطب
عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب عن أبيه قال: رأيت عمر أخذ بيده العبّاس فقام
به فقال: اللّهمّ إنّا نستشفع بعمّ رسولك إليك.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدّثني نافع بن ثابت عن أبي الأسود عن
سليمان بن يسار قال: خطب عمر بن الخطّاب الناس في زمان الرمادة فقد ابتُليت بكم
وابتُليتُم بي فما أدري السُّخْطُ عليّ دونكم أو عليكم دوني أو قد عمّتْني وعمّتكم،
فهلمّوا فلندعُ الله يُصْلِحْ قلوبنا وأن يرحمنا وأن يرفع عنّا المحل. قال فرُئي عمر يومئذٍ
رافعاً يديه يدعو الله، ودعا الناس وبكى وبكى الناس مَليّاً، ثمّ نزل.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدّثني هشام بن سعد عن زيد بن أسلم عن
أبيه قال: سمعتُ عمر يقول: أيّها النّاس إنّي أخشى أن تكونَ سُخْطَةٌ عَمّتْنا جميعاً
فأعْتِبوا ربّكُم وانْزِعوا وتوبوا إليه وأحدثوا خيراً.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدّثني هشام بن سعد عن زيد بن أسلم عن
أبيه قال: كنّا في الرمادة لا نرى سحاباً، فلمّا استسقى عمر بالنّاس مكثنا أيّاماً ثمّ جعلنا
نرى فَزَعَ السحاب، وجعل عمر يُظهر التّكبير كلّما دخل وخرج ويُكبّرُ الناس حتى
نظرنا إلى سحابة سوداء طلعت من البحر ثمّ تشاءَمت فكانت الحيا بإذن الله.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدّثني عبدالله بن محمّد بن عمر عن أبي
وجزة السعديّ عن أبيه قال: كانت العرب قد علمت اليوم الذي استسقى فيه عمر وقد
بقيت غُبّراتٌ منهم فخرجوا يستسقون كأنّهم النّسور العجاف تخرج من وكورها يَعجّون
إلى الله .
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدّثني سعيد بن عطاء بن أبي مروان عن أبيه
عن جدّه قال: رأيتُ عمر بن الخطّاب حين وقع المطر عام الرمادة يُخْرِجُ الأعراب
يقول: اخْرُجوا اخرجوا، الْحقوا ببلادكم.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدّثني خالد بن إلياس عن يحيى بن
٢٤٥

عبد الرحمن بن حاطب أنّ عمر أخّرَ الصدقةَ عام الرمادة فلم يبعث السعاة، فلمّا كان
قابل، ورفع الله ذلك الجدب، أمرهم أن يخرجوا فأخذوا عِقالَين فأمرهم أن يَقْسِموا
عِقالا ويقدموا عليه بعقال.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدّثني طلحة بن محمّد عن حَوْشَب بن بشر
الفزاري عن أبيه قال: رأيتنا عام الرمادة وحصّت السنة أموالنا فيبقى عند العدد الكثير
الشيء الذي لا ذكرَ له، فلم يبعث عمر تلك السّنة السعاة، فلمّا كان قابل بعثهم
فأخذوا عِقالين فقسموا عقالاً وقدموا عليه بعقال، فما وجد في بني فزارة كلّها إلّ ستّين
فريضة، فقُسم ثلاثون وقُدم عليه بثلاثين، وكان عمر يبعث السعاة فيأمرهم أن يأتوا
الناس حیث کانوا.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدّثني سُفيان بن عيينة عن ابن أبي نجيحٍ عن
كَرْدَمٍ أنّ عمر بعثَ مصدّقاً عام الرمادة فقال: أعْطٍ من أبقت له السنة غنماً وراعياً ولا
تُعطِ من أبقت له السنة غنمين وراعيين.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدّثني الحكم بن الصّلْت قال: سمعتُ
يزيد بن شريك الفزاري يقول: أنا في زمن عمر بن الخطّاب أرْعى البَهْمَ، قلت: من
كان يُبْعَثُ عليكم؟ قال: مسلمة بن مُخَلّد، وكان يأخذ الصدقة من أغنيائنا فيردّها على
فقرائنا .
قال: أخبرنا قبيصة بن عقبة قال: أخبرنا سفيان قال: وأخبرنا عبيد الله بن موسى
قال: أخبرنا إسرائيل قال: وأخبرنا يحيى بن عبّاد وعارم بن الفضل قالا: أخبرنا
حمّاد بن زيد قال: وأخبرنا هشام أبو الوليد الطيالسي قال: أخبرنا أبو عَوانة، قالوا
جميعاً عن عاصم بن أبي النّجود عن زِرّ بن حُبيش قال: رأيتُ عمر بن الخطّاب خرج
مَخْرَجاً لأهل المدينة رجلٌ آدمُ، طويلٌ، أعسر، أيسر، أصلع، مُلبّب بُرْداً له قَطَرِيّاً،
يَمشي حافياً مُشْرِفاً على النّاس كأنّه راكب على دابّة، وهو يقول: يا عبادَ الله، هاجروا
ولا تَهَجّروا واتّقوا الأرنب أن يَحْذِفَهَا أحدُكم بالعصا أو يُرْسِلَها بالحجرَ ثمّ يقول بأكْلها
ولكن ليذكّ لكم الأسلُ والرماحُ والنِبْلُ.
قال يحيى بن عبّاد: قال حمّاد ن زيد: فسئل عاصم عن قوله هاجروا ولا
تَهَجّروا فقال: كونوا مهاجرين حقّاً ولا تَشَبّهوا بالمهاجرين ولستم منهم.
٢٤٦

قال محمد بن عمر: هذا الحديث لا يُعرف عندنا، إنّ عمر كان آدَمَ إلا أن
يكون رآه عام الرمادة فإنّه كان تَغَيّرَ لونُه حين أكل الزيت.
٠,٠.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدّثني عبدالله بن يزيد الهُذَلِيّ
عن عياض بن خليفة قال: رأيتُ عمرَ عام الرمادة وهو أسود اللون ولقد كان أبيض
فيقال ممّ ذا؟ فيقول: كان رجلاً عربياً وكان يأكل السمن واللبن فلمّا أمَحل الناس
حرّمها فأكل الزيت حتى غيّر لونه وجاع فأكثر.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: أخبرنا عمر بن عمران بن عبدالله بن
عبد الرحمن بن أبي بكر عن عاصم بن عبيد الله عن عبدالله بن عامر بن ربيعة قال:
رأيتُ عمر رجلاً أبيض، أمْهَق، تعلوه حمرة، طوالاً، أصلع.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: أخبرنا شُعيب بن طلحة عن أبيه عن
القاسم بن محمّد قال: سمعتُ ابن عمر يصف عمر يقول رجل أبيض تعْلُوه حُمْرَةٌ،
طُوال، أصلع، أشيب.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: أخبرنا موسى بن عمران بن عبدالله بن
عبد الرحمن بن أبي بكر عن عاصم بن عبيد الله عن سالم بن عبدالله قال: سمعتُ
ابن عمر يقول: إنّما جاءتنا الأدْمَةُ من قبل أخوالي وأمّ عبدالله بن عمر زينب بنت
مظعون بن حبيب بن وهب بن حُذافة بن جُمَح قال: والخال أنزع شيء، وجاءني
البُضْعُ من أخوالي، فهاتان الخصلتان لم تكونا في أبي، رحمه الله، كان أبي أبيض لا
يتزوّج النساء لشهوة إلا لطلب الولد.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: أخبرنا حزام بن هشام عن أبيه قال: ما رأيتُ
عمر مع قوم قطّ إلا رأيتُ أنّه فوقهم.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: أخبرنا ابن جُريْج عن عمرو بن دينار عن
عبيد بن عُمير قال: كان عمر رجلاً أيسر.
قال: أخبرنا سليمان بن حرب قال: أخبرنا أبو هلال قال: سمعتُ أبا التّاح
يُحَدّث في مجلس الحسن قال: لقي رجلٌ راعياً فقال له أُشْعِرْتَ أنّ ذاك الأعسر
الأيسر أسلم؟ يعني عمر، فقال: الذي كان يُصارع في سوق عكاظ؟ قال: نعم، قال:
أَمَا والله لَيُوسِعَنْهُمْ خيراً أو ليوسعنْهم شرّاً.
٢٤٧

قال: أخبرنا سليمان أبو داود الطيالسي عن شعبة عن سماك بن حرب عن
بشر بن قُحيف قال محمد بن سعد، وقال غيرُ أبي داود مسلمة بن قحيف، قال: رأيتُ
عمر رجلاً ضَخْماً.
قال: أخبرنا سليمان أبو داود الطيالسي عن شعبة عن سماك بن حرب قال:
أخبرني هلال قال: رأيتُ عمر رجلاً جسيماً كأنّه من رجال بني سَدُوس.
قال: أخبرنا عثمان بن عمر قال: أخبرنا شعبة عن سماك أحْسَبُ عن رجل من
قومه يقال له هلال بن عبدالله قال: كان عمر يُسْرِعُ، يعني في مِشْيَته، وكان رجلاً آدم
كأنّه من رجال بني سَدوس، وكان في رِجْلَيْهِ رَوَحْ.
قال: أخبرنا عبد الوهّاب بن عطاء العجلي قال: أخبرنا ابن جريْج عن
عثمان بن أبي سليمان عن نافع بن جُبير بن مطعم قال: صَلِعَ عمر فاشتَدٌ صَلَعُه.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: أخبرنا مالك بن أنس عن زيد بن أسلم عن
عامر بن عبدالله بن الزبير عن أسلم قال: رأيتُ عمر إذا غَضِبَ أخَذَ بهذا، وأشار إلى
سَبَلَتِه، فقال بها إلى فمه ونفخ فيه.
قال: أخبرنا معن بن عيسى قال: أخبرنا مالك بن أنس عن زيد بن أسلم عن
عامر بن عبدالله بن الزبير عن أبيه أنّ عمر بن الخطّاب أتاه رجل من أهل البادية فقال:
يا أمير المؤمنين بلادُنا قاتَلْنَا عليها في الجاهليّة وأسلمنا عليها في الإِسلام ثمّ تُحْمى
علينا؟ فجعل عمر ينفخ ويَفْتِل شاربه.
قال: أخبرنا يعلى بن عبيد قال: أخبرنا سفيان قال: وأخبرنا عبدالله بن موسى
قال: أخبرنا إسرائيل، قالا جميعاً عن أبي إسحاق عن أبي عُبيدة قال عبيد الله في
حديثه عن عبدالله قال: ركب عمر فرساً فانْكَشَفَ ثوبُه عن فخذه فرأى أهل نجران
بفخذه شامةً سوداءَ فقالوا: هذا الذي نجد في كتابنا أنّه يُخْرِجُنا من أرضنا.
قال: أخبرنا يحيى بن سعيد الأمويّ قال: أخبرنا الأعمش عن عديّ بن ثابت
الأنصاريّ عن أبي مسعود الأنصاريّ قال: كنّا جلوساً في نادينا فأقبل رجل على فرس
يرْكُضه يَجْري حتى كاد يُوطِئُنا، قال: فارْتَعْنَا لذلك وقمنا، قال: فإذا عمر بن
الخطّاب، قال فقلنا: فمن بعدك يا أمير المؤمنين؟ قال: وما أنكرتم؟ وجدتُ نشاطاً
فأخذتُ فرساً فركضْتُه .
٢٤٨

قال: أخبرنا يزيد بن هارون ومحمد بن عبدالله الأنصاريّ قالا: أخبرنا حميد
الطويل عن أنس بن مالك قال: خضب عمر بالحنّاء.
قال: أخبرنا عبد الله بن نُمير عن عبيد الله بن عمر قال: وأخبرنا خالد بن مخلّد
البَجَلي قال: أخبرنا عبدالله بن عمر جميعاً عن حُمَيْد الطويل عن أنس بن مالك قال:
كان عمر يُرَجّلُ بالحنّاءِ.
قال: أخبرنا سعيد بن منصور قال: أخبرنا حمّاد بن زيد عن ثابت عن أنس
قال: كان عمر يَخْضِبُ بالحنّاءِ.
قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: أخبرنا خالد بن أبي بكر قال: كان عمر يصفّر
لحيته ويرجّل رأسه بالحنّاء.
قال: أخبرنا معن بن عيسى قال: أخبرنا مالك بن أنس عن إسحاق بن
عبدالله بن أبي طلحة قال: قال أنس بن مالك: رأيتُ عمر بن الخطّاب وهو يومئذٍ أمير
المؤمنين وقد رَقَعَ بين كتفَيْه بِرِقاعِ ثلاثٍ لَبّدَ بعضها فوق بعض.
قال: أخبرنا خالد بن مخلّد قال: أخبرنا عبدالله بن عمر عن إسحاق بن
عبد الله بن أبي طلحة عن أنس بن مالك قال: رأيتُ عمر بن الخطّاب يرمي جمرة
العقبة وعليه إزارٌ مرفوعٌ بفَرْوٍ، وهو يومئذٍ والٍ.
قال: أخبرنا شبابة بن سَوّار قال: أخبرنا سليمان بن المغيرة عن ثابت البناني
عن أنس بن مالك قال: كان بين كَتَفَيْ عمر بن الخطّاب ثلاثُ رقاع.
قال: أخبرنا عفّان بن مسلم قال: أخبرنا سليمان بن المغيرة عن ثابت البناني
عن أنس قال: لقد رأيتُ بين كتفَي عمر أربع رقاعٍ في قميص له.
قال: أخبرنا سليمان بن حرب قال: أخبرنا حمّاد بن زيد عن ثابت البناني عن
أنس بن مالك قال: كثّا عند عمر بن الخطّاب وعليه قميص في ظهره أربعُ رقاع فَقَرأ
فاكهةً وأَبّاً فقال: ما الأبّ؟ ثمّ قال: إنّ هذا لهو التكلّف، فما عليك أن لا تدري ما
الأبّ.
قال: أخبرنا محمّد بن عبدالله الأسديّ قال: أخبرنا سفيان الثوريّ عن سعيد
الجريري عن أبي عثمان قال: أخبرني من رأى عمر يرمي الجمرة عليه إزارٌ قَطَرِيّ
مرفوعٌ برقعة من أُدَمٍ.
٢٤٩

قال: أخبرنا أسباط بن محمّد عن خالد بن أبي كريمة عن أبي مِحصن الطائيّ
قال: رُئي على عمر بن الخطّاب وهو يصلّي إزارٌ فيه رقاٌ بعضها من أُدَم، وهو أمير
المؤمنین.
قال: أخبرنا عارم بن الفضل قال: أخبرنا حمّاد بن سلمة قال: أخبرنا عليّ بن
زيد عن أبي عثمان النهديّ قال: رأيتُ إزار عمر بن الخطّاب قد رقَعَه بقطعة أدَمٍ.
قال: أخبرنا عارم بن الفضل قال: أخبرنا حمّاد بن سلمة قال: أخبرنا عليّ بن
زيد عن أنس بن مالك قال: رأيتُ قميص عمر بن الخطّاب ممّا يلي منكبيه مرفوعاً
بُرُقَع .
قال: أخبرنا عفّان بن مسلم قال: أخبرنا مهديّ بن ميمون قال: أخبرنا سعيد
الجريريّ عن أبي عثمان النهديّ قال: رأيْتُ عمر بن الخطّاب يطوف بالبيت عليه إزارٌ
فيه اثنتا عشرة رقعة إحداهنّ بأديم أحمر.
قال: أخبرنا هشام أبو الوليد الطيالسي قال: أخبرنا أبو عوانة عن أبي بشر عن
عطاء عن عُبيد بن عُمير قال: رأيتُ عمر يرمي الجمار عليه إزارٌ مرقّعٌ على مَفْعَدَته.
قال: أخبرنا عمر بن حفص عن مالك بن دينار عن الحسن أنّ عمر بن الخطّاب
كان في إزاره اثنتا عشرة رُقعة بعضها من أدَمٍ ، وهو أمير المؤمنين.
قال: أخبرنا وكيع بن الجرّاح قال: أخبرنا الأعمش عن إبراهيم التيمي عن
عمروبن ميمون قال: رأيتُ على عمر بن الخطّاب يومَ أصيب إزاراً أصفر.
قال: أخبرنا سفيان بن عيينة عن إسماعيل بن أبي خالد عن أبي الأشهب أنّ
النبيّ، وََّ، رأى على عمر قميصاً فقال: أجديدٌ قميصك أم لبيس؟ فقال: لا بل
لبيس، فقال: الْبَسْ جديداً وعِش حميداً وَتَوَفّ شهيداً وَلْيُعْطِكَ الله قرّة عين الدنْيا
والآخرة.
قال: أخبرنا عبدالله بن إدريس قال: أخبرنا أبو الأشهب عن رجل من مُزينة أنّ
رسول الله، وَل﴿، رأى على عمر ثوباً فقال: أجديد ثوبك هذا أم غسيل؟ قال فقال: يا
رسول الله غسيل، فقال: يا عمر الْبس جديداً وعِشْ حميداً وتَوَفّ شهيداً ويعطيك الله
قرّة عين في الدنيا والآخرة.
قال: أخبرنا وكيع بن الجرّاح عن أبي سعد البقّال سعيد بن المرزبان عن
٢٥٠

عمرو بن ميمون قال: أمّنا عمر بن الخطّاب في بَتِّ.
قال: أخبرنا محمّد بن عبيد قال: أخبرنا الأعمش عن إبراهيم التيميّ عن
عمرو بن ميمون قال: رأيتُ عمر، لمّا طُعن، عليه ملحفةٌ صفراءُ قد وضعها على
جُرحه وهو يقول: كان أمر الله قَدَراً مقدوراً.
قال: أخبرنا مسلم بن إبراهيم قال: أخبرنا سلام بن مسكين قال: أخبرنا
عبد العزيز بن أبي جميلة الأنصاريّ قال: أبْطأ عمر بن الخطّاب جُمْعَةً بالصّلاة
فخرج، فلمّا ان صعد المنبر اعتذر إلى الناس فقال: إنّما حَبَسَني قميصي هذا لم يكن
لي قميص غيره. كان يخاط له قميص سُنْبلاني لا يجاوز كُمّه رُسْغَ كَفّيْه.
قال: أخبرنا عارم بن الفضل قال: أخبرنا حمّاد بن زيد عن بُديل بن ميسرة
قال: خرج عمر بن الخطّاب يوماً إلى الجمعة وعليه قميصٌ سنبلانيّ فجعل يعتذر إلى
النّاس وهو يقول: حَبَسَني قميصي هذا. وجعل يَمُدّ يده، يعني کُمّيْه، فإذا تركه رجع
إلى أطراف أصابعه .
قال: أخبرنا مالك بن إسماعيل أبو غسّان النهديّ قال: أخبرنا عمر بن زياد
الهلالي عن الأسود بن قيس عن سعيد بن عمرو بن سعيد بن العاص قال: حدّثني
يَنّاق بن سلمان دِهْقان من دهاقين قرية يقال لها كذا قال: مَرّ بي عمر بن الخطّاب
فألقى إليّ قميصه فقال: اغْسل هذا بالأشْنان، فَعَمَدْتُ إلى قَطَرِيَّتَيْن فقطعتُ من كلّ
واحدة منهما قميصاً ثمّ أتيته فقلت: الْبَسْ هذا فإنّه أجمَل وألْيَنُ، قال: أمِنْ مالكَ؟
قال قلت: من مالي، قال: هل خالطه شيءٌ من الذّمّة؟ قال قلت: لا إلا خياطه، قال:
اعْزُبْ، هلمّ إلى قميصي، قال فلبسه وإنّه لأخضر من الأشنان.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدّثني أسامة بن زيد عن أبيه عن جدّه قال:
رأيتُ على عمر وهو خليفة إزاراً مرقوعاً في أربعة مواضع بعضها فوق بعض، وما
علمتُ له إزاراً غيره.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: أخبرنا أبو إسماعيل، يعني حاتم بن
إسماعيل، عن عبيد الله بن الوليد عن العوّام بن جُويرية عن أنس بن مالك قال: رأيتُ
على عمر إزاراً فيه أربع عشرة رقعة إنّ بعضَها لأَدَم، وما عليه قميصٌ ولا رداء، مُعْتَمّ،
معه الدِّرّةُ، يطوف في سوق المدينة.
٢٥١

قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: أخبرنا حزام بن
هشام عن أبيه قال: رأيتُ عمر يتّزر فوق السرّة.
قال: أخبرنا سليمان بن داود أبو داود الطيالسي قال: أخبرنا شعبة قال: أخبرني
عامر بن عُبيدة الباهلي قال: سألتُ أنّساً عن الخَزّ فقال: وددتُ أنّ الله لم يخلقه، وما
أحد من أصحاب النبيّ، وَّ، إلّ وقد لَبِسَه ما خَلا عمرَ وابنَ عمر.
قال: أخبرنا معن بن عيسى وأبو بكر بن عبدالله بن أبي أويس قالا: أخبرنا
سليمان بن بلال عن جعفر بن محمّد عن أبيه أنّ عمر بن الخطّاب تختّم في اليسار.
قال: أخبرنا الفضل بن دُكين قال: أخبرنا عمروبن عبدالله عن مهاجر أبي
الحسن عن عمرو بن ميمون عن عمر بن الخطّاب أنّه كان يقول في دعائه الذي يدعو
به: اللهمّ تَوَفّني مع الأبرار ولا تُخلّفني في الأشرار وقِني عذاب النار والْحِقْني
بالأخيار.
قال: أخبرنا محمّد بن إسماعيل بن أبي فديك عن هشام بن سعد عن زيد بن
أسلم عن أبيه عن حفصة زوج النبيّ، وَّهَ، أنّها سمعت أباها يقول: اللهمّ ارْزُقْني
قتْلاً في سبيلك ووفاة في بلد نبيّك. قالت: قلت وأنّى ذلك؟ قال: إنّ الله يأتي بأمره
أنّی شاء.
قال: أخبرنا معن بن عيسى قال: أخبرنا مالك بن أنس عن زيد بن أسلم أنّ
عمر بن الخطّاب كان يقول في دعائه: اللهم إني أسألك شهادة في سبيلك ووفاة ببلدة
رسولك.
قال: أخبرنا عبدالله بن جعفر الرّقي قال: أخبرنا عبيد الله بن عمرو عن
عبد الملك بن عُمير عن أبي بُردة عن أبيه قال: رأى عوف بن مالك أنّ النّاس جُمعوا
في صعيد واحد فإذا رجلٌ قد علا الناس بثلاثة أذرع، قلتُ من هذا؟ قال: عمر بن
الخطّاب، قلت: بمَ يعلوهم؟ قال: إنّ فيه ثلاثَ خِصال، لا يخاف في الله لَوْمَةً لائم،
وإنّه شهيدٌ مستشهَد، وخليفة مستخلَف، فأتى عوفٌ أبا بكر فحدّثه فبعث إلى عمر
فبشّرَه فقال أبو بكر: قصّ رؤياك، قال فلما قال خليفة مستخلّف انتهره عمر فأسكته،
فلمّا وَلَيَ عمر انطلق إلى الشأم فبينما هو يخْطُب إذ رأى عوف بن مالك، فدعاه،
فَصَعِدَ معه المنبر فقال: اقصص رؤياك، فقَصّها، فقال: أمّا ألّ أخاف في الله لومة
٢٥٢

لائم فأرجو أن يجعلني الله فيهم، وأمّا خليفة مستخلَف فقد اسْتُخْلِفْتُ فأسأل الله أن
يُعينني على ما ولّني؛ وأمّا شهِيد مستشهَد فأنّى لي الشّهادة وأنا بين ظَهْرَانَيْ جزيرة
العرب لستُ أغزو الناس حولي؟ ثمّ قال: ويلي ويلي يأتي بها الله إن شاء الله.
قال: أخبرنا معن بن عیسی قال: أخبرنا مالك بن أنس عن عبدالله بن دینار عن
سعد الجاري مولى عمر بن الخطّاب أنّ عمر بن الخطاب دعا أمّ كلثوم بنت عليّ بن
أبي طالب، وكانت تحته، فوجدها تبكي فقال: ما يُبْكيك؟ فقالت: يا أمير المؤمنين
هذا اليهوديّ، تعني كعب الأحبار، يقول إنّك على بابٍ من أبواب جهنم، فقال عمر:
ما شاءَ الله، والله إني لأرجو أن يكون ربي خلقني سعيداً. ثمّ أرسل إلى كعب فدعاه،
فلمّا جاءه كعب قال: يا أمير المؤمنين لا تَعْجَلْ عليّ، والذي نفسي بيده لا ينسلخ ذو
الحجّة حتى تدخل الجنّة. فقال عمر: أيّ شيء هذا؟ مرّةً في الجنّة ومرّة في النّار،
فقال: يا أمير المؤمنين والذي نفسي بيده إنّا لنجدك في كتاب الله على باب من أبواب
جهنّم تَمْنَعُ الناسَ أن يقعوا فيها فإذا مِتّ لم يزالوا يقتحمون فيها إلى يوم القيامة .
قال: أخبرنا عارم بن الفضل قال: أخبرنا حمّاد بن سلمة عن ثابت البناني عن
أنس بن مالك عن أبي موسى الأشعريّ قال: رأيتُ كأنّي أخذتُ جَوَادٌ كثيرة
فاضمحلّت حتى بقيت جادّة واحدة، فسلكتُها حتى انتهيتُ إلى جبل فإذا رسول
الله، وَلير، فوقه وإلى جنبه أبو بكر، وإذا هو يومىء إلى عمر أن تعال، فقلت: إنّا لله
وإنّا إليه راجعون، مات والله أمير المؤمنين، فقلت: ألا تَكْتُبُ بهذا إلى عمر؟ فقال:
ما كنْتُ لأنْعى له نفسَه.
قال: أخبرنا هشام بن عبد الملك أبو الوليد الطيالسي قال: أخبرنا أبو عوانة
قال: وأخبرنا عبدالله بن جعفر الرّقّي قال: أخبرنا عبيد الله بن عمرو جميعاً عن
عبد الملك بن عُمير عن ربْعيّ بن حِراش عن حُذيفة قال: كنتُ واقفاً مع عمر بن
الخطّاب بعَرَفَات وإنّ راحلتي لبِجْبٍ راحلته وإنّ رُكْبَتِي لَتمسّ ركبته، ونحن ننتظر أن
تَغْرُبَ الشّمْسُ فَنُفيضَ، فلمّا رأى تكبير النّاس ودعاءَهم وما يصنعون أعْجَبَه ذلك
فقال: يا حذيفة كَمْ ترى هذا يبقى للناس؟ فقلت: على الفِتْنة باب فإذا كُسِرَ الباب أو
فُتِحَ خرجتْ، ففَزِعَ فقال: وما ذلك الباب وما كَسْرُ بابٍ أو فتحُه؟ قلت: رجل يموت
أو يُقْتَلُ، فقال: یا حُذيفة من تری قومَك يُؤمّرون بعدي؟ قال: قلتُ رأيتُ الناس قد
أسندوا أمرهم إلى عثمان بن عفّان.
٢٥٣

قال: أخبرنا الفضل بن دُكين قال: أخبرنا إبراهيم بن إسماعيل بن مُجَمّع
الأنصاريّ قال: أخبرني ابن شهاب أنّ محمّد بن جُبير حدّثه عن جُبير بن مُطْعِم قال:
بينما عمر واقف على جبال عَرَفَة سمع رجلاً يَصْرُغُ يقول: يا خليفة، يا خليفة،
فَسَمِعَه رجلٌ آخر وهم يعتافون فقال: ما لك؟ فَكّ اللّه لَهَوَاتِكَ! فأقْبَلْتُ على الرجل
فصَخِبْتُ عليه قلت: لا تَسُبّنّ الرجل، قال جُبير بن مُطعم: فإني الغَدَ واقفٌ مع عمر
على العَقَبَةِ يرميها إذ جاءت حصاةٌ عائرة فَنَقَفَتْ رأسَ عُمَرَ ففصدت، فسمعتُ رجلاً
من الجبل يقول: أُشْعِرْتُ وربّ الكعبة، لا يقف عمر هذا الموقف بعد العام أبداً. قال
جبير بن مطعم: فإذا هو الذي صرَخ فينا بالأمس فاشتَدّ ذلك عَلَيّ .
قال ابن شهاب: فأخبرني إبراهيم بن عبد الرحمن بن أبي ربيعة أنّ أمّه أمّ كلثوم
بنت أبي بكر حدّثته عن عائشة قالت: لما كان آخر حجّة حَجّها عمر بأمهات المؤمنين
قالت إذ صدرنا عن عرفة مررتُ بالمحصّب سمعتُ رجلاً على راحلته يقول: أين كان
عمر أمير المؤمنين؟ فسمعتُ عَقِيرَتَه فقال:
يدُ الله في ذاك الأديمِ المُمَزَّقِ
عليكَ سَلامٌ من إمامٍ وبارَكَتْ
ليُدرِك ما قدّمتَ بالأمس يُسبَقِ
فمَنْ يَسْعَ أوْ يُرْكَبْ جَناحَيْ نعامةٍ
بَوائقَ في أكمامها لم تُفَتَّقِ
قضيْتَ أموراً ثمّ غادَرْتَ بعدها
فلم يَحْرُكْ ذاك الراكبُ ولم يُدْرَ من هو، فكنّا نتحدّث أنّه من الجنّ، قال
فَقَدِمَ عمر من تلك الحجّة فطُعِنَ فمات.
قال: حدّثنا محمد بن عمر قال: حدّثني معمر ومحمّد بن عبيد الله عن الزهريّ
عن محمّد بن جُبير بن مطعم عن أبيه بنحو هذا الحديث وقال: الذي قال بعرفة يا
خليفة قاتَلَكَ اللّه لا يَقِفُ عمرُ هذا الموقف بعد العام أبداً، والذي قال على الجمرة
أُشْعِرْتُ والله ما أرى أمير المؤمنين إلّ سيُقْتَلُ، رجلٌ من لِهْبٍ، بطن من الأزد، وكان
عائفاً .
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدّثني عبد الرحمن بن أبي الزناد عن
موسى بن عقبة قال: قالت عائشة: من صاحب هذه الأبيات:
جزى الله خيراً من إمامٍ وبارَكَتْ
فقالوا: مزرّد بن ضِرار، قالت فلقيت مزرّداً بعد ذلك فحلف بالله ما شَهِدَ تلك
السنة الموسم .
٢٥٤

قال: أخبرنا يزيد بن هارون قال: أخبرنا يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيّب
أنّ عمر لما أفاض من مِنَّى أناخ بالأبطح فكَوّمَ كَوْمَة من بطحاءَ وطرح عليها طَرَفَ ثوبه
ثمّ استلقَى عليها ورفع يديه إلى السماءِ وقال: اللّهُمّ كَبُرَتْ سِنّي وضَعُفَتْ قُوّتِي
وانْتَشَرَتْ رَعيّتِي فاقْبِضْني إليك غير مضيِّع ولا مفرِّط. فلمّا قدم المدينة خطب الناس
فقال: أيّها الناس قد فُرِضَتْ لكم الفرائض وسُنّتْ لكم السّنن وتُرِكُتُم على الواضحة،
ثمّ صَفَقَ يمينه على شماله، إلّا أن تَضِلّوا بالناس يميناً وشمالاً، ثمّ إِيّاكم أن تَهْلِكوا
عن آية الرجم وأن يقول قائل لا نُحَدّ حَدّين في كتاب الله، فقد رأيتُ رسول
الله، وَلّ، رجم ورجمنا بعده، فوالله لولا أن يقول الناس أحْدَثَ عمر في كتاب الله
لكتبتُها في المُصْحَفِ، فقد قرَأناها، والشيخُ والشيخة إذا زَنَيا فارجموهما البتّة. قال
سعيد: فما انسلخ ذو الحجّة حتى طُعن.
قال: أخبرنا عمرو بن عاصم قال: أخبرنا أبو الأشهب قال: سمعتُ الحسن
قال: قال عمر بن الخطّاب: اللهمّ كبرت سنّي وَرَقّ عظمي وخشيتُ الانتشار من
رعيّتي فاقْبِضْني إليك غير عاجز ولا ملومٍ.
قال: أخبرنا عفّان بن مسلم قال: أخبرنا حمّاد بن سلمة قال: أخبرنا يوسف بن
سعد عن عفّان عن عثمان بن أبي العاص عن عمر بن الخطاب قال: اللهُمّ كبرت
سَنّي وَرَقّ عظمي وخشيتُ الانتشار من رعيتي فاقبضني إليك غير عاجز ولا ملوم.
قال: أخبرنا محمد بن إسماعيل بن أبي فُديك المدني عن هشام بن سعد عن
سعيد بن أبي هلال أنّه بلغه أنّ عمر بن الخطّاب خطب الناس سوم الجمعة فحمد الله
وأثنى عليه بما هو أهله ثمّ قال: أمّا بعد أيّها الناس إنّي أُريتُ رؤيا لا أُراها لحضور
أجلي، رأيتُ أنّ ديكاً أحمرَ نقرني نَقْرَتَين، فحدّثتها أسماء بنت عُميس فحدّثتني أنّه
يقتلني رجل من الأعاجم.
قال: أخبرنا عمرو بن عاصم الكلابي قال: أخبرنا همّام بن يحيي قال: وأخبرنا
عمروبن الهيثم أبو قَطَنٍ قال: أخبرنا هشام بن أبي عبدالله الدستوائي قال: وأخبرنا
شبابة بن سَوّار الفزاريّ قال: أخبرنا شعبة بن الحجّاج، قالوا جميعاً عن قتادة عن
سالم بن أبي الجعد عن مَعْدان بن أبي طلحة اليَعْمُري أنّ عمر بن الخطّاب خطب
الناس في يوم جمعة فذكر نبيّ اللّه وذكر أبا بكر فقال: إني رأيتُ أنّ ديكاً نقرني ولا
أراه إلا حضور أجلي فإنّ أقواماً يأمرونني اسْتَخْلِفْ وإنّ الله لم يكن ليُضَيِّعَ دينه ولا
٢٥٥

خلافته، والذي بعث به نبيّه، وََّ، فإن عَجِلَ بي أمْرٌ فالخلافة شُورى بين هؤلاء
الرهط السّة الذين تُوُفِيَ رسول الله، وََّ، وهو عنهم راضٍ، قد علمتُ أنّ أقواماً
سَيَطْعُنُونَ في هذا الأمر بعدي أنا ضربتُهم بيدي هذه على الإِسلام، فإن فعلوا فأولئك
أعداءُ اللّه الكُفّار الضُّلال، ثمّ إني لم أدَْ شيئاً هو أهمّ إليّ من الكلالة وما راجعتُ
رسول الله، وَّرَ، في شيء ما راجعته في الكلالة، وما أغْلَظَ لي في شيء منذُ صاحبَتْهُ
ما أغْلَظَ لي في الكلالة حتى طعن بإصبعه في بطني فقال: يا عمر تكفيك الآيةُ التي
في آخر النساء وإن أعِشْ أقْضِ فيها بقَضِيه يَقْضي بها مَن يقرأ القرآن ومن لا يقرأ
القرآنَ، ثمّ قال: اللهُمّ إنّي أَشْهِدُكَ على أمراءَ الأمصار فإنّي إنما بعثتُهم ليعلّموا الناس
دينهم وسُنّةَ نبيّهم ويَعْدِلوا عليهم ويقسموا فَيْئهم بينهم ويرفعوا إليّ ما أشكل عليهم
من أمرهم، ثمّ إنّكُم أيّها النّاس تأكلون من شَجَرَتَين لا أراهما إلّ خبيثين، الْبَصَل
والثّوم، وقد كنت أرى رسول الله، وَ﴿ل، إذا وَجَدَ ريحهما من الرجل في المسجد أمر
فأخذ بيده فأخرِجَ من المسجد إلى البقيع، فمن أكلهما لا بُدّ فلْيُمِتْهُمَا طَبْخاً.
قال: أخبرنا يزيد بن هارون وعبد الملك بن عمرو أبو عامر العقَدي وهشام أبو
الوليد الطيالسي قالوا: أخبرنا شعبة بن الحجّاج عن أبي حمزة قال: سمعتُ رجلاً من
بني تميم يُقال له جويرية بن قُدامة قال: حججتُ عامَ تُوُفَيَ عمر فأتى المدينة فخطب
فقال: رأيتُ كأنّ ديكاً نقرني. فما عاش إلا تلك الجمعة حتى طُعن، قال: فدخل
عليه أصحاب النبيّ، وََّ، ثمّ آخِرَ مَن دخَلَ فإذا هو قد عصب على جراحته، قال
فسألناه الوصية، قال وما سألهُ الوصيّة أحدٌ غيرُنا، فقال: أوصيكم بكتاب الله فإنّكم
لن تَضلّوا ما اتّبعْتُموه، وأوصيكم بالمهاجرين فإنّ الناس يُكثرون ويُقلّون، وأوصيكم
بالأنصار فإنّهم شِعْبُ الإِسلام الذي لجأ إليه، وأوصيكم بالأعراب فإنّهم أصلكم
ومادّتكم، قال شعبة: ثمّ حدّثنيه مَرّة أخرى فزاد فيه فإنّهم أصلكم ومادتكم وإخوانكم
وعدوّ عدوّكم، وأوصيكم بأهل الذمّة فإنّهم ذِمّة نبيّكم وأرْزَاق عيالكم. قوموا عني.
قال: أخبرنا محمد بن الفُضيل بن غَزْوان الضبّ قال: أخبرنا حُصَين بن
عبد الرحمن عن عمرو بن ميمون قال: جئتُ فإذا عمرُ واقف على حُذيفة وعثمان بن
حُنيف وهو يقول: تَخافان أن تكونا حَمَّلْتما الأرض ما لا تُطيق، فقال عثمان: لو شئتُ
لأضْعفتُ أرضي، وقال حذيفة: لقد حمّلتُ الأرض أمراً هي له مطيفة وما فيها كبير
فضل، فجعل يقول: انظرا ما لَدَيْكُما إن تكونا حَمّلْتما الأرض ما لا تطيق، ثمّ قال:
٢٥٦

واللّه لَنْ سلّمَني الله لأَدَعَنّ أرامل أهل العراق لا يحتَجْنَ إلى أحَدٍ بعدي أبداً. قال
فما أتت عليه إلا رابعةٌ حتى أصيب، وكان إذا دخل المسجد قام بين الصّفوف ثمّ
قال: اسْتَرُوا، فإذا استووا تقدّم فكبّر، فلمّا كبّر طُعِنَ، قال فسمعتُه يقول: قَتَلَني
الكَلبُ، أو أكلني الكلبُ، ما أدري أيهما قال، وطار العِلج في يده سكّين ذات
طرفين ما يَمُرّ برجل يميناً ولا شمالاً إلا طعنه، فأصاب ثلاثة عشر رجلاً من
المسلمين، فمات منهم تسعة، قال فلما رأى ذلك رجلٌ من المسلمين طرح عليه
بُرْنُساً له ليأخذه فلمّا ظن أنّه مأخوذ نَحَرَ نَفْسَه. قال وما كان بيني وبينه، يعني عمر، حین
طُعِن إلّ ابن عباس، فأخذ بيد عبد الرحمن بن عوف فقَدّمه فصلّوا الفجر يومئذٍ صلاة
خفيفة. قال فأمّا نواحي المسجد فلا يَدْرون ما الأمر إلا أنهم انصرفوا كان أوّلُ من
دخل على عمر ابنَ عبّاس فقال: انْظُرْ مَن قتلني، فخرج ابن عباس فجال ساعة ثمّ أتاه
فقال: غلام المغيرة بن شعبة الصنّاع، قال وكان نجاراً، قال: ما له قاتَلهَ الله؟ والله لقد
كنْتُ أمرتُ به معروفاً. ثم قال: الحمدلله الذي لم يجعل منّتي بيد رجلٍ يدّعي إلى
الإِسلام، ثمّ قال لابن عباس: لقد كُنْتَ أنتَ وأبوك تُحِبّان أن تكثُرَ العلوج بالمدينة،
فقال ابن عباس: إن شئْتَ فَعَلْنا، فقال: أَبَعْدَما ما تكلّموا بكلامكم وصلّوا بصلاتكم
ونَسَكوا نُسْككم؟ فقال له الناس: ليس عليك بَأسٌ، فدعا بنبيذ فشربه فخرج من
جُرْحه، ثمّ دعا بلبَنَ فشربه فخرج من جرحه، فلمّا ظنّ أنه الموت قال: يا عبد الله بن
عمر انظر كم عليّ من الدّين، قال فَحَسَبَه فوجده ستةٌ وثمانين ألف درهم. قال: يا
عبدالله إنْ وَفَى لها مالُ آل عمر فأدّها عني من أموالهم، وإن لم تَفِ أموالهُم فاسأل
فيها بني عديّ بن كعب، فإن لم تفٍ من أموالهم فاسأل فيها قريشاً ولا تعْدُهم إلى
غيرهم. ثمّ قال: يا عبدالله اذهب إلى عائشة أم المؤمنين فقلْ لها يقْرأ عليك عمرُ
السلام، ولا تقُل أمير المؤمنين، فإنّي لستُ لهم اليوم بأمير، يقول تأذنين له أن يُدْفَن
مع صاحبيه؟ فأتاها ابن عمر فوجدها قاعدة تبكي فسلّم عليها ثمّ قال: يستأذن عمر بن
الخطاب أن يُدْفَنَ مع صاحبيه، فقالت: قد والله كنتُ أريده لنفسي ولأوثِرنّه به اليومَ
على نفسي. فلمّا جاء قيل هذا عبدالله بن عمر فقال عمر: ارْفعاني، فأسْنَده رجلٌ إليه
فقال: ما لديك؟ فقال: أذِنَتْ لك. قال عمر: ما كان شيء أهمّ إليّ من ذلك
المضْجع، يا عبدالله بن عمر انْظُر إذا أنا مِتّ فاحْمِلْني على سريري ثمّ قِفْ بي على
الباب فقل يستأذن عمر بن الخطّاب، فإن أذِنَتْ لي فأدْخِلْني، وإن لم تأذن فادْفنّي في
٢٥٧

مقابر المسلمين. فلمّا حُمل فكأن المسلمين لم تُصبهم مصيبةٌ إلا يومئذٍ، قال فأذنت
له فدُفن، رحمه الله، حيث أكرمه الله مع النبي، وَّ، وأبي بكر، وقالوا له حين
حَضَرَه الموت: اسْتَخْلِفْ، فقال: لا أجدُ أحداً أحقّ بهذا الأمر من هؤلاء النفر الذين
تُوُفِّيَ رسول الله، وََّ، وهو عنهم راضٍ فأيّهم اسْتُخْلِفَ فهو الخليفة من بعدي،
فسمّى عليّاً وعثمان وطلحة والزبير وعبد الرحمن وسعداً، فإنْ أصابَتْ سعداً فذاك وإلا
فأيّهم استُخلِفَ فَلْيُسْتَعَنْ به، فإنّي لم أعْزِلْه عن عَجْز ولا خيانة. قال وجَعَلَ عبد الله
معهم يشاورونه وليس له من الأمر شيء، قال فلما اجتمعوا قال عبد الرحمن: اجْعَلوا
أمركم إلى ثلاثة نفر منكم، فجعل الزبير أمره إلى عليّ، وجعل طلحة أمره إلى
عثمان، وجعل سعدٌ أمره إلى عبد الرحمن، فأَتَمَرَ أولئك الثلاثة حين جُعِلَ الأمرُ
إليهم، فقال عبد الرحمن: أيّكُم يَبْرَأُ من الأمر إليّ ولكم الله عَلَيّ ألّ الُوكم عن
أفضلكم وخيركم للمسلمين، فأسْكَتَ الشيخان عليّ وعثمان، فقال عبد الرحمن:
تَجْعَلانِهِ إليّ وأنا أُخْرُجُ منها فوالله لا آلوكم عن أفضلكم وخيركم للمسلمين، قالوا:
نَعَمْ، فخلا بعَليّ فقال: إنّ لك من القرابة من رسول الله، وَّـ، والقِدَم والله عليك
لَئن استخلفتَ لَتَعْدِلَنّ ولئن استخلف عثمان لَتَسْمعَنّ ولتُطيعَنّ، فقال: نعم، قال وخلا
بعثمان فقال مثلَ ذلك، قال فقال عثمان فنعم، قال فقال ابْسُطْ يدك يا عثمان، فبسط
يده فبايعه عليّ والناس.
ثمّ قال عمر: أوصي الخليفة من بعدي بتقوى الله والمهاجرين الأولين أن يَحفظَ
لهم حقّهم وأن يعرف لهم حرمتهم، وأوصيه بأهل الأمصار خيراً فإنّهم رِدْهُ الإِسلام
وغَيْظُ العَدو وجباةُ المال أن لا يؤخذ منهم إلا يَقْبَلَ من مُحْسِنِهِمْ ويتجاوزَ عن مسيئَهِمْ،
وأوصيه بالأعراب خيراً فإنّهم أصل العرب ومادة الإِسلام وأن يؤخَذَ من حواشي
أموالهم فيُرَدّ على فقرائهم، وأوصيه بذمة الله وذمة رسوله أن يوفي لهم بعهدهم وأن لا
يُكَلَّفُوا إلا طاقتهم وأن يقاتل مَنْ وَراءهم.
قال: أخبرنا معاوية بن عمرو الأزدي والحسن بن موسى الأشيب وأحمد بن
عبدالله بن يونس قالوا: أخبرنا زهير بن معاوية أبو خيْثَمَةَ؛ أخبرنا أبو إسحاق عن
عمرو بن ميمون قال: شهدتُ عمرَ حين طُعِن قال: أتاه أبو لؤلؤة وهو يُسَوّي الصفوف
فطعنه وطعن اثني عشر معه هو ثالث عشر، قال: فأنا رأيت عمر باسطاً يده وهو يقول:
أدْرِكوا الكَلْبَ قد قتلني، قال فماج الناس وأتاه رجل من ورائه فأخذه، قال فمات منهم
٢٥٨

سبعة أو ستة، قال فحُمل عمر إلى منزله، قال فأتَى الطبيب فقال: أيّ الشراب أحبّ
إليك؟ قال: النبيذ، قال فدعي بنبيذ فشرب منه فخرج من إحدى طَعَنَاتِه، فقالوا إنّما
هذا الصّديد صديد الدم، قال فدعي بلبن فشرب منه فخرج، فقال: أوْصٍ بما كنتَ
موصياً، فوالله ما أراك تُمسي، قال فأتاه كعب فقال: أَلَمْ أقلْ لك إنك لا تموت إلا
شهيداً وأنت تقول من أين وأنا في جزيرة العرب؟ قال فقال رجلٌ: الصلاة عباد الله قد
كادت الشمس تَطْلُعُ، قال فتدافعوا حتى قدّموا عبد الرحمن بن عوف فقرأ بأقصر
سورتين في القرآن: والعَصْر وإنا أعْطيناكَ الكَوْثَرَ، قال فقال عمر: يا عبد الله ائتني
بالكتف التي كتبتُ فيها شأن الجَدّ بالأمس.
وقال: لو أراد الله أن يُتِمَ هذا الأمرَ لأَتَّمّه، فقال عبدالله: نحن نَكفيك هذا
الأمر يا أمير المؤمنين، قال: لا، وأخَذَه فمحاه بيده، قال فدعا ستّة نفر: عثمان
وعلياً وسعد بن أبي وقاص وعبد الرحمن بن عوف وطلحة بن عبيدالله والزبير بن
العوّام، قال فدعا عثمان أوّلَهم فقال: يا عثمان إنْ عَرَفَ لك أصحابك سِنْك فاتْقٍ
الله ولا تَحْمِلْ بني أبي مُعيط على رقاب الناس، ثمّ دعا عليّاً فأوصاه، ثمّ أمر صُهيباً
أن يصلّي بالناس.
قال: أخبرنا عبيدالله بن موسى قال: أخبرنا إسرائيل بن يونس عن أبي إسحاق
عن عمرو بن ميمون قال: شهدتُ عمر يوم طُعِن فما مَنَعَني أن أكون في الصفّ
المُقَدّم إلّ هَيْبَتُه، وكان رجلاً مَهيباً فكنتُ في الصفّ الذي يليه، وكان عمرُ لا يُكبّرُ
حتى يسْتَقْبِلَ الصفّ المقدّم بوجهه فإن رأى رجلاً متقدّماً من الصفّ أو متأخراً ضَرَبَه
بالدِّرة، فذلك الذي منعني منه، فأقبل عمر فعَرَض له أبو لؤلؤة غلامُ المغيرة بن شعبة
فناجى عمر غيرَ بعيد ثمّ طَعَنَه ثلاث طعنات. قال فسمعتُ عمر وهو يقول هكذا بيده
قد بسطها: دونكم الكلبَ قد قتلني. وماجَ النّاسُ فجرَحَ ثلاثة عشر، وشدّ عليه رجلٌ
مِنْ خَلْفِهِ فاحتضنه، واحتٌمِل عمر وماج الناس بعضهم في بعض حتى قال قائل:
الصّلاة عبادَ الله قد طلعت الشمسُ، فدفَعوا عبد الرحمن بن عوف فصلّى بنا بأقصر
٠ ٢ سورتين في القرآن: ﴿إذا جاء نَصْر الله والفَتْحِ﴾ [الفتح: ١] و﴿إِنا أعْطَيْنَاكَ الكَوْثَرَ﴾
[الكوثر: ١]، واحتُمل عمر فدخَلَ الناس عليه فقال: يا عبد الله بن عبّاس اخْرُجْ فنادِ
في الناس أيّها النّاس إنّ أمير المؤمنين يقول أعَنْ مَلٍ منكم هذا؟ فقالوا: مَعَاذَ الله ما
علمنا ولا اطْلَعْنَا، فقال: ادعوا لي طبيباً، فدُعيَ له الطبيب فقال: أيّ شرابٍ أحبّ
٢٥٩

إليك؟ قال: نبيذ، فسُقيَ نبيذاً فخرج من بعض طعناته فقال الناس: هذا صديدٌ،
اسْقوه لَبِناً، فسُقي لبناً فقال الطبيب: ما أرى أن تُمسيّ فما كنت فاعلاً فافْعَلْ، فقال:
يا عبدالله بن عمرو ناوِلْني الكَتِفَ فلو أراد الله أن يُمضيَ ما فيها أمضاه، فقال له ابن
عمر: أنا أكْفيك مَحْوَهَا، فقال: لا والله لا يَمْحُوها أحدٌ غيري، فمحاها عمر بيده
وكان فيها فريضة الجَدّ، ثمّ قال: ادْعوا لي عليّاً وعثمان وطلحة والزبير
وعبد الرحمن بن عوف وسعداً، فلم يُكلّم أحداً منهم غير عليّ وعثمان فقال: يا عليّ
لعلّ هؤلاء القوم يعرفون لكَ قَرَابَتك من النبيّ وَّهَ، وصِهْرَك وما آتاك الله من الفِقْه
والعلم فإن وَليتَ هذا الأمر فاتّقِ الله فيه، ثمّ دعا عثمان فقال: يا عثمان لعلّ هؤلاء
القوم يعرفون لك صِهْرك من رسول الله، وَ﴾، وسِنَّكَ وشَرَفَك، فإنْ وَلِيتَ هذا الأمرَ
فاتّقِ الله ولا تَحْمِلَنّ بني أبي مُعَيْطٍ على رقاب الناس. ثمّ قال: ادْعوا لي صُهيباً،
فدُعي فقال: صلّ بالناس ثلاثاً وليَخْلُ هؤلاء القوم في بيت فإذا اجتمعوا على رجل
فمن خالفَهم فاضْربوا رأسَه. فلمّا خرجوا من عند عمر قال عمر: لو وَلّوها الأجْلَحَ
سَلَكَ بهم الطريق، فقال له ابن عمر: فما يمنعك يا أمير المؤمنين؟ قال: أكْرَهُ أنْ
أَتَحَمْلَهَا حياً ومَيّاً. ثمّ دخل عليه كعبٌ فقال: الحقّ من ربّك فلا تكونَنَّ من
الممترين، قد أنْبأتُك أنّك شهيد فقلتَ مِنْ أَيْنَ لي بالشهادة وأنا في جزيرة العرب؟
قال: أخبرنا عبدالله بن بكر السهمي قال: أخبرنا حاتم بن أبي صَغيرة عن
سِماك أنّ عمر بن الخطّاب لما حُضِرَ قال إن اسْتَخْلِفْ فِسُنّةٌ وإلّ أستخلفْ فسنّةٌ،
توفي رسول الله، وَ﴾، ولم يستخلف، وتوفّىَ أبو بَكْر فاسْتَخْلَفَ. فقال عليّ:
فعرفتُ والله أنّه لن يَعْدَلَ بَسُنّة رسول الله، وَلِّ، فذاك حين جعلها عمر شورى بين
عثمان بن عفان وعليّ بن أبي طالب والزبير وطلحة وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن
أبي وقّاص، وقال للأنصار أدْخلوهُمْ بيتاً ثلاثة أيام فإن استقاموا وإلا فادْخُلوا عليهم
فاضربوا أعناقهم.
قال: أخبرنا عفّان بن مسلم قال: أخبرنا أبو عوانة عن حسين بن عمران عن
شيخ عن عبد الرحمن بن أبزى عن عمر قال: هذا الأمرُ في أهل بَدْرٍ ما بقي منهم
أحدٌ، ثمّ في أهل أُحُدٍ ما بقي منهم أحَدٌ، وفي كذا وكذا، وليس فيها لطليقٍ ولا لولد
طليق ولا لمُسْلِمَةِ الفَتْحِ شيءٍ.
قال: أخبرنا عفّان بن مسلم قال: أخبرنا حمّاد بن سلمة عن عليّ بن زيد بن
٢٦٠