Indexed OCR Text

Pages 121-140

يقولون: أيّ صبيّ؟ فيقول: هذا الصّبيّ! ولا يرون شيئاً قد انطلقت به أمّه، فيقال
له: ما هو؟ قال: رأيت غلاماً، وآلِهَتِهِ ليقتلنّ أهل دينكم، وليكسرنّ آلهتكم، وليظهرنّ
أمره عليكم، فطُلب بعكاظ فلم يوجد، ورجعت به حليمة إلى منزلها، فكانت بعدُ لا
تَعرضه لعرّاف ولا لأحد من النّاس.
قال: أخبرنا محمد بن عمر، حدّثني زياد بن سعد عن عيسى بن عبدالله بن
مالك قال: جعل الشّيخ الهُذَليّ يصيح: يا لهذيل! وآلهتِه إنّ هذا لينتظر أمراً من
السّماء، قال: وجعل يُغْرِي بالنبيّ، وََّ، فلم يَنْشَبْ أن دَلِهَ فذهب عقله حتى مات
كافراً.
وأخبرنا محمد بن عمر قال: حدّثني معاذ بن محمّد عن عطاء بن أبي رباح عن
ابن عبّاس قال: خرجت حليمة تطلب النبيّ، وَ﴿، وقد بَدت البُهم تَقيل، فوجدته مع
أخته، فقالت: في هذا الحرّ! فقالت أخته: يا أمّهْ ما وجد أخي حرّاً، رأيت غمامة
تُظِلّ عليه إذا وقف وقفت، وإذا سار سارت معه حتى انتهى إلى هذا الموضع.
أخبرنا محمد بن عمر قال: حدّثني نجيح أبو معشر قال: كان يُفْرَش لعبد
المطّلب في ظلّ الكعبة فراش ويأتي بنوه فيجلسون حوالي الفراش ينتظرون عبد
المطّلب، ويأتي النبيّ، وَّرَ، وهو غُلام جَفْر، حتى يرقى الفراش فيجلس عليه،
فيقول أعمامه: مهلاً يا محمّد عن فراش أبيك، فيقول عبد المطّلب إذا رأى ذلك منه:
إنّ ابني ليؤنس مُلْكاً، أو إنّه ليحدث نفسه بمُلك.
أخبرنا إسحاق بن يوسف الأزرق، أخبرنا عبدالله بن عون عن عمرو بن سعيد
أنّ أبا طالب قال: كنت بذي المجاز ومعي ابن أخي، يعني النبيّ، وَّز، فأدركني
العطش فشكوت إليه فقلت: يا ابن أخي قد عطشت، وما قلت له ذاك وأنا أرى أنّ
عنده شيئاً إلّ الجَزَعِ، قال: فثنى وَرِكه ثمّ نزل فقال: ((يَا عَمّ أَعَطِشْتَ؟)) قال قلت:
نعم، قال: فأهوى بعقبه إلى الأرض فإذا بالماء، فقال: ((اشْرَبْ يَا عَمّ)) قَال: فشربت.
أخبرنا عبدالله بن جعفر الرّقي، أخبرنا أبو المليح عن عبدالله بن محمّد بن
عقيل قال: أراد أبو طالب المسير إلى الشام، فقال له النبيّ، وَله: ((أَيْ عَمّ إلى مَنْ
تُخَلَّقُني ههُنَا فَمَا لي أمّ تَكَفُلُني وَلا أَحَدٌ يُؤويني))، قال: فرقّ له، ثمّ أردفه خلفه،
فخرج به فنزلوا على صاحب دير، فقال صاحب الدير: ما هذا الغلام منك؟ قال:
ابني، قال: ما هو بابنك ولا ينبغي أن يكون له أب حيّ، قال: ولم؟ قال: لأنّ وجهه
١٢١

وجه نبيّ وعينه عين نبيّ، قال: وما النبيّ؟ قال: الذي يُوحَى إليه من السّماءِ فَيُنَبِى ءُ بهِ
أهْلَ الأرْض، قال: الله أجلّ مما تقول، قال: فاتّق عليه اليهود، قال: ثمّ خرج حتى
نزل براهب أيضاً صاحب دير، فقال: ما هذا الغلام منك؟ قال: ابني. قال: ما هو
بابنك وما ينبغي أن يكون له أبُ حيّ، قال: ولم ذلك؟ قال: لأنّ وجهه وجه نبيّ وعينه
عين نبيّ، قال: سبحان الله، الله أجلّ ممّا تقول، وقال: يا ابن أخي ألا تسمع ما
يقولون؟ قال: ((أيْ عَمّ لا تُنْكِرْ لِهِ قُدْرَةً)) .
أخبرنا محمد بن عمر، أخبرنا محمد بن صالح بن دينار وعبدالله بن جعفر
الزهري قال: وحدّثنا ابن أبي حبيبة عن داود بن الحصين قالوا: لمّا خرج أبو طالب
إلى الشأم وخرج معه رسول الله، وَّر، في المرة الأولى، وهو ابن اثنتي عشرة سنة،
فلمّا نزل الركب بُصْرَى من الشأم، وبها راهب يقال له بحيرا في صومعة له، وكان
علماء النّصارى يكونون في تلك الصومعة يتوارثونها عن كتاب يَدْرسونه، فلما نزلوا
بحیرا وکان کثیراً ما يمرّون به لا یکلّمهم حتى إذا كان ذلك العام، ونزلوا منزلاً قريباً من
صومعته قد كانوا ينزلونه قبل ذلك كلّما مرّوا، فصنع لهم طعاماً ثمّ دعاهم، وإنّما حمله على
دعائهم أنّه رآهم حين طلعوا وغمامة تظلّ رسول الله، وَل*، من بين القوم حتى نزلوا
تحت الشجرة ثمّ نظر إلى تلك الغمامة أظلّت تلك الشجرة واخضلّت أغصان الشجرة
على النبيّ، وَّهَ، حين استظلّ تحتها، فلمّا رأى بحيرا ذلك نزل من صومعته وأمر
بذلك الطّعام فأُتي به وأرسل إليهم، فقال: إني قد صنعت لكم طعاماً يا معشر قريش،
وأنا أحبّ أن تحضروه كلّكم، ولا تخلفوا منكم صغيراً ولا كبيراً، حرّاً ولا عبداً، فإنّ
هذا شيء تكرموني به، فقال رجل: إن لك لشأناً يا بحيرا، ما كنت تصنع بنا هذا، فما
شأنك اليوم؟ قال: فإنّني أحببت أن أكرمكم ولكم حقّ، فاجتمعوا إليه وتخلّف رسول
اللّه، وَّ﴾، من بين القوم لحداثة سنّه، ليس في القوم أصغر منه في رحالهم، تحت
الشجرة، فلمّا نظر بحيرا إلى القوم فلم ير الصّفة التي يعرف ويجدها عنده، وجعل
ينظر ولا يرى الغمامة على أحد من القوم، ويراها متخلّفة على رأس رسول الله،
وَل ﴿، قال بحيرا: يا معشر قريش لا يتخلفن منكم أحد عن طعامي، قالوا: ما تخلّف
أحد إلّ غلام هو أحدث القوم سنّاً في رحالهم، فقال: ادعوه فليحضر طعامي فما أقبح
أن تحضروا ويتخلف رجل واحد مع أني أراه من أنفسكم، فقال القوم: هو والله
أوسطنا نسباً وهو ابن أخي هذا الرجل، يعنون أبا طالب، وهو من ولد عبد المطّلب،
١٢٢

فقال الحارث بن عبد المطّلب بن عبد مَناف: والله إن كان بنا لَّلُؤمّ أن يتخلف ابن
عبد المطّلب من بيننا، ثمّ قام إليه فاحتضنه وأقبل به حتى أجلسه على الطعام،
والغمامة تسير على رأسه، وجعل بحيرا يلحظه لحظاً شديداً، وينظر إلى أشياء في
جسده قد كان يجدها عنده من صفته، فلمّا تفرّقوا عن طعامهم قام إليه الراهب فقال:
يا غلام أسألك بحقّ اللات والعُزّى إلّ أخبرتني عمّا أسألك، فقال رسول الله، وَّ:
(لا تَسْألْنِي بِاللَّت وَالْعُزَّى فَوَاللهِ مَا أَبْغَضْتُ شَيْئاً بُغْضَهُمَا!)) قال: فبالله إلّ أخبرتَني
عمّا أسألك عنه، قال: ((سَلْني عمّا بدا لك))، فجعل یسأله عن أشياء من حاله حتى
نومه، فجعل رسول الله، وَل*، يخبره فيوافق ذلك ما عنده، ثمّ جعل ينظر بين عينيه،
ثمّ كشف عن ظهره فرأى خاتم النبوة بين كتفيه على موضع الصفة التي عنده، قال:
فقبّل موضع الخاتم، وقالت قريش: إنّ لمحمد عند هذا الراهب لقدراً، وجعل أبو
طالب، لما يرى من الراهب، يخاف على ابن أخيه، فقال الراهب لأبي طالب: ما
هذا الغلام منك؟ قال أبو طالب : ابني، قال: ما هو بابنك، وما ينبغي لهذا الغلام أن
يكون أبوه حيّاً، قال: فابن أخي. قال: فما فعل أبوه؟ قال: هلك وأمّه حبلى به،
قال: فما فعلت أمّه؟ قال: توفّيت قريباً، قال: صدقتَ، ارجع بابن أخيك إلى بلده
واحذر عليه اليهود، فوالله لئن رأوه وعرفوا منه ما أعرف لَيَبْغُنَّه عَنَتَاً، فإنّه كائن لابن
أخيك هذا شأن عظيم نجده في كتبنا وما روينا عن آبائنا، واعلم أني قد أدّيت إليك
النصيحة. فلمّا فرغوا من تجاراتهم خرج به سريعاً، وكان رجال من يهود قد رأوا
رسول الله، وَل﴾، وعرفوا صفته، فأرادوا أن يغتالوه فذهبوا إلى بحيرا فذاكروه أمره
فنهاهم أشدّ النهي وقال لهم: أتجدون صفته؟ قالوا: نعم، قال: فما لكم إليه سبيل،
فصدّقوه وتركوه، ورجع به أبو طالب فما خرج به سفراً بعد ذلك خوفاً عليه.
أخبرنا محمد بن عمر، حدّثني يعقوب بن عبدالله الأشعريّ عن جعفر بن أبي
المغيرة عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزَى، قال الراهب لأبي طالب: لا تخرجنّ بابن
أخيك إلى ما ههنا فإنّ اليهود أهل عداوة، وهذا نبيّ هذه الأمة، وهو من العرب،
واليهود تحسده تريد أن يكون من بني إسرائيل، فاحذر على ابن أخيك.
أخبرنا محمد بن عمر، أخبرنا موسى بن شيبة عن عُميرة بنت عُبيد الله بن كعب
ابن مالك عن أمّ سعد بنت سعد عن نفيسة بنت مُنْيَة أخت يَعْلَى بن مُنْيَة قالت: لمّا بلغ
رسول الله،﴿، خمساً وعشرين سنة وليس له بمكّة اسمٌ إلّ الأمين، لِمَا تَكَامَلَ من
١٢٣

خِصَال الخير، فقال له أبو طالب: يا ابن أخي أنا رجل لا مال لي وقد اشتدّ الزّمان
علينا وألحّت علينا سنون مُنْكَرة وليست لنا مادة ولا تجارة، وهذه عِیر قومك قد حضر
خروجها إلى الشام، وخديجة ابنة خُويلد تبعث رجالاً من قومك في عِيراتها، فلو
تعرّضت لها، وبلغ خديجة ذلك فأرسلت إليه وأضعفت له ما كانت تعطي غيره،
فخرج مع غلامها مَيسَرة حتى قدما بُصرى من الشأم، فنزلا في سوق بُصْرَى في ظلّ
شجرة قريباً من صومعة راهب من الرهبان يقال له نسطور، فاطلع الراهب إلى ميسرة،
وكان يعرفه قبل ذلك، فقال: يا مَيْسرة من هذا الذي نزل تحت هذه الشجرة؟ فقال
مَيْسَرة: رجل من قريش من أهل الحرم، فقال له الرّاهب: ما نزل تحت هذه
الشجرة قطّ إلّ نبِيّ، ثمّ قال: في عَيْنَيْهِ حُمْرَة؟ قال ميسرة: نعم لا تُفارقه، قال
الراهب: هو هو آخر الأنبياء، يا ليت أني أدركه حين يؤمر بالخروج! ثمّ حضر رسول
الله، ◌َل﴾، سوق بصرى فباع سلعته التي خرج بها واشترى غيرها، فكان بينه وبين
رجل اختلاف في شيء، فقال له الرجل: احلف باللات والعُزّى، فقال رسول الله،
وَهَ: (مَا حَلَفْتُ بِهِمَا قَطّ وإنّي لأُمُرٌ فَأُعْرِضُ عَنْهُمَا))، قال الرجل: القول قولك، ثمّ
قال لميسرة، وخلا به: يا ميسرة هذا والله نبيّ! والذي نفسي بيده إنّه لهو تجده أحبارنا
في كتبهم منعوتاً، فوعى ذلك ميسرة، ثمّ انصرف أهل العِير جميعاً، وكان ميسرة يرى
رسول الله، وَ﴿، إذا كانت الهاجرة واشتدّ الحرّ يرى مَلَكَين يُظِلانه من الشمس وهو
على بعيره، قالوا: كأنّ الله قد ألقى على رسوله المحبّة من ميسرة، فكان كأنّه عبدٌ
لرسول الله، وَ﴿، فلمّا رجعوا فكانوا بمَرّ الظّهْران قال: يا محمّد انطلق إلى خديجة
فاسْبِقني فأخبرها بما صنع الله لها على وجهك، فإنها تعرف ذلك لك، فتقدّم رسول
الله، وَلَ، حتى قدم مكّة في ساعة الظهيرة وخديجة في علّة لها معها نساء فيهنّ
نفيسة بنت منية، فرأت رسول الله، وَّر، حين دخل وهو راكب على بعيره ومَلَكان
يُظِلّان عليه، فأرته نساءها فعجبن لذلك، ودخل عليها رسول الله، وَلّر، فخبّرها بما
ربحوا في وجههم، فسُرّت بذلك، فلمّا دخل ميسرة عليها أخبرته بما رأت، فقال
ميسرة: قد رأيت هذا منذ خرجنا من الشأم، وأخبرها بقول الراهب نسطور وما قال
الآخر الذي خالفه في البيع، وربحت في تلك المرّة ضعف ما كانت تربح، وأضعفت
له ضعف ما سمّت له.
أخبرنا عبد الحميد الحِمّانيّ عن النضر أبي عمر الخزّاز عن عكرمة عن ابن
١٢٤

عبّاس قال: أوّل شيء رأى النبيّ، وَّه، من النبوّة أن قيل له استتر وهو غلام، فما
رئیت عورته من يومئذ.
أخبرنا عبد الحميد الحِمّاني عن سفيان الثوريّ عن منصور عن موسى بن
عبدالله بن يزيد عن امرأة عن عائشة قالت: ما رأيت ذاك من رسول الله، وَإ*1 .
أخبرنا محمد بن عمر قال: حدّثني عليّ بن محمد بن عبيدالله بن عبدالله بن
عمر بن الخطّاب عن منصور بن عبد الرحمن عن أمّه عن برة ابنة أبي تجراة قالت: إنّ
رسول الله، وَالر، حين أراد الله كرامته وابتداءَه بالنبوّة، كان إذا خرج لحاجته أبعد
حتى لا يرى بيتاً ويُفضي إلى الشّعاب وبطون الأودية، فلا يمرّ بحجر ولا شجرة إلّ
قالت السلام عليك يا رسول الله، فكان يلتفت عن يمينه وشماله وخلفه فلا يرى
أحداً.
أخبرنا محمد بن عبدالله بن يونس، أخبرنا أبو الأحوص عن سعيد بن مسروق
عن منذر قال: قال الربيع، يعني ابن خُثيم: كان يُتحاكم إلى رسول الله، وََّ، في
الجاهلية قبل الإِسلام، ثمّ اختصّ في الإِسلام، قال ربيع حَرْفٍ وما حرفٌ مَن يُطِع
الرسول فقد أطاع الله آمنه، أي أنّ الله آمنه على وحيه.
أخبرنا خالد بن خِداش، أخبرنا حمّاد بن زيد عن ليث عن مجاهد أنّ بني غِفَار
قرّبوا عجلاً لهم ليذبحوه على بعض أصنامهم فشدّوه، فصاح: يال ذريح، أمر نجيح،
صائح يصيح، بلسان فصيح، بمكّة يشهد أن لا إله إلا الله، قال: فنظروا فإذا النبيّ،
﴿﴾، قد بُعث.
أخبرنا محمد بن عمر قال: حدّثني أبو بكر بن عبدالله بن أبي سَبْرة عن حُسين
ابن عبدالله بن عُبيد الله بن العبّاس عن عِكْرِمة عن ابن عبّاس قال: حدّثْني أمّ أَيْمَن
قالت: كان بِبُوانة صنمٌ تحضره قريش تعظّمه، تنسك له النسائك، ويحلقون رؤوسهم
عنده، ويعكفون عنده يوماً إلى الليل، وذلك يوماً في السنّة، وكان أبو طالب يحضره
مع قومه، وكان يكلّم رسول الله، وَّر، أن يحضر ذلك العيد مع قومه فيأبى رسول
الله، وَ﴿، ذلك، حتى رأيت أبا طالب غضب عليه، ورأيت عمّاته غَضِبْنَ عَليه يومئذ
أشدّ الغَضَب، وجعلن يقلن: إنّا لنخاف عليك ممّا تصنع من اجتناب آلهتنا، وجعلن
يَقُلْنَ: ما تريد يا محمدُ أن تحضر لقومك عيداً ولا تُكَثّر لهم جمعاً، قالت: فلم يزالوا
١٢٥

به حتى ذهب فغاب عنهم ما شاء الله، ثمّ رجع إلينا مرعوباً فَزِعاً، فقالت له عَمّاته: ما
دهاك؟ قال: ((إنّي أَخْشَى أنْ يَكونَ بِي لَمَمْ))، فقُلن: مَا كان الله ليبتليك بالشّيطان
وفِيك من خِصالِ الخير ما فيك، فما الذّي رأيْت؟ قال: ((إنّي كُلّما دَنَوْتُ مِنْ صَنْمِ
مِنْهَا تَمَثَّلَ لي رجُلٌ أَبْيَضُ طَوِيلٌ يَصِيحُ بِي وَرَاءَكَ يَا مُحَمّدُ لا تَمَسّهُ!)) قالت: فما عاد
إلی عِيدٍ لهم حتى تنبّأ.
أخبرنا محمد بن عمر بن واقد الأسلمي قال: حدّثني سليمان بن داود بن
الحُصين عن أبيه عن عِكرمة عن ابن عبّاس عن أَبيّ بن كعب قال: لمّا قدم تُّبَع
المدينة ونزل بقناة فبعث إلى أحبار اليهود فقال: إنّي مخرّب هذا البلد حتى لا تقوم به
يهوديّة ويرجع الأمر إلى دين العرب، قال: فقال له سامول اليهودي، وهو يومئذ
أعلمهم: أيها الملك إنّ هذا بلد يكون إليه مُهاجَر نبيّ من بني إسْماعيل مَوْلِده مكّة
اسمه أحمد، وهذه دار هجرته، إن منزلك هذا الذي أنت به يكون به من القتلى
والجِراح أمر كبير في أصحابه وفي عدوّهم، قال تُبَع: ومَن يقاتله يومئذ وهو نبيّ كما
تزعمون؟ قال: يسير إليه قومه فيقتتلون ههنا، قال: فأين قبره؟ قال: بهذا البلد، قال:
فإذا قُوتل لمَن تكون الدّبْرة؟ قال: تكون عليه مرّة وله مرّة، وبهذا المكان الذي أنت به
تكون عليه، ويُقتَل به أصحابه مقتلة لم يُقْتَلوا في موطن، ثمّ تكون العاقبة له،
ويظهر فلا ينازعه هذا الأمرَ أحدٌ، قال: وما صفته؟ قال: رجل ليس بالقصير ولا
بالطويل، في عينيه حُمرة، يركب البعير، ويلبس الشملة، سيفه على عاتقه لا يبالي
من لاقى أخاً أو ابن عَمّ أو عَمّاً حتى يظهر أمره، قال تُبَع: ما إلى هذا البلد من سبيل،
وما كان ليكون خرابها على يدي، فخرج تُبِع منصرفاً إلى اليمن.
أخبرنا محمد بن عمر الأسلمي قال: حدّثني عبد الحميد بن جعفر عن أبيه
قال: كان الزّبير بن باطا، وكان أعلم اليهود، يقول: إنّي وجدت سِفْراً كان أبي يختمه
عليّ، فيه ذكر أحمد نبيّ يخرج بأرض القَرَظ صفته كذا وكذا، فتحدّث به الزّبير بعد
أبيه والنبيّ، وَ﴾، لم يُبعث، فما هو إلا أن سمع بالنبيّ، وَّر، قد خرج بمكّة حتى
عمد إلى ذلك السفر فمحاه وكتم شأن النبيّ، وَليو، وقال ليس به.
أخبرنا محمد بن عمر قال: حدّثني الضحّاك بن عثمان عن مَخْرَمَة بن سليمان
عن كريب عن ابن عبّاس قال: كانت يهود قُريظة والنّضير وفدك وخيبر يجدون صفة
النبيّ، وَ﴿، عندهم قُبَيل أن يُبعث، وأنّ دار هجرته بالمدينة، فلمّا وُلِدَ رسول الله، وَ له،
١٢٦

قالت أحبار اليهود: وُلِدَ أحمد الليلة، هذا الكوكب قد طلع، فلمّا تنّى قالوا:
قد تنبّ أحمد، قد طلع الكوكب الذي يطلع، كانوا يعرفون ذلك ويقرّون به ويصفونه
إلّ الحسد والبغي ...
أخبرنا محمد بن عمر قال: حدّثني محمد بن صالح عن عاصم بن عمر بن قتادة
عن نملة بن أبي نملة عن أبيه قال: كانت يهود بني قريظة يَدْرُسون ذكر رسول الله،
وَل﴿، في كتبهم ويُعَلّمونه الولدان بصفته واسمه ومُهاجَره إلينا، فلمّا ظهر رسول الله،
*، حسدوا وبغوا وقالوا ليس به.
أخبرنا محمد بن عمر الأسلمي قال: حدثني إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة
عن داود بن الحصين عن أبي سفيان مولى ابن أبي أحمد أنّ إسلام ثعلبة بن سعيد
وأسِيد بن سَعْيَةَ وأسد بن عُبيد ابن عمّهم إنّما كان عن حديث ابن الهَيَّان أبي عمير،
قدم ابن الهَيّان، يهوديّ من يهود الشأم، قُبيل الإِسلام بسنوات، قالوا: وما رأينا رجلاً
لا يصلّ الصّلوات الخمس خيراً منه، وكان إذا حُبس عنّا المطر احتجنا إليه، نقول
له: يا ابن الهيّان اخرج فاستسق لنا، فيقول: لا حتى تُقدّمُوا أمام مخرجكم صدقة،
فنقول: وما نقدّم؟ فيقول: صاعاً من تمْر أو مُدّيْن من شعير عن كلّ نفس، فنفعل ذلك
فيخرج بنا إلى ظهر وادينا، فوالله لن نبرح حتى تمرّ السّحابُ فَتُمْطِرَ عَلينا، ففعل ذلك
بنا مِراراً، كلّ ذلك نُسْقَى، فبينا هو بين أظهرنا إذ حضرته الوفاةُ، فقال: يا معشر
اليهود ما الّذي ترون أنّه أخرجني من أرض الخمر والخمير إلى أرض البؤس والجوع؟
قالوا: أنت أعلم يا أبا عُمير! قال: إنّما قدمتُها أتوكّفُ خروج نبيّ قد أظلّكم زمانه،
وهذا البلد مُهاجَرُه، وكنتُ أرجو أن أُدْركه فأتّبعه، فإن سمعتم به فلا تُسْبَقُنّ إليْه، فإنّه
يسفك الدّماء ويسبي الذّراري والنّساء، فلا يمنعكم هذا منه، ثمّ مات، فلمّا كان في
الليلة التي في صبيحتها فُتحت بنو قريظة، قال لهم ثعلبة وأسِيد ابنا سَعْيَةً وأسد بن
عُبيد فتيان شَباب: يا معشر يهود، والله إنّه الرّجل الذي وصف لنا أبو عُمير بن
الهيَّان، فاتّقوا الله واتّبعوه، قالوا: ليس به، قالوا: بلى والله إنّه لهو هو،
نزلوا وأسلموا وأبَى قومهم أن يُسلموا.
أخبرنا محمد بن عمر قال: حدّثني محمد بن عبدالله عن الزهريّ عن محمد بن
جبير بن مطعم عن أبيه قال: كنّا جلوساً عند صنم ببوانة قبل أن يبعث رسول الله،
وَل*، بشهر، فنحرنا جُزراً، فإذا صائح يصيح من جوف واحدة: اسمعوا إلى
١٢٧
....

العجب، ذهب استراقُ الوحي ونُرمى بالشّهُب، لنبيّ بمكّة اسمه أحمد، مهاجره إلى
يثرب، قال: فأمسكنا وعجبنا، وخرج رسول الله، ◌َێتؤ .
حدّثنا محمد بن عمر، حدّثني ابن أبي ذئب عن مسلم بن جُندب عن النّضر بن
سفيان الهذلي عن أبيه قال: خرجنا في عير لنا إلى الشأم، فلمّا كنّا بين الزرقاء ومُعَان
وقد عرّسنا من اللّيل إذا بفارس يقول: أيها النيام هبّوا فليس هذا بحين رقاد، قد خرج
أحمد، وطُرّدت الجنّ كلّ مُطَرّد، ففزعنا ونحن رفقة جرّارة كلهم قد سمع هذا،
فرجعنا إلى أهلينا، فإذا هم يذكرون اختلافاً بمكّة بين قريش بنبيّ خرج فيهم من بني
عبد المطلب اسمه أحمد.
أخبرنا محمد بن عمر قال: حدّثني عليّ بن عيسى الحَكمي عن أبيه عن عامر
ابن ربيعة قال: سمعت زيد بن عمرو بن نُفيل يقول: أنا أنتظر نبيّاً من ولد إسماعيل ثمّ
من بني عبد المطّلب، ولا أراني أدركه، وأنا أؤمن به وأصدّقه وأشهد أنّه نبيّ، فإن
طالت بك مدّة فرأيته فأقرئه منّ السّلام، وسأخبرك ما نعتُه حتى لا يخفَى عليك،
قلت: هلمّ! قَال: هو رجل ليس بالطويل ولا بالقصير ولا بكثير الشعر ولا بقليله،
وليست تفارق عينيه حمرة، وخاتم النبوّة بين كتفيه، واسمه أحمد، وهذا البلد مولده
ومبعثه، ثمّ يُخرجه قومه منه ويكرهون ما جاء به حتى يهاجر إلى يثرب فيظهر أمره،
فإيّاك أن تُخدع عنه فإنّي طفت البلاد كلها أطلب دين إبراهيم، فكلّ مَن أسأل من
اليهود والنصارى والمجوس يقولون هذا الدين وراءك، وينعتونه مثل ما نعتّه لك،
ويقولون لم يبق نبيّ غيره، قال عامر بن ربيعة: فلمّا أسلمتُ أخبرتُ رسول الله،
وَله، قول زيد بن عمرو وأقرأته منه السلام، فردّ عليه السلام ورحّم عليه وقال: ((قَدْ
رَأْتُهُ فِي الجَنّةِ يَسْحَبُ ذُيُولاً)).
أخبرنا عليّ بن محمد بن عبدالله بن أبي سيف القرشي عن إسماعيل بن مجالد
عن مجالد الشعبيّ عن عبد الرحمن بن زيد بن الخطّاب قال: قال زيد بن عمرو بن
نفيل: شاممت النصرانيّة واليهوديّة فكرهتهما، فكنت بالشأم وما والاه حتى أتيت راهباً
في صومعة، فوقفت عليه، فذكرت له اغترابي عن قومي وكراهتي عبادة الأوثان
واليهودية والنصرانيّة، فقال لي: أراك تريد دين إبراهيم! يا أخا أهل مكّة إنّك لتطلب
ديناً ما يؤخذ اليوم به، وهو دين أبيك إبراهيم، كان حنيفاً لم يكن يهودياً ولا نصرانيّاً،
كان يصلّي ويسجد إلى هذا البيت الذي ببلادك، فالحقّ ببلدك، فإنّ نبيّاً يُبعث من
١٢٨

قومك في بلدك يأتي بدين إبراهيم بالحنيفية، وهو أكرم الخلق على الله.
أخبرنا عليّ بن محمد عن أبي عبيدة بن عبدالله بن أبي عبيدة بن محمّد بن
عمّار بن ياسر وغيره عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: سكن يهودي بمكّة
يبيع بها تجارات، فلما كان ليلة وُلد رسول الله، وَّر، قال في مجلس من مجالسٍ
قريش: هل كان فيكم من مولود هذه الليلة؟ قالوا: لا نعلمه، قال: أخطأتُ واللِهِ حيثُ
كنتُ أكره، انظروا يا معشر قريش وأحْصُوا ما أقول لكم: وُلِدَ الليلة نبيّ هذه الأمّة
أحمد الآخِر، فإن أخطأكم فبِفلَسْطين، به شامةٌ بين كتفيه سوداء صفراء فيها شعرات
متواترات، فتصدّع القوم من مجالسهم وهم يعجبون من حديثه، فلما صاروا في
منازلهم ذكروا لأهاليهم، فقيل لبعضهم: وُلد لعبد الله بن عبد المطّلب الليلة غلام
فسمّاه محمداً، فالتقوا بعدُ من يومهم فأتوا اليهوديّ في منزله فقالوا: أعلمت أنّه وُلد
فينا مولود؟ قال: أبعد خبري أم قبله؟ قالوا: قبله واسمه أحمد، قال: فاذهبوا بنا إليه،
فخرجوا معه حتى دخلوا على أمّه، فأخرجته إليهم، فرأى الشامة في ظهره، فغُشي
على اليهودي ثُمّ أفاق، فقالوا: ويلك! ما لك؟ قال: ذهبت النبوّة من بني إسرائيل
وخرج الكتاب من أيديهم، وهذا مكتوب يقتلهم ويبزّ أخبارهم، فازت العرب بالنبوّة،
أفرحتم يا معشر قريش؟ أمّا واللهِ لَيَسطوَنّ بكم سَطْوة يخرج نبؤها من المشرق إلى
المغرب .
أخبرنا عليّ بن محمّد عن يحيى بن معن أبي زكريّاء العجلاني عن يعقوب بن
عتبة بن المغيرة بن الأخنس قال: إنّ أوّل العرب فزع لرمي النّجوم ثقيف، فأتوا عمرو
ابن أميّة فقالوا: ألم ترَ ما حَدَث؟ قال: بلى، فانْظروا فإن كانت معالِمُ النجوم التي
يُهْتَدى بها ويُعْرَف بها أنواء الصيف والشّتاء انتثرت فهو طي الدنيا وذهاب هذا الخلق
الذي فيها، وإن كانت نجوماً غيرها فأمرٌ أراد الله بهذا الخلق ونبيّ يُبعث في العرب
فقد تُحُدّث بذلك.
أخبرنا عليّ بن محمّد عن أبي زكريّاء العجلاني عن محمد بن كعب القُرظي
قال: أوحى الله إلى يعقوب أني أبعث من ذرّيّتك ملوكاً وأنبياء حتى أبعث النبيّ
الحرميّ الذي تبني أمّته هيكل بيت المقدس، وهو خاتم الأنبياء، واسمه أحمد.
أخبرنا عليّ بن محمّد عن عليّ بن مجاهد عن حميد بن أبي البَخْتَري عن
١٢٩

الشعبيّ قال في مجلّة إبراهيم، وَلّ: إنّه كائن من ولدك شعوب وشعوب حتى يأتي
النبيّ الأُمّيّ الذي يكون خاتم الأنبياء.
أخبرنا عليّ بن محمّد عن سليمان القافلاني عن عطاء عن ابن عبّاس قال: لمّا
أمِرَ إبراهيم بإخراج هاجر حُمل على البُراق، فكان لا يمرّ بأرض عذبة سهلة إلّ قال:
انزِلْ هاهنا يا جبريل، فيقول: لا، حتى أتى مكّة، فقال جبريل: انزِلْ يا إبراهيم،
قال: حيث لا ضَرْعٍ ولا زَرع؟ قال: نَعَمْ هاهنا يخرج النبيّ الذي من ذُرّيّة ابنك الّذي
تُتُمّ به الكلمة العُلْيا.
أخبرنا عليّ بن محمّد عن أبي عمرو الزهريّ عن محمّد بن كعب القرظي قال:
لمّا خرجت هاجر بابنها إسماعيل تلقّاها متلقّ فقال: يا هاجر إنّ ابنك أبو شُعوب
كثيرة، ومن شعبه النبيّ الأمّيّ ساكن الحَرَم.
أخبرنا عليّ بن محمّد عن أبي معشر عن يزيد بن رومان وعاصم بن عمر
وغيرهما أن كعب بن أسد قال لبني قريظة حين نزل النبيّ، وَّر، في حصنهم: يا
معشر يهود تابعوا الرجل فوالله إنّه النبيّ، وقد تبيّن لكم أنّه نبيّ مُرْسَل وأنّه الذي كنتم
تجدونه في الكتب، وأنّه الّذي بَشّر به عِيسَى، وانّكم لَتعرِفون صفته، قالوا: هو به
ولكن لا نفارق حكم التوراة.
أخبرنا عليّ بن محمد عن عليّ بن مجاهد عن محمد بن إسحاق عن سالم
مولى عبدالله بن مطيع عن أبي هريرة قال: أتى رسول الله، وَّه، بيت المدراس
فقال: ((أخْرِجُوا إليّ أعْلَمَكُمْ))، فقالوا: عبدالله بن صوريا، فخلا به رسول الله، (َلآ،
فناشده بدينه وبما أنْعم الله به عليهم وأطعمهم من المنّ والسلوى وظلّلهم به من
الغمام: ((أُتَعْلَمُ أَنّي رسُولُ الله؟)) قال: اللّهمّ نعم وإنّ القوم لَيعرفون ما أعرف، وإنّ
صفتك ونعتك لبّن في التوراة، ولكنهم حسدوك، قال: ((فَما يَمْنَعُكَ أنْتَ؟)) قال:
أكره خلاف قومي، وعسى أن يتّبعوك ويُسْلِموا فأُسْلم.
أخبرنا عليّ بن محمد عن أبي معشر عن محمد بن جعفر بن الزبير ومحمّد بن
عُمارة بن غزِيّة وغيرهما قالوا: قدم وفد نجران، وفيهم أبو الحارث بن علقمة بن
ربيعة، له علم بدينهم ورئاسة، وكان أسقُفهم وإمامهم وصاحب مدراسهم وله فيهم
قدر، فعثرت به بغلته، فقال أخوه: تَعِس الأبعد، يريد رسول الله، وَله، فقال أبو

الحارث: بَلْ تَعِسْتَ أَنْتَ، أتشتم رجلاً من المُرْسَلين؟ إنّه الذي بشّر به عيسى وإنّه
لفي التوراة! قال: فما يمنعك من دينه؟ قال: شرّفنا هؤلاء القوم وأكرمونا وموّلونا وقد
أبُوْا إلّا خلافه، فحلف أخوه ألا يَثنى له صَعَراً حتى يقدم المدينة فيؤمن به، قال: مهلاً
يا أخي فإنّما كنت مازحاً، قال: وإن، فمضى يضرب راحلته وأنشأ يقول:
إِلَيْكَ يَغْدو قَلِقاً وضِينُها مُعْتَرِضاً في بَطْنِهَا جَنِينُها
مُخالِفاً دِينَ النّصَارَى دِینُها
قال: فقدِم وأسلم.
أخبرنا عليّ بن محمّد عن أبي عليّ العبدي عن محمد بن السّائب عن أبي
صالح عن ابن عبّاس قال: بعثت قريش النضر بن الحارث بن علقمة وعُقبة بن أبي
مُعيط وغيرهما إلى يهود يثرب وقالوا لهم: سلوهم عن محمّد، فقدِموا المدينة فقالوا:
أتيناكم لأمر حدث فينا، منّا غلام يتيم حقير يقول قولاً عظيماً يزعم أنّه رسول الرحمن،
ولا نعرف الرحمن إلا رحمان اليمامة، قالوا: صفوا لنا صفته، فوصفوا لهم، قالوا:
فمن تبعه منكم؟ قالوا: سِفْلتنا، فضحك حبر منهم وقال: هذا النبيّ الذي نجد نعته
ونجد قومه أشدّ النّاس له عداوة.
أخبرنا عليّ بن محمّد عن يزيد بن عياض بن جُعْدُبَةَ عن حَرام بن عثمان
الأنصاريّ قال: قدم أسعد بن زرارة من الشأم تاجراً في أربعين رجلاً من قومه، فرأى
رؤيا أنّ آتياً أتاه فقال: إنّ نبيّاً يخرج بمكّة يا أبا أمامة فاتّبعه، وآية ذلك أنّكم تنزلون
منزلاً فيُصاب أصحابُك فتنجو أنْت وفلان يُطْعَنُ في عيْنِه، فنزلوا منزلاً فبيّتهم الطّاعون
فأصيبوا جميعاً غير أبي أمامة وصاحبٍ له طُعِن في عينه.
أخبرنا عليّ بن محمّد عن سعيد بن خالد وغيره عن صالح بن كيسان أنّ خالد
ابن سعيد قال: رأيت في المنام قبل مَبعث النبيّ، وََّ، ظلمة غَشِيَتْ مكّة حتى ما
أرى جبلاً ولا سهلاً، ثمّ رأيتُ نوراً يخرج من زمزم مثلَ ضوء المصباح كلّما ارتفع
عَظُم وسطع حتى ارتفع فأضاء لي أوّل ما أضاء البيت، ثمّ عظم الضوء حتى ما بقي
من سهل ولا جبل إلّ وأنا أراه، ثمّ سطع في السّماء، ثم انحدر حتى أضاء لي نخل
يثرب فيها البُسُر، وسمعتُ قائلاً يقول في الضّوء: سبحانه سبحانه تمّت الكلمة وهلك
ابن مارد بهضبة الحصى بين أذْرُحَ والأكَمَة، سَعِدَتْ هذه الأمّة، جاء نبيّ الأُمّين،
١٣١

وبلغ الكتاب أجله، كذبته هذه القرية، تُعذَّب مرّتين، تتوب في الثالثة، ثلاث بقيت،
ثنتان بالمشرق وواحدة بالمغرب، فقصّها خالد بن سعيد على أخيه عمرو بن سعيد،
فقال: لقد رأيْت عجباً وإني لأرى هذا أمراً يكون في بني عبد المطّلب إذْ رأيْت النّور
خَرَجَ من زمزم .
أخبرنا عليّ بن محمد عن مسلمة بن علقمة عن داود بن أبي هند قال: قال ابن
عبّاس: أوحَى الله إلى بعض أنبياء بني إسرائيل: اشتدّ غضبي عليكم من أجل ما
ضيّعتم من أمري، فإني حَلفت لا يأتيكم روح القدس حتى أبعث النبيّ الأمّيّ من
أرض العرب الذي یأتیه روح القدس.
أخبرنا عليّ بن محمّد عن محمّد بن الفضل عن أبي حازم قال: قدم كاهن مكّة
ورسول الله، وَل*، ابن خمس سنين وقد قدمتْ بالنبيّ، وَله، ظهره إلى عبد المطّلب
وكانت تأتيه به في كلّ عام، فنظر إليه الكاهن مع عبد المطّلب فقال: يا معشر قريش
اقْتلوا هذا الصبيّ، فإنّه يقتلكم ويفرّقكم، فهرب به عبد المطلب، فلم تزل قريش
تخشى من أمره ما كان الكاهن حذّرهم.
أخبرنا عليّ بن محمّد عن عليّ بن مجاهد عن محمد بن إسحاق عن عاصم بن
عمر بن قتادة عن عليّ بن حسين قال: كانت امرأة في بني النجّار يُقال لها فاطمة بنت
النعمان كان لها تابع من الجنّ، فكان يأتيها، فأتاها حين هاجر النبيّ، وَلَه، فانقضّ
على الحائط، فقالت: ما لك لم تأت كما كنت تأتي؟ قال: قد جاء النبيّ الذي يحرّم
الزّنا والخمر.
أخبرنا عليّ بن محمد عن ورقاء بن عمر عن عطاء بن السائب عن سعيد بن
جبير عن ابن عبّاس قال: لما بُعث محمّد، وََّ، دُحِر الجنّ ورُمُوا بالكواكب، وكانوا
قبل ذلك يستمعون، لكلّ قبيل من الجنّ مقعدٌ يستمعون فيه، فأوّل من فزع لذلك أهل
الطائف فجعلوا يذبحون لآلهتهم من كان له إبل أو غنم كلّ يوم حتى كادت أموالهم
تذهب، ثمّ تناهوا وقال بعضهم لبعض: ألا ترون معالم السماء كما هي لم يذهب منها
شيء! وقال إبليس: هذا أمر حدث في الأرض، ائتوني من كلّ أرض بتُربة، فكان
يؤتى بالتّربة فيشمّها ويلقيها، حتى أُتي بتربة تهامة فشمّها وقال: هاهنا الحدث.
أخبرنا عليّ بن محمد عن عبدالله بن محمد القرشي من بني أسد بن عبد العُزّى
١٣٢

عن الزهري قال: كان الوحي يُستمع، وكان لامرأة من بني أسد تابع، فأتاها يوماً وهو
يصيح: جاء أمر لا يُطاق، أحمد حرّم الزّنا، فلمّا جاء الله بالإِسلام مُنِعوا الاستماع.
أخبرنا محمد بن عمر قال: حدّثني عبدالله بن يزيد الهذلي عن سعيد بن عمرو
الهذلي عن أبيه قال: حضرت مع رجال من قومي صنمَنَا سُوَاعٍ وقد سُقنا إليه الذبائح،
فكنت أوّل من قرّب إليه بقرة سمينة فذبحتها على الصنم، فسمعنا صوتاً من جوفها:
العجب العجب كلّ العجب، خروج نبيّ بين الأخاشب يحرّم الزنا، ويحرّم الذبح
للأصنام، وحُرست السّماء، ورُمينا بالشهب فتفرّقنا. وقدمنا مكّة فسألنا فلم نجد أحداً
يخبرنا بخروج محمد، وَلَ، حتى لقينا أبا بكر الصّدّيق فقلنا: يا أبا بكر، خرج أحد
بمكّة يدعو إلى الله يُقال له أحمد؟ قال: وما ذاك؟ قال: فأخبرته الخبر، فقال: نعم
هذا رسول الله، ثمّ دعانا إلى الإِسلام، فقلنا: حتى ننظر ما يصنع قومنا، ويا ليت أنّا
أسلمنا يومئذ، فأسلمنا بعده .
أخبرنا محمد بن عمر الأسلمي قال: حدثني عبدالله بن يزيد الهذلي عن عبد الله
ابن ساعدة الهُذلي عن أبيه قال: كنّا عند صنمنا سُوَاع وقد جلبتُ إليه غنماً لي مائتي
شاة قد كان أصابها جرب، فأدنيتها منه أطلب بركته، فسمعتُ منادياً من جوف الصنم
يُنادي: قد ذهب كيد الجنّ ورُمينا بالشّهب لنبيّ اسمه أحمد، قال: قلتُ عُبّرتُ والله،
فأصرف وجه غنمي منحدراً إلى أهلي، قال: فلقيت رجلاً فخبرني بظهور رسول الله، وَلچر .
أخبرنا عليّ بن محمد عن عبد الرحمن بن عبدالله عن محمد بن عمر الشامي
عن أشياخه قالوا: كان رسول الله، وَلخير، في حجر أبي طالب، وكان أبو طالب قليل
المال، كانت له قطعة من إبل فكان يؤتى بلبنها، فإذا أكل عيال أبي طالب جميعاً أو
فرادى لم يشبعوا، وإذا أكل معهم النبيّ، وَ ﴿، شبعوا، فكان إذا أراد أن يطعمهم
قال: أربعوا حتى يحضر ابني، فيحضر فيأكل معهم فيفضل من طعامهم، وإن كان
لئن شرب أولهم ثمّ يناولهم فيشربون فيروَوْن من آخرهم، فيقول أبو طالب: إنّك
المبارك! وكان يصبح الصبيان شُعثاً رُمْصاً، ويصبح النبيّ، وَ﴿، مدهوناً مكحولًا،
قالت أمّ أيمن: ما رأيت النبيّ، وَّ، شكا، صغيراً ولا كبيراً، جوعاً ولا عطشاً، كان
يغدو فيشرب من زمزم فأعرض عليه الغذاء فيقول: ((لا أُرِيدُهُ، أَنَا شَبْعَانُ)).
١٣٣

ذكر من تسمى في الجاهلية بمحمد رجاء
أن تدرکه النبوة للذي کان من خبرها
أخبرنا عليّ بن محمّد بن عبدالله بن أبي سيف عن سلمة بن عثمان عن عليّ بن
زيد عن سعيد بن المسيب قال: كانت العرب تسمع من أهل الكتاب ومن الكهّان أن
نبيّاً يُبعث من العرب اسمه محمّد، فسمّى من بلغه ذلك من العرب ولدَه محمّداً طَمَعاً
في النّبوة.
أخبرنا عليّ بن محمد عن سلمة بن الفضل عن محمد بن إسحاق قال: سُمّ
محمّد بن خُزاعي بن حُزابة من بني ذكوان من بني سُليم طَمَعاً في النبوّة، فأتى أبرهةً
باليمن فكان معه على دينه حتى مات، فلمّا وَجُهَ قال أخوه قيس بن خُزاعيّ :
فَذَلِكُمْ ذُو التّاجِ مَنّا مُحَمّدٌ وَرَايْتُهُ فِي حَوْمَةِ المَوْتِ تَخْفِقُ
أخبرنا عليّ بن محمّد عن مسلمة بن علقمة عن قتادة بن السكن العُرَنِيّ قال:
كان في بني تميم محمّد بن سفيان بن مجاشع، وكان أسقُفاً، قيل لأبيه: إنّه يكون
للعرب نبيّ اسمه محمّد، فسمّاه محمّداً، ومحمد الجشمي في بني سُواءة، ومحمّد
الأسيّديّ، ومحمّد الفُقَيْميَ سَمّوهم طَمَعاً في النبوّة.
ذكر علامات النبوة بعد نزول الوحي
على رسول الله، وَالقلم
أخبرنا عفّان بن مسلم، أخبرنا حمّاد بن سلمة، أخبرنا عليّ بن زيد عن أبي زيد
أنّ رسول الله، وََّ، كان بالحَجون وهو مُكْتَئِبٌ حَزِينٌ فقال: ((اللّهمّ أرِنِي الْيَوْمَ آيَةً
لا أُبَالِي مَنْ كَذّبَنِي بَعْدَهَا مِنْ قَوْمي))، فإذا شجرة من قبل عَقَبة المدينة، فناداها
فجاءت تشقّ الأرض حتى انتهت إليه فسلّمت عليه، ثمّ أمرها فرجعت، فقال: ((مَا
أَبَالِي مَنْ كَذّبَنِي بَعْدَهَا مِنْ قَوْمي))(١).
أخبرنا الفضل بن دُكين قال: حدّثنا طلحة بن عمرو عن عطاء قال: بلغني أن
النبيّ، وَ﴿، كان مسافراً فذهب يريد أن يتبرّز أو يقضي حاجته، فلم يجد شيئاً يتوارى
(١) انظر الحديث في: [المطالب العالية (٣٨٣٧)، (٣٨٣٨)، والشفا (٧٩/١)، ودلائل النبوة
(١٣/٦)، ومجمع الزوائد (١٠/٩)].
١٣٤

به من الناس، فرأى شجرتين بعيدتين، فقال لابن مسعود: ((اذْهَبْ فَقُمْ بَيْنَهُمَا فَقُلْ
لَهُمَا إنّ رَسُولَ اللهِ أَرْسَلَني إلَيْكُمَا أنْ تَجْتَمِعَا حتى يَقْضيَ حَاجَتَهُ وَرَاءَكُمَا))، فذهب
ابن مسعود فقال لهما، فأقبلت إحداهما إلى الأخرى فقضى حاجته وراءهما.
حدّثنا وكيع، أخبرنا الأعْمش عن المِنْهال بن عمرو عن يعلى بن مرّة قال: كنتُ
مع النّبِّ، بِِّ، في سَفَر فنزلنا منزلاً، فقال لي: ((ائْتِ تَيْنِكَ الأَشَاءَتَيْنِ فَقُلْ لَهُمَا إنّ
رَسُولَ اللهِ، ﴿َ، يأمُرُكُمَا أنْ تَجْتَمِعَا))، فأتيتهما فقلت لهما ذلك، فوثبت إحداهما
إلى الأخرى فاجتمعتا، فخرج النبيّ، وَّر، فاستتر فقضى حاجته، ثمّ وثبت كلّ
واحدة منهما إلى مكانها(١).
أخبرنا الفضل بن إسماعيل بن أبان الورّاق، أخبرنا عنبسة بن عبد الرحمن
القرشي عن محمّد بن زاذان عن أمّ سعد عن عائشة قالت: قلت: يا رسول الله تأتي
الخلاء فلا يُرى منك شيء من الأذى! فقال: ((أَوَمَا عَلِمْتِ يَا عَائِشَةُ أنّ الأرْضَ تَبْتَلِعُ مَا
يَخْرُجُ مِنَ الأَنْبِيَاءِ فَلا يُرَى مِنْهُ شيءٌ؟)).
أخبرنا مسلم بن إبراهيم، أخبرنا الحارث بن عبيد، أخبرنا أبو عمران عن
أنس بن مالك قال: قال رسول الله، وَ﴿: ((بَيْنَا أَنَا قَاعِدٌ ذَاتَ يَوْمٍ إِذْ دَخَلَ جِبْرِيلُ
فَوَكَزَ بَيْنَ كَتِفَيّ فَقُمْتُ إلى شَجَرَةٍ فِيهَا مِثْلُ وَكْرَي الطَيْرِ فَقَعَدَ فِي وَاحِدَةٍ وَقَعَدْتُ في
أُخْرَى فَسَمَتْ فَارْتَفَعَتْ حَتّى سَدّتِ الخَافِقَيْنِ وَلَوْ شِئْتُ أنّ أَمَسٌ السّمَاءَ لَمَسَسْتُ وَأَنَّا
أَقَلِّبُ طَرْفِي فَالْتَفَتّ إلى جِبْرِيلَ فَإِذا هُوَ كَأَنَّهُ حِلْسٌ لاِىءٌ فَعَرَفْتُ فَضْلَ عِلْمِهِ بِاللهِ
وَفُتِحَ لي بابُ السّماءِ فَرَأَيْتُ النّورَ الأعْظَمَ وَلَطَّ دُونِي الحجَابَ رَفْرَفُهُ الدّرُّ وَالْيَاقُوتُ ثُمّ
أُوْحَى اللَّه إليّ مَا شَاءَ أنْ يُوحِي))(٢).
أخبرنا مسلم بن إبراهيم، أخبرنا الحارث بن عُبيد الإِيادي، أخبرنا سعيد بن
أياس أبو مسعود الجُريْري عن عبد الله بن شقيق عن عائشة قالت: كان النبيّ، وَّر،
يُحْرَسُ حتّى نَزَلَتْ هذهِ الآية: ﴿وَاللّه يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧]؛ قالت:
(١) انظر الحديث في: [سنن ابن ماجة (٣٣٩)، ومسند أحمد بن حنبل (١٧٢/٤)، ومجمع
الزوائد (٦/٩)].
(٢) انظر الحديث في: [فتح الباري (٦٠٩/٨)، ومجمع الزوائد (٧٥/١)، وشعب الإِيمان
(١٥٥)، (١٥٩)، وحلية الأولياء (٣١٦/٢)].
١٣٥

فأخرج رسول الله، وَ﴿، رأسه من القّة لهم فقال: ((أيّهَا النّاسُ انْصَرِفُوا عَصَمَني الله
مِنَ النّاسِ)).
أخبرنا الفضل بن دُكين قال: أخبرنا طلحة بن عمرو عن عطاء عن النبيّ، وَ ◌ّر،
قال: ((إنّا مَعْشَرَ الأنْبِياءِ تَنَامُ أَعْيُنْنَا وَلا تَنَامُ قُلُوبُنَا))(١).
أخبرنا هَوْذة بن خليفة بن عبدالله بن أبي بكرة، أخبرنا عوف عن الحسن عن
النبيّ، وَ﴿ه، قال: ((تَنَامُ عيْنايَ ولا يَنامُ قَلْبِي))(٢).
أخبرنا الحجّاج بن محمّد الأعور عن ليث بن سعد عن خالد بن يزيد عن
سعيد بن أبي هلال عن جابر بن عبدالله قال: خرج علينا رسول الله، وَلّر، فقال:
(رَأيْتُ فِي المَنَامِ كَأنّ جِبْرِيلَ عِنْدَ رَأسِي وَمِيكائِيلَ عِنْدَ رِجْلِيّ يَقُولُ أحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ
اضْرِبْ لهُ مَثَلًا، فَقَالَ: اسْمَعْ سَمِعَتْ أُذُنُكَ وَاعْقِلْ عَقَلَ قَلْبُكَ، إنّمَا مَثَلُكَ ومَثَلُ أَمْتِكَ
مَثَلُ مَلِكٍ اتّخَذَ داراً ثُمّ بَنِى فِيهَا بَيْتَأً ثُمّ جَعَلَ فِيهَا مَائِدَةً ثُمّ بَعَثَ رَسُولاً يَدْعُو النّاسَ إلى
طَعَامِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَجَابَ الرّسُولَ وَمِنْهُمْ مَنْ تَرَكَهُ، فَاللّه هُوُ المَلِكُ وَالدّارُ هِيَ الإِسْلامُ
وَمَنْ دَخَلَ الإِسْلامَ دَخَلَ الجَنّةَ وَمَنْ دَخَلَ الجَنَّةَ أَكَلَ مَا فِيهَا)).
أخبرنا سعيد بن محمّد الثقفي عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة قال: كان
رسول الله، وَ*، لا يأكل الصّدقة ويأكل الهدية، فأهْدتْ إليه يهوديّة شاةً مصلّية فأكل
رسول الله، وَ﴾، منها هو وأصحابه، فقالت: إني مسمومة، فقال لأصحابه: ((ارْفَعُوا
أَيْدِيَكُمْ فإنّهَا قَدْ أَخْبَرَتْ أَنَّهَا مَسْمومَةٌ))، قال: فرفعوا أيديهم، قال: فمات بشر بن
البراء، فأرسل إليها رسول الله، وََّ، فقال: ((مَا حَلَكِ على مَا صَنَعْتِ؟)) قالت: أردتُ أن
أعْلَمَ إن كنت نبيّاً لم يضررك، وإن كنت ملكاً أرحتُ النّاس منك، قال: فأمر بها فقتلت.
أخبرنا سعيد بن سليمان، أخبرنا خالد بن عبدالله عن حُضَين عن سالم بن أبي
الجَعْد قال: بعث رسول الله، وَّ #، رجلين في بعض أمره فقالا: يا رسول الله ما معنا
ما نتزوّده، فقال: ((ابْتَغِيَا لي سِقَاءً))، فَجَاءَاه بسقاء، قال: فأمرنا فملأناه ثمّ أوكهُ
(١) انظر الحديث في: [الاستذكار لابن عبد البر (٩٩/١)، والتمهيد (٢٠٨/٥)].
(٢) انظر الحديث في: [صحيح البخاري (٢٣٢/٤)، وأبي داود في الطهارة، الباب (٨٠)،
وموارد الظمان (٢١٢٤)، ومصنف عبد الرزاق (٣٨٦٤)، ومسند أحمد بن حنبل (٢٥١/٢،
٤٣٨)].
١٣٦

وقال: ((اذْهَبَا حَتّى تَبْلُغَا مَكَانَ كَذَا وَكَذَا فَإِنّ اللّهَ سَيَرْزُقُكُمَا))، قال: فَانْطَلَقَا حَتّى أتيا
ذلك المكان الذي أمرهما به رسول الله، ﴿، فانحلّ سقاؤهما فإذا لبن وزُبد غنم،
فأكلا وشربا حتى شبعا.
أخبرنا هاشم بن القاسم أبو النّضر الكناني، أخبرنا عبد الحميد بن بهرام قال:
حدّثَنِي شَهْر، يعني ابن حَوْشب، قال: وحَدّثَ أبو سعيد الحضرمي قال: بينما رجل
من أسْلَم في غُنَيْمَةٍ له يَهُشّ عليها في بيداء ذي الحليفة إذ عدا عليه ذئب فانتزع شاة
من غنمه، فجهجأه الرجل ورماه بالحجارة حتى استنقذ منه شاته، ثمّ إنّ الذئب أقبل
حتى أقعى مُستثفراً بذنْبه مقابل الرجل فقال: أما اتّقيت الله أن تنزع منّي شاة رزقنيها
الله؟ قال الرجل: تالله ما سمعت كاليوم قطّ! قال الذّئب: من أيّ شيءٍ تَعجَب؟ قال:
أُعْجب من مخاطبة الذئْب إيّاي! قال الذّئب: قد تركْتَ أعْجَبَ مِن ذلك، هاذاك
رسول الله، وَل*، بين الحرّتين في النخلات يُحدّث النّاس بما خلا، ويُحدّثهم بما هو
آتٍ، وأنت ههنا تتّبع غنمك! فلمّا أن سمع الرجل قول الذئب ساق غنمه يحوزها حتى
أدخلها قباء قرية الأنصار فسأل عن رسول الله، وَّرَ، فصادفه في منزل أبي أيوب
فأخبره خبر الذئب، قال رسول الله، وَلَ: ((صَدَقْتَ، احْضَرِ العَشِيَةَ فإذَا رَأيْتَ النّاسَ
اجْتَمَعُوا فَأَخْبِرْهُمْ ذَلِكَ))، ففعل، فلمّا أن صلّى الصّلاة واجتمع الناس أخبرهم
الأسلمي خبر الذئب، قال رسول الله، وَالَ: ((صَدَقَ صَدَقَ صَدَقَ، تِلْكَ الأَعَاجيبُ
بَيْنَ يَدَيِ السّاعَةِ))، قالها ثلاثاً، ((أمَا وَالّذِي نَفْسُ مُحَمّدٍ بِيَدِهِ لَيُوشِكَنّ الرّجُلُ مِنْكُمْ أنْ
يَغِيبَ عَنْ أهْلِهِ الرَوْحَةَ أوِ الغَدْوَةَ ثُمَ يُخْبِرَهُ سَوْطُهُ أَوْ عَصَاهُ أَوْ نَعْلُهُ بِمَا أَحْدَثَ أهْلُهُ مِنْ بَعْدِهِ».
أخبرنا هاشم بن القاسم، أخبرنا عبد الحميد بن بَهرام قال: حدّثني شَهْر،
حدّثني عبدالله بن عَبّاس قال: بينما رسول الله، وَرَ، بفِناء بيته بمكّة جالساً إذ مرّ به
عثمان بن مظعون، فكشر إلى رسول الله، وَ رَ، فقال له رسول الله، والتر: ((ألا
تَجْلِسُ؟)) قال: بلى، فجلس رسول الله، وَلَّ، مُستَقْبله، فبينما هو يُحدّثه إذ شَخَص
رسول الله، وَل*، فنظر ساعة إلى السّماء، فأخذ يضع بصره حتى وضعه على يمينه
في الأرض، فتحرّف رسول الله، وَّر، عن جليسه عثمان إلى حيث وضع بصره،
فأخذ يُنغِض رأسه كأنّه يستفقه ما يُقال له، وابنُ مظعون ينظر، فلما قضى حاجته
واستفقه ما يُقال له، وشخص بصر رسول الله، وَّل، إلى السّماء كما شخص أول
مرّة، فاتّبعه بصره حتى توارى في السّماء، فأقبل على عثمان بِجِلْستِهِ الأولى، فقال
١٣٧

عثمان: يا محمّد فيما كنتُ أُجالسك وآتيك ما رأيتك تفعل كفعلك الغَداةَ، قال: ((وَمَا
رَأَيْتَنِي فَعَلْتُ؟)) قال: رأيتُك تُشخص بصرك إلى السّماء ثمّ وضعته على يمينك
فتحرّفت إليه وتركتني، فأخذتَ تُنْغِض رأسَك كأنّك تستفقه شيئاً يُقال لك، قال:
((أَوَفَطِنْتَ لِذاكَ؟)) قال عثمان: نعم، قال: فقال رسول الله، وَ: ((أتَّانِي رَسُولُ اللِهِ
آنِفاً وَأَنْتَ جَالِسٌ))، قُلتُ: رسولُ الله؟ قال: ((نَعَمْ))، قال: فما قال لك؟ قال: ((إنّ الله
يَأْمُرُ بالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي القُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الفَحْشَاءِ وَالمُنْكَرِ وَالْبَغِي يَعِظُكُمْ
لَعَلَّكُمْ تَذَكّرُونَ))؛ قال عثمان: فذلك حين استقرّ الإِيمان في قلبي وأحببت محمّداً.
أخبرنا هاشم بن القاسم، أخبرنا عبد الحميد بن بهرام، أخبرنا شَهْر قال: قال
ابن عبّاس: حضَرَتْ عصابةٌ من اليهود، يعني رسول الله، ◌َّةَ، يوماً فقالوا: يا أبا
القاسم حَدّثْنا عن خِلالٍ نسألُك عنهُنّ لا يعلمهنّ إلّ نبيّ، قال: ((سَلُوني عَمَا شِئْتُمْ
وَلَكِنِ اجْعَلُوا لِي ذِمّة الله وَمَا أَخَذَ يَعْقُوبُ عَلى بَنِهِ لَئِنْ أَنَا حَدَثْتُكُمْ شَيْئاً فَعَرَ فْتُمُوهَ
لَتْبَايِعُنِّي على الإِسْلامِ))، قالوا: فذلك لك؛ قال: ((فَسَلُوني عمّا شئتَمْ))، قالوا: أخبرْنَا
عن أربع خِلالٍ نسألك عنهنّ، أخبرنا أيّ الطّعام حرّم إسرائيل على نفسه من قبل أن
تُنَزّلَ التّوراة، وأخبرنا كيف ماء المرأة من ماء الرجل، وكيف يكون الذكر منه وكيف
تكون الأنثى، وأخبرنا كيف هذا النبيّ الأميّ في النوم ومَن وليّه من الملائكة، قال:
(((فَعَلَيْكُمْ عَهْدُ اللهِ لَئِنْ أَنا أَخْبَرْتُكُمْ لَتُبَايِعُنِي))، فأعطوه ما شاء من عهد وميثاق، قال:
((فَأَنْشُدُكُمْ بِالّذِي أَنْزَلَ التّوْرَاةَ عَلى مُوسَى هَلْ تَعْلَمُونَ أنّ إِسْرَائِيلَ يَعْقُوبَ مَرِضَ مَرَضاً
شَدِيداً وَطَالَ سَقَمُهُ مِنْهُ فَنَذَرَ لِلِهِ نَذْراً لَئِنْ شَفَاهُ اللهُ مِنْ سَقَمِه لَيُحَرَّمَنّ أَحَبّ الشّرَابِ
إلَيْهِ وَأَحَبَ الطَّعَامِ إِلَيْهِ، فَكَانَ أَحَبّ الطّعَامِ إِلَيْهِ لُحْمَانُ الإِبلِ وَأَحَبّ الشّرَابِ إِلَيْهِ
الْبَانُهَا؟)) قالُوا: اللّهمّ نعم، قال: ((اللهُمّ اشْهَدْ عَلَيْهِمْ))، قَالَ: ((فَأَنْشُدُكُمْ بِاللهِ الّذي
لا إِلَهَ إِلّ هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ التّوْرَاةَ عَلى مُوسَى هَلْ تَعْلَمُونَ أنّ مَاءَ الرّجُلِ أَبْيَضُ غَلِيظٌ
وَأَنّ مَاءَ المَرْأةِ أَصْفَرُ رَقِيقٌ فَأَيّهُمَا عَلَا كَانَ لَه الوَلَدُ وَالشّبَهُ بِإِذْنِ اللهِ، وَإِنْ عَلَا مَاءُ
الرّجُلِ عَلى مَاءِ المَرْأةِ كَانَ ذَكَراً بإذْنِ الله، وإنْ عَلا مَاءُ المَرْأةِ عَلى ماء الرجُلِ كَانَ
أنْثى بإذْنِ الله؟)) قالوا: اللهمّ نعم، قال: ((اللّهُمّ اشْهَدْ عَلَيْهِمْ))، قال: ((فَأَنْشُدُكُمْ بالله
الّذِي أَنْزَلَ التّوْرَاةَ عَلى مُوسَى هَلْ تَعْلَمُونَ أنّ هَذَا النّبِيّ الأمّيّ تَنَامُ عَيْنَاهُ وَلا يَنَامُ
قَلْبُهُ؟)) قالوا: اللّهُمّ نَعم، قال: ((اللهُمّ اشْهَدْ عَلَيْهِمْ))، قالوا: أنْتَ الآن فحدَثْنَا مَن
ولَّك مِن الملائكة فعندها نجامعُك أو نُفارقُك، قال: ((فَإِنّ وَلِّي جِبْرِيلُ وَلَمْ يُبْعَثْ نَبِيّ
١٣٨

قطّ إلّ هُوَ وَلِيّهُ))، قالوا: فعندها نُفارقك، لو كان وليّك سواه من الملائكة لتابعناك
وصدّقناك، قال: ((فَمَا يَمْنَعُكُمْ مِنْ أنْ تُصَدّقوهُ؟)) قالوا: إنّه عدوّنا، فعند ذلك قال الله،
جلّ ثناؤه: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوّاً لِجِبْرِيلَ فَإِنّهُ نَزّلَهُ عَلى قَلْبِكَ بإِذْنِ اللهِ﴾ [البقرة:
٩٧]، إلى قوْلِه: ﴿كَأَنّهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٠١]؛ فعند ذلك باؤوا بغضب
على غضب.
أخبرنا هاشم بن القاسم، أخبرنا سليمان، يعني ابن المغيرة، عن إسحاق بن
عبد الله بن أبي طلحة قال: زار رسول الله، وَ لتر، سعداً فقال عنده، فلمّا أبردوا جاؤوا
بحمارٍ لهم أعرابيٍّ قطوفٍ قال: فوطّؤوا لرسول الله، وَّل، بقطيفةٍ عليه، فركب رسول
اللّه، وَلّ، فأراد سعد أن يُردف ابنه خلف رسول الله، وَلَ، لَيَرُدّ الحمار، فقال
رسول اللّه، وَلّ: ((إنْ كُنْتَ بَاعِثَهُ معي فَاحْمِلْهُ بَيْنَ يَدَيّ))، قال: لا بل خلفك یا
رسول الله، فقال رسول الله، وَلهو: ((أهْلُ الدّابَةِ هُمْ أوْلى بصَدْرِهَا))، قال سعد: لا
أبعثه معك ولكن رُدّ الحمار، قال: فَرَدّهُ وَهُوَ مِمْلَاجٌ فِيغٌ مَا يُسَائِرُ.
أخبرنا هاشم بن القاسم قال: حدّثني سليمان عن ثابت، يعني البناني، قال:
اجتمع المُنافقون فتكلّموا بينهم، فقال رسول الله، وَّه: ((إنّ رِجالاً مِنْكُمُ اجْتَمَعُوا
فَقَالُوا كَذَا وَقَالُوا كَذَا فَقُومُوا وَاسْتَغْفِرُوا اللَّه وَأَسْتَغْفِرُ لَكُمْ))، فلم يقوموا فقال: ((مَا لَكُمْ؟
قُومُوا فاسْتَغْفِرُوا اللَّه وَأَسْتَغْفِرُ لَكُمْ))، ثلاث مَرّات، فقال: ((لَتَقُومُنَّ أَوْ لأسمَيَنَّكُمْ
بِأسْمَائِكُمْ!)) فَقَالَ: ((قُمْ يَا فُلانُ))، قال: فقاموا خزايا متقنّعين.
أخبرنا هاشم بن القاسم، أخبرنا سليمان عن ثابت عن أنس بن مالك قال: إنّي
القائم عند المنبر يوم الجمعة ورسول الله، وَل﴿، يخطب، إذ قال بعضُ أهل المسجد:
يا رسول الله حُبس المطر وهلكت المواشى فادعُ الله أن يسقينا، فرفع رسول الله،
وَّ، يديه، وما نرى في السماء من سحاب، فألّف الله بين السحاب، فَوَبَلَتْنَا حَتّى
رأيتُ الرجل الشديد تُهمّه نفسه أن يأتي أهله، قال: فَمُطِرنا سبعاً لا تُقْلِع حتى الجمعة
الثانية ورسول الله، وَله، يخطب، فقال بعض القوم: يا رسول الله! تهدّمتِ البيوت
وحُبس السُفّاو فادعُ الله أن يرفعها عنّا، فرفع رسول الله، وََّ، يديه فقال: ((اللّهُمّ حَوَالَيْنَا
وَلا عَلَيْنَا!)) قال: فتقوّر ما فوق رؤوسنا منها حتى كأنّا في إكليل يُمطر ما حولنا ولا تُطَر.
أخبرنا هاشم بن القاسم، أخبرنا سليمان عن ثابت قال: جعلت امرأة من
الأنصار طُعَيّماً لها ثمّ قالت لزوجها: اذهبْ إلى رسول الله، وَّل، فادعُه وأسِرّه إلى
١٣٩

رسول الله، وَل*، قال: فجاء فقال: يا رسول الله إنّ فلانة قد صنعت طُعيّماً وإني
أُحِبّ أن تأتينا، فقال رسول الله، وََّ، للنّاس: ((أجيبوا أبَا فُلان))، قال: فجئتُ وما
تكاد تتّبعني رجلاي لما تركتُ عند أهلي، ورسول الله، وَّر، قد جاء بالناس، قال:
فقلت لامرأتي قد افتضحنا! هذا رسول الله، وَلتر، قد جاء بالناس معه، قالت: أوَما
أمرتك أن تُسِرّ ذلك إليه؟ قال: قد فعلتُ، قالت: فرسولُ الله، وََّ، أَعْلم، فجاؤوا
حتى ملأوا البيت وملأوا الحُجْرة وكانوا في الدار. وجيء بمثل الكفّ فُوُضعت،
فجعل رسول اللّه، وَل، يبسطها في الإِناء ويقول ما شاء الله أن يقول ثمّ قال: ((ادْنُوا
فَكُلُوا فَإذا شَبِعَ أحَدُكُمْ فَلْيُخْلِ لِصَاحِبِهِ))، قال: فجعل الرّجل يقوم والآخر يقعد حتى
ما بقي من أهل البيت أحد إلّ شبع، ثمّ قال: ((ادْعُ لي أهْلَ الحُجْرَة))، فجعل يقعد
قاعدٌ ويقوم قائم حتى شبعوا، ثمّ قال: ((ادْعُ لي أهلَ الدّار))، فصنعوا مثل ذلك، قال:
وبقي مثلُ ما كان في الإِناء، قال: فقال رسول الله، وََّ: ((كُلُوا وَأَطْعِمُوا جِيرَانَكُمْ)).
حدّثنا هاشم بن القاسم، أخبرنا سليمان عن ثابت قال: قلت لأنس: يا أبا
حَمْزَة حدّثنا من هذه الأعاجيب شيئاً شهدته ولا تُحدثه عن غيرك، قال: صلّى رسول
الله، وَلّ، صلاة الظهر يوماً ثمّ انطلق حتى قعد على المقاعد التي كان يأتيه عليها
جبريل فجاء بلال فنادى بالعصر، فقام كلّ من كان له بالمدينة أهل يقضي الحاجةً
ويصبب من الوضوء، وبقي رجال من المهاجرين ليس لهم أهل بالمدينة، فأتيّ رسول
اللّه، وََّ، بقدح أَرْوَحَ فيه ماء فوضع رسول الله، وَّ، كفّه في الإِناء، فما وسع
الإِناء كفّ رسول الله، وَّ، كلّها، فقال بهؤلاء الأربع في الإِناء ثمّ قال: ((ادْنُوا
فَتَوَضَؤوا))، ويده في الإِناء، فتوضّؤوا حتى ما بقي منهم أحد إلّ توضّأ، قال فقلت: يا
أبا حمزة كم تراهم؟ قال: ما بين السبعين والثمانين!
أخبرنا عفّان بن مسلم وسليمان بن حرب وخالد بن خداش قالوا: أخبرنا
حمّاد بن زيد عن ثابت عن أنس أنّ النبيّ، وَّرَ، دعا بماء فأتيَ به في قدح رَحْرَاح،
قال: فوضع يده فيه فجعل الماء ينبع من أصابعه كأنّه العيون، فشربنا، قال أنس:
فحزرتُ القوم ما بين السبعين إلى الثمانين، إلّ أنّ خالداً قال: فجعل القوم
يتوضّؤون.
أخبرنا عفّان بن مسلم، أخبرنا حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس بن مالك قال:
١٤٠