Indexed OCR Text
Pages 1-20
سلّسْلَة الأَجْزَاء وَالكُتُّبْ الحَديثيّة (٥) حَدِيْث الإمام الحافِظ أبى أحمد محمّد بن أحمد بن الفِظريف الجرجَاني المعروف بـ جزء ابن العَظريف المتوفى سنة ٣٧٧ هـ تقديم وتحقيق وتخريج الدكتورْ عَامِ حَسَ صَبري دَارُ الَِّ الإسْلامِيَّة حَدِيْث الإمام الحافظ أبي أحمد محمّدبن أحمد بن الفِظريف الجرجَاني المعروف بـ ٧٧،١،NA جزء ابى الخَظريف النبي بِسْمِ اللهِالرَّحْمنِالرَّحَّمِ الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد: فإن علماء أمتنا المباركة كتبوا الحديث الشريف وتفتّنوا في جمعه، وطَرَقوا في ذلك مناهجَ مختلفة، وأساليبَ متنوعة، ووضعوا لهذا الجمع المبارك القواعد التي تضبطه، والضوابط التي تحصره، مما كان له أبلغ الأثر في حفظ حديث رسول الله وَّث ووصوله إلينا سالماً من الزيادة والنقصان، فجزاهم الله عنا خير الجزاء وأنزلهم في فردوسه الأعلى. وإنَّ من واجبنا تجاه ديننا، أن ننهل من هذا التراث العظيم، وأن نستفيد منه لكشف درره وجواهره، ونفكر في الأسلوب الأمثل لعرضه عرضاً صحيحاً، يدفع إلى العناية به، ويُلفت الأنظار إليه ويضاعف إفادتنا منه. وإنَّ من عقوق بعض أهل العلم اليوم عزوفهم عن نشر هذا الميراث المبارك وتحقيقه تحقيقاً علمياً يليق به، واشتغالهم في موضوعات قد لا تضيف شيئاً جديداً، وإنما هي تكرار لما كتبه المتقدمون. ويعجبني في هذا الصدد قول الشيخ العلامة عبد الفتاح أبو غدة في مقدمة تحقيقه لكتاب الرفع والتكميل للكنوي ص ٦، وهو يتحدث عن أهمية خدمة كتب السلف ونشرها، فقال: إنّ إتمام بناء الآباء خير مئة مرة من إنشاء البناء من الأبناء، فضلاً عن أنه جزء من الحق الذي لهم علينا والوفاء، فهم الأصل الأصيل، والنور الدليل، والفهم المستقيم، والعلم القويم، وما تركوا في آثارهم من بقايا فجوات طفيفة، لا يقتضي منا تخطّيهم والإِعراض عن آثارهم النفيسة . مع العلم أن تحقيق النصوص، كثيراً ما يكون أشق من التأليف المستأنف الجديد ... إلخ. ومن هذا المنطلق عزمت على تحقيق ما أراه مناسباً من كتب أئمتنا الأعلام، إيفاءً ببعض الدَّين الذي في أعناقنا نحو سلفنا الصالح. وهذا الجزء الحديثي الذي وضعه الإِمام الحافظ أبو أحمد الغِطْريفي يُمثِّلُ سلسلة من الكتب الحديثية التي عزمت على تحقيقها، وستعقبه أجزاء حديثية أخرى بعون الله تعالى وتوفيقه، وإنَّ أهمية هذا الجزء تكمن في تفرده بأحاديث لم أجدها في مصدر آخر كما سنبينه إن شاء الله . ونسأل الله سبحانه أن يجعل عملي خالصاً لوجهه الكريم، وأن يتقبّله منِّي بقبول حسن، إنه نعم المولى والنصير. المحقق ٦ الفصل الأول ترجمة المؤلف(١) ( أ) اسمه ونسبه : هو أبو أحمد محمد بن أحمد بن الحسين بن القاسم بن الغِطريف بن الجهم العَبْدي الغِطْرِيفي الجُرجاني. والعَبْدي - بفتح العين المهملة وسكون الباء المنقوطة بواحدة وفي آخرها الدال المهملة - هذه النسبة إلى عبد قيس، في ربيعة بن نزار (٢). أما الغِطْرِيفي - بكسر الغين وسكون الطاء المهملة وكسر الراء، وياء تحتها نقطتان، وفاء مكسورة - هذه النسبة إلى جده الأعلى. وأما جُزْجان - بضم أولها وسكون ثانيها - فهي مدينة تقع على مقربة من بحر قزوين من الجهة الجنوبية الشرقية منه، وهي اليوم إحدى المدن الإِيرانية المشهورة(٣) . (١) مصادر ترجمته: تاريخ جُرجان لحمزة السهمي ص ٤٣٠، والإِرشاد في معرفة علماء الحديث لأبي يعلى الخليلي ٧٩٦/٢، والأنساب للسمعاني ٣٠١/٤، والتقييد لابن نقطة ٢٨/١، والتمييز والفصل لابن باطيش ١٩٣/١، وسير أعلام النبلاء ٣٥٤/١٦، ولسان الميزان لابن حجر ٣٥/٥، وهناك مصادر أخرى مذكورة في حاشية السير. (٢) الأنساب ٤ /١٣٥. (٣) خرج من هذا الإقليم خلق من المحدثين والفقهاء والأدباء وغيرهم، وغدت جرجان في القرن الثالث والرابع مجمعاً للعلماء في شتى العلوم، وقد تكلم الأخ الدكتور زياد = ٧ ( ب ) مولده ووفاته : ولد أبو أحمد بدِهستان، وهي مدينة مشهورة قرب جرجان على بحر قزوين، سنة بضع وثمانين ومائتين، ثم نشأ بجرجان واستقلَّ بها. أما وفاته فكانت بجرجان في رجب سنة (٣٧٧)، وهذا قول أكثر من ترجم له، ومنهم تلميذه حمزة السهمي، وقال الخليلي: مات أول سنة (٣٧٨). (ج ) نشأته: لم تذكر المصادر شيئاً عن نشأة أبي أحمد الأولى، إلاّ أن الأمر المؤكد أنه تلقى العلم في سن مبكرة في بلده جُزْجان، ثم ارتحل لأجل ذلك إلى بلاد كثيرة، کما سيأتي ذكره. ويظهر أنه تأثر بوالده الذي كان أحد المشتغلين بالحديث، كما أنه كان أحد المجاهدين في دهستان - البلد الذي ولد فيه أبو أحمد -. ومما يدل على ذلك أن حمزة السهمي روى في تاريخ جرجان ص ٥١٨ عن أبي أحمد، قال: حدثنا أبي ... فذكر حديثاً. ولا شك أن والده دفعه إلى العلم وشجعه على طلبه، كما أن أبا أحمد كان على سَنَن أبيه في الجهاد، فقد كان أمير الغُزاة في دِهستان، كما ذكر الخليلي في الإِرشاد ٧٩٦/٢. ( د) رحلاته في طلب العلم: كانت الرحلة تقليداً اتبعه طلبة العلم منذ عهد رسول الله له وأصحابه الكرام. فهي إذاً سنة متبعة، وهدي مبارك، إضافة إلى فوائدها الأخرى، فهي خير وسيلة للالتقاء بالحفّاظ ومذاكرتهم، والتعرف على الرواة وأحوالهم منصور في مقدمة تحقيقه لمعجم أبي بكر الإسماعيلي عن فتح هذا الإقليم، وخططه، وعن الحالة السياسية والثقافية في ذلك الوقت، فأجاد وأفاد. ٨ ومروياتهم، كما أنها تقِي طالب الحديث من الوقوع في أحبولة الكذابين والضعفاء والمدلِّسين الذين يدّعون أن فلاناً روى كذا، وهو لم يروه، ولأجل هذه الفوائد الجليلة كان نُقَّاد الحديث يعُدُّون كل من اعتمد في روايته على الكتب دون السماع مقدوحاً في عدالته، لأنه يُعدّ سارقاً للحديث ومتحملاً له دون أن یکون له حق الرواية . ولأجل هذا لم يكن بدعاً ألّ يكتفي الإِمام البخاري في انتقاء أحاديث صحيحه على المعاصرة، بل اشترط اللقاء الذي يتحقق أكثره بالرحلة إلى الشيوخ والسماع منهم. ومن هنا عُني الإِمام الغطريفي بشرف الرحلة، وضرب القدح المعلّى، والسهم الوافر في ذلك، فإنه لما أشبع نهمه من علماء جُرجان والواردين عليها، ارتحل إلى أشهر الحواضر العلمية في ذلك الوقت، فرحل إلى الرَّي ونيسابور وهَمْذان، والبلاد المجاورة لها، ثم ارتحل إلى بغداد والبصرة وغيرها من الحواضر في ذلك الوقت، وكانت له همة عالية في طلب الحديث وكتابته، فقد ذكر ابن باطيش: أنه كانت عنده أصول جياد عن أهل بغداد والبصرة بخطه وخط غيره سماعه فيها، وأنه تفرد بأحاديث عن أبي العباس بن سُريج لا يُعلم أنه روی عنه غيره. (هـ) شيوخه : تلقى الإِمام الغطريفي علمه عن أشهر علماء عصره، وقد قمت باستخراج من روى عنهم في هذا الجزء، ورتبتهم على حروف المعجم، وذكرتُ شيوخهم في الأحاديث التي رووها عنهم، كما ذكرتُ عدد الأحاديث التي رُويت عن كل شيخ من شيوخ أبي أحمد : ١ - أبو عبد الله أحمد بن الحسن بن عبد الجبار بن راشد البغدادي ٩ الصُّوفي، ولد في حدود سنة عشر ومائتين، وسمع عيسى بن مسلم الأحمر وغيره. روى عنه: أبو الشيخ ابن حيَّان، وأبو حاتم بن حِبّان، وأبو بكر الإِسماعيلي، وأبو أحمد بن عَدِي وآخرون. وكان محدِّثاً ثقة، توفي سنة (٣٠٦). روى عنه الغِطْريفي: حديثاً واحداً فقط. مصادر ترجمته: معجم الإسماعيلي ٣١٢/١، وتاريخ بغداد ٤ / ٨٢، وسير أعلام النبلاء ١٤/ ١٥٢ . ٢ - أبو العباس أحمد بن عمر بن سُرَيج البغدادي القاضي الشافعي، الإِمام شيخ الإِسلام، ولد سنة بضع وأربعين ومائتين. روى عن: أحمد بن منصور بن سيار الرَّمَادي، والحسن بن محمد الزَّغْفراني، والحسن بن مُكْرَم، وحمدان الورَّاق، وأبو داود سليمان بن الأشعث السِّجستاني، والعباس بن عبد الله التَّرْقُفي، وعباس بن محمد الدُّوري، وعبد الرحمن بن مرزوق البُزُوري، وعبيد بن شريك، وعلي بن إشكاب، وأبي يحيى محمد بن سعيد العطّار الضرير، ومحمد بن عبد الملك الدقيقي، ومحمد بن عمران الصائغ، وغيرهم. روى عنه: أبو القاسم الطبراني، وأبو الوليد حسان بن محمد الفقيه، وأبو أحمد الغِطْريفي وغيرهم. كان يقال أَنَّ أبا العباس أحد المجددين في القرن الثالث. قال أبو إسحاق الشيرازي في طبقات الفقهاء ص ١٠٩: كان يقال لابن سُريج: الباز الأشهب، ولي القضاء بشيراز، وكان يُفَضَّل على جميع أصحاب الشافعي، حتى على المُزَني، وإن فِهْرِست كتبه كان يشتمل على أربع مئة ١٠ مصنف. وكان الشيخ أبو حامد الإسفراييني يقول: نحن نجري مع أبي العباس في ظواهر الفقه دون دقائقه. تفقه على أبي القاسم الأنماطي، وأخذ عنه خلق، ومنه انتشر المذهب. توفي هذا الإِمام سنة (٣٠٣). وقال الذهبي: يقع لي من عالي روايته في جزء الغِطْريف. روى عنه الغِطْريفي: ٢٥ حديثاً. مصادر ترجمته: تاريخ بغداد ٢٨٧/٤، وسير أعلام النبلاء ٢٠١/١٤. ٣ - أبو بكر أحمد بن محمد بن شبيب بن زياد أبو بكر ابن أبي شيبة البغدادي. روى عن: أبي الفضل حاتم بن الليث الجَوْهري، وغيره. سُئِل عنه الدارقطني، فقال: ثقة ثقة، مات سنة (٣١٧). روى عنه أبو أحمد الغطريف: حديثاً واحداً، ونص على أنه سمعه منه ببغداد . مصادر ترجمته: معجم أبي بكر الإسماعيلي ٣٣٩/١، وسؤالات حمزة السَّهمي للدار قطني (١٢٧)، وتاريخ بغداد ٣١/٥. ٤ - أبو العباس الحسن بن سفيان بن عامر النَّسوي، الإِمام الحافظ الفقيه الأديب. ولد سنة (٢١٣). روى عن: أبي طاهر أحمد بن عمرو بن السرح، وعبيد الله بن فَضَالة، وخلق. روى عنه: الإِمام محمد بن خزيمة، وأبو علي النيسابوري الحافظ، وأبو بكر الإِسماعيلي، وأبو حاتم ابن حبان، وغيرهم كثير. وكان ثقة حافظاً ١١ ممن صنف التصانيف في الحديث، ومنها مسنده المشهور، وقد أثنى عليه جماعة، وقال الحاكم: كان محدِّث خُراسان في عصره، مقدماً في الثبت والكثرة والفهم والفقه والأدب. توفي هذا الإِمام سنة (٣٠٣). روى عنه الغطريفي: حدیثین. مصادر ترجمته: الجرح والتعديل لابن أبي حاتم ١٦/٣، والسير ١٤/ ١٥٧. ٥ - أبو محمد عبد الله بن صالح بن عبد الله بن الضحاك البخاري، نزيل بغداد . روى عن: الحسن بن علي الحُلواني، وغيره. قال أبو علي النيسابوري: أخبرنا عبد الله بن صالح الثقة المأمون ببغداد، وقال الإسماعيلي: صدوق ثبت، مات سنة (٣٠٥). روى عنه أبو أحمد الغطريفي: حديثاً واحداً. مصادر ترجمته: سؤالات السهمي للدارقطني وغيره من المشايخ (٦٥)، ومعجم أبي بكر الإسماعيلي ٦٩٢/٢، وتاريخ بغداد ٤٨١/٩ . ٦ - أبو الحسن عبد الله بن محمد بن ياسين الدُّوري البغدادي. روی عن: یحیی بن معلی بن منصور. قال عنه أبو بكر الإسماعيلي: ثبت صاحب حديث، وقال الدارقطني: ثقة، مات سنة (٣٠٢). روى عنه الغطريفي: حديثاً واحداً. مصادر ترجمته: سؤالات حمزة السهمي للدارقطني (٣٢٠)، ومعجم الإسماعيلي ٢/ ٦٨١، وتاريخ بغداد ١٠٦/١٠. ١٢ ٧ - عبد الرحمن بن المغيرة. لم أقف على ترجمته، ولم أجد أحداً ذكره. روى عنه أبو أحمد الغطريفي: حديثاً واحداً. ٨ - أبو حفص عمر بن محمد بن نصر بن الحكم الكاغدي المقرىء البغدادي . روى عن: إبراهيم بن إسماعيل بن يحيى الكُهيلي، وأبي عبيدة أحمد بن أبي السَّفَر الكوفي، وأحمد بن يحيى الصُّوفي، وعبد الله بن سعيد أبو سعيد الأشجِّ الكوفي، ووهب بن إسماعيل الأسدي. وثقه الخطيب البغدادي، مات سنة (٣٠٥). روى عنه أبو أحمد الغطريفي: أربعة أحاديث. مصادر ترجمته: معجم أبي بكر الإسماعيلي ٧٣٥/٢، وتاريخ بغداد ٢٢٠/١١، وغاية النهاية لابن الجزَري ٥٩٨/١. ٩ - أبو خليفة الفضل بن الحُباب الجُمحي البصري، الإِمام العلامة المحدِّث الأديب الأخباري. روى عن: إبراهيم بن بشار الرَّمَادي، وحفص بن عمر أبي حفص الضرير، وحفص بن عمر بن الحارث أبي عمر الحَوْضي، وداود بن شبيب، وسليمان بن حرب، وشاذّ بن فيّاض، وشُعيث بن مُحْرِز، وعباس بن الفرج الرِّيَاشي، وعبد الله بن محمد بن أسماء، وعبد الله بن مَسْلَمة القَعْنَبِي، وعبد الرحمن بن بكر بن الربيع بن مسلم، وعبد الرحمن بن سَلَّمِ الجُمَحي، وعبد الرحمن بن المبارك، وعبد السلام بن مَطَهِّر، وعبيد الله بن عائشة، وعثمان بن عبد الله الشامي، وعثمان بن الهيثم المؤذن، وعلي بن المديني، ومحمد بن الحسن بن أخت القعنبي، ومحمد بن سَلَّم الجُمحي، ومحمد بن ١٣ روى عنه: أبو علي النيسابوري، وأبو القاسم الطبراني، وأبو أحمد ابن عَدِي، وأبو بكر الإِسماعيلي، وغيرهم. وكان ثقة حافظاً زاهداً عابداً، وهو صاحب المسند المخرّج على صحيح مسلم، توفي سنة (٣١٦). روى عنه أبو أحمد الغطريفي: حديثاً واحداً. مصادر ترجمته: تاريخ جرجان ص ٥٦٩، وسير أعلام النبلاء ١٤/ ٤١٧ . هؤلاء هم شيوخه في هذا الجزء، ولنا على هذه القائمة بعض الملاحظات : أولاً: ذكر له العلماء الذين ترجموا له کحمزة السهمي في تاریخ جرجان، والذهبي في السير بأنه روى عن شيوخ آخرين، منهم: والده أحمد بن الغطريف، وابن عمه أبو بكر أحمد بن محمد بن الغطريف الجُرجاني، ومحمد بن إسحاق بن خزيمة، ومحمد بن إسحاق السرَّاج - روى عنهما بنيسابور - وزكريا بن يحيى السَّاجي - روى عنه بالبصرة - والهيثم بن خلف الدُّوري، روى عنه ببغداد، وأحمد بن محمد بن عبد الملك الجُرجاني وغيرهم. ثانياً: يلاحظ في قائمة شيوخه أن أكثرهم من بغداد، أو ممن وردها، مما يدل على أن أبا أحمد مكث في بغداد مدة طويلة، ولا غَرْو في ذلك فإن بغداد آنذاك هي حاضرة العلم، وغُرَّة البلاد، وبها أرباب الغايات في كل فن، وکثر بها الاهتمام بعلم الحديث والأثر. قلت: ومع هذا فلم ترد ترجمته في تاريخ بغداد، ويبدو أنها سقطت من المطبوع، ولا أظن أن ترجمته غابت عن الخطيب البغدادي. ثالثاً: كما يلاحظ أيضاً أنَّ أكثر شيوخه كانوا ثقاتاً، بل إن بعضهم كانوا أئمة أعلاماً، مثل ابن سُريج الذي لازمه أبو أحمد الغطريفي، بحيث إنه تفرد ١٦ عنه بأحاديث لم يروها غيره، مما دعا الذهبي إلى أن يقول في ترجمة الإِمام ابن سُريج: يقع لي من عالي روايته في جزء الغطريف. ومن الأئمة الذين حرص الغطريفي على الرواية عنهم: الإِمام العلامة أبو خليفة الجُمَحي البصري، والحافظ مسند نيسابور أبو عوانة الإِسفراييني، وشيخ الإِسلام محمد بن إسحاق السراج، وحافظ الإِسلام إمام الأئمة محمد بن إسحاق بن خزيمة، وغيرهم کثیر. رابعاً: ويلاحظ على القائمة المذكورة أن وفاة شيوخه كانت ما بين (٣٠٢ - ٣١٧)، وأكبر شيخ روى عنه هو: عبد الله بن محمد بن ياسين البغدادي، والمتوفى سنة (٣٠٢)، وقد روى عنه الغطريفي ولمّا يتجاوز الثلاثين من العمر، ثم يليه: الحسن بن سفيان النسوي، وأبو العباس بن سريج البغدادي، وكانت وفاتهما سنة (٣٠٣)، يليهما: عبد الله بن صالح البغداي وعمر بن محمد البغدادي، وأبو خليفة الفضل بن الحُبَاب البصري، وكانت وفاته سنة (٣٠٥)، ولا شك أن هذا يدل على علو إسناد الغطريفي، واهتمامه المبكر بالعلم والرِّحلة لطلبه . ( و ) تلامذته : كان الإِمام الغطريفي مقصد طلبة العلم، ومحط رحالهم، فقد تتلمذ على يديه كثير من المشتغلين بالعلم من بلاد قريبة لبلده جُرْجان أو بعيدة، مما يدل على المنزلة العلمية التي تبوأها، وفي هذا يقول الصفدي في الوافي بالوفيات ٨٤/٢: كانت الرحلة إليه في آخر زمانه. وقد وقفت على أسماء بعض تلامذته، وإليك ذِكْرهم: ١ - أبو أحمد إبراهيم بن مطرّف المطرِّفي، القاضي باستراباذ، وشيخ الشافعية في بلاده، ذكره حمزة السهمي في تاريخ جرجان ص ١٤١ . ١٧ ٢ - أبو بكر أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل الإسماعيلي الجرجاني (٢٧٧ - ٣٧١)، الإِمام الحافظ الثبت شيخ الإِسلام كبير الشافعية في زمانه، وهو من أقران أبي أحمد الغطريفي، وصحبه في كثير من رحلاته، وروى عنه أكثر من مائة حديث، وبقيت علاقته بالغطريفي إلى حين وفاته، وكان الإسماعيلي يدلس اسم الغطريفي، فلا يذكره باسمه صراحة، كما يقول حمزة السهمي في تاريخه ص ٤٩١ . وقال الإِمام عبد الرحيم العراقي في التقييد والإيضاح ص ٤١١ : ولم يدلِّسه الإسماعيلي لضعفه، ولكن لكونه ليس في مرتبة شيوخه، وإنما هو من أقرانه. ٣ - أبو نعيم أحمد بن عبد الله الأصبهاني (٣٣٦ - ٤٣٠)، الإِمام الحافظ الكبير، صاحب كتاب حلية الأولياء، ومعرفة الصحابة، ودلائل النبوة، وغيرها، وقد روى عنه أحاديث كثيرة في الحلية . ٤ - أبو منصور أحمد بن الفضل النعيمي الجُرجاني، ذكره حمزة السهمي في تاريخ جرجان ص ١٢٣ . ٥ - أبو الفضل أحمد بن محمد الرشيدي الجرجاني (ت ٤١٦)، ذكره السهمي في تاريخه ص ١٢٦. ٦ - الإِمام أبو القاسم حمزة بن يوسف السَّهْمي الجُرجاني (ت ٤٢٧). وقد روی عنه بعض الروايات في تاریخ جُرجان. ٧ - الحافظ أبو يعلى الخليل بن عبد الله بن أحمد بن الخليل الخليلي القزويني (٣٦٧ - ٤٤٦)، وكان أبو أحمد يكاتبه أحياناً، فقد جاء في الإِرشاد للخليلي ٥٠٩/٢: كتب إليَّ أبو أحمد محمد بن أحمد بن الغِطْريف العبدي من جُرجان. ١٨ ٨ - أبو العلاء السَّري بن إسماعيل بن أحمد بن إبراهيم بن العباس بن مرداس، الإِمام الفقيه، كانت إليه الفتيا، ذكره السهمي في تاريخ جرجان ص ٢٢٦. ٩ - أبو الطَّيب طاهر بن عبد الله بن طاهر الطبري، (٣٤٨ - ٤٠٥) وله مئة وسنتان، الإِمام العلامة شيخ الإِسلام القاضي ببغداد، وإمام الشافعية في زمانه. قال الذهبي: سمع بجرجان من أبي أحمد بن الغطريف جزءاً تفرد في الدنيا بعلوه. أهـ. وكان أبو الطيب قد قدم جُرجان في سنة (٣٧١) للسماع من أبي بكر الإسماعيلي، فلم يدركه، إلاّ أنه حضر وفاته، وكان الإِمام الغِطريفي نازلاً في بيت أبي بكر الإِسماعيلي، فسمع منه أبو الطيب، ذكر ذلك الخطيب البغدادي في تاريخه ٣٥٩/٩. ١٠ - أبو الحسن علي بن محمد بن القاسم الفارسي العابد (ت ٤١٠)، ذكره السهمي في تاريخه ص ٣١٩. ١١ - أبو طالب يحيى بن علي بن الطيب العجلي الدَّسْكَري، ذكره الخطيب البغدادي في مُوضَّح أوهام الجمع والتفريق ١/ ٩٣ . ( ز ) ثناء العلماء عليه : أثنى على أبي أحمد الغِطْريفي عدد كبير من العلماء الذين عاصروه وتتلمذوا عليه، ومن الذين ترجموا له، وشهدوا له بسعة العلم، وبحفظه، وبعبادته وورعه. ١٩ فقال رفيقه وصاحبه الإِمام أبو بكر الإسماعيلي، وقد سئل عنه: كان صوّاماً قوّاماً. وقال تلميذه أبو يعلى الخليلي: ثقة مكثر. وقال ابن باطيش: كان إماماً فاضلاً مكثراً من الحديث. ووصفه الذهبي بقوله: الإِمام الحافظ المجوِّد الرخَّال مسند وقته، كان صواماً قواماً متعبداً . وقال الحافظ ابن حجر: هو ثقة ثبت من کبار حُفَّاظ زمانه. هذه بعض الشهادات التي قيلت في هذا الإِمام الجليل، والتي أجمعت على إمامته وفضله وتقدمه في علم الحديث والأثر. وإتماماً للفائدة نشير إلى أن الإِمام ابن الصلاح ذكر بأنه قد اختلط في آخر عمره، فقال في المقدمة ص ٤١٠ (مع التقييد والإِيضاح): وممن بلغنا عنه ذلك - يعني اختلاطه - من المتأخرين أبو أحمد الغطريفي الجُرجاني. اهـ. وتعقبه الإِمام العراقي في التقييد والإِيضاح، فقال: لم أر من ذكره فيمن اختلط غير ما حكاه المصنف، وقد ترجمه الحافظ حمزة السهمي في تاريخ جرجان، فلم يذكر عنه شيئاً من ذلك، وهو أعرف به فإنه أحد شيوخ حمزة . وكذا كان رد الحافظ ابن حجر على ابن الصلاح في لسان الميزان. (ح ) مؤلفاته : كان الإِمام أبو أحمد صاحب مؤلفات، ووصفه ابن باطيش بأنه كان مكثراً من الحديث. وقال حمزة السهمي: صنف الصحيح على المسند على كتاب البخاري، وجمع الأبواب. ٢٠ ويبدو أن كتبه فقدت منذ زمن بعيد، ولم يبق لها أثر، لأن مؤلفاته لم يرد لها ذكر في كتب الذهبي کالسير وتذكرة الحفاظ ومعجم الشيوخ، ولا عند الحافظ ابن حجر في المعجم المؤسس، ولم ترد في كتاب الجامع الكبير وزيادته للإِمام السيوطي، والذي جمعها المتقي الهندي في كنز العمال، مع شدة تحرِّيهم واستقصائهم، ولم يتبق من تصانيف أبي أحمد سوى هذا الجزء الذي قمنا بتحقيقه والتعليق عليه، فالحمد لله على نعمته إذ وفقني إلى إظهار هذا الأثر الذي بقي من مؤلفات هذا الإِمام الجليل، رحمه الله تعالى ورضي عنه. ٢١ الفصل الثاني التعريف بكتاب أبي أحمد الغِطْرِيفي ( أ ) مادة الكتاب: جمع المؤلف في هذا الجزء الأحاديث التي رواها عن شيوخه بسند عالٍ، كما أنه اختار أن تكون بعض هذه الأحاديث لا تُروى إلَّ بسند واحد، وهذا النوع يسمَّى عند المحدثين بالغريب أو بالفرد. ومن هنا تكمن أهمية هذا الكتاب، فالأحاديث التي رواها الغطريفي لا يوجد لها في كثير من الأحيان سوى الإِسناد الذي ساقه، ولا شك أن هذا يدل على إمامته، ومعرفته بالأسانيد الغريبة التي لم تشتهر عند أكثر المشتغلين بالحديث. وإليك مثالاً يدل على ذلك: فإنه روى الحديث رقم (٧٢)، عن أبي خليفة، عن القعنبي، عن مالك، عن أبي الزِّناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، أن رسول الله* نهى عن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس ... الحديث. وقد بحثتُ كثيراً عن هذا الطريق في دواوين السنة، كموطأ مالك - برواية القعنبي - والكتب الستة، والمسانيد، والمعاجم، والدواوين التي تهتم بالغرائب والأفراد، مثل مسند البزار، والمعجم الأوسط للطبراني، وبعض كتب ٢٣