Indexed OCR Text
Pages 301-320
- ٢٩٠ -
ing
وقال (فى ص ١٠٣): تراءى لى أن فى المذهب الحنفى سراً غامضاً، ثم
لم أزل أتحدق فى هذا السر الغامض حتى شاهدت أن لهذا المذهب - يومنا هذا -
رجحاناً على سائر المذاهب بحسب هذا المعنى الدقيق اهـ .
وراجع ما ذكر فى كتابه "التفهيمات الإلهية" (ج - ١ ص ١٤٨ و
١٤٩ و ١٥٢ و ١٥٣، طبع المجلس العلمى).
وقال فى " حجة الله البالغة" (ص ١٥٦ ج - ١ طبع المنيرية): ومنها
أن التخريج على كلام الفقهاء وتتبع لفظ الحديث لكل منهما أصل أصيل فى
الدين ، ولم يزل المحققون من العلماء فى كل عصر يأخذون بها ، فمنهم من
يقل من ذا ويكثر من ذاك، ومنهم من يكثر من ذا ويقل من ذاك، فلا ينبغى
أن يهمل أمر واحد منهما كما يفعله عامة الفريقين، وإنما الحق البحت أن يطابق
أحدهما بالآخر ، وأن يجبر خلل كل بالآخر اهـ .
وراجع ما قاله فى "الحجة" ( ص ١٥٨ إلى ص ١٦١ ج - ١ وص
١١ و١٢ ج - ٢)، وراجع أيضاً (ص ٢٠٢ ج - ٢) من " التفهمات".
وقال ( فى ص ٢١٥ ج - ١ من " التفهيمات ") : وإن قصرت أفهامكم
فاستعينوا برأى من مضى من العلماء ما تروه أحق وأصرح وأوفق بالسنة اهـ.
وفى رسالتيه " الإنصاف" و "عقد الجيد" ما يكفيك أن تقتنع به.
وفى هذه الإشارات مقنع لطلبة العلم ، وللبسط مجال غير هذا . والله الموفق.
مؤلفاته فى الحديث .
(١) فيض البارى على صحيح البخارى ، من أماليه فى درس الصحيح .
(٢) العرف الشذى من جامع الترمذى، من أماليه فى درس جامع الترمذى .
(٣) أماليه على " سنن أبى داؤد" المطبوع منه جزء واحد والباقى لم يطبع.
'،
(
- ٢٩١ -
(٤) أماليه على "صحيح مسلم"، ضبطها الفاضل الشيخ مناظر أحسن الجيلانى ،
الأستاذ بالجامعة العثمانية بحيدر آباد دكن ، من أصحابه ، ولم تطبع .
(٥) حاشية على "سنن ابن ماجه" وكانت موجودة برهة طويلة لدى الشيخ
السيد محمد إدريس المدرس بالجامعة الإسلامية ، لكن اليوم لا يدرى
أين ضاعت هى . هذا ما يتعلق بالأمهات الخمس من الست .
(٦) فصل الخطاب فى مسألة أم الكتاب .
(٧) خاتمة الخطاب فى فاتحة الكتاب .
*
(٨) قيل الفرقدين فى رفع اليدين .
=
(٩) بسط اليدين لنيل الفرقدين .
(١٠) كشف الستر عن مسألة الوتر .
(١١) التصريح بما تواتر فى نزول المسيح.
وكل هذه المؤلفات طافحة بأبحاث سامية ، لا يستغنى عنها كل من حاول
بحثاً دقيقاً فى الموضوع، وما عدا هذه ، فله حواش على "آثار السنن" للمحدث
النيموى ، ولو خرجت حوالاتها لأصبح ذلك كتاباً فى عدة أجزاء ، وانتقى
من " مسند أحمد" الأحاديث التى يستدل بها أو يستأنس بها للحنفية. وله
مذكرات قيمة فى كثير من الأبحاث الحديثية ، من مسألة " المثل أو المثلين
فى وقت الظهر" وحديث: ((من أدرك ركعة من الصبح الخ))، وفى أحاديث
تختص بذى القرنين ويأجوج ومأجوج وغيرهما مما رآها مشكلاً فى موضوعه.
أسانيده فى الحديث .
لإمام العصر أسانيد فى الحديث أحببت أن أذكرها بالإجمال مع الإشارة
إلى طرقها وإلى الإثبات التى ينتهى إليها سنده ، فإن الإسناد من خصائص
تـ
- ٢٩٢ -
هذه الأمة، وفضله أظهر من أن يقام عليه دليل، فمن الحتم علينا حفظه وإبقاؤه.
الإسناد الأول : يروى رحمه الله تعالى عن شيخه المحدث شيخ الهند
محمود حسن الديوبندى عن شيخه الحجة العارف محمد قاسم النانوتوى (ح
وعن شيخه المحدث الفقيه الشيخ رشيد أحمد الكنكوهى ، كلاهما عن المحدث
الشيخ عبد الغنى المجددى الدهلوى .
ح : ويروى شيخ الهند عالياً عن الشيخ عبد الغنى ، وعن الشيخ أحمد
على السهار نفورى، وعن الشيخ محمد مظهر النانوتوى، وعن الشيخ عبدالرحمن
الفانيفتى . وهؤلاء الأربعة عن الشيخ المحدث محمد اسحاق الدهاوى عن جده
لأمه المحدث الحجة الشاه عبد العزيز عن والده الإمام الشاه ولى الله الدهاوى ..
ح : ويروى الشيخ عبد الغنى عن الشيخ محمد عابد السندى ثم المدنى .
وحصلت لإمام العصر شيخنا إجازة عن المحدث الكنكوهى بالإسناد
المذكور سنة ١٣١٩ هـ تاسع ذى الحجة . وأسانيد الشيخ محمود استوعبها
الشيخ عبيد الله الديوبندى فى أول كتابه " التمهيد لأئمة التجديد ".
وأسانيد الشيخ عبد الغنى مذكورة فى "اليانع الجنى"، وطبع بالهند مرتين.
وأسانيد الشيخ محمد عابد مذكورة فى " حصر الشارد ".
وأسانيد الشاه عبد العزيز فى رسالته "العجالة النافعة". وأسانيد والده
الإمام فى رسالته " الإرشاد إلى مهمات علم الإسناد"، وفى القسم الثانى من
"الإنتباه فى سلاسل أولياء الله"، وفى "القول الجميل"، كلها من مؤلفاته.
وإليك صورة ما كتبه الشيخ محمود حسن الديوبندى إجازة له بيده
الشريفة (١) :
(١) صادفت هذه الورقة" فى مذاكرات امام العصر، غير اله ضاع موضع توقيع
الشيخ محمود وتاريخها وبعض جوانبها باكل الدوده . نعم كونها عقيب
الفراغ فى حدود سنة" ١٣١٤ هـ معلوم .
:
1
- ٢٩٣ -
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذى شرفنا بجوامع الكلم، وأمرنا بأن نصلى على
سيد ولد آدم سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وأصحابه ، ونستلم .
رضينا بالله ربا وبالإسلام ديناً وبمحمد عبد ال نبياً وبالقرآن
والحديث قدوةً وإماماً.
أما بعد، فيقول المفتقر إلى الله الودود الحقير الصغير المدعو
بـ" محمود" تجاوز اللّه عن ذنوبه وذمائم خصاله، ووقاه بمنه من
شر نفسه وسوء أعماله : إن أخى فى الله المولوى " محمد أنور
شاه" دخل فى هذه المدرسة وفرغ عن جميع الكتب المتداولة فى
علوم شتى، وقد قرأ على واستمع عندى "الصحيح" للبخارى
و "الجامع" الترمذى و"السنن" لأبى داؤد السجستانى ، والمجلد
الثانى من "الهداية" إلى كتاب العارية، رضى الله تعالى عنهم
أجمعين ، وأفاض علينا من بركاتهم إلى يوم الدين .
فأحسبه - والله سبحانه حسيبه - أهلاً للعلوم، قد أعطى فهماً
ثاقباً ، ورأياً صائباً ، طبيعة ذكية ، وأخلاقاً رضية ، فأجيزه
كما أجازنى مشائخى الكرام أن يرويها عنى بشرط الضبط والتيقظ
والإتقان والتثبت ، وبشرط استقامة العقائد والأعمال على طريقة
الصحابة والتابعين ، وحسن التأدب بحضرة المحدثين والمجتهدين ،
وأوصيه كما أوصى نفسى بتقوى الله تعالى واتباع السنة والتجنب
عن حطام الدنيا وأهل البدعة، والاشتغال بالعلوم السنية الدينية .
وأسأل الله الكريم لى وله أن يوفقنا لما يحب ويرضى ويجعل.
آخرتنا خيراً من الأولى . وصلى الله تعالى على نبيه وحبيبه وعلى
H
*
1)
ے
ھس
A R
**
- ٢٩٤ -
آله وأصحابه أجمعين . وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .
العهد .
وهذه صورة ما أجازه الفقيه المحدث الكنكوهى رحمه اللّه تعالى .
بسم الله الرحمن الرحيم .
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خير خلقه محمد
سيد الأنبياء والمرسلين وآله وأصحابه وأتباعه أجمعين إلى يوم الدين .
أما بعد : فيقول المفتقر إلى رحمة ربه الصمد الفقير الأحقر المدعو
بـ "رشيد أحمد" الأنصارى نسباً والجنجوهى (الكنكوهى) موطنا،
تجاوز اللّه تعالى عن زلله ومعائبه ورضى عنه وعن مشائخه :
إن المولوى محمد أنورشاه بن معظم شاه الكشميرى قد قرأ على
من أثق به الأمهات الست المشهورة عند المحدثين المحتوية للصحاح
والحسان من أحاديث الرسول السيد الأمين "الصحيحين" للشيخين
و "الجامع المسند" للترمذى " والسنن" لأبى داؤد السجستانى
و "السنن" للنسائى و " السنن" لإبن ماجه القزوينى رضى الله
عنهم أجمعين، وأفاض علينا من بركاتهم وجمعنا معهم يوم الدين .
وأنا أجيزه أن يرويها عنى بشرط الضبط والإتقان فى الألفاظ .
والمعانى والتيقظ والتثبت فى المقاصد والمبانى ، وبشرط استقامة
العقائد والأعمال على طريقة الصحابة والتابعين وحسن التأدب
بحضرة العلماء المحدثين والمجتهدين . وأوصيه بتقوى الله تعالى
والاعتصام بسنة سيد المرسلين وبالإجتناب عن البدع المخترعة فى
الدين والتعبد عن صحبة المبتدعين، وبالاشتغال بإشاعة العلوم السنية
الدينية، والاحتراز عن التدنس برذائل الفلسفة وحطام الدنيا الدنية .
، وأسأل اللهلى وله أن يوفقنا لما يحب ويرضى، وأن يجعل آخرتنا خيراً من
ے
ء
- ٢٩٥
الأولى ، ولا حول ولاقوة إلا بالله العلى العظيم، والصلاة والسلام
على سيدنا ومولانا محمد نبيه الكريم وآله وصحبه وأتباعه ناصرى
طريقه القويم فقط حررته تاسع ذى الحجة من الشهر المنتظم
فى سنة ألف وثلاثمائة وتسع عشرة من الهجرة على صاحبها ألوف
الصلوات والتسليمات والتحية (هـ" .
إنما نقلت الإجازتين بلفظها لينجلى فى هذه المرآة ما يتر قرق فى خلال
سطورها من مسلك مشائخنا الديوبنديين من عدم الإفراط والتفريط فى الأمر
والحرص على إتباع السنة والنفرة عن البدع المحدثة فى الدين ، وما عدا ذلك
ما لا يخفى، إن فى ذلك لذكرى ان كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.
الإسناد الثانى : يروى رحمه الله تعالى عن شيخه المحدث محمد اسحاق
الكشميرى المتوفى فى حدود سنة ١٣٢٠ هـ فى المدينة المنورة، عن الشيخ السيد
نعمان عن والده الشيخ السيد محمد الآلوسي مفتى بغداد وعالمها صاحب
"روح المعانى"، وأسانيده مذكورة فى ثبته ولم يطبع، وذكرها فى كتابه
"غرائب الإغتراب ونزهة الألباب" باجمال، وهو مطبوع سنة ١٣٢٧ هـ
ببغداد ، ويشير هناك إلى فيف وسبعين ثبتاً لمشائخه الأثبات ، فراجعه .
ويروى رحمه الله تعالى بهذا السند عن شيخه محمد اسحاق سائر كتب
الصحاح وعدة مسلسلات وأحاديث جنية ، وما قرأه خاصة عليه من كتب
الحديث من "صحيح مسلم" كله و"سنن ابن ماجه" كله و"سنن النسائي" إلا
بعضاً من آخره، و"مؤطأ مالك" إلا قدراً من آخره و"رسالة سعيد بن
سنبل " وما عدا ذلك من الكتب الدينية .
الإسناد الثالث : يروى رحمه الله تعالى عن الشيخ حسين بن الشيخ
محمد الجسر الطرابلسى الشامى صاحب "الرسالة الحميدية" وغيرها، حصلت
1
- ٢٩٦ -
له الإجازة عنه سنة ١٣٢٣ هـ بالمدينة المنورة، زادها الله كرامة، وهو يروى
عن الشيخ عبد القادر الدجانى اليافى عن والده الشيخ محمد الجسر وشيخ والده
الشيخ محمد بن حسن الكتبى المتوفى سنة ١٢٨٠ هـ، كلاهما عن الأمير الكبير
أبى عبد الله محمد بن محمد المالكى المتوفى سنة ١٢٣٢ هـ ، وعن الشيخ الفقيه
المحدث السيد أحمد الطحطاوى التوقادى الحنفى المتوفى سنة ١٢٣١ هـ .
وكذا يروى عن الشيخ حسين الجسر بسنده إلى الشيخ محمد أمين المدعو
بـ "ابن عابدين" الشامى الحنفى المتوفى سنة ١٢٥٢ هـ، وأسانيد الشيخ محمد
الأمير فى ثبته المعروف، وطبع بمصر سنة ١٣٤٥ هـ، وأسانيد السيد الطحطاوى
فى ثبته الخاص ، ولم يطبع . وأسانيد الشيخ ابن عابدين فى ثبته المعروف
"عقود اللآلى فى الأسانيد العوالى"، وقد طبع بمصر .
وهذه صورة إجازة الشيخ حسين الجسر ما نصه (١) :
بسم الله الرحمن الرحيم
"الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا محمد رسول الله وعلى
آله وصحبه أجمعين . أما بعد ، فقد أجزت أخانا فى اللّه الفاضل
الشيخ محمد أنور بن المولوى معظم شاه الكشميرى بسند الأستاذ
الشيخ محمد الأمير المصرى وبسند الشيخ أحمد الطخطاوى المصرى
المجاز بها من سيدنا الشيخ عبدالقادر أبى رباح الدجانى اليافى المجاز
بها من المرحوم والدى الشيخ محمد الجسر، ومن الشيخ والدى
۔
(١) وليفهم هذا السند بالتفصيل الذى ذكرته ولم يكن واضحاً ترتيبه فاستفدت
من الاستاذ الشيخ الكوثرى طال بقاؤه ، فافاد ما ذكرته ، وعلم منه انه لم
يتلق من والده ، فلعله مات وهو صغير حيث تراه، يروى عن والده بواسطة
: الشيخ عبد القادر الدجانى .
<١
١٠٠
- ٢٩٧ -
المرحوم الشيخ محمد الكتى وهو قبل منى ذلك . وأوصيه بتقوى
الله وبحفظ شرف العلم وبالدعاء لى بالخير كما أجزته بحديث
الأولية بالرحمة ، وهو ما روى عنه عليه الصلاة والسلام من
قوله: الراحمون يرحمهم الرحمن ارحموا من فى الأرض يرحمكم من
فى السماء" .
كتبه الفقير إليه تعالى حسين الجسر الطرابلسى عفى عنه .
هذا ما تيسر لى من ذكر أسانيده بما اطلعت عليه ويحتاج تفصيلها
وجمعها إلى مجلد ضخم فإنها تحتوى على أسانيد الهند ، والجرمين ، والشام ،
ومصر، وبغداد، من الحنفية والشافعية والمالكية ، وإن وفقت إلى جمعها
لأفردت لها جزءاً والله الموفق . وقد ذكرت مصادرها ومراجعها بما وقفت
عليه ليكون أصحابه على بصيرة من الأمر ، هذا ما حاولته فى هذه الفسحة
من ذكر نبذة من ترجمة إمام العصر صاحب " فيض البارى" . والموضوع
يقتضى فراغاً من الوقت ونشاطاً من الفكر والطبع . وإذا كان طرف من
حياته موضوع بحث فالمجال واسع جداً . ولا بد أن يعود الباحث وإن أجهد
نفسه متمثلاً بما قيل :
مدحتك جهدى بالذى أنت أهله . فقصر عما صالح فيك من جهدى
فما كل ما فيه من الخير قلته . ولا كل ما فيه يقول الذى بعدى
*
*
( نفحة العنبر م - ٣٨ )
- ٢٩٨ -
٧١
التكملة الثالثة .
وقلت فى تقدمة " عقيدة الإسلام " :
٠
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذى جعل علماء هذه الأمة كنجوم السماء ، فبهم يهتدى فى
دياجر الكفر وظلمات الإلحاد غاية الاهتداء، وبهم زينة هذه البسيطة الغبراء،
وبهم يرجم شياطين الإنس فى كل ليلة ليلاء، والصلاة والسلام على سيد الرسل
محمد خاتم الأنبياء الممثل للأمة بالمطر، والمبشر بنزول سيدنا عيسى روح الله
الأطهر فيصلح به الأمة العوجاء، وعلى آله الأصفياء وصحبه السعداء ما استنار
القمر وتجلت ذكاء .
أما بعد : فللشيخ إمام العصر مولانا محمد أنور شاه الكشميرى محقق
هذه القرون أياد بيضاء فى تحقيق مشكلات العلوم وصعاب المسائل ودقاق
الحوادث والنوازل ، وكان مرجعاً فى هذه البلاد لحل كل غامض دقيق فى أى
علم من العلوم ، وكان مبدع طريقته العذراء فى تدريس العلوم النبوية وتحقيق
كل ما له صلة بالمقام متناً وسنداً وجرحاً وتعديلا، وكان آية من آيات الله فى
استحضار مذاهب الأمة وتحقيقها، ومجدد طريقته فى أحكام خلافية من مذاهب
الفقهاء ، كما له منن كبيرة فى القيام بالرد على أهل البدع والفتن ، خصوصاً
أكبر فتنة هذه القرون "الفتنة القاديانية المرزائية"، وتوجيه العلماء وحثهم
على القيام بواجبهم فى استئصال شأفة هذه الشجرة الخبيثة ومساعدتهم قلم
ولساناً بذخائر من علومه وكنوز من مذاكرته، حتى تيسر لأفاضل أصحابه
تأليف كتب ورسائل فى القضاء عليها باللغة العربية وباللغة الرائجة فى البلاد
أى اللغة الأردوية ، لا يريد منهم بذلك جزاءً ولا شكوراً ، بل كل ذلك
M
- ٢٩٩ -
ابتغاء لوجه ربه الأعلى ، فكان بابه مفتوحاً لكل ناشد ، وكنوزه أمام كل
صادرو وارد ، يذوب قلبه الذكى الحساس بهذه الفتنة العمياء ، ويتألم روحه
الذكى بتغافل أهل العلم عن الذب عن حوزة الدين وحفظ سياجه، وكثيراً ما
يهجم عليه من تلك الأفكار ما يبيت له ساهراً متململا، فكان يود أن يكون
رأيات الحق مرفوعة وأعلام الباطل منكوسة ، فرغبت أن أذكر للناظر شيئاً
من ترجمة هذه الإمام وحياته بغاية اختصار، ثم أعقبها بشئ مما يتعلق بخصائص
كتابه "عقيدة الإسلام".
Y
اسمه ونسبه وولادته ونشأته الصالحة ودراسته العلمية .
هي: الشيخ الإمام المحدث الكبير محقق هذه العصور إمام العصر مولانا
محمد أنور شاه بن الشيخ معظم شاه بن الشاه عبد الكبير ، ينتهى نسبه إلى
الشيخ مسعود الترورى الكشميرى ، جاء سلفه من بغداد إلى ملتان ، ورحلوا
منها إلى لاهور، ومنها إلى كشمير، فأصبحت لذريته مستقراً ومقاماً، وكان كما
قال القائل :
فألفى عصاه واستقربه النوى * كما قرعيناً بالإياب المسافر
وكانت ولادته يوم السبت السابع والعشرين من الشوال سنة ١٢٩٢ هجرية
بكشمير ، وكان والده عالماً تقباً كبيراً شيخاً فى الطريقة السهروردية ،
وتسلسلت هذه الطريقة فى سلسلة نسبة صلباً بعد صلب، وكانت والدته صالحة
عابدة، فنشأ فى ظل عطوفتهما وتربى تربية صالحة حتى إن والده فى صغره يوقظه
بالليل حين يقوم، فكان يجلسه بجنبه وهو يصلى. فهكذا كانت تنزل عليه البركات
ويحيط به صالح الدعوات وهو صبى لم يترعرع بعد ، فنشأ فى بيت علم
وصلاح فى رعاية دقيقة وتربية عجيبة ، أخذ مبادئ قراءته على والده ، ثم
١
6. 1
٣٠٠ -
على علاء كورته، ثم على علماء بلاده في كشمير ونواحيه، ثم سافر إلى حدود
كشمير إلى بقاع مديرية "هزاره"، ثم وصل إلى أكبر مركز علمى بالهند
٠٠
"دار العلوم" بقريه "ديوبند"، بقرب عاصمة "دهلى" وكان محطاً لرجال الأفاضل».
وكان حقاً قرطبة الهند وأزهرها إلى أن تخرج منها علماً فاضلاً يشار إليَّه بالأصابع فى
علمه وسعة نظره وورعه وتقواه، وذاك سنة ١٣١٣ هجرية، سمعت والده رحمه الله
سنة ١٣٤٧ بكشمير: أنه كان يسألنى أسئلة فى درس "مختصر القُدُورى" أحتاج
(( إلى مطالعة "الهداية" ثم فوضت دراسته إلى عالم آخر سماه لى، فقال: يشكو
كثرة سؤالاته، وكان خارج دراسته ساكتاً صامتاً - لا يرغب فيما يرغب إليه
الصبيان والأطفال من الملاعب، سمعت والده رحمه الله :: أتيت به إلى شيخ عارف
مجاب الدعوة فى بلادنا فلما رآه قال : سيكون أعلم أهل عصره فى العلوم .
وقال: تفرس فيه بعض أعلام عصرنا لما رأى له تعليقات على كتبه الدراسية:
بأنه سیکون غزالی عصره وزازى دهره .
سمعت الشيخ رحمه الله نفسه: أنى قرأتٍ كتب الفارسية الرائجة فى بلادنا.
خمس سنوات وبقيت فى تعلم العلوم العربية خمسة أعوام، فكان عهد تعلمه كله
لا يتجاوز عشر سنواتٍ، سمعت ثقة وهو مولانا مشيت اللّه البجنورى من
أصدقائه وتلامذته: أنه كان لا ينام مضطجعاً إلا ليلة الجمعةفكان ما عدا ليلة
الجمعة يسهر لياليه بالمطالعة ، وإذا غلبه النوم نام جالساً ، سمعت من الشيخ
رحمه الله نفسه: أنى طالعت فى رمضان "عمدة القارى" كلها حين أردت فى العام
المقبل دراسة " صحيح البخارى"" على شيخنا الإمام مولانا محمود حسن".
الديوبندى المتوفى سنة ١٣٣٩هـ، ثم كنت أطالع على "صحيح البخارى" "فتح
البارى" درساً درساً، وربما يكون مطالعة مجلد واحد بالليل، ومرضت مرة
سبعة عشر يوماً فلم أحضر فى الدروس ، ولما حضرت بعد ما عوفيت لم يصل
درس الشيخ إلى ما وصل إليه مطالعتى من "صحيح البخارى" وشرحه "فتح
البارى" المحافظ ، سبحان الله العظيم ؛ نعم: نفس عصام سؤكت عصاماً
وكان يقول: قرأت بديوبند على شيخنا المحمود رحمه الله الجزئين، الأخرين من
"الهداية" و"صحيح البخارى" و"سنن أبى داؤد" و"جامع الترمذى"، وقرأت
على شيخنا مولانا محمد اسحق الكشميرى ثم المدنى المتوفى بها ١٣٢٢هـ "صحيح
مسلم"، و"سنن ابن ماجه"؛ وقُد أفردت حياته العلمية فى كتاب شميته: "نفحة
" العَنبر في حياة الشيخ أنور"، وشيئاً من حياته وخصائصه فى مقدمة "فيض البارى"
عُلِىّ" صحيح البخارى" وفى مقدّمة " مشكلات القرآن" فلنقتنع بهذه الكلمة المختصرة.
أعماله وأشغاله .
كان يحب أن يعيش خاملاً لا يعرفه أحد عاكفاً على المطالعة،
ولكن اضطر إلى أعمال فرجاه أولاً صديقه مولانا أمين الذين الدهلوى
" أن يساعده فى تأسيس مدرسة بدهلى، فلبى ذُعوَته وأعانه فى تأسيس المدرسة،
وسماه : ((*مدرسة ، أمينية"، وكان أول صدر المدرسين بها وأول من
تبرع إلى المدرسة بإعطاء عشرة روبيات من عنده تبرع إخلاص وإيثار ، ثم
ترجع إلى بلاده كشمير، فأخذ يذكر الناس ويعظهم، واجتهد فى إصلاح الشعب
من تصحيح عقائدهم وما حدث فيهم من زيغ وبدعةٍ ، فكان يطوف قرية
قرية يعظهم موعظات بليغة باللغة الكشميرية ، وكان فصيحاً فيها والناس
يبكون ويتأثرون حتى بنى مدرسة دينية فى كورة "باره موله" سماها: "مدرسة
٤- الفيض العام" فأصلح بها أمة هناك، ثم سافر إلى الحجاز المقدس للحج" والزيارة، "
وذلك سنة ١٣٢٣ هـ، ومكث هناك شهوراً وطالع كتباً كثيرةً فى ("مكتبة شيخ
الإسلام عارف حكمة الله" و"المكتبة المحمودية" وغيرهما، ولاقى رجال العلم.
والفضل فى تلك الرحلة ، وظهر فضله ونبله ، ومن لاقى : الشيخ حسين بن.
محمد الطرابلسى عالم السلطنة العثمانية "صاحب الرسالة الحميدية" ثم رجع إلى
- ٣٠٢ -
بلاده ومكث فى كشمير أعواماً يدرس ويفتى العلماء، وكان أفتى ثلاث سنوات
للجهابذة، وفى نوازل المسائل وفى المسائل الخلافية بين أرباب الفتوى فى بلاده،
ولم يحتج إلى مراجعة كتاب من الفقه للإفتاء، كما سمعت منه نفسه رحمه الله،
ثم عزم على الرحلة إلى الحرمين بقصد الهجرة من بلاده وحضر ديوبند لزيارة
شيخه الكبير مولانا العارف الشيخ محمود حسن الديوبندى المدعو
بـ "شيخ الهند" فى طريقه إلى ديار الحرمين، فالشيخ أحس أن البلاد الهندية
ومركز العلوم الإسلامية أحوج إلى فيضه الغزير ، وهذه البلاد المجدبة تشتاق
إلى هذه المزنة الوطفاء ، فأصر عليه بالإقامة بديوبند حتى استلم منه زاد سفره
وزود به آخر الحج والزيارة كما سمعت منه نفسه رحمه اللّه ، فصار مدرساً
للحديث، ثم جعله نائبا عنه فى التدريس وصدر المدرسين حين عزم على رحلته
إلى ديار الحجاز المقدسة، وذاك سنة ١٣٣٣ هـ، ومكث يدرس الصحاح الست
وأمهات الحديث ، فأصبح مسنداً فى هذه البلاد واشتهر صيته فى أكناف
. هذه القارة الكبيرة، وأصبح بابه محطا للرحال وملجأ للرجال، وأصبح وجوده
العلمى سببا لإصلاح طرق التدريس وتحليل غوامض المسائل ، فكان يتدفق
بحره المتلاطم من علومه، فيفيض من كل ناحية يسقى الأجادب ويروى غليل
العلم ، وكان يجود بثروته العلمية وإنفاق مذاكراته الحاوية ذخائر العلم ونفائس
الأبحاث على السائلين بسماحة نفس وإخلاص وحرص على الإفادة، غريب إلى
أن انزوى منصبه من صدارة التدريس فى سنة ١٣٤٦هـ بأمور لا داعى
لبيانها ، فاكتنفه الدعاة والمخلصون من كل جهة إلى أن اضطر إلى الرحلة إلى
قرية فى نواحى بمبائى بقرب "سورت" تسمى "دابيل"، ونشأت بوجوده
الميمون مدرسة كبيرة تسمى: "الجامعة الإسلامية" وإدارة تأليف ونشر باسم:
"المجلس العلمى"، وأصبح سبباً لكتب قيمة فى شتى المواضيع ، فقام بنشرها
وطبعها، فكان يقضى حياته المباركة فى التدريس والتأليف والوعظ والتذكير،
(٤٠
1.
It
٢٠
- ٣٠٣ -
فاستنارت تلك البقاع بنوره علماً وعملاً وسنةً وحديثاً، وأصلح الله به هناك
أمة ، وغلبت عليه رقة فيأخذه البكاء فى دروسه ومواعظه، فيبكى ويبكى ، ،
وكان له عناية مدهشة فى أواخر حياته المباركة بمسائل من حقائق إلهية من
حقيقة الروح ، وحقيقة التجلى ، وشئون حياة برزخية ، ومعارف علم بديعة
فى مجالسه ومواعظه ودروسه، إلى أن حان أجله المحتوم يديوبند فى شهر صفر
سنة ١٣٥٢هـ، رحمه الله رحمة الأبرار الصالحين، ورضى عنه وأرضاه، وجعل
الجنة متقلبه ومثواه .
خصائصه وشىء من كلمات الأكابر والمعاصرين .
كان رحمه الله تعالى بحيث جمع الله له مع كرم النجار وشرف الأرومة
تربية صالحة فى ظل الأبوين الصالحين ، ونشأ فى بلد من أعدل الإقليم فى
جوصاف غير كدر، ورزق طبيعة زاكية وذكية ، ونال بركات دعوات الصالحين ،.
وتيسرت له أسباب من توفيق دائب ، وجهد متواصل لايعرف مللاً وسآمة،
وصحة جيدة إلى الغاية لا تعرف كلالاً ، وعقل صاف ، وحافظة خارقة ، وشيوخ
جهابذة عرفاء ربانيين صلحاء ، وجرت مشيته الأزلية أن يكون أكمل أهل
عصره علما ودينا وورعا وتقوى حديثا وفقها، أدبا وتاريخا ، كلاما وفلسفة،
غواصا فى المشكلات بحاثة فى الدقائق ، عاكفا على المطالعة ، دائم التفكير ،
طويل الصمت ، إذا سأله أحد عن مشكل غامض تهلل وجهه المنير كالبرق
وسال كالسيل الجرار ، أو صيب مدرار ، وجمع الله له مع نور التقى حسن
وجهه وجماله ينبعث من وجهه النور وحسن أخلاقه ومكارمه، فجمع الله فيه
المحاسن من جمال الصورة وكمال السيرة وحسن الخلق، فكان يملأ القلب والعين،
لم يكن تحت أديم السماء - فيما نعلم - أعلم وأكمل وأجمع لحصال الكمال منه .
قال فيه حكيم الأمة مولانا الشيخ أشرف على التهانوى : "إن وجود مثله
٠
- ٣٠٤ -
فى الأمة الإسلامية آية على أن الإسلام دين حق وصدق"، سمعت هذا من
شيخنا العثمانى شبير أحمد صاحب "فتح الملهم" ثم سمعته من أكبر خلفاء حكيم الأمة
الشيخ المفتى محمد حسن ، وأول ما سمعته من الشاه عطاء اللّه البخارى ..
وقال فيه مدير دار العلوم الديوبندية مولانا حبيب الرحمن العثمانى: "إنه
مكتبة حية ناطقة تمشى على الأرض"، وقال: إنه الشيخ الثقة الورع التفى الحافظ
:الحجة المفسر المحدث المتبحر فى العلوم النقلية والعقلية، رافع لواء التحقيق
فى المسائل الغامضة المهمة الخ .
وقال فيه الشيخ السيد سليمان الندوى : هو كالبحر المحيط الذى ظاهره
هادئ ساكن وباطنه مملو من اللآلى الفاخرة الثمينة .
وقال فيه شيخنا العثمانى شيخ الإسلام مولانا شبير أحمد شارح "مسلم":
فقيد المثيل عديم العديل بقية السلف حجة الخلف ، البحر المواج والسراج
الوهاج الذى لم تر العيون مثله فى العهد العام ولم يرهو مثل نفسه ، وقال فى
موضع آخر : إن الجهابذة الناقدين يصفونه بأنه آية من آيات الله ، وإنه
حجة الله على العالمين .
وقال فيه العارف المحقق مولانا رحيم الله البجنورى من أصحاب حجة
الإسلام مولانا محمد قاسم النانوتوى : هو الخبر الكامل المحقق المدقق فخر
الأقران وأبناء الزمان .
وقال فيه إمام المناظرين بعصره الشيخ مرتضى حسن الديوبندى : هو
شيخ الإسلام والمسلمين مجمع بحور الدنيا والدين .
وقال فيه محقق الهند ومفتيها الشيخ محمد كفايت الله الدهلوى : العلامة
الفاضل الكامل أكمل العلماء أفضل الفضلاء التحرير المقدام البحر الطمطام
رحلة العصر قدوة الدهر أستاذ الأساتذة رئيس الجهابذة المحدث الوحيد والمفسر
ہہں
- ٣٠٥ -
الفريد الفقيه الإمام ماهر العلوم النقلية والعقلية .
١ ٨
ء
ووصفه الشيخ المحقق الأستاذ الكبير محمد زاهد الكوثرى فى " تأنيب
الخطيب" (١) بـ: "العلامة الحبر البحر محمد أنور شاه الكشميرى". وذكره
متكلم عصره شيخ الإسلام مصطفى صبرى التركى نزيل القاهرة فى كتابه
" موقف العلم والعقل والدين" (٢) ما لفظه: رأيت فى "مرقاة الطارم على
حدوث العالم " لعالم الهند الكبير محمد أنور شاه الكشميرى رحمه اللّه، فذكر
المسألة ثم قال : فسرنى أن اتفقنا فى الرأى اهـ . وكنت قدمت لفضيلته ذلك
الكتاب سنة ١٣٥٧ هـ بمنزله بمصر الجديدة ، فقال بعد ما طالعه : ما كنت
أرى أن محققاً فى الهند مثله، وهذه الرسالة أفضلها على هذا الكتاب "الأسفار
الأربعة " للصدر الشيرازى، وأشار إليه وكان بين يديه، وسمعت الشيخ
الكوثرى فى القاهرة بمنزله بالعباسية سنة ١٣٥٧ هـ : لم يأت بعد الشيخ ابن
الهمام مثله فى استثارة الأبحاث النادرة من ثنايا الأحاديث ، ثم قال : وهذه
برهة من الدهر طويلة . ووصفه الشيخ الكبير شيخه الديوبندى فى إجازته
بقوله : قد أعطى فهماً ثاقباً ورأياً صائبا وطبيعةٌ زكيةً وأخلاقا رضيةً.
وذكره العلامة الفقيه المحدث مولانا محمد سجاد البهارى بقوله : علامة الدهر
فهامة العصر، فقيه زمانه ، محدث أوانه ، ثقة فى الرواية ، حجة فى الدراية،
شيخ العلماء الخ .
٠
وذكره الشيخ حسين بن محمد الطرابلسى إذ لاقاه بالمدينة المنورة بـ "الشيخ
الفاضل"، وهو شاب قبل أن يشتهر نبله وفضله، إلى غير ذلك من آراء أهل
الكمال فى كماله وشخصيته ، والذى ذكرنا هو برض من عد. وبالجملة
فهذه الكلمات وما إلى ذلك من كلمات الثناء والاعتراف بمفاخره من أهل
(نفحة العنبر م - ٣٩ )
(١) ص = ٨٤
(٢) ص - ٣٢٧ ج - ٣
سي
- ٣١٦ -
عصره أو مشائخه أو من فى طبقة مشائخه ، برهان على وصوله إلى درجة
سامية يقصر عنها شأو أهل العلم والفضل فى هذه العصور ، وإنه . كان نظير
أولئك الجهابذة من أفذاذ الأمة، لا يأتى أمثالهم إلا بعد قرون متطاولة . وقصارى
القول فيه أن الله سبحانه جمع فى شخصيته الفذة أشتات الفضائل من جمال الوجه
وحسن السيرة وكرم الشمائل والورع والزهد والتقى والصبر على المكاره ونشأته
تربية صالحة فى حياة طيبة ثم جامعية العلوم روايتها ودرايتها ببصيرة نافذة .م
"عكوفها على المطالعة ليل نهار صباح مساء، ثم حافظته الخارقة للعادة والولوع
بالتحقيق والتدقيق فى كل شئ ، ثم التوفيق إلى سعى متواصل من غير ضيجر
وسآمة أو تعب وكلال، وتيسر شيوخ أصحاب فضل واختصاص ربانيين علماء
صلحاء عرفاء . فهذه الأمور لا تجتمع إلا فى شخص جرت مشية الله الأزلية
بأن يكون إماماً فى الأمة وقدوةً ، ويكون كما قيل :
لكل زمان واحد يقتدى به « وهذا زمان أنت لاشك واحده
تأليفه كتاب " عقيدة الإسلام".
لم يكن من ذوقه وطبيعته أن يشتغل بتأليف أسفار وزبر غير تقيد
شوارد من أفكاره أو غرر نقول من مطالعاته فى مذكرته ، إلا أنه كلما اضطر
إلى تأليف فى موضوع خاص لأجل تحقيق فى بحث أو مسألة دينية أو فصل
خصام بين أهل العلم أو كشف قناع أظلم على أهل العلم فيه وجه الحق تصدى
لتأليف ، فرسائله المصنفة وكتبه المؤلفة كلها من هذا القبيل ، وليس هذا محل
استيفاء البيان ، وقد أوضحت هذا الموضوع فى "نفحة العنبر" باللغة العربية،
وفى مقالتى الخاصة فى كتاب "حيات أنور" باللغة الأردوية. ولما بدت الفتنة
القاديانية فى هذه البلاد باسم صاحبها: المرزا غلام أحمد القاديانى ( نسبة إلى.
قرية "قاديان" فى مديرية كورداسمور من بلاد الفنجاب) وتدرج فى دعاویا
سے
1
- ٣٠٧ -
فادعى أولاً : أنه مجدد ، ثم ادعى : أنه مثيل المسيح بن مريم ، ثم ادعى
المهدوية ، ثم ترقى وادعى : أنه المسيح الموعود الذى ينزل من السماء ، - إلى
أن ادعى - : أنه نبي ورسول ، وجعل وحيه كالقرآن ، ثم أعلن بنسخ الجهاد
والحج ، وادعى أن الحكومة البريطانية ظل اللّه فى الأرض ، وكان يتلقف
آيات القرآن الكريم ويطبقها على نفسه ، وأخذ فى تعبيراته طريق الباطنية
والزنادقة ، واقتدى البابية والبهائية من فرق الملاعنة ، وأراد أن يلبس على
العامة أمره ، فدخل فى مسائل لم تكن لها علاقة بموضوعه ، فادعى أن عيسى
عليه السلام قد توفى، وأنه لاينزل ، وجعل الروايات يأولها والآيات القرآنية
يحرفها ويضعها فى غير مواضعها، وجاء بطامات وبلايا، ودخل فى أودية من
الكفر والإلحاد ، كما فصلته فى كتابى "نفحة العنبر". وذكره الشيخ رحمه الله
فى أول كتاب "عقيدة الإسلام" قبل خطبة الكتاب كالمقدمة لكتابه ، ونشأت
له عصابة من أتباعه ، وكانت تعيش فى ظل الحكومة البريطانية ، فاستثمرت.
الحكومة دعاويه وأمانيه وسيلةً إلى الاختلال فى عقائد المسلمين ، فكانت
ترشحها بشتى الوسائل ليس هذا محل استقصاء البيان . وبالجملة كانت هذه الفتنة
وليدة السياسة البريطانية أو ربيبتها، تتدرج وتخطؤ إلى الأمام فى ظل حمايتها،
لم تكن فى هذه البلاد حكومة إسلامية دينية لكى تقطع شأفتها، فاضطر العلماء
إلى القيام بواجبهم وبحفظ سياج الملة والذب عن عقائد الإسلام والمسلمين ،
والرد على كل طامة من تلك الطامات إلى أن اجتمع على كل موضوع ذخائر
من الكتب والرسائل ، فالشيخ إمام العصر رحمه اللّه قد أزعمته هذه البلية فقام
للقضاء عليها خير قيام، وشمر عن ساعد الجد لساناً وبناناً توجيهاً وهمةً،
فساحت بطحاء العلم بسيل من علومه ، وأتى بغرر أبحاثه ودرر تحقيقاته فى
تآليفه ، وجاء بدقائق العربية وأسرارها فى ضمن شرح آيات التنزيل العزيز،
وجمع من روايات الحديث ما يتعلق بالرد عليها جمعاً مدهشاً بالغاً من مظان
٤١
- ٣٠٨ -
بعيدة عن متناول أهل العلم ، فجمعها فى صعيد واحد ، فأفرد رسالة فى
الأحاديث سماها "التصريح بما تواتر فى نزول المسيح" أجمع رسالة ظهرت فى
موضوعها، وأفرد كتاباً بديعاً فى مسألة الإكفار بالإنكار من ضروريات الدين
جمع فيها نقول الأعلام من ثنايا كتب وأسفار من كل فن مطبوع أو مخطوط
ما يبلغ عددها إلى مئات، وقد أحسن إلى الأمة الإسلامية بتأليف هذا الكتاب
البديع ، ونقح فيه مدار النجاة ومناط الإيمان والكفر، ونقح تلك المسائل الدقيقة
"التى طالما كانت مداحض للأفهام والأعلام ، وجاء بتنقيح مناط تلك الدقائق
العلمية بأدلة من الآيات والأحاديث والآثار وغرر نقول جهابذة الأمة من
الفقهاء والمتكلمين والمحدثين والمفسرين من أقدم عهد إلى عصره، وقدمه إلى
أكابر عصره والمحققين من أهل السنة، فكلهم قرظوه وأثنوا عليه ثناءً بالغاً،
ووافقوه على تلك التحقيقات المنقحة ، وكل ذلك فعله لكى تتفق كلمتهم فى
ما عليه مناط النجاة الأخروية، وفى مسألة الإكفار والتكفير ، وحقق فيه أن
ضروريات الدين والإنكار عنها أو تأويلها كلاهما موجب للكفر ، فكان هذا
الكتاب بتقريظاته وآراء جهابذة عصره كالإجماع على الموضوع ، ومن أجل
هذا قدمه للقوم للتقريظ ، وكان حضرة المؤلف إمام العصر فى غنى عن الثناء،
وكان بعيداً عن ذوقه وعلمه أن يثنوا على كتابه، وإنما اضطر إلى جمع كلمتهم
وإتفاق آرائهم وأنظارهم على المسألة ، وعزم إصلاح آراء بعض من التبس.
عليه وجه الصواب فى تلك المعضلات ، ولا أقول هذا عن حدس أو خرص
وإنما سمعته من حضرته رحمه الله ، فليكن أمام القارئ الكريم هذه الحقائق
التاريخية لكى يقدرها فى جذر قلبه . وبالجملة فهو أجمع كتاب وأبدعه وأهمه
ظهر فى هذا الموضوع ، وحقق فيه تلك المشكلات والمعضلات التى طالما أشكل
على كثير من أهل العلم حلها .
- ٣٠٩ -
وكذلك ألف رسالة باللغة الفارسية فى شرح آية خاتم النبيين ، جاء بنفائس
من أفكاره الرائقة، وبما شرح الله له صدره من تحقيقات وهبية ولكنها دقيقة
غامصة، وألف فى عقيدة حياة سيدنا المسيح بن مريم عليه السلام كتاباً بديعاً
حافلاً سماه : "عقيدة الإسلام فى حياة عيسى عليه السلام"، ثم زاد عليه
بتعليقات سماها: "تحية الإسلام"، فهذه إذن خمسة كتب فى ما يتعلق بالرد
على "القاديانية" والإلمام بشئ من مزايا هذا الكتاب وتعليقاته موضوع تقدمتى
هذه وبالله التوفيق.
٠
هذا الكتاب "عقيدة الإسلام فى حياة عيسى عليه السلام" وسماه الشيخ
أيضاً "حياة المسيح بمتن القرآن والحديث الصحيح"، وأفادنى رحمه الله بأن
موضوع كتابى هذا: إثبات حياته بأدلة القرآن الكريم؛ وإنما جاءت الأحاديث
والآثار تبعا لإيضاح الآيات ، لم يكن الغرض استيفاء الأحاديث والروايات
فى الكتاب ، فلا يظن أن الشيخ رحمه الله استوفى الآيات والروايات جميعا كما
يظنه كثير من أهل العلم ، وإنما استقصى الشيخ رحمه الله الروايات فى رسالة
"التصريح" كما سبق ، وإنما الغرض الوحيد شرح آيات من التنزيل العزيز
ما يتعلق بحياته عليه السلام ، نعم إن الشيخ كان من دأبه فى تأليفه أن يتوسع
بكل ما له صلة بالمقام من غرر النقول ونفائس الأبحاث ، وكان إماماً فى العربية
وأسرارها، لو سميناه "سيبويه العربية وخليلها" لم تجازف مجازفة، بل ربما يكون
هذا التعبير أدق تعبير وأوفاه لإبراز هذه الناحية من علومه التى خفيت على كثير
من أهل العلم وأرباب الفضل ، فجاء فى كتابه بمسائل من علوم البلاغة والبيان
والعربية ما يقضى العجب والحيرة من تغلغله فى أمثال هذه العلوم وذوقه
البديع وملكته الراسخة فى كشف هذه الحقائق ، وكلما آخذ أطالع له كتابا فى
موضوع زاد إعجابى وحيرتى ، بل طالت دهشتى بأنه كيف حوى بكل ما له
صلة بالبحث، وكيف أتى بأبحاث رائقة من مظان لا يخطر ببال أحد أنه يكون