Indexed OCR Text

Pages 201-220

- ١٩٠ -
ولهم حياة عند ربهم غدوا
فاسأل سمرنا ما أصاب عداتهم
تركوا كأمسِ دابرٍ واستوصلوا
وانفك من أسر الحياة رقابهم
سئموا الحياة وهامهم آذتهم
لم يبق من يبكيهم وينوحهم
جعل المقدر كيدهم فى نحرهم
ولطالما اصطبغوا بمعمودية
سطع الهلال فكان غرة شهرنا
واللّه مولانا ولا مولى لهم
وسهام ليل مَّقت أكبادهم
خربت ديارهم وفرق جمعهم
صلبوا و دائرة الوبال عليهم
لعنوا وكان اللعن حق عليهم
وأضابهم رعد الأمير الإبن الأميـ
وأقام رب العرش عزة دينه
ظل الإله على البرية كلهم
سعدت مساعيه وأنجح جده
ر
والحمد لله الذى قد خصنا
ثم الصلاة على النبى و آله
· ڤنبيه : وإذا حدقت نظرك فى شجون هذه القصائد وغضونها
وراعيت مغزاها من ظهورها وبطونها ما ارتبت شيئاً فى أن شعر الشيخ رحمه الله
فى جنة بالروح والريحان
من هدة لما التقى الجمعان
وسقوا كوؤس الموت كالعطشان
والقتل أشفى ما يراه العانى
فتخففوا منها فكاك رهان
إلا غراب البين من برطان
وكما تدين تدان من ديَّان
٠
فأتى اصطباغهم بأحمر قان
سلخ الوبال الأمة الصلبان
ليسوا سواء كيف يستويان
من قانتى هند إلى أفغان
هزموا من التكبير كالشيطان
والصلب أفضل ميتة النصرانى
بعدوا ألا بعداً لقوم جان
ر إبن الأمير المستجار أمان
وأطال ظل خلافة السلطان
سلطانهم عبد المجيد الثانى
ما دام يسعى فى رضى الرحمن
بمزيد فضل منه ثم حنان
خير الخلائق من بنى عدنان
١١١
-
()
ء
3
١)
٠٤
ت
ء

- ١٩١ -
فاق شعر كثير من نوابغ الشعراء فى فصاحتها وبلاغتها ، تسمو قصائدهم ببيت
بيتين فذين أو توأمين، وأما قصائد الشيخ رحمه الله فترى كل قصيدة من
قصائده تسمو وتمتاز بطرف من الأشعار ، وأما لطافة الخيال ودقة المأخذ
فليكن أمر وراء الفصاحة ومن توابعها ، فإن مدارها على نصاعة اللفظ ،
ومحطها أن يكون مجراها على أساليب كلماتهم وخصائص عباراتهم والقوانين
المستنبطة من كلمات فصحاء القوم فى النضد والنسق والسلامة والعذوبة ، بحيث
لا يمل السامع الدارى ، ولا يكل عنها مقول القارئ ، بل كثيراً ما يشتاق إلى
الإزدياد ، ويبقى مشتاقاً عند النفاد ، وليكن لطافة الخيال من الفصاحة بمنزلة
البديع من علمى البلاغة ، يستحسن بعد تحقق أمر الفصاحة ، ألا ترى أنه
قبل للمتنبى والمعرى : حكيمان ، ولأبى تمام والبحترى : شاعران ، فإذا
لم يكن محط الشاعرية على دقة المغزى ولطافة المسلك وغموض المرمى فأولى
وأحرى أن لا يكون محطا للفصاحة ، كيف ؟ وأن البدويين كانوا أبعد الناس
عن لطافة الخيال ، ومع هذا كانوا أقربهم إلى الفصاحة ، بل أولئك هم الفصحاء،
ومن ثم كان أمر الفصاحة كالملاحة لا يوصف يسرى فى الكلمات ، كالروح
فى البدن لا يتعين مرماها ومغزاها ، ومن أجل ذلك لم يقدروا على تحديد
التنافر ، بل قالوا كل ما يعده الذوق الصحيح ثقيلاً متعسر النطق على اللسان،
هذا ، وصلى الله أزكى صلوات ، وسلم أوفى تسليمات ، على خير البرية سيدنا
ومولانا محمد وآله وعترته وأصحابه وتابعيه أجمعين .
الشيخ وتعبيراته الأدبية فى أبحاث فقهية وحديثية .
وكان من ظرافة طبيعته ولطافة عقله أنه كان زبما يتلطف فى غضون
عباراته وشجون تعبيراته بجمل مستملحة وكلمات مستعذبة ، توريةً للمرام
وتلميحاً، واستظرافاً للكلام وتمليحاً، وقد بلغنى عن الثقات الأثبات أن الشيخ
٢٠)

- ١٩٢ -
رحمه الله أنشأ مقامات على نهج الحريرى ، منها منقوطة كلها ، ومنها غير
منقوطة كلها ، ومنها كمقامة المراغية الخيفاء ما يدل على تغلغل الشيخ رحمه الله
فى دقائق اللغة، وصنائع التحرير ، وبدائع الإنشاء ، والأسف على أنى ما
ظفرت بشئى منها .
يريد المرء أن يعطى مناه
ويأبى الله إلا ما يشاء
ويؤيد ذلك ما رأيت أنه ما من مزية علمية أو أدبية لأحد من أفاضل
السلف ابتكرها إلا والشيخ رحمه الله حذا حذوه وعارضه ، وانتهج نهجه
واختبر بها عارضته ، نعم أولوا الطبائع الذكية الوقادة يتنافسون فى أمثالها ،
وفى ذلك فليتنافس المتنافسون ، وكم له من أمثال هذه المزايا التى تقاصرت
عنها فضلاء معاصريه ، " فدبوا له الخمر ومشوا له بالضراء ". نعم وداء
الضرائر بلية سرت فى نفوس الورى . قلما سلم منه أحد ، وأن الحسناء لا تعدم
ذاماً ، وقد قيل :
حسداً وبغضاً ، أنه لدميم
كضرائر الحسناء قلن لوجهها
ولكن كان الأمر كما قيل :
بصائب فكرة وعلو همه
سبقت العالمين إلى المعالى
٠
ويأبى الله إلا أن يتمه
يريد الحاسدون ليطفؤه
نعم إن عامة صنيعه فى ترصيفه وترصيعه ربما يشبه فى إيجازه وإطنابه
كلام سيبويه فى كتابه ، أو ابن الهمام فى " تحريره "، ولكن أين السيرافى
ليسير فى مسيره ؟ وأين ابن أميره لتقريره وتحبيره ؟ وأين يؤتى بأميره
لتصويره وتيسيره ، فدونك اعتباراً بمن غبر ، أو استعباراً بالعبر ، وإياك
والملام على أحد من الأعلام ، فإنهم على علم وقفوا ، ويبصر نافذ قد كفوا.
فلا تهرف بما لا تعرف ، وأحمد عند التنكير ينصرف .
٢ p
خ
ء

روة
- ١٩٣ -
وأحاول أن أهدى نماذج مستطرفه من عباراته المستظرفة ، يهتز لمثلها
الألباب طرباً ، ويقضى لذوى الأذواق أربا : "إذا ذاقها من ذاقها يتمطق".
وكأنها من باب المعاياة والأحاجى العلمية ، وأريد أن أكتفى بالمثالين اختصاراً،
وكيف ؟ وأن أنظم أمثال هذه الدرر المنثورة فى مؤلفاته ، طّل بنا الخطب
وتجاوزنا القصد والله الموفق ..
قال الشيخ رحمه اللّه فى "نيل الفرقدين" (١): قلت: وهذا الذى
أورده الحاكم معارضاً لأثر عمر رضى الله عنه فى تركه الرفع لا غيره ، كما
سيأتى استبعاداً منه أن يروى الرفع مرفوعاً ثم لا يرفع هو، ولم يدر أن فى
الباب محل جر الجوار وتنازع الفعلين، فلعل "عمر " جاء فيه بالعدل وكان غير
منصرف عن المعرفة بالسببين ، وإن شئت الاخبار بالذى يدور معه الحق فعلاً
وتركاً فهو هو .
فخذ بالذى ترضى وأخبر به كذا
إذا كان فى أمرٍ وجوه عديدة
دع اللحن فى الاعراب ثم انح نحوهم
تنازع فعلان فإن شئت اعملن
ولو إنما تسعى لصوب مصّب
ومن عاملين معنوى وغيره ،
فإن شئت فانصب أيدياً لاستكانة
وإن رمت إظهاراً لحرفين فاعتمد
إلى كوفة أو بصرة حيثما ترى
لأول أو ثانٍ وذاك على سوى
كفاك ولم تطلب قليل من الرضى
يجوز لهم خفض ورفع كما أتى
وإن جئت بالإسكان فالأصل فى البنى
وإن شئت إدغاماً ففى الجنس يرتضى
وقال فى "فصل الخطاب". (١):
وهذا الذى ذكرته الآن آخر ما ينفصل البحث به عندى فى حديث
٢٠٧
(٢) ص - ٩٠
(١) ص = ١٠٦
( نفحة العنبر م - ٢٥ )

- ١٩٤ -
ابن اسحق عن مكحول عن ابن الربيع أبين من فلق الصبح ، وأوضح من
فرق الصديع ، وإذا تجاوبت الشحارير على الأيكة وحدثت وتابعها العنادل
بموصول شجى، وبينت وصدقها القطا وعدلت فليس إلا الأسفار عن وجه المنى،
فليدفع عن تغليس مزدلفة إلى منى ، وليتمثل ما قاله الشافعى رحمه الله: "
يا راكباً قف بالمحصب من منى » واهتف بقاطن خيفها والناهض
وقال : وإنى لم أرد الرجم بالغيب ، ولا الرمى فى سواد الليل ، فإنه
لا تجزئ عند أصحابنا آهـ .
هذا ، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين إلى يوم الدين .
الشيخ والفتنة المرزائية .
اعلم - هداك الله الحق ووفقك لنصرته وإيانا - ما من قرن من القرون الخالية
فى الأمة الإسلامية إلا وقد ألمت خطوب كارثة أزعجت المسلمين كافة ، وكانت
المصالح الكونية والأسرار الربانية داعية لها ليميز الله الخبيث من الطيب، ولينجلى.
على العالم سر بلاء المحسنين ، فكانت تقوم لحسمها واستيصالها عصابة الحق
والهدى ، لا يزعجها شئ كأنها بنيان مرصوص ، وهكذا تكون الحرب سحالاً
برهة ، ثم تكون الغلبة الباهرة للحق ؛ أما الزبد فيذهب جفاء ، وأما ما ينفع
الناس فيمكث فى الأرض ، فكلما بدت فتنة عمياء فى الدين قام لدمغها وقطع
عروقها علماء وعرفاء ربانيون فقهاء وأمراء حكماء ، شهر سلاطين الأمة
صوارمهم وسل أساطين الملة ألسنتهم وأقلامهم، فأوصلوها إلى الهاوية، فاعتبر
بالفرق الباطلة المعادية للدين ، كيف اجتاحها اللّه عن ظهر البسيطة ؟ وكيف
استأصل شأنتهم ؟ أين الإسماعيلية الباطنية والقرامطة ؟ أين الأخشونية
والمزدكية ، ثم وثم إلى المهدوية أتباع الجونفورى ، ثم البابية والبهائية وقرة .
العينية وغيرها . فهل ترى لهم من باقية ؟ كلا ! أصبحت كلها بائدة فانية ،
١٠
A
هـ
*
3
2
٨٠
5

- ١٩٥ -
a
ولكن صدق رسول اللّه فَالج حيث قال: ((بادروا فتناً كقطع الليل المظلم))،
فهذه أيام ظهرت فيها أشراط الساعة، وافترق المسلمون أنفسهم فرقاً وأحزاباً،
واستهوتهم الأمانى . وفوق ذلك الطامة الكبرى والداهية العظمى إن حرمت
الأمة بالهند عن شوكة السلطنة الإسلامية وظل الحكومة الإلهية حتى أقفلت
عليهم الأبواب وشدوا بالسلاسل الوثيقة المحصدة ضغت على إبالة فبدت
فى هذه الأيام فتنة كبرى تدع الديار بلاقع ، ألا وهى الفتنة الكارثة التى
تسمى بـ " الفتنة القاديانية" و" الطائفة المرزائية"، تعزى إلى زعيمها الضال
المضل المرزا غلام أحمد القاديانى الهندى ، وقد وصل إلى أمه الهاوية نار
حامية ، فكان عتلاً زنيماً ، معتدياً أثبما ، أخراً وقاحاً ، أذاع فى أذنابه كفراً
بواحاً وضلالاً صراحا ، لم يغادر شيئاً من شعائر الإسلام إلا أزعجه وأبطله ،
ونحن نذكر نبذاً من أحوال هذه الفئة المارقة من الدين الباغية على الله ورسوله
وسائر المسلمين بكلمات الشيخ رحمه اللّه لينكشف الغطاء عن تلبيسات هذه
الفرقة الملعونة .
" إن الشقى غلام أحمد القاديانى الذى ينتهى شعبه إلى مغول التتر، وعلى
قوله: إلى يأجوج ومأجوج - لعنه الله وأخزاه - ، كان سوى ونوى من أول
أمره ما يدعيه ويفتريه آخراً، ولكن الشفى تدرج وتلون فى دعواه تلون
الحرباء ، وسلك فى تمشية مرامه وتعمية كلامه طريق الزنادقة والباطنية ،
واتبع البابية والبهائية سواء بسواء ، فادعى أولاً : أنه مجدد ومثيل المسيح،
ثم انتقل إلى أنه المهدى الموعود والمسيح المعهود ، ومن الجانب الآخر أوله:
أنه نبي لغوى أو ظلى أو بروزى ، على معانى اخترعها الزنديق ، ثم تحول
إلى أنه نبي غير تشريعى ورسول كذلك ، ثم إلى أنه نبى تشريعى ورسول (١)،
(١) قال الراقم: ثم انه لم تنته امانيه الابليسية الى هذا الحد حتى صار رياً
والهاً، ثم صار اباً لله، العياذ بالله من هذه الضلالة" البعيدة والغواية"
+

- ١٩٦ -
كذلك باح به فى أربعينه وتحدى بالآيات ، وجعل وحيه كالقرآن - كما فى
"نزول المسيح" (٢)- وغيره، وجعل يحاكى معجزات سائر الأنبياء ومعجزات
خاتم الأنبياء بَّن أيضا، فجعل مسجده "المسجد الأقصى"، وجعل قريته
"مكة المسيح"، وجعل اللاهور مدينته، وجعل لمسجده منارةً سماها "منارة
المسيح"، فحمل كل ما يتعلق بعيسى عليه السلام على التأويل إلا المنارة ، فإنها
كانت تتهيأ ببذل المال ، وقد جمعه من أتباعه ، وجعل مقبرة سماها " مقبرة
الجنة"، من دفن بها فهو من أهل الجنة، وسمى أزواجه "أمهات المؤمنين"،
وأتباعه أمته، ومن أكبر ما ادعاه من معجزاته نكاح المسماة بـ " محمدى
ببكم" من فوق السماء ، وجعله وحيا أوحى به ، واستمر على لعنته تلك نحو
عشرين سنةً ، فإنه أول ما شهره هو فى سنة ١٨٨٨ الميلادى فى اشتهاره ،
وقد وصل إلى أمه الهاوية فى سنة ١٩٠٨ الميلادى، فأصر عليه نحو ثلث عمره،
وقال فيه : إن الله يرفع كل مانع من هذا النكاح وتدخل فى نكاحه ، وإنه
تقدير مبرم ، وأوحى إليه شيطانه فيه ، كما ذكره فى كتابه : "أنجام آتهم":
"كذبوا بآياتى وكانوا بها يستهزؤن فسيكفيكهم الله ويردها
إليك أمر من لدنا إنا كنا فاعلين ، زوجناكها اه ".
وهكذا يتلقف كلمات القرآن ، ويحكيها فى افترائه ، وأشاع فى كتابه
" إزالة الأوهام" فى ذلك: الحق من ربك فلا تكونن من الممترين، وجعل
كل ذلك وحياً سماوياً يقطع به كالقرآن . وجعل نبأه ذلك معيار صدقه
الجلية" فقال: تيقنت انى هو الله، ولما ولد له ولد فقال: كان اللّه نزل
من السماء وادعى انه مريم وجوى طمثه وقال فيما يوحى اليه شيطانه
يريدون ان يروا طمشک ، وادعى انى آدم وابراهيم وموسى و نوح ، الى
غير ذلك من الهذيانات الشنيعة" والدعاوى الفظيعة" والكلمات العوراء.
منه .
(١) ص - ٩٩
م
: ٢م

- ١٩٧ -
وكذبه عند كافة الخليقة من المسلمين والنصارى واليهود ، وأطمع والد المسماة
المذكورة بأموال ودار وعقار ، ودلاَه بكل مكر وحيلة ، ففضحه الله تعالى
على شأنه على رؤوس الأشهاد وعلى أعين الناس، ولم يرزق ذلك النكاح، وقد
نكحها سلطان أحمد، وأولدها أولاداً، والحمد لله على ذلك، وكان أعلن إلهامه
فيه أنه : " إن لم يتم له ذلك النكاح فهو أخبث من كل خبيث" فكان كذلك
أخبث من كل خبيث والحمد لله أولاً وآخراً، وكان كل غرضه جمع الأموال
ونيل اللذات والشهوات ، فسقط فى الهاوية وأبقى داهية دهياء للإسلام
والمسلمين، وكفر من لم يؤمن به كما فى جريدة "الحكم" (٢٤ اكتوبر ١٨٩٩
الميلادى) . وفى "حقيقة الوحى"(١)، وفى مكتوبة المندرج فى "الذكر الحكيم)".
وأهان عيسى بن مريم عليه السلام بما تنشق منه الأكباد، ولم يوجد نبى هجا
نبياً ، أو حط عليه ، وقد وجد من العلماء بل من الأولياء من حط على مثله
بل وكفره ، ويعتل فى ذلك بإلزام النصارى ، فقضى وطره من إبراز كفره
المكنون بهذه العلة ، والحال أنه يجعله عند ما يسترسل فى قعاقعه حقاً واقعاً
والعياذ بالله منه، واستمر على ديدنه ذلك إلى أن قال فى آخر سنة من حياته
فى جريدة "البدر": إنى مَّدعٍ: "أنى رسول ونى". وفى مكتوب له إلى
جريدة " أخبار عام": "إنى على حكم الله نبى". وكذا فى "حقيقة
الوحى" (٢)، إلى أن أخذه الله تعالى بعد ما أرسل مكتوبه إلى مدير "أخبار
عام" بخمسة أيام، أخذ عزيز مقتدر، ورماه قضاء الله وقدره بالهيضة، وسقط
على وجهه فى حشه ، واستقر فى دار البوار ، وكانت موتته ،وتاً يعتبر به
المعتبر ، فقد كتب إلى ذو وجاهة من "اجهره " من مضافات "لاهور" عن
آخر ذى وجاهة: أن القدر المحتوم رماه بمرض إيلاؤس والله أعلم، وكان
- تمريدة على ليبيا
جـ.
2
كبير - وجــ
(٢) ص - ١٧٩
(٣) ص - ١٤٩

يستو
- ١٩٨ -
كما قيل (١) :
"این همان رید است كه در آخر تجرید خوردئی،،
وتم عليه قوله تعالى : (ومن أظلم ممن افترى على الله كذباً أو
قال أوحى إلى ولم يوح إليه شىء، ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله،
ولو ترى إذ الظالمون فى غمرات الموت والملائكة باسطوا أيديهم، أخرجوا
أنفسكم اليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تقولون على الله غير الحق
وكنتم عن آياته تستكبرون)، (هذا ما كتبه الشيخ رحمه الله فى تحرير مستقل
ملحق بكتابه " عقيدة الإسلام فى حياة عيسى عليه السلام" (المطبوع).
وقال الشيخ رحمه الله فى أوائل رسالة "إكفار الملحدين": ثم جاء ملحد
وحَّرف تلك النصوص كما فعلته الزنادقة ، وقال بأن الله سماه: "ابن مريم"،
وأن المراد باليهود "علماء الإسلام" الذين لا يؤمنون بذلك الملحد، لأنهم جمدوا
على الظاهرية وحرموا الروحانية ، ولم يدر الملحد أن الزنادقة الذين مضوا
وبادوا كانوا أبلغ منه فى تلك الروحانية إن كانت تلك الزندقة روحانيةً ،
وهذا أستاذه وأبوه الروحانى الباب ثم البهاء وقرة العين هلكوا عن قريب
وادعوا ما ادعى ، وأتباعهم الأشقياء أكثر من أتباعه ، فأين له بهاء كالبهاء ؟
وأين له ثبات فى الحروب ومكافحة بالصدر لبنادق الرصاص وأخباره بالنجاة
منها ، ثم وقوع الأمر كذلك ؟ وأين له منطق كمنطق قرة العين ؟ :
لها بشر مثل الحرير ومنطق = رخيم الحواشى لا هراء ولا نذر
وإنما بضاعته تلقف كلمات من الصوفية الكرام ، كالتجلى والبروز
#
(١) قاله الشيخ قطب الدين الرازى للنصير المخذول الطوسى صاحب "التجريد"،
وكان قد سب الشيخين رضى الله عنهما فى آخر كتابه "التجريد": ثم ابتلى
عند موته بذلك المرض الفظيع الشنيع، فقال قطب الدين قوله ذلك مشيراً
الى ان هذا جزاء ما وقعت فيه من سب الصحابه". س الراقم البنورى.
0

- ١٩٩ -
وتحريف مرادهم وسرقة القباء واتخاذه قميصاً ، واتباع الفلسفة الجديدة وما
فتشه أهل أوربا ، وجعله وحياً يوحى إليه شيطانه ، وقد مهد له ذلك قبله
أمثاله ، منهم الحكيم محمد حسن الأمر وهوى صاحب «غاية البرهان فى تأويل
القرآن"، على أنهم كانوا أحسن حالاً منه ، فإنهم لم ينبئوا ، فإذا كان
: الأمر هكذا أكفرناه بالإجماع، وجعلنا الهاوية أمه ، ويعجبنى قول المتنبئ فى
ذلك المتنبي :
لقد ضل قوم بأصنامهم «، وأما بزق رياح فلا
وقد قال قائل أن الأحوط فيه :
٠٠
وكان امرأ من جند إبليس فارتقى = به الحال حتى صار إبليس من جنده
اهـ .
هذا ما ذكره رحمه اللّه طرفاً من أحوال هذه الداهية الكبرى . وقال
رحمه اللّه فى كتابه " عقيدة الإسلام" (١): فقام ذلك الملحد ، فوقع فى شأن
ذلك النبى الجليل بما تقشعر منه الجلود وتنشق الأكباد ، وقد سرد بعض ما
تفوه به ونطق وتمطق فى عرضه عليه السلام فى رسالتنا " إكفار الملحدين
فى شئ من ضروريات الدين"، فقبح اللّه وجوه من تبعه فى ذلك الكفر
والإلحاد والزندقة، وقد باع إيمانه بالدنيا حتى لم يوفقه الله على دعوى
العيسوية لحفظ شئ من القرآن وأطفال المسلمين يحفظونه، ولم يوفق الحج وأوساط
المسلمين يفوزون به ، وهو لا يستحق أن يكون رجلاً شريفاً ، فكيف
يكون مؤمناً صالحاً ؟ فكيف أن يكون المهدى المسعود ؟ فكيف أن يكون
عيسى الموعود؟ نعم يستحق أن يكون أتان الدجال ركبها ، أو كسجاح اليمامة
نكحها أبو ثمامة ، كما قيل :
أمست نبيتنا أنثى نطوف بها . وأصبحت أنبياء الله ذكـ انا
(١) ص - ١٥٠
7
ت

- ٢٠٠ -
والعياذ بالله العظيم ، أنتهى ملخصاً .
كانت هذه الفتنة متضائلة فى بدء نشأتها ، ثم التهبت جمراتها إلى الأقطار
والأكتاف حتى بلغ السيل الزبى ، وبلغ الدماء الثنن ، " بال حمار فاستبال
أحمرة"، وكانت هنا دسائس أخرى تنمو بها عروق هذه الفتنة، وكان دهاءً
ومكراً عظيماً لهدم أساس الإسلام ، وأحبولة لإراغة غفلة المسلمين ، وتدليساً
واختلالاً فى الملة المحمدية ، ثم بالت بينهم الثعالب ، وفسى بينهم الظربان،
فافترقت أذنابه بعد موته فرقتين، واختلط الحابل بالنابل، فرقة تتمسك بأصل
دعواه ، ويزعمون أنه نبى ، ويعلنون بنبوته على أعين الناس ، ويسمون أنفسهم
بـ "الأحمدية"، وهذه الفرقة جمهور المرزائية والقاديانية، وزعيمها : محمود
ابن غلام أحمد المتنبى اللعين . وفرقة يظهرون أنه كان مجدداً مصلحاً ومسيحاً
موعوداً ، يخدعون بذلك أغرار المسلمين والأعمار الغافلين ، ويتأولون فى
صرائح دعاويه وعباراته تلبيساً وتدليساً على المؤمنين ، وتدعى اليوم
بـ "اللاهورية"، وزعيمها اليوم الماحد الخبيث محرف القرآن والحديث
محمد على اللاهورى ، وهؤلاء الشياطين أشد مكراً وأقوى كيداً لإصطياد
البله والغفلة ، وأعظم فتنةً وأكبر ضرراً على الإسلام والمسلمين، خذلهم الله
وأخزاهم كلهم أجمعين، على رؤس الأشهاد وأعين الناظرين فى الدنيا والدين .
ثم مع هذا الإفتراق إنهم اتفقوا فى كثير من أصول مذهبهم ، ودانوا بما تفوه
به اللعين المتنبى، فقد أطبقوا على أن عيسى عليه السلام لم يخلق من غير أب ،
بل يوسف النجار أبوه ، وإنه لم يصدر منه معجزة، وإنما صدر منه شعبدات
وطلسمات ، وسلموا ما تفوه اللعين بشدقيه فى سيدنا عيسى الرسول ، وأمه
الطاهرة المطهرة البتول ، واتفقوا على أن المرزا القاديانى أفضل من جميع
الأنبياء والرسل ، وأن الله قد خصه بمعجزات وبينات ، لم تبلغ إليها معجزات.
سيدنا ومولانا خاتم الأنبياء والرسل محمد جينيٍ ، لاكماً ولا كيفاً، وما عدا
.هـ

- ٢٠١ -
ذلك من الكفريات الصريحة والإلحاد البين والزندقة الجلية يكررون فى كل
جعجعة لهم، حتى أصبحوا فيه أشغل من ذات النحيين، قاتلهم الله أنى يؤفكون.
فانتهض الشيخ رحمه الله لدمغ مزخرفاتهم وصلم عروقهم، وكانت لطيفة إلهية ،
وأخذته الحمية الدينية ، وأغرته الغيرة الإسلامية ، فسرى البغض مع هذه
الفئة الملعونة والثلة الطاغية فى اللّه، ولله فى سويداء قلبه، وقد شاهدنا مثالاً
حياً ناطقاً للحب فى الله والبغض فى الله، فشمر عن ساعد الهمة وساق الجد
لمكافحة هؤلاء المردة ، فحذر وبلغ وأرشد الأمة إلى الحق الصراح ، ونبأهم
على ذلك الكفر البواح، وصنف فى هذا الباب رسائل عديدة وجيزة وبسيطة،
أيقظ فيها العلماء والفضلاء عن رقدات الغفلة ، وحضضهم لمقاومة هذه الفتنة
بكل ما أمكن تبليغاً وتصنيفاً ، وأعان أصحابه وتلامذته بذخائر العلم للتصنيف
والتأليف وإشاعة للناس ، تحذيراً لهم عن مكائد هؤلاء المارقين ، حتى بلغ
نداؤه بأرجاء الهند القصوى ، ونبه قاطنيه من ساحل البحر المحيط إلى شواهق
كشمير إلى بلاد الأفغان ، بل جميع ما ارتج اليوم فى العالم الإسلامى من العراق ،
والشام ، ومصر ، والحجاز من التشنيع على هذه الفئة ، كل ذلك ببركة
مساعيه الجميلة التى ألزمت على إساءة الملة وهداة الأمة أن يقدروها ويمكنوها
فى حنايا الصدور وحبات القلوب ، وهذا الذى ترى اليوم فى أرجاء الهند
من تأسيس لجنات وانعقاد اجتماعات حافلة ، وإجراء الجرائد والمجلات لحسم
عروق هذه الفتنة المتأصلة ، لا سيما مساعى "جمعية الأحرار "، ورئيس
شعبة تبليغها المجاهد الباسل غشمشم الأمة ، خطيب الفوم مولانا عطاء الله
شاه البخارى - أطال الله بقاءه وزاد همته وإخلاصه - (١) كل ذلك من مآ ثره
مة
(١) وقد توفى رحمه اللّه قبل هذا الطبع الجديد، فرحمه الله وجعل الجنة" مثواه.
( نفحة العنبر م - ٢٦ )
(٠
د
F

- ٢٠٢ -
السنية الباقية على صفحات الدهر ، وسلته الحسنة السائرة بين المسلمين ، فأباد
اللّه بسعيه الحثيث وجهده المثمر خضراءهم حتى حصحص الحق وزال الرين
وانكشف الغين وبين الصبح لذى عينين من العالم والأمى والخاصى والعامى،
وأصبح كفر هؤلاء المارقين من الدين أبين من فرق الصديع ، بحيث لم يبق
مجال للمرتاب ولا مساغ للمتأول ، إذ قد عم نداؤه البلاد وانتبه الرقاد ،
فخدم الملة ، وذب عن حريم العقيدة الإسلامية ، ودافع عن حوزتها ،
وهكذا سنة اللّه خلت فى عباده على ممر الدهور وتعاقب الأدوار، يضرب
الحق على الباطل أينما سار ودار ، استولت على الديار الهندية سلطة الروافض،
فأقام اللّه لهدم بنيانها الإمام الحجة حامى الملة والشريعة ، وحامل الطريقة
والحقيقة مولانا الشيخ الشاه ولى الله الدهلوى رحمه الله، وابنه الحجة المتقن البارع
الشاه عبد العزيز ، نور اللّه ضريحهما، فجعلهما الله سداً منيعاً دون فتنتهم
البأجوجية . ثم لما اضطرمت نيران البدع والحوادث ، وهبت فى أكناف
الهند رياحها المنتنة أقام اللّه لإطفاء لهيبها وضرامها حامى السنة ماحى البدعة
الحبر المحقق المحدث الشاه محمد اسماعيل الشهيد الدهاوى قدس الله روحه .
ثم لما هبت عواصف الإلحاد وأخذت الملاحدة فى الإيرادات على عقائد الملة
المحمدية، ونشأ خبيث ملحد من فئة الهندوسين، التى تدعى بـ "آريه سماج"
يرمى حريم العقائد الإسلامية بياله ونصاله ، أقام لكفاحه ومكامعته الإمام الحجة
بحر المعارف والحقائق شيخ الإسلام مولانا محمد قاسم النانوتوى بانى " الجامعة
الإسلامية الهندية " بديوبند ، قدس سره .
١٠٢
وهكذا لما حدثت فتنة الفرقة المرزائية القاديانية ، وماجت فى أرجاء
الهند ، بل سرى هذا الداء العقام خارج الهند ، أقام اللّه لذلك الشيخ الأنور
رحمه اللّه، " فتركها على مثل مشفر الأسد ".
: لا شك أنه قد أحس بعض النفوس الزكية بهذه الفئنة أبان حدوثها ،
١٠

٠١
- ٢٠٣ _
ولكن لم يهمله الأجل لمكامعتها ، وبعض قد انتبه لها ، ولكن حسب أنها
بقبقة فى زقزقة ستبيد عن قريب ، ما عسى أن يبلغ عض النمل ، وظن
بعضهم أن ترك ما لا يصلح أصلح ، وأخذ بعض فى مقاومتها فلم يفر فريه ،
ولكن هذه السعادة الأزلية كانت مقدرة مقضية للشيخ رحمه الله ، فتفرس الشيخ
فى بدئها بنور فراسته وبصيرته أن هذه الفتنة من أدهى الملمات على الدين ،
وأعظم المصائب ، وما هى إلا فالية الأفاعى والعقارب ، فلو بلغ السكين
العظم وتفاقم الشر والفساد ولم تسد أبوابها ولم ننتهض لمقاومتها لسلَّت هذه
الفتنة روح الإسلام من قلوب المؤمنين ، ولغادرتهم خشباً مسندة بلا إيمان ،
ولكان السعى عند ذلك كدابغة ، وقد حلم الأديم ، فهكذا أزعجت الشيخ
وأطارت رقاده ، وأزالت راحته، فقام بتوفيق الله تعالى مستنفداً وسعه وجهده
البالغ فى قطع عروقها، فأخذ الأمر بقوابله بالاستعجال، وبعث أهل عصرنا على
المقاومة ، ونفخ فيهم روح المكافحة والنضال، وحذرهم عن مكائدها، ونبأهم على
شبكاتها المنغرزة على وجه البسيطة . فهذا الذى ترى اليوم من مساعى أصحاب
الجرائد الهندية والجنات التى أسست على الدفاع عن حوزة الملة الإسلامية ،
وكشف عوار هذه الفئة الضالة المضلة ، وصدع مضارها الدينية والسياسية على
المسلمين، كل ذلك من مآثره الجليلة . فبنهضته السامية انفجرت عيونهم المنغمضة
وانفتحت أبوابهم المنغلقة . فهذه عندى مزية كبرى أكبر من سائر مزايا
الشيخ رحمه الله ، وتفوق سائر مآثره السامية ، فلو لم يكن للشيخ حسنة غير
هذه الحسنة العظيمة ومنقبة غير هذه المنقبة العالية لكفاه شرفاً وفضلاً، ولكفاه
شهادةً على أنه كان ربانى هذه الأمة بعهده، فهذه منقبة زهراء من بين سائر
مآثره الخالدة ، يبقى آثارها الجميلة فى قلوب أهل الحق، وتتلألأ لامعةً على
صفحات التاريخ الإسلامى على انقراض الدهور وانقضاء العصور . فالشيخ
: رحمه الله درة بقيمة لامعة من فوائد العقد الذى انتظمت فيه أولئك الذين

- ٢٠٤ -
ذكرتهم من أفراد علماء الهند ، أصلح اللّه بكل منهم أمةً من الأمم ، وأبقى
الله منهم سنةً حسنةً مسلوكة فى العالم ، فبارك الله تعالى لروح الشيخ رحمه الله
هذه العزة القعساء ، والفضيلة الزهراء ، لا يساهمه فيها فى شئ أحدٍ من
أمائل أهل عصره وجهابذة عهده ، فجزاه الله عنى وعن سائر المسلمين خير
ما يجازى عباده المحسنين . وقد أجاد القائل :
٠١
:
موت التقفى حياة لا انقطاع له
قد مات قوم وهم فى الناس أحياء
بلغنى عن الشيخ رحمه الله أنه كان يقول : لما انتشرت هذه الفتنة العمياء
كان لا تأخذنى فى المضجع نومة كمداً واضطراباً من هذه الرزية الدهياء ،
فأقلقتنى جداً مخافة أن يقع بها ثلمة فى الدين يعتاص سدادها ، وغلبنى الأرق
والسهاد حتى مضت على ستة شهور كاملة فى هذه الحالة المقلقة المذيبة ، حتى
ألقى الله تعالى فى قلبى أن ستبيد شوكتها وتضعف صواتها، فشفى الله قلبى
بعد هذه البرهة حتى اطمأنت نفسى وسكن جأشى ، وأشار الشيخ إلى هذه
الواقعة فى بعض قصائده العربية والفارسية . ولما ألف الشيخ رحمه الله كتابه
"عقيدة الإسلام فى حياة عيسى عليه السلام" قال : أرجو أن يشفع لى سيدنا
عيسى عليه السلام بهذه الرسالة إن شاء الله تعالى. ومن عجائب الإتفاق أنى
كنت سمعت كلمة الشيخ هذه عن بعض أصدقائى (١). ثم بعد برهة رأيت
فيما يرى النائم سيدنا عيسى عليه السلام جالساً على سجادة بهيئة حسنة وأناءة
ووقار وسكوت، وبجنبه جلس شيخنا رحمه اللّه على تلك السجادة بمثل تلك الهيئة
والوقار. فأعجبنى ذلك المنظر الرائق، فكنت أنظر مرةً إلى ممًَّا سيدنا عيسى
عليه السلام ، ومرة إلى وجه الشيخ الأنور رحمه اللّه ، فتارةً أقتبس من هذا
وتارةً من هذا ، وبقيت ساعة على هذه الحالة الطيبة حتى انتبهت من المنام
(٥١) اعنى صديقنا المحترم مولانا محمد لطف الله الفاضل دامت الطافه وافضاله. منه.
( )

-٢٠٥ -
فرحاً مسروراً من التشرف بزيارتها على تلك الهيئة البديعة ، مع تأسف على
عدم امتداد هذه الحالة كثيراً . اللهم ارزقنى معيتها فى دار رضوانك بفضلك
وعميم إحسانك يا ذا الجلال والإكرام ، آمين آمين يا رب العالمين .
شىء من شعره مما يتعلق بهذه الفتنة .
٠١٤
2
وللشيخ رحمه الله قصائد رائقة تتعلق بهذه الفتنة الفظيعة ، ونريد أن
نهدى للناطرين شيئاً منها ليظهر ما فى صدر الشيخ رحمه الله من الغيظ والغضب.
فى اللّه مع هذه الفئة الباغية والإضطراب من هذه الملمة الفاجعة ، وليكون
أسوةً لمن بعده فى نصرة الحق وإرشاد الخلق ، واللّه الهادى إلى الصواب ،
قال رحمه الله :
لمن اهتدى من حاضرٍ أو باد
صدع الصديع وصيحة بالوادى
أمسى زعيم الكفر والإلجاد
بالقاديانى ذلك الآخر الذى
و يبوء بالأغلال و الأصفاد
وأبان عن كفر ينوء بعصبة
أخر فهل من راشد فى النادى
رزء على دين النبى يهده
ولمن يضل فما له من هاد
والله يهدى من يشاء لدينه
صلىالله
وقال فى آخر قصيدة له فى إسراء النبي
على جرف هارٍ يقارف أن يردى
ومن عض فيه من هنات تفلسف
نبوته بالغى والبغى و العدوى
کمن كان من أولاد مأجوج (١) فادعى
على زيغه فليعبد اللات والعزى
ومن يتبع فى الدين أهواء نفسه
وقال من قصيدة طويلة تربو على سبعين شعراً :
(١) قال الشيخ رحمه: اللّه والمراد من اولاد ماجوج ذلك الرجيم الزنيم فانه
من مغول التاتار، على انه لا يعرف فلسفة" ولا شيئاً ، وانما باع دينه مجانا
بما سمعه من نهضة " أوربا . منه .
٫٠٠,٠٠
م

٢٣٤٠٠مجم
ألا يا عباد الله قوموا وقوّموا.
وقد كاد ينقض الهدى ومناره
يسب رسول من أولى العزم فيكم
وحارب قوم ربهم ونبيهم
و قدعیل صبرى فى انتهاك حدوده
وإذ عز خطب جئت مستنصراً بكم
لعمرى لقد نبهت من كان نائماً
وناديت قوماً فى فريضة ربهم
دعوا كل أمر واستقيموا لمادهى
فشانتى شأن الأنبياء مكفر
تفكه فى عرض النبيين كافر
يلذ له بسط المطاعن فيهم
تحطم فى جمع الحطام ونيلها
وكل صنيع أو دهاء فعنده
ومعجزه منكوحة فلكية
ومنى له الشيطان فيها بوحيه
يهم بأمر العيش لو يستطيعه
ففضحه رب السماء بحوله
ألافاستقيموا واستهيموا لما دهى
وعند دعاء الرب قوموا وشمروا
وكن راجياً إن يظهر الحق وار تقب
وللحق صدع كالصديع وصولة
خطوباً ألمّت ما لهن يدان
وزحزح خير ما لذاك تدان
تكاد السماء والأرض تنفطران
فقوموا لنصر الله إذ هو دان
فهل ثم داعٍ أو مجيب آذان
فهل ثم غوث يا لقوم بدانى
وأسمعت من كانت له أذنان
فهل من نصير لى من أهل زمان
وقد عاد فرض القوم عند عيان
ومن شك قل هذا الأول ثان
عتل زنيم كان حق مهان
ويجعل نقلاً عن لسان فلان
وبسط المنى فى حاصلات مجان
لنيل المنى بالطرد والدوران
يصادفها فى رقية الكروان
رفاءً ووصلاً خطبة وتهان
وقد حيل بين العير والنزوان
وقوته والله فيه كفانى
فموت عليه أكبر الحيوان
حناناً عليكم فيه أثر حنان
لأولاد بغى فى السهيل يمان
وضرب وطعن فوق كل بنان
ج ٢
(١)
:
+
0
٢
- ٢٠٦ -

2
- ٢٠٧ -
وآخر دعوانا أن الحمد للذى . لنصرة دين الحق كان هدانى
وسلم ما دام .اعتلى القمران
وصلى على ختم النبيين دائماً
وقال رحمه الله :
فاخرج الدهر وحى كاهنه
وحق لعن عليه من أزل
وقد كناه الزمان تعريفاً
وما له العجب خاسراً أبداً
ومن أتى مدلياً بشفعته
ومن نحا ما ادعاه مفترياً
جزاء كلب عوى وضع حجراً
وما يفوه الزنيم من لغط
بأن معناه أن ينبأ فى
وكل ما قاله فمسترق
: فيا لدهر يروج سارقه
٨
وذنب رأس جناه من ذنبه
وزاد صيتاً فزده فى لقبه
بمثل تبت يدا أبى لهبه
، إذا اقتنى لعنه على كذبه
فهبه نار اللظى على سقبه
فكفرنه وزده فى سلبه
بفيه حتى يفيق من كلبه
فسوه فى تنبأ عجبه
خطبه
مقره النار منتهى
من البهاء وما بمقتضبه
أما استحى فى استراق ما ذربه
وصلى الله على خاتم الأنبياء سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين .
ءِ
الشيخ ونبذة من هديه وشمائله العامة .
وله رحمه الله شمائل جليلة وخصائل نبيلة، قلما يتحلى بها المرء فى هذه
القرون والأعصار ، فإنه "قد بلغ السيل الزبى " " وبلغ الحزام الطبيين "،
عم الحرص والطمع ، وسرى فى القلوب داء الحسد والبغضاء ، وحدث فى
النفوس الكبر ، وأغريت الآمال بحطام الدنيا ، وأشربت القلوب حب العزة
والجاه ، وأو ثرت الأهواء على الطاعات ، وامتزجت الطاعات بالأغراض ، *
وركبت الأمانى كل صعب وذلول ، وتشعبت بالمراد فى كل واد، واستعجلت

- ٢٠٨ -
الحظوظ فى الدنيا، وصارت الفضائل الدينية أحبولة لذائذ النفوس ، ورحم الله
إبراهيم بن أدهم حيث قال :
٠
نرقع دنيانا بتمزيق ديننا
#
وصدق قول اللبيد العامرى :
فلا ديننا يبقى ولا ما نرقع .
ذهب الذين يعاش فى أكنافهم
٢٠
يتأكلون مغالة وخيانة
وقال الآخر :
وبقيت فى خلف كجلد الأجرب
ويعاب، قائلهم وإن لم يشغب
تولت بهجة الدنيا
وخان الناس كلهم
فكل جديدها خلق
فما أدرى بمن أثق
ت سدت دونها الطرق
رأيت معالم الخيرا
ولا دين ولا خلق
فلا حسب ولا أدب
فهذا حال الدنيا بين يديك ، إما لك وإما عليك، فاعتبر فالأمر إليك،
ولكن الله تبارك وتعالى قد آثر الشيخ رحمه الله بمزايا سامية هى أكبر مزية
له ، وأبهى شرف ، وأعز منقبة من بين سائر الملكات العلمية ما سلف
ذكرها ، وهذا باب لو ركضنا جواد البيان فى مضماره لأعيانا ، فإنه تكل
ألسنة مصاقع العصر عن إحصائها ، فالأنظار تتجمجم ، والأقلام تتكفكف،
والهمم تتقاعد دون بيانها ، ولنفد المداد ومالها من نفاد :
يغنى الكلام ولا يحيط بفضلكم * أيحيط ما يفنى بما لا ينفد
فنكتفى بالإشارات المنتشرة حسب ما يسنح لى من شئ، والله المستعان .
فمن زهده أنه لم يكن له جنف وميل إلى المال أصلاً، فكان لا يأخذ
راتباً إذ وظف بالتدريس فى " دار العلوم الديوبندية " إلى عدة أعوام ،
E
٠
*
3
ـي

٠
- ٢٠٩ -
ثم لما تأهل واضطر إلى مصالح البيت وسرافق المعيشة ونفقة العيال أحس بذلك
أهل الجامعة الديوبندية ، فعينوا له راتباً يكفى لحوائجه الحاضرة، ووصلت إليه
فى هذه الأيام دعوة من المدرسة العالية من "كلكتة " لمنصب رئاسة التدريس
براتب ثمان مائة روبية مشاهرة ، وكان راتبه فى تلك الجامعة أقل من خمسين
روبية ، فلم يزعجه قط ، وما أجاب دعوتها . وقال : يكفينى ما تيسر لى ،
لا حاجة لى إلى سواه ، نعم تموت الحرة ولا تأكل بثدييها . ثم لما اعتزل
عن "الجامعة الديوبندية" - وقد أشرنا إليه من قبل - تعاورته الدعوات
من كل جهة للتدريس برواتب سامية ومشاهرات عالية ، حتى بلغته الدعوة
من نواب دهاكه - من حدود بنكال (١) - بألف روبية مشاهرة فصاعداً، فلم
يقبل ، وهكذا له وقائع عجيبة، وكان يقول : لا يجوز عندى أخذ الراتب
الشهرى بدرس الحديث ، وإنما آخذه اضطراراً علماً منى بأنه لا يجوز ، :
فكان يتأسف بذلك جداً حتى ربما كان يبكى منه . وبلغنى عن مولانا المحترم
مولانا بدر عالم أحد أساتذة الحديث بالجامعة: أنى قلت للشيخ: لو ألفتم تأليفاً
فى شرح كتاب من الأمهات الست لنفع ذريتك من بعدك ، يعنى كان ذخيرة
لمعاشهم ، فقال رحمه الله بلهجة حزن وأسى : تغذيت بالحديث طول حياتى
وهل ترى أن يباع حديثى بعد مماتى، والله حسيبهم. فكان رجلاً عظم
الأمانة ، وكان اللّه جليلاً فى قلبه ، فاستحقر الدنيا ومتاعها ، فكانت أحتر
عنده من جناح بعوضة ، وكانت فطرته مجبولة على الحق ، وشغف فؤاده
باتباع السنة النبوية ، ووهبه الله نفساً مطمئنة قنوعاً فى المصائب والشدائد ،
صبوراً على المكاره والمكائد ، وامتلأ قلبه بخشية الله، فكانت بمكانة علياء ،
فلم يعرفه القوم ، وكان شديد الكرم ، حسن المواساة مع الطلبة وأهل العلم ،
(١) تسمى اليوم بالباكستان الشرقية". منه.
( نفحة العنبر م - ٢٧ )