Indexed OCR Text

Pages 141-160

٤٢
ے
- ١٣١ -
فى الحديث، بل تحرى استفادة نفسه، فإن الذهن يغفل والحافظة تنسى والشوارد
تند والفوائد العلمية سوائح وبوارح، والقلم حبالة لمثل هذه الأوابد ، فضبطه
لنفسه ، ثم سنح لبعض الحرصاء على علوم الشيخ أن يطبعه فى تلك الصورة
لتعم فوائده لعلماء الأمة ، وكيف ما كان، فإن هذا الإملاء وهذا الملتقط من
الإلقاء علق نفيس احتوى على لباب ما فى الباب من شرح المشكلات وغوامض
الحديث، والإعلام على مخارج الأدلة والروايات، والإستطراد لمستندات الحنفية
مما اطلع به فى كتب القوم أو فتح عليه والاستكثار من غرر نقول أعيان الأمة
من كبار المحدثين الذين هم أساطين الحديث وسلاطينه ، كالخطابى ، وابن
عبد البر ، والحافظ فضل الله التوربشتى، وعز الدين بن عبد السلام ، وابن
دقيق العيد ، وابن سيد الناس اليعمرى ، والطيبى ، وابن تيمية ، وابن القيم ،
وبرهان الدين المغلطائ، والبرهان الحلبى، والحافظ الجمال الزيلعى، وابن حجر
العسقلانى وغيرهم من أعلام الأمة وأعيان الملة رحمهم الله تعالى . ثم فوق ذلك
كله ما يسمح به صدره من شرح لطيف وإبداء أسرار شريفة ، فلهذا الكتاب
الجليل منة عظيمة على رقاب علماء الملة بالهند كافة ، وجميع مدرسى الحديث
قاطبة، ولاسيما مدرسى "الجامع الترمذى"، فإن هذا الكتاب النبيل فتح عليهم
الأبواب المنغلقة ، وأرشدهم إلى طرق التنقيب والتحقيق، ونبههم على مخارج
الحل والتفصى عن المشكلات والمعضلات، فمن بحاره يغترفون ، ومن أنواره
يسترشدون ، وبنجومه يستدلون ويهتدون، ثم ما ينكرون من مننه وما يرخون
على وجوه محاسنه سدول الإزراء والقدح أو يطعنون فى ركاكة لفظه ، فليس
إلا من كفران النعمة ، ومن لم يشكر الناس لم يشكر الله ، ومن لاحاك فقد
عاداك ، وهل يستقيم الظل والعود أعوج ، والله يقول الحق وهو يهدى
السبيل . ومن ذلك القبيل أن الشيخ عبد الرحمن المباركبورى فى " تحفة
الأحوذى " ينقل منه شيئاً ثم يرد عليه أو يؤاخذ ، كل ذلك من تعصبه مع
٤

- ١٣٢ -
الحنفية ويتعامى عن أنه ضبط أحد تلامذة الشيخ ، ليس من تأليفه بقلمه هذا ،
ولله در القائل : .
أخا العلم لا تعجل بعيب مصنف * ولم تتيقن زلة منه تعرف
فكم أفسد الراوى كلاماً بعقله * وكم حرف المنقول قوم وصحفوا
وكم ناسخ أضحى لمعنى مغيراً . وجاء بشئ لم يرده المصنف
هذا وللشيخ رحمه الله ذخائر قلمية فى أكثر مشكلات العلوم كما أسلفنا ،
ورسائل خطية، منها حاشية له على "سنن ابن ماجه"، والأسف أنه قد ضاعت
الآن ولا يدرى أين ضيعتها يد الحدثان . ومنها : رسالة فى الهيئة ألفها لبعض
أصحابه، وهو الشيخ مولانا مشبت الله البجنورى، ورسالة فى مسألة من الهندسة
وعلم المرايا والمناظر ، ورسالة فى حقيقة العلم ، ورسالة فى مسألة: "يا شيخ
عبد القادر شيئاً لله"، ورسالة فى مسألة الذبيحة لغير الله، ورسالة فى علم المعانى
مما استدركه على السكاكى والخطيب ، استنبطها من " كتاب سيبويه" و"الكشاف"
" و "عروس الأفراح " للشيخ بهاؤ الدين السبكى وغيرها. وحواش على
"الأشباه والنظائر" لإبن النجيم. وحواش على " الحواشى الزاهدية على
شرح القطبية ". وله تلخيصات، منها: تلخيص " إمام الكلام" للفاضل
اللكنوى، ومنها تلخيص أدلة الحنفية من " فتح القدير" لإبن الهام وصل فيه .
إلى كتاب الحج، وقد أشرنا إليه من قبل ، ومنها تلخيص لبعض المهات من
"حياة الحيوان" للدميرى ، وغير ذلك من بعض التلخيصات والتحريرات
بعضها من عهد تعلمه وبعضها إذ كان حديث عهد بالفراغ من التعلم ، وبعض
من آخر عهده ، وقد أبادت بعضها الطوارق ولا يؤمن على ما بقى من بوائق
الضياع ، وإلى الله المفزع والموثل . هذا ما جاد به فكرى واستحضرته طبيعى
فى هذه النهزة، وصلى الله تعالى على خير خلقه محمد وآله وصحبه أجمعين .
+
X
اے
١١
#
٠ ٩
م
٠

- ١٣٣ -
تكملة وزيادة .
كنت كتبت كلمة قبل احدى وثلاثين سنة بعد تأليفى لـ " النفحة " فى
مؤلفاته ولا بأس بنقلها هنا . فقلت :
*
مؤلفات المحدث الجليل إمام العصر مولانا
الشيخ " محمد أنور الكشميرى " الديوبندى .
إمام العصر مولانا الشيخ "محمد أنور شاه الحنفى" رحمه الله تعالى المتوفى
سنة ١٣٥٢هـ، من أكابر علماء الإسلام، من أصبح خير مثال لعلوم القدماء،
وغوصهم فى الغوامض والمشكلات ، وفى دقة النظر ، وقوة الحافظة، وشدة
الاستحضار ، وأضحى يمثل مزايا أفذاذ الأمة فى الجمع بين علوم النقل
والعقل ، مع بحث دقيق فى المعضلات التى لم تتوجه إليها العقول ، مع شى
المآثر من الورع، والتقوى ، والزهد ، والصبر ، والرضا ، وعدم حب
الجاه والشهرة ، قلما تجتمع هذه الخصائص إلا فى عباد الله المقبولين ،
والمقربين فى الحضرة القدسية الإلهية . وبالجملة فإنه كان آية من آيات الله
فى عصره وحجة على العالمين فى علمه وعمله ، وخير أسوة للناس ، ملئ قلبه
إيماناً وحكمةً ، وتحلت روحه الطيبة بملكات سامية، ومعارف عالية، وتحلت
جوارحه بالتمسك الشديد بأهداب الشريعة والسلوك على الصراط المستقيم ،
ما كان يريد تأليفاً فى موضوع ، غير أن الفتنة القاديانية فى الهند أصبحت
سبباً لتأليفه فى الرد على الفتنة ، فقام وألف كتباً ورسائل ، فقضى عليها ،
وفتنةٍ غير المقلدين الذين كانوا يطعنون بمل شدقيهم على الحنيفية أضحت
سبباً لتأليف رسائل فى هذه المواضيع ، وهكذا ؛ وهكذا ألجأته الطوارئ إلى
عدة مؤلفات ، وكذا اجتمعت عدة مجلدات من أماليه فى دروس " صحيح
البخارى" و"جامع الترمذى" وغيرهما، وكان درسه جامعاً لمزايا وعلوم، وإذا
e
F.
ـميد

- ١٣٤ -
أخذ فى تحقيق كلام فكان يلعب بالعقول ، وإذا شرع فى سرد نقول الأكابر
فكان يسحر الألباب، مارأينا مثله قبله ولا بعده، لا يقدر قدره من لم يشاهده،
ولم ير بدائع درسه وخصائص حياته العلمية ، وقد طبعت عدة مؤلفاته
.ونفدت ، ونحن نذكرهنا ما طبعه المجلس من مؤلفات هذه الشخصية الفذة ،
رحمه الله رحمة طيبة مباركة، ولم ترد بها إلا خدمةً للعلم، ونفعاً للأمة الإسلامية.
نرجو الله التوفيق لما يحبه ويرضاه .
ے
فيض البارى على " صحيح البخارى ".
شرح حافل على "صحيح البخارى" فى أربعة مجلدات ضخمة، له خصائص
لا توجد فى غيره من الشروح (جمع من أمالى إمام العصر فى درس الصحيح):
الأولى : إشباع الموضوع من سائر المظان البعيدة ، والتقاط غرر النقول
فى الباب .
الثانية : استيعاب أدلة المذاهب الأربعة وأقوال العلماء ، وترجيح ما
هو الراجح بأصول دقيقة هى من خصائص المؤلف بغاية النصفة .
الثالثة : العناية بذكر ما لم يذكره شراح "صحيح البخارى" والاكتفاء
بتلخيص كلام الشارحين فى مواضع، والحوالة عليه فى مواضع .
الرابعة: اشتماله على نفائس تحقيقات من مشكلات العلوم وأبحاث دقيقة
من البلاغة والعربية وأصول الفقه وعلم التوحيد وغيرها .
الخامسة : اشتماله على النقد العلمى والتنبيه على زلات الشارحين مع
رعاية جلالة قدرهم بنزاهة اللسان .
وعلى الكتاب تعليقات نافعة مهمة من فضيلة الأستاذ مولانا بدر عالم
الميرتيهى ( رحمه الله) من أصحاب الفيض، وفى أوله مقدمة مبسوطة، قام بنشره
ام

- ١٣٥ -
إدارة "جمعية علماء الترنسفال" فى جوهانسبرج بجنوب إفريقيا تحت إشراف
" المجلس العلمى".، مطبوع بغاية الإتقان فى قطع " نصب الزأية " على نفس
الورق الجید . , ٠.
+ العرف الشذى على "جامع الترمذى".
٣
٩٠
من أماليه أيضاً التى ألقاها فى درس " جامع الترمذى " إذا كان
شيخ الحديث بدار العلوم بديوبند - منبع العلوم الدينية فى الهند - عنى الشيخ
بها ببيان أدلة الحنفية فى المسائل المختلف فيها، وكشف الحال عن أدلة المذاهب
الأخرى باستيعاب وإنصاف ، وفيها فوائد هى من خصائص هذا الكتاب ،
طبع مرة بديوبند ، وقد أصبح نادراً، وسيقوم " المجلس العلمى " بنشره
ثانياً ، باذلاً جهده فى تحسين محياه بكل ما يفتقرإليه ، ويزيد عليه فوائد من
مذكرات إمام العصر رحمه الله ، نرجو الله التوفيق والسلامة والسداد .
مشكلات القرآن .
تفسير للآيات المشكلة من القرآن ، جمعها " المجلس العلمى" من برنامج
إمام العصر الشيخ محمد أنور شاه قدس سره ، وهو يحتوى على نكات ودقائق.
وعلوم وحقائق، زبدة مما قاله أعيان الأمة المحمدية، وما سمحت به قريحة الشيخ
من مضنوناته العالية ، وقد خَرج كثيراً من حوالاته مدير " المجلس العلمى "
الشيخ السيد أحمد رضا البجنورى، وبقى قدر كثير من الحوالات لضيق الوقت
وعدم تيسرتلك الطبعات التى أحيل إليها بالمراجعة مع مقدمة تفسيرية فى
نحو تسعين صفحة .
2
عقيدة الإسلام فى حياة عيسى عليه السلام .
كتاب حافل فى حياة عيسى عليه السلام يحتوى على أدلة وافرة من القرآن
سے

- ١٣٦ -
والحديث وآثار الصحابة وأقوال أعاظم الملة المحمدية على نهج بليغ وما
عداها من الفوائد العلمية التى أدناها تساوى رحلة، وموضوع الكتاب: إثبات
حياة عيسى عليه السلام ونزوله من السماء بما يدل عليه قواطع نص كتاب الله،
وما يشير إليه، والأحاديث فيها على سبيل المتابعات والشواهد ، وقد أفرد
رحمه اللّه رسالة أخرى الأحاديث الواردة فى هذا الباب بغاية الاستيعاب،
وستأتى قريباً .
تحية الاسلام . .
تعليقات عالية على كتاب "عقيدة الإسلام" له أيضاً، تشتمل على مباحث
دقيقة، ونكات رائقة ، وفيها فوائد تتعلق بإعجاز القرآن ومزايا بلاغته المعجزة
وأبحاث عالية فى كلمة " التوفى"، ومعناها، واستعمال القرآن إياها فى معنى
"الموت"، ورسالة للشيخ فى آخرها فى سيدنا إلياس عليه السلام.
التصريح بما تواتر فى نزول المسيح .
رسالة نفيسة له أيضاً، تحتوى على جميع ما ورد من الأخبار المرفوعة والآثار
الموقوفة فى نزول عيسى عليه السلام، بذل فيها جهده لمطالعة المسانيد والمعجمات
الكبيرة واستخراج الأحاديث منها ، وبلغ عدد الأحاديث المرفوعة فيها إلى
سبعين حديثاً بين صحيح وحسن ، حتى أصبح نزوله متواتراً من ضروريات
الدين يكفر جاحده : وعليها مقدمة بقلم بعض أفاضل أصحابه من الأساتذة
بدار العلوم بديوبند .
إكفار الملحدين فى شىء من ضروريات الدين .
كتاب له أيضاً ، لا نظير له فى بابه ، يبحث عما هو عليه مدار الإيمان
والكفر ، وما وقع من الإلتباس على الناس ، وما وقع من الخبط فى مسائل
ح
[ ٨
سبیه
5
=

٠
- ١٣٧ -
إكفار المسلم ، وغيره من الفوائد العلمية ، وتحقيق وقوع الكفر بالإنكار من
ضروريات الدين ، وتنقيح ضروريات الدين ، واستوعب الموضوع بما ذكره
فيه السلف إلى عهد الخلف ، بحيث لم يدع فراغاً فى الموضوع ، وخللاً فى
الباب ، وعرضها الشيخ رحمه الله على العلماء للبحث والتحقيق ، لتتفق كلمتهم
فى هذه المسألة المهمة ولا يبق بين علماء الأمة خلاف ، فوافقوا الشيخ كلهم فى
تحقيقه ، وقرظوا هذه الرسالة الزهراء الفريدة .
خ
ے
نيل الفرقدين فى مسألة رفع اليدين .
جزء حافل فى أدلة الحنفية ، فى ترك رفع اليدين ووجه أولويته بقول
عدل وبيان فصل ، وبيان أن الإختلاف بين الأئمة فى الأفضلية فقط لا فى
السنية والحرمة ، ونقل ذلك عن علماء المذاهب الأربعة حتى لم يبق مجال
للمشاغب والمجادل ، ورجح مسلك الحنفية رواية وتعاملاً وتعاهداً فى جماهير
الصحابة رضى الله عنهم بحيث أصبح بنياناً مرصوصاً لا يتزعزع بعواصف
الطعون واعتراضات الخصوم .
بسط اليدين لنيل الفرقدين .
تعليقات له رحمه الله على "نيل الفرقدين"، تبلغ إلى نصف الكتاب فصاعداً،
جمعها المجلس مما كتبه الشيخ بقلمه على هوامش " نيل الفرقدين"، وهى
زيادات مهمة جداً .
فصل الخطاب فى مسألة أم الكتاب .
رسالة حاوية لما فى الباب من الأدلة على مسألة الفاتحة خلف الإمام
(نفحة العنبر م - ١٨ )

- ١٣٨ -
بغاية الإنصاف، أيضاً له ، وتحتوى على فوائد كثيرة ، كما هو دأب مؤلفات
الشيخ رحمه اللّه ، وفى هذا الموضوع رسالة أخرى للشيخ بالفارسية. " خاتمة
الخطاب فى فاتحة الكتاب" أصبحت نادرة جداً، مطبوعة بديوبند .
كشف الستر عن صلاة الوتر .
رسالة بديعة أيضاً له ، فى حقيقة صلاة الوتر، ومذاهب الأئمة وأدلتها
والكشف عن مغزاها، وبيان منشأ ما وقع من الاختلاف فى أعيان الأمة فيها،
وفيها مسائل نفيسة وأبحاث رائقة فى شتى المسائل، ذكرها رحمه الله استطراداً.
أيضاً محشى بالطبع الجديد، زاد الشيخ بنفسه على الكتاب من فوائد سامية
تبلغ إلى ثلث الكتاب فصاعداً، طبعه "المجلس العلمى" مع هذه الحاشية الجليلة .
ضرب الخاتم على حدوث العالم .
قصيدة تحتوى على نحو أربعمائة بيت فى العربية ، على دلائل حدوث
العالم ، وإثبات الصانع الحكيم المريد المختار ، وأقام براهين توصل المعتبرين
إلى درجة المشاهدة والعيان ، وحقق فيها حدوث العالم وافتقاره إلى محدث
قديم ، منزه عن الزمان والزمانيات ، ومقدس عن المكان والمكانيات ، وجاء
بخلاصة ما عند علماء الطبيعة وعلماء علم الحياة وغيرهم ، فهى أدق رسالة فى
الموضوع وأحواها ، ولكنها دقيقة جداً .
مرقاة الطارم لحدوث العالم .
كتاب له أيضاً فى مسألة حدوث العالم ، وتقريب هذه المسألة إلى
الأذهان ، ودفع إيرادات واستبعادات ، وفيها نفائس من مبتكرات أفكاره
الدقيقة ما يدل على تغلغله فى علوم الحقائق وحذاقته فى علوم الفلسفة ، وكأنه
شرح لضرب الخاتم .
١
دار
ے
۔
H

- ١٣٩ -
خاتم النبيين (فارسى) .
رسالة نفيسة جليلة لإمام العصر رحمه اللّه فى تحقيق مسألة ختم النبوة ،
ليس الغرض تنوير الموضوع بالأدلة السمعية ، فإنه أمر مفروغ عنه فى كتب
القوم وفى عدة كتب إمام العصر نفسه ، وإنما الغرض تحقيق الموضوع وتنوير
زواياه الخفية بتفكير دقيق وتحقيق باهر يدهش العقول، وهذا آخر مؤلفاته،
ألفه رداً على الفتنة القاديانية .
٠۵٠
٠
الشيخ وشىء من فوائده وأبحاثه .
قد أومضت من قبل أن للشيخ رحمه الله فوائد سامية وأبحاثاً نفيسة
واستدراكات لطيفة على كثير من الضوابط والقواعد، وأدناها مما تساوى رحلة
شاسعة ، وكنت وعدت ذكر شى منها نموذجاً للسادة الناظرين ، فإنجازاً
لما وعدته وإيفاءً لما عهدته نهدى قطرةً من تلك الداماء ورشة من تلك الغادية
الهطلاء على ما بى من جمود القريحة وخمود الفطنة ، ولكن الخيل تجرى على
مساويها، وما لا يدرك كله لا يترك كله ، فذقه تغتبط وتحظ بنصيب ولا تكن
كالمربوط والمرعى خصيب والله الموفق .
فائدة ١- قوله تعالى: (وإذ قال ربك للملائكة إنى جاعل فى
الأرض خليفة) قال الشيخ رحمه الله: فيه فوائد ومسائل ، ففيه مسألة النبوة
بعد الإيمان بالله، وأنه يبعث عبداً مفترض الطاعة ، وأن إطاعة الله يعتبر
بإطاعة غيره بأمره ، وهى الفاصل فى حق إطاعة الله ، وهو قوله تعالى :
(أطيعوا الله وأطيعوا الرسول) وقوله تعالى: (وما أرسلنا من رسول إلا
ليطاع بإذن الله)، وحديث: ((قل من يعص الله ورسوله)) لإظهارهما على
حدة اقتباساً من القرآن، ولعل إطاعة أحد بحسب مقتضى العقل إطاعة نفسه،

- ١٤٠ -
وإنما تتحقق الإطاعة بمعرفة إطاعة الغير بأمر المطاع . وفيه مسألة القبح
والحسن شرعاً أوعقلاً، وفيه مسألة التعديل والتجوير، وفيه الأسماء والأحكام،
وفيه الوعد والوعيد على ما ذكره الشهرستانى ، وفيه التقدير للخير
والشر منه تعالى، وأن الإنتهاء إلى علم اللّه تعالى ولذا علمه الأسماء ، وفيه
أن الشرف فى العبدية، وفيه التوبة، وفيه أنه لا يسأل عن شئ وهم يسألون،
وفيه مسألة المراحم الملكية ، وأنها آخر الحيل وتأتى على كل عاص فإن رحمته
سبقت غضبه، وفيه تفضيل الأنبياء على الكل، وفيه مسألة الإيجاب والإختيار .
فهذه ست عشرة فائدة ، ومسألة استنبطها الشيخ قدس سره برمتها ، ذكرها
فى منهيته على رسالته "خاتم النبيين" ذكرناها بلفظه إيجازاً واختصاراً إلا بتغير
يسير، وإيضاحها يستدعى بحثاً وتفصيلاً، والله المستعان.
فائدة ٢- قال الشيخ فى رسالته " فصل الخطاب": لم تنسخ صلاة
الليل بأصلها وإنما عادت من الطول إلى التيسير، وأقلها الوتر عند أبى حنيفة وهو
منها فلم ينسخ أصلها وإنما خفف فى صفتها ، وقد أشار البخارى إليه فى
الترجمة فقال: باب قيام النبى ◌َّ بالليل ونومه وماينسخ من قيام الليل ،
وقوله: ( يا أيها المزمل قم الليل إلا قليلاً نصفه) إلى قوله: (سبحاً طويلاً)
وقوله : (علم أن لن تحصوه فتاب عليكم ) إلى قوله : ( واستغفروا الله
إن الله غفور رحيم) آهـ. وعليه بنت الشريعة اعتباراتها فى الأحكام والعبارة،
فجعلت للعشاء إلى ثلث الليل أو نصفه وبعده لقيام الليل، آخذاً من قوله تعالى:
( يآ أيها المزمل قم الليل إلا قليلاً نصفه أو انقص منه قليلا أو زد عليه ورتل
القرآن ترتيلا) فإذا كان نصف الليل للقيام بقى للعشاء نصفه، وإذا زاد على
النصف إلى الثلثين للقيام بقى للعشاء ثلث ، وإذا مضى نصف من الليل كان .
نزول الرب تعالى إلى سماء الدنيا لهذا ، وهو قوله تعالى : ( أقم الصلاة طرفى
(١)
-
KE
ء
خ
:

٠
- ١٤١ -
النهار وزائماً من الليل )، ولذا جاء التنويع فى وقت العشاء من الثلث إلى النصف
بكلمة "أو" فى الحديث بتنويع فى قيام الليل فى القرآن بها ، وعليه بناء باب
البخارى: "باب الدعاء نصف الليل من الدعوات"، كما شرحه "فى الفتح"،
وقال: (علم أن سيكون منكم مرضى وآخرون يضربون فى الأرض يبتغون
من فضل الله وآخرون يقاتلون في سبيل الله فاقرءوا ما تيسر منه) فبنى عليه
حديث ثوبان عند "الدارمى" وغيره عن النبي ◌ُّم قال: ((إن هذا السهر جهد
وثقل، فإذا أو تر أحدكم فليركع ركعتين، فإن قام من الليل وإلا كانتا له اه).
أخذ من قوله: (وآخرون يضربون فى الأرض الآية ) فليس فى آخر "المزمل"
نسخ لأصل قيام الليل ولا حرف، وإنما هو تخفيف فى الصفة ، فالوتر أدنى
بما يكون من صلاة الليل ويكون تجدد فيه وصف الإيتار لا أصله ، ذكره
الخطابى فى "معالم السنن" كتجدد الركعتين فى الرباعية بعد الهجرة، ولعل
حضرة الوترية الأحدية فى حديث: ((إن اللّه وتريحب الوتر)) اصطفت
الليل، فلذا كانت وتر صلاة النهار صلاة المغرب وهى ليلية، ولا تنافيه الجماعة
فيها ، فإن هذه الحضرة لابد أن يكون لها تعلق بالعباد أجمعهم ، فيأتواما
أحبته واصطفت ، فموجب الوتر مرزوق عن هذه الحضرة ، فلا تكن إن
شئت ممن قيل أن العاقل محروم ، وراجع " الفتوحات من حضرة الأفراد"،"
فما سبقت آية : (فاقرؤا) إلا لبيان حال صلاة الليل ، لكن لا نصدق إلا بأن
يكون مجموع ما قرأ به تحته والتيسير إنما هو فى القدر وإن لم تسق لبيان أحكام
القراءة، وقال فى الحديث: ((فأوترواياً أهل القرآن)) فأحال على القرآن
لجال القران ، انتهى كلامه الشريف ، هذا وأصل الرأى وإن كان الشيخ
مسبوقاً به ولكن تحقيقه وتنقيحه بهذا النمط البديع مما أن الشيخ أبو عذرتها،
فاغتنمه والله الموفق .
ن۔
٦

٠
- ١٤٢ -
فائدة ٣ - قال الشيخ قدس سره فى " إكفار الملحدين " وغيره
- وسمعنا منه غير مرة - : إن التواتر فى أمور الشريعة عندى على أربعة أنواع :
=
الأول: تواتر الإسناد، وهو أن يروى الحديث جماعة يستحيل تواطؤهم
على الكذب فى كل قرن من القرون ، وهذا تواتر المحدثين، كحديث: ((من
كذب على متعمداً فليتبوأ مقعده من النار)) ذكر فى "الفتح" أنه ثبت صحيحاً
وحسناً من طريق ثلاثين صحابياً (١).
(قال الشيخ) قلت : وأحاديث ختم النبوة جمعها بعض أصحابى فبلغت
أزيد من مائة وخمسين منها نحو ثلاثين من الصحاح الستة . (قال الراقم عنا
الله عنه: وليلحق بهذا أحاديث نزول عيسى عليه السلام فإنه قد جمعها شيخنا
رحمه الله تعالى ووصلت إلى سبعين حديثاً صحيحاً وحسناً، ولعل رواية من
الصحابة تبلغ إلى ثلاثين نفساً، ولفظها : وإن لم يكن متواتراً كالحديث المذكور
لكن المعنى متواتر قطعاً لا محالة ).
=
تـ
والثانى : تواتر الطبقة ، كتواتر القرآن، تواتر على البسيطة شرقاً وغرباً
درساً وتلاوةً حفظاً وقراءةً، وتلقاه الكافة عن الكافة طبقةً عن طبقة ،
إقرأ وارق إلى حضرة الرسالة، ولا تحتاج إلى إسناد يكون عن فلان عن فلان،
وهذا تواتر الفقهاء - فى أكثر مصطلحاتهم -. وقال الشيخ فى " نيل
الفرقدين"(٢): وهذا "القرآن المجيد" كيف تواتر على وجه البسيطة عند المسلمين
تواتر طبقة بعد طبقة بحيث لا يوجد أحد منهم لا يعلم أن كتاباً سماوياً نزل
على النبى معَةٍ وأنه بأيدينا ، ومع هذا لو طلبنا تواتر إسناد كل آية منه
لأعوزنا ذلك الأمر وعجزنا اهـ .
(١) وما قاله ابن الصلاح: من اثنين وستين صحابياً، وقال بعض: من بضعه" وسبعين
صحابياً ، وبعضه غير ذلك فلعله يبلغ الى ذلك بمجموع الطرق الصحيحة"
(٢) ص ٨٨
والحسنة" والضعيفة" فليتنبه. من الراقم عفا الله عنه .
2
٨
٤

(٨
- ١٤٣ -
٠
والثالث : تواتر العمل والتوارث ، وهو أن يتوارث التعامل بعمل
بين المسلمين فى كل قرن من القرون ، أى من قرن الرسالة إلى آخر القرون،
والعمل برفع اليدين عند الركوع وترك العمل به وأمثال ذلك المسائل من
هذا القبيل من التواتر، وهذا الثالث قريب من الثانى . وقال الشيخ فى " نيل
الفرقدين ": ونظيره فى العقليات أن الضرورى عند النظار ما لا يكتسب
علمه بوسط نحو ما يحصل بإحدى الطرق الست عندهم من : الأوليات ،
وقضايا قياساتها معها ، والمشاهدات ،، وفيها الحسيات والوجدانيات ، ومن
المحرّبات ، والحدسيات ، ومن المتواترات فى إفادة تحققها عمن تواترت عنه
لا فى الحكم المفاد بها، فإنه قد يكون نظرياً ، نعم وعلم الانتزاعيات والصفات
المنضمة إلى النفس أيضاً عند من لم يخص الضرورى بأنه لا بد أن يكون قسماً
من غير العلم الحضورى ، بل عممه وهو عند بعض حذاقهم ، والكسبى
ما يحصل بوسط ، ثم كثيراً ما يكون عند الإنسان عدة لتحصيل النظرى من
المقدمات المخزونة حتى يستمد منها عند سنوح الحاجة فيهيئ لها عدة من سابق
حتى لا بعوزها عند الحاجة بخلاف البديهى ، فكثيراً ما لا يدخر لها عدة بل
· لا يذهب إليها ذهن ، فربما يكون النظرى معلوماً ويكون البديهى مجهولاً ،
وهذا كثير، والجاهل بتلك الصنعة يزعم أن ما هو بديهى فإنما يكون معلوماً
لكل ، وأن ما يجهل هو الذى قد يكون نظرياً ، فهكذا فيما نحن فيه قد يعوز
تواتر الإسناد فى المتواتر العملى ، ولا يعلم كيف يخفى هذا على الناس ومن
تمر عليه الدنيا ، ولا يعلمون أن هذا الصنيع يعود وبالاً ويلزم أن الدين قد
اختلط من الأول ولم يبق إلى معرفته سبيل يوثق به ، وماذا يحصل ويعود
بالتشكيك فى الضروريات ، وذلك كما نقل عن ابن مسعود فى إنكاره أن
تكون المعوَّذتان من القرآن ، وقد تواتر وجودهما فيه عن ابن مسعود فى
الخارج ممن قرأ عليه ، كما أوضحه فى "فواتح الرحموت فى شرح مسلم الثبوت":
VT
و
جم
:

- ١٤٤ -
وبالجملة لا يحتاج التوارث المتواتر وتواتر الطبقة إلى إسناد متواتر ،
ولا يدفعه خبر واحد ، ويكفى فيما كان مقطوعاً به فى الأصل بقرائن قاطعة
تسامع بعد ذلك والله أعلم .
والرابع: تواتر القدر المشترك - وهو أن يكون الشئ مروياً بطرق.
أخبار الآحاد ، وكان بينها نوع تخالف نوعى أو جنسى ، ولكن اتفقت
جميع تلك الروايات على قدر مشترك متحد فى الجميع - وهذا كتواتر المعجزة،
فإن مفرداتها وإن كانت آحاداً لكن القدر المشترك متواتر لا محالة .
قال شيخنا محقق العصر العلامة العثمانى فى مقدمة " فتح الملهم": وهذه
الأقسام الأربعة للتواتر وإن كانت جزئياتها منتشرة فى كتبهم لكنهم لم يكونوا
يذكرونها عند التقسيم ، وأول من ربَّع القسمة وسمى كل قسم بإسمه فيما نعلم
الشيخ العلامة الأنور أطال الله بقاءه (قدس الله سره)، وهو تقسم حسن آهـ .
وقال الشيخ رحمه الله تعالى: وقد تجتمع أقسام (من التواتر) كما فى أشياء من
الوضوء كالسواك من المضمضة والإستنشاق . ثم إن التواتر يزعمه بعض الناس
قليلاً ، وهو فى الواقع يفوت الحصر فى شريعتنا ويعجز الإنسان أن يفهرسه،
يذهل الإنسان عن التفاته، فإذا التفت إليه رآه متواتراً، وهذا كالبديهى كثيراً
ما يذهل عنه ويحفظ النظرى ، وإذا علمت هذا فنقول : الصلاة فريضة ،
واعتقاد فرضيتها فرض ، وتحصيل علمها فرض ، وجحدها كفر ، وكذا
جهلها . والسواك سنة ، واعتقاد سنيته فرض ، وتحصيل علمه سنة، وجحودها
كفر، وجهله حرمان ، وتزكه عتاب أو عقاب اهـ .
فائدة ٤ - قال الشيخ رحمه الله: الحديث الصحيح عندى على أربعة:
أقسام . القسم الأول: ما كان رواته ثقات وعدولاً ، كاملى الضبط والإتقان،
من غير شذوذ وعلة قادحة ، ثم ساعده تعامل السلف . والقسم الثانى : آن

- ١٤٥ _
يصححه إمام من أئمة الحديث المتقنين خاصة . والقسم الثالث : أن يخرجه
فى كتابه من التزام الصحة فى ذلك الكتاب، مثل "صحيح ابن خزيمة" و"صحيح
ابن السكن" و"صحيح ابن حبان" و"صحيح ابن عوانة" و" النسائى"، فهذا
عندى صحيح وإن لم يصرح بصحته خاصة ، فكأن التزامه لتخريجه الصحيح
دون غيره دليل على صحة الحديث الذى خَّرّجه . والقسم الرابع : ما سلم رواته
عن جرح، وأن يكونوا ثقات . فهذه أربع مراتب للصحيح ، فالقسم الأول
منها أعلاها وأقواها ، ثم وثم إلى الرابع".
فائدة ٥. اعلم أن الإيمان محله القلب ، قال تعالى : (وقلبه مطمئن
بالإيمان ، كتب فى قلوبهم الإيمان ، ولم تؤمن قلوبهم ، ولم يدخل الإيمان
فى قلوبكم)، وقد قرن كثيراً بالصالحات، (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات)،
وقليلاً من المعاصى : ( والذين آمنوا ولم يهاجروا ، وإن طائفتان من
المؤمنين اقتتلوا) ، ومتعلقه أى المؤمن به قد تكون الأعمال أيضاً باعتبار
اعتقادها ، فلذلك يطلق عليها أيضاً . والإسلام تسليم نفسه إلى الله ورسوله
وإطاعتها ، ثم هناك مقامات: مقام التمييز للإفتراق فى الواقع : (ولكن
قولوا أسلمنا)، ومقام الهداية إلى الإحتياط والتفويض إلى الله ومنه: (أو مسلماً)
وهذا إذا حكى حال آخر فلا يخرج الحاكى عن رتبته ، وليحكم بالظاهر فقط
وحسابه على اللّه، ومقام مدح فيحسن بالأمور الغائبة لأنه الإخلاص والنصوع:
(الذين يؤمنون بالغيب)، ومقام هداية من جانب المتكلم ابتداء وتعليمه لمن يدخل
فى الإسلام فيحسن إطلاقه على الأعمال أيضاً لأنه يعلمه الناقص ابتداء من
عنده ، ومنه حديث وفد عبد القيس بخلاف الحكاية عن آخر ، وقول
البخارى : "باب إذا لم يكن الإسلام على الحقيقة" كأنه استثناء مما حققه.
*1
Vu
٣
( نفحة العنبر م-١٩ )
لمبا
٦

٥ ٥٧ ٢٠٠٠٠٠٠٠
- ١٤٦ -
فى الأبواب السابقة، وقوله : "كفردون كفر" أى قد يكون كذلك لا أنه
كلية، وقوله : "ولا يكفر صاحبها" أى لا يقال أنه كافر بل به شىء من الكفر،
وهو من شأن أعماله لا من شأن أعمال الإيمان . وأماحديث جبريل فكأنه عنده
بعض شئ وليس منتهى ما جاء فى المسألة ، وبعض العلم لا كل ما انتهى إليه
الأمر، وأيضاً فلما لم يعرفه النبى عَّكُلٍّ ولم تكن هناك قرينة أنه يريد الدخول فى
الإسلام ابتداء وعرف أنه يعرف لفظ الإيمان بخلاف وفد عبدالقيس، ففيه:
أتدرون ما الإيمان بالله؟ وبالجملة ههنا السائل هو الذى ابتدأ به، فهو قد وصل
إليه لفظه فجرى المجيب على أن عندالسائل علماً به وأجاب بما هو جذره وهو
الإيمان بما غاب عنا ، فإن الأمر الذى يعد فى عقد القلب إطاعة وتسليماً لإختيار
العبد هو هذا . وبالجملة لما لم يعلم من السائل ههنا أنه يسأل ليعمل بنفسه ،
وأنه ليس عنده علم به قبل ذلك جرى الجواب على الأصل لما أن السؤال لمحض
جمع العلم وادخاره عنده لالتدريبه وتمشيته على العمل، وقوله : "سباب المسلم
فسوق وقتاله كفر" لما ذكر الفسوق للسباب وهو أدون أطلق على الأشد كفراً،
أوهو من شأن الكفار، أوهو ناظر إلى حديث: ((عصموا منى دماءهم وأموالهم))
فإذا أعطاه الإسلام أماناً وعصمة فتعرض له أحد فقد أخذه كافراً ، وإذليس
هو فالأول، وهو كحديث: ((من قال لأخيه: "يا كافر" فقد باء به أحدهما))
على قاعدة: "جزاء سيئة سيئة مثلها"، وكحديث: (( لا ترجعوا بعدى كفاراً
يضرب بعضكم رقاب بعض)) وكرجوع اللعن . وهذا مانقلته من مذكرة له رحمه الله.
فائدة ٦، قال الشيخ رحمه الله فى "كشف الستر عن صلاة الوتر" (١):
ثم ما ذكرناه من التوسط بين التعطيل والتشبيه فى شرائع الأنبياء فذلك يفهمه
من عنى بمعرفة مذاهب الفلاسفة والمشبهة ، فالفلاسفة مذهبهم الإيجاب، وأنه
ء
4
٠٩
(١)
(١) ص - ٨٢
٨
٠٠
٢٠

- ١٤٧ -
تعالى المبدؤ الأول وعلة العلل ، والعلة ما فى طباعها صدور المعاول ، فليس
البارى عندهم فعالاً لما يريد، وقديلبس بعضهم بإطلاق الإرادة ، ولكن
يقول: إذا كان حياً وعالماً وقادراً بمعنى "إن شاء فعل وإن لم يشأ لم يفعل" لا
بمعنى "إن شاء فعل وإن شاء لم يفعل"، فمن اتصف بالحياة والعلم والقدرة فهو
المريد . وبعضهم يقول : حقيقة إرادته غير حقيقة إرادتنا ، لكن مع هذا
اتفقوا على أن ما هو صادر عنه فهو واجب الصدور عنه ، وأنه لا يقدر على
إعدام العالم، وأن الإمكان منحصر فيما استعدت له المادة وغيره محال، فما لم تستعد
له المادة دخل عندهم فى المحال ، فالعالم عندهم واجب الصدور عنه وإعدامه
محال ، وكذا إيجاد غير هذا العالم محال وهكذا، وقال الله تعالى بعد الصرائح :
(ضرب الله مثلاً عبداً مملوكاً لا يقدر على شىء ومن رزقناه منا رزقاً حسناً
فهو ينفق منه سراً وجهراً هل يستوون الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون) وهذا
يدخل فيه مسألة خلق أفعال العباد . وهل من شأن الإمكان الإيجاد ؟ وهل فيه
طبيعة الوجوب ولو بالغير ؟ وقد أنكره ابن رشد فى "تهافته"، وهم يستطيعون
فى جانب الوجود أن يعتبر واعلاقة الوجود مع الوجود نفسها قدرةً وإرادةً،
وكيف اعتبروها ؟ وتخيلوها ولكن هذا محض التعطيل ، ويلبسون فى جانب
الوجود بأن إرادته لكمالها لا تترد بين الجانبين وتنحصر فى جانب واحدٍ ، والواقع
أن انحصارها إنما هو لوجوب صدور العالم عندهم. فإذا سئلوا عن جانب العدم
تلجلجوا وجاء الحق وزهق الباطل ، وبهذا يسقط ما يقال من جانبهم ويخال
أن الإيجاب بالذات والإرادة متوافقان لا يتدافعان ، فالإيجاب على حسب
الإرادة ووفتها وبالعكس ، فانحصر أحدهما فى الآخر واستترفيه ، فيقولون:
شاء ما فعله وفعل ماشاءه، ولم يشأ مالم يفعله ولم يفعل مالم يشأه، وذلك أن القدرة
على الجانبين والمخصص الإرادة ، فلا إيجاب . وقد ذكر ابن رشد عنهم ما
: ذكرنا، ومع هذا قد صرح بعدم القدرة على الجانب الآخر بل الذى يظهر
ے

٠
- ١٤٨ -
من كلامه أن الإمكان عنده هو الاستعدادى وخلافه الممتنع ، ولا إمكان ذاتياً
عنده ، والإستعدادى هو الذى ينطبق عليه كلامهم فى مسألتهم : · "الحادث
بالزمان مسبوق بالمادة والمدة"، إذيستدعى موضوعاً لا على الإمكان الذاتى،
فكلامهم وكلام المتكلمين لم يتواردا فى النفى والإثبات على محل، ولم ينبه عليه
أحد من الفريقين ، ثم رأيت بعضهم قد تعرض له، وكذا ليس عند ابن رشد
للممكن بالذات الواجب بالغير معنى ، وكذا لا يقسم الامتناع إلى الامتناع
بالذات والامتناع بالغير، وكذا لعله لا يضع الحدوث الذاتى أيضاً، وكل ذلك
عنده من اختراع ابن سينا ، مع أنه لحاظات عقلية ، وعدم القدرة على
الجانب الآخر مصادم للقواطع الشرعية ، فإرادة التوفيق بين الشريعة وبين
الفلسفة من هوس الشيطان ، ولاحول ولاقوة إلا بالله .
ثم رأيت فى أواخر الثامن من أثولوجيا ونوادر العاشر ما يصرح بها
ألزمناهم به ، قال: كل ماصدر بروية وفكرة فيمكن أن لا يدوم ويبيد، يعنى
لتبعه الإرادة، فإذا لم تتعلق بإدامته بادَ ، بخلاف ما كان بالإيجاب الذاتى فهو
دائم ، وهل يلزم من كلامه حدوث ما بالإرادة والاختيار بتأمل فيه جداً ،
والذى يظهر أن الروية عنده غير الإرادة، وقد أكثر من ذكر الأولى ونفيها
عن المبدء الأول ، وصرح به فى موضع من الرقم الخامس باستلزامها حدوث
ماروى فيه بخلاف الإرادة، فذكرها فى غاية القلة كما فى آخر نوادر العاشر،
ولعله يأول إرادة إبداعية كما يقولون بالجعل الإبداعى فى العقول والحدوث
الذاتى، وما ذكرناه عن أرسطو ينفى ما أول به أبو البقاء، كلامهم فى الإيجاب
أنه لا ينفك الفعل عن ذاته، لا لإقتضاء الذات إياه بل لإقتضاء الحكمة، وكذا
ما ذكره ولى الله على " الصدرا" فى العناية، فالله تعالى عندهم علة وليس
بفاعل ، وعلى لسان الأنبياء فاعل ليس علة ، فجاء الأنبياء عليهم السلام
وشرعوا القبلة المسجد الحرام والبيت الأقصى ، وشرعوا قبلة الدعاء السماء

-4
- ١٤٧ -
تعالى المبدؤ الأول وعلة العلل ، والعلة ما فى طباعها صدور المعاول ، فليس
البارى عندهم فعالاً لما يريد، وقديلبس بعضهم بإطلاق الإرادة ، ولكن
يقول: إذا كان حياً وعالماً وقادراً بمعنى "إن شاء فعل وإن لم يشألم يفعل" لا
بمعنى "إن شاء فعل وإن شاء لم يفعل"، فمن اتصف بالحياة والعلم والقدرة فهو
المريد . وبعضهم يقول: حقيقة إرادته غير حقيقة إرادتنا ، لكن مع هذا
اتفقوا على أن ما هو صادر عنه فهو واجب الصدور عنه ، وأنه لا يقدر على
إعدام العالم، وأن الإمكان منحصر فيما استعدت له المادة وغيره محال، فما لم تستعد
له المادة دخل عندهم فى المحال ، فالعالم عندهم واجب الصدور عنه وإعدامه
محال ، وكذا إيجاد غير هذا العالم محال وهكذا، وقال الله تعالى بعد الصرائح :
(ضرب الله مثلاً عبداً مملوكاً لا يقدر على شىء ومن رزقناه منا رزقاً حسناً
فهو ينفق منه سراً وجهراً هل يستوون الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون) وهذا
يدخل فيه مسألة خلق أفعال العباد . وهل من شأن الإمكان الإيجاد ؟ وهل فيه
طبيعة الوجوب ولوبالغير ؟ وقد أذكره ابن رشد فى "تهافته"، وهم يستطيعون
فى جانب الوجود أن يعتبر واعلاقة الوجود مع الوجود نفسها قدرةً وإرادةً،
وكيف اعتبروها ؟ وتخيلوها ولكن هذا محض التعطيل ، ويلبسون فى جانب
الوجود بأن إرادته لكمالها لا تترد بين الجانبين وتنحصر فى جانب واحد ، والواقع
أن انحصارها إنما هو لوجوب صدور العالم عندهم . فإذا سئلوا عن جانب العدم
تلجلجوا وجاء الحق وزهق الباطل ، وبهذا يسقط ما يقال من جانبهم ويخال
أن الإيجاب بالذات والإرادة متوافقان لا يتدافعان ، فالإيجاب على حسب
الإرادة ووفتها وبالعكس ، فانحصر أحدهما فى الآخر واستترفيه ، فيقولون:
شاء ما فعله وفعل ماشاءه، ولم يشأ مالم يفعله ولم يفعل مالم يشأه، وذلك أن القدرة
على الجانبين والمخصص الإرادة ، فلا إيجاب . وقد ذكر ابن رشد عنهم ما
ذكرنا، ومع هذا قد صرح بعدم القدرة على الجانب الآخر بل الذى يظهر
١١٥
5.

ے
- ١٤٩ -
والإشارة للإقبال على الله والعبادة البدنية بتقييد جهة فوق المعرفة العقلية
المحضة ، وأثبتوا المعاد الجسمانى ورؤية الله تعالى ، وأثبتوا الأفعال الإختيارية
له ، وأنه ليس كمثله شئ وهو السميع البصير ، وشرع إبراهيم عليه السلام
شيخ الأنبياء وأبو الأنبياء وإمام الأمة صاحب الملة والقبلة ملته الحنيفية ، وهى
الإعراض عما سوى الله والإنفراد له ، وسن رفع اليدين والتوجه والركوع قبل
السجود، ولم يكن الركوع عند بنى إسرائيل ، صرح أبو حيان مشاهدة منهم،
ولعل التطبيق الذى ذكره سيف فى "الفتوح" عنهم عن عائشة وهو فى غير
الركوع ، وشرع السجود على الجبهة ، وكان السجود عند بنى إسرائيل على
جبين واحد من الجبينين ، صرح به فى " فتح العزيز"، ورفع يديه فى
دعائه لمن أسكن من ذريته بوادٍ غير ذى زرع ، كما عند البخارى من كتاب
الأنبياء ، وعلى الحنيفية ما عن زيد بن عمرو بن نفيل عند البخارى للإشارة
والاستشهاد، فهذه الإشارات لا يستطيع فهمها المعطل المحض، ونصت الشريعة
المحمدية أن فى استقبال القبلة ورفع اليدين إقبالاً على اللّه ، فإن اللّه ينصب
وجهه لوجه عبده ما لم يلتفت ، كما عند الترمذى ، وفى كتب اللغة: نحر
المصلى فى الصلاة انتصب ونهد صدره ، أو وضع يمينه على شماله، أو انتصب
بنحره إزاء القبلة ، وفلاناً قابله . وفى "شرح الإحياء" عن " القوت": إن
تحت الصدر عرقاً يقال له الناحر، ومنه: (فصل لربك وانحر) وأن فى
القيام والقراءة مناجاة معه ، وأن فى الركوع تعظيماً له كالتعظيم فى الشاهد،
نريد أن فى الركوع محض تعظيم له ، وهو وسيلة كالانحناء فى الشاهد بخلاف
السجود، فإنه ليس محض وسيلة بل هو انتهاء إلى غاية هو أقرب ما يكون العبد
من ربه وهو ساجد، أريد أن الركوع تعظيم يأتى فى البين وينتهى ، والسجود
غاية الغايات وليس طريقاً فقط ، كما أن الركوع طريق يجوزه ، وقوله
تعالى: ( يمريم اقنّى لربك واسجدى) أخذ بمبدأ المبادى ثم غاية الغايات،
:
: