Indexed OCR Text
Pages 101-120
(4 - ٩١ - الفقه اهـ. وهذا تفصيل لابد من المصير إليه والله أعلم انتهى (١). المثال الثانى: اختلف الأئمة فى مسألة المصراة، والحديث فيها مشهور، فذهب مالك والشافعى وأحمد وأبويوسف إلى : أن التصرية , عيب يرد به المبيع ، ثم عن أبى يوسف روايتان فى رد صاع من التمر معها أو قيمة اللبن ؟ وقال أبو حنيفة ومحمد: لا يرد ، والحديث وارد عليهما . فاختار الحنفية فى الجواب مسالك واضطروا إلى العمومات فى مقابلة الخصوص من الآثار والنصوص ، وأحسن من أجاب منهم الإمام الطحاوى فى " شرح معانى الآثار"، وهو أول من أجاب منهم، فعارضه بحديث ((الخراج بالضمان))، وهو حديث قوى ، وليراجع تفصيل جوابه من كتابه ، فقال الشيخ رحمه الله: جواب الطحاوى وإن كان أحسن مما استدلوابه من العمومات والقياس واتبعه المتأخرون غير أنه أيضاً لا يجدى حسب تفصيل فقهائنا الحنفية رحمهم الله، حيث قسموا العيب فى مسألة خيار العيب إلى ثمانية أقسام ، فإن الزيادة إما متولدة من المبيع أو غير متولدة ؟ وكل منهما إما متصلة أو منفصلة . فهذة أربعة أقسام، وكل منها إما قبل القبض أو بعده ، فصارت ثمانية . والذى يحمل عليه حديث الخراج بالضمان عندهم هى الزيادة الغير المتولدة ، فكيف يجدى استدلاله العام الذى يحتمل وجوهاً ومحامل ؟ ثم قال : والذى تحقق عندى أن الحديث من باب الديانة لا من باب القضاء ، فتجب الإقالة على البائع ديانةً ، فإن مدار القضاء على الظواهر لاالسرائر، فالسرائر لاسبيل إلى علمها ، وحينئذ يوافق الحديث مسائل الحنفية أيضاً ، فقد صرح الشيخ ابن الهام فى " الفتح" من باب الإقالة : أن الغرر قولى وفعلى، وعلى الأول تجب الإقالة قضاء ، وعلى الثانى ديانة، ولاريب أن ههنا غرر فعلى، فتجب الإقالة ديانة، ولم أرمن تنبه له ، وقد صرح فى "الوجيز" و" التهذيب " و " الحاوى": أنه يرد فى = (١) فتح الملهم ص - ١٨٨ - ٩٢ - مثل هذا عند التراضى ، (فصار من باب الديانة أو قريباً منها) . ومماقلت : أوعكسه متعيب لم يردد زيادة المنفصل المتولد ثم فى "التهذيب" و"الوجيز و"ال . حاوى" الجواز بالتراضى يحمل والفرق بين القضاء والديانة قد سلمه الشافعية أيضاًفى كثير من المسائل . هذا ما استفدته ولخصته من " العرف الشذى" و" فيض البارى" من تقارير الشيخ رحمه الله فى درس الحديث، ومن شاء التفصيل فليراجعها ، والله الموفق وبه نستعين . الشيخ وسعيه فى خدمة المذهب الحنفى . لعلك فهمت مما أسلفنا من آداب الشيخ ومزاياه الخاصة أنه قد تغلغل فى فقه الحديث النبوى ووصل إلى أسرار الفقه وأغراض المجتهدين بالذروة العليا والغاية القصوى ، فهذا الشيخ الإمام حبر الأمة قد خدم المذهب النعمانى برهة طويلة فى دروس الحديث، دروس "سنن أبي داود" و"جامع الترمذى" و "الصحيح" للبخارى وغيرها، وفى رسائله المؤلفة فى المواضع المهمة ما سنذكرها إن شاء الله تعالى، وفى مجالسه ومحافله ومواعظه وخطبه، فكم من أحاديث قد استدل بها له ! وكم من آثار احتج بها له ! وكم من المسائل الجزئية فى الفقه الحنفى قد رصص بنيانها ! وكم. من قواعد كلية وضوابط عامة للمذهب أسس عمرانها ! وكم من غوامض ودقائق وصل إليها فكره ! وكم من سوانح وقتية جاد بها نظره وسمح بها لسانه ، وقد قضى نحو ثلاثين عاماً وهو شطر عمره الشريف فى خدمة مذهب إمامنا ومقتدانا الإمام القطب الذى تدور حوله رحى الفقه من فقهاء الأمصار الإمام الكوفى أبى حنيفة التابعى رحمه الله ، فحاز كنوزاً وذخائر من الدلائل والشواهد والآثار والمتابعات، وكان قد يجرى على مقوله كان الله خلقنى لتأييد مذهبه، وقد يقول : قدأسست بنيان الحنفية بحيث ـ٣ - إيمير .. - ٩٣ - لا يفنى مذهبهم مائة سنة إن شاء الله . وضبط ذلك فى مضابطه وجمع فيها ذخائر لو بسطت اليوم مرتبة منتظمة مفصلة على الطريقة التأليفية على الأوراق، وجمعت نقول الأسفار التى أحال عليها برمز صفحاتها لبلغت أجزاء كبيرة مما يتعلق بالفقه الحنفى فقط دون سائر العلوم ، فلوأمعن خبير عاقل فى مساعيه الجميلة وآثاره الباقية الصالحة لاعترف بمنن هذا الشيخ ، ولاعترف بأن وجوده كان تأييداً ربانياً للمذهب النعمانى بدا فى هذه القرون المجدبة والعصور الماحلة . وكان يقول : ما رأيت مسألة فى الفقه الحنفى لم تكن له حجج مؤزرة أزيد من مذاهب الأئمة أو مساوية لها ، اللهم إلا فى مسألة الخمر، فإن دلائل الجمهور فيها غالبة كثيرة لم أفزلقول الإمام بشى يقاوم براهينهم ، وكان يذكر مسألة أخرى نسيتها الآن . وكان ينبه الطلبة تنبيهاً عظيماً بأن لا يذهب وهلكم إلى ضعف مذهب إمام من الأئمة المجتهدين ، فكلهم أئمة قدوة ، ولنا فيهم أسوة ، ولكل وجهة هو موليها . فهذ احاله من خدمة المذهب الحنفى ، نعم جذب الزمام بريض الصعاب ، ومن طلب عظيماً خاطر بعظيم. ع : إذا كانت النفوس كباراً = تعبت فى مرادها الأجسام . درجته فى سائر العلوم العقلية والعلوم الغريبة والعلوم العربية، ومطالعته زبر المحققين ، وبيان بعض فوائده. لما كان التعطش إلى درك حقائق العلوم والوصول إلى ذروة سنامها دأبه الطبعى وعادته الفطرية أنفد وسعه وسعى سعياً حثيثاً فى مطالعة كتب أئمة الفنون من سائر العلوم من كتب الفلسفة الطبيعية وأسفار الفنون الإلهية وكتب الحقائق والتصوف وتحصيل العلوم الغريبة من: النجوم، والرمل ، والجفر، والموسيقى، والقيافة، وفنون الهندسة ، والرياضى بفنونه من: فن الربع المقنطر، والربع المجَّيب، والأسطرلاب، والمناظر، والمرايا ، وما عداها مما يتعلق به . 3 ٠ - ٩٤ _ وهكذا فى علوم العربية وعلوم البلاغة ، فطالع " كتاب سيبويه" وعدة شروحه ، وكان يعده من أصعب كتب العربية بل أصعبها على الإطلاق ، وطالع من الفلسفة "الشفاء" و " النجاة" و "التعليقات" و"الإشارات" لابن سينا وشروح "الإشارات" للإمام الرازى و"المخذول الطوسى" و"المحاكم". وطالع " القبسات " و "الأفق المبين" من تصانيف باقر داماد الفيلسوف الحاذق الرافضى ، وطالع تصانيف الصدر الشيرازى الشيعى من كتاب " الأسفار الأربعة" وغيره . وكان يقول: هو حاذق فى الفلسفة والتصوف بلغ فيها الغاية، وطالع " دائرة المعارف" البستانى و"دائرة المعارف" لفريد وجدى حرفاً حرفاً. وكان يطالع " تفسير الطنطاوى" جزءاً جزءاً كلما يطبع منه جزء ويصدر ، وطالع من كتب الفلسفة الجديدة ما ترجم إلى اللغة العربية من اللغة الفرنساوية والإنجليزية كالدروس الأولية وغيرها ، فحوى علماً عظيماً بالفلسفة الجديدة وآراء المعاصرين ، ويقول : " تفسير الطنطاوى " احتوى على ذخيرة عظيمة من العلوم الحديثة والفنون الجديدة ، وكان يقدره من هذه الجهة فحسب ، وكان رحمه الله حصل اللغة الإنجليزية فى نحوستة أشهر حتى قدر على التحاور فيها والاستفادة من كتبها، بيد أنه رسخت عنها نفرة عظيمة فى قلبه ، فما نبس بعده بكلمة منها ، ولم يطالع شيئاً منها حتى لقى الله تعالى . وأحاط علماً بكتب المحققين من جميع العلوم من تصانيف الحافظ ابن تيمية والحافظ ابن القيم فى جميع الفنون ما تيسر له ، وتصانيف الحافظ ابن حجر العسقلانى وتصانيف الشيخ الأكبر الإمام محى الدين ابن العربى ، وطالع "الفتوحات المكية" من تصانيفه مرتين بغاية الإمعان وإتعاب النفس ، وطالع تصانيف الإمام حجة الإسلام الغزالى ، ومؤلفات الإمام فخر الدين الرازى ، ومصنّفات الإمام الحجة الشاه ولى الله الدهلوى، ومؤلفات المحقق العارف مولانا القاسم النانوتوى وغيرهم من المحققين قبلهم ٤ ٣ 1 ؟ - ٩٥ - وبعدهم ، فاكتحل السهاد لمطالعة أسفار هؤلاء المحققين الراسخين ، وكابد وقاسى الشدائد حتى أتعب نفسه، فكم من ليال لم يوطئ فيها جنبه الفراش وتجافى عن المضجع فى خوض عمارها ، وله فى ذلك خوارق يتحير منها العقل والخيال . نعم وقد قيل فى المثل: و " بالمخض يبدو الزبد". ولقد صدق القائل: لا تحسب المحد تمراً أنت تأكله * لن تلعق المحد حتى تلعق الصبرا فحصل من ذلك على علوم منقحة صحيحة . ثم وفقه الفيض الإلهى لطريقة سوية معتدلة بين اختلافات العلماء، ورزق فهماً ثاقباً ورأياً صائباً فى جميعها . وصدق فيه قول قائلهم : وكان من العلوم بحيث يقضى * له من كل علم بالجميع وقد أحاط بكتب الأناجيل وأسفار العهد العتيق مع شروحه وما يتعلق بها من الكمارى والتالمود، وكان يفهم العبرية ، وكان طالع " التوراة" بالعبرية، وكان يحفظ عدة آيات من التوراة مما يتعلق بإشارة رسالة سيدنا خاتم الأنبياء عليه الصلاة والسلام ، وقد جمع مائة بشارة من العهد العتيق والجديد فى ليلة واحدة احتاج لها صبيحتها فى مناظرة مع بعض القسيسين بكشمير حتى بهره فأفحمه فظل واجماً . وهاك بشارتين مما سمعت منه رحمه الله من تلك البشارات بالعبرانية فى درس "صحيح البخارى" : ١- " نابى مقريخ منخيخ كاموخ بأقيم لخ ألوهخ إلا وتشماعون" (١)، ٠ ٢- " يهو مسينائى باوظارح مساعير كوفيعه مهر باران" (٢). (١) يعنى: نبى من فربك من اخيك كمثلك يقيم لك الهك اليه تسمعون . (٢) يعنى: جاء الله من سيناء (اشارة الى "توراة سيدنا موسى عليه السلام") وظهر من ساغير (جبل بالشام اشارة الى نبوة سيدنا عيسى عليه السلام) واستعلن من فئران (جبل بمكة" اشارة صريحة" الى نبوة سيدنا خاتم الانبياء محمد صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم). - ٩٦ - ر۔۔ ولذا قد شاهدنا أن كل من سأله فى أىّ علم من العلوم التى أسلفنا ذكرها حتى الطب وغيره وجد عنده علماً عظيماً منه ما يثلج به صدره وتقر عينه، وكان يرجع منه على شفاء وطأنينة فائزاً، وكثيراً ما رأينا أنه إذا سأله أحد عن مشكل فلم يتأمل فيه بل كان جوابه على رأس لسانه ومقوَله ، وربما أطرق كبرق خاطف ثم يشرع فى التحقيق وحل أطرافه ما كان يورث الحيرة . ولله در القائل : أبداً على طرف اللسان جوابه « وكأنما هى دفعة من صَّيب يغدو مساجله بعز صافح = ويروح معترفاً بذلة مذنب وقد رأينا غير مرة: إن كان يحضر عنده أحد من الأفاضل بتأليف له فى موضوع خاص قد طالع له جميع المظان بتنقيب تام، ثم كان يفوز منه بعلم جديد لم يدركه ولم يصل إليه مع التتبع البالغ والاستقراء التام ، و"عند النطاح يغلب الكبش الأجم " وكان يثنى كثيراً على تبحر الحافظ شيخ الإسلام ابن تيمية، ولكن مع هذا كان يقول: هو عندى غير حاذق فى المعقول، نعم عنده ذخائر فى المنطق والفلسفة، وفى كل علم من النقول ما يدهش العقول، وعلمه بالعربية غير ناضج ، ولفظه بالأردوية (عربيت كجى ھ) (١). وكان يتعجب من تغلغل الشيخ الأكبر فى العلوم قاطبة وحذاقته فى الفنون الحكمية العقلية . وكان يقول : لا يفهم أحد الجزئين الأولين من كتابه ما لم يكن له باع واسع فى العلوم الغريبة أيضاً . نعم: " العلم داماء لا يقطع بالإرماث" . وكان له رأى بديع فى المحاكمة بين العلماء ، فكان يوفى كل أحد حقه ويقدره قدره بغاية عدل ، وكان يقول : قد تعصب ابن رشد المالكى فى رد " تهافة (١) وكان يقول : انه ذخار ولكن يظن رايه وحياً سماوياً، وتارة كان يقول باللغه الاردویہ": " اپنی گُنتے ھیں دوسرے کی نہیں سنتے هير" يعنى: يقول ولا يسمع كلام غيره . منه. (3 ٠ ے - ٩٧ - الغزالى" (١)، وتحكم ولم يصب فى بعض المواضع . نعم الإمام الغزالى أيضاً لم يؤد حق الرد فى بعض المواضع . وهكذا كان له بدائع. عجيبة واستدراكات على الفنون والعلماء وتعقبات لطيفة عليهم ، وسنذكر نبذاً منها . ويبين رحمه الله لكل أحد من هؤلاء المحققين خصائص عجيبة مما تحققت عنده بمارسة مؤلفاتهم بعد التجربة الكاملة . وبالجملة كان إماماً محققاً فى العلوم كافة خبيراً مطلعاً على مشكلات الفنون ، كان قد تدارس جميع هذه المشكلات برهة طويلة وحققها ونقحها . وقد قلت سابقاً وأقول ثانياً : إن الشيخ رحمه الله كان آية من آيات الله العظام لو لم نره لما اطمئنت نفوسنا بما يؤثر إلينا من هدى علماء الأمة الذين مضوا ولم نتيقن بأنه كيف يوفق أحد لمطالعة مجلد أو مجلدين كبيرين فى يوم واحد أو ليلة واحدة . نعم وكم من أسرارٍ وحكم فى العالم الله العلى العظيم يبسط لعباده الأيام ويبارك لهم فى الأوقات ، وقد قال هو رحمه الله فى قصيدة له فى حقائق إسراء النبي فَيَّ: وأبدى له طّ الزمان فعاقه = رويداً عن الأحوال حَّتَاه ما جرى فكان الله خلقه لذلك وكل ميسر لما خلق له . ومن العجائب أنه مع كثرة مطالعته بهذه المثابة لم يطالع قط مدة عمره متكئاً ولا مستلقياً ولا مضطجعاً، (١) " تهافة" الفلاسفة"" كتاب للامام الغزالى، الفه رداً لا باطيل الفلاسفة"،" بحث فيها عن عشرين ممالة من خزعبلاتهم ، واكفرهم فى ثلاث مسائل: مسالة " قدم العالم ومسالة" انكار حشر الاجساد ومسالة" علم الواجب بالجزئيات على الوجه الكلى ، ثم جاء ابن رشد المالكى الفقيه الفلسفى المتوفى سنة" ٥٩٥ هجرية" فرد على الامام وسمى كتابه: "تهافة" التهافه"" ثم جاء الشيخ خواجه زاده وحاكم بينهما بامر السلطان محمد الفاتح الاول. وطبعت هذه الثلاثة" مجموعة" بمصر، وللمحقق العارف الجاسى ايضاً محاكمه" بينهما، وللشيخ علاء الدين ايضاً رسالة" فى المحاكمة سماها: "الذخيرة"، وإنها طبعت بدائرة المعارف حيدر آباد دكن . منه . . ( نفحة العنبر م - ١٣ ) I% ٠٠ - ٩٨ - هكذا سمعته أذناى منه وجَّربته فى عهد المزاملة والملازمة بل كأين ما رأيناه جالساً على صدور قدميه نحو أربع ساعات فصاعداً فى مجلس واحد . وأصبح ذلك سبباً لداء الباسور وابتلائه به ، وقد كنت أنشأت أبياتاً فى بعض مآثر الشيخ قدس سره فى عهد الاشتغال بالتحصيل ، وأحاول أن أهدى منها نبذة للناظرين والله الموفق والمعين . .54 أبيات الراقم فى مائر الشيخ رجعه الله تعالى بحر العلوم فما بحر يشاكله يروى الأغَّة منه كيفما شاءوا بحر يموج إذا الصادين ما جاءوا خبر وحيد فما حبر يناطحه بحر عميق فما شئ يسابره فى العلم أقدامه تعلو ذرى قلل حنادس الجهل من إرشاده محيت تشفى سحائبه أكباد صادية أحيى القفار بمزن العلم هامية ثبت وقدوة أعلام وعمدتهم شيخ إمام - وثبت حافظ ثقة شيخ الشيوخ إمام القوم قاطبة كم من بحور علوم غاص لجَّتها قسمته الصمت أو فكر لمعرفة ويستقر بأقصى مائه الماء له الوجاهة عند الله علياء فالليل منهزم والشمس شرقاء يطفى بزورته وجد وحراء إن الفلاة بجود المزن خضراء وحجة لهم فى الأرض بيضاء حاز المآثر فينا وهى زهراء ورحلة لهم فى العصر قصواء علم الحديث له فى القوم سماء درس ونصح وإرشاد وإفتاء فلا تعد ولا تحصى مآثره وكيف تحصى سحب الفضل وطفاء لو نقَبّوا الأرض لم يوجد له شبه والعين من مثله عشواء حسراء ٩ هذا وقد تبين لك كفلق الصديع إن شاء الله أن الشيخ رحمه الله وصل فى المآثر العلمية الباهرة إلى الذروة العلياء، فإنا قد بثثنا لك ، وستنبث نماذج ء - ٩٩ - عن استبحاره الجامع فى العلوم قاطبة، ولكن ساعدته المراحم الإلهية والألطاف الخفية الربانية بأن فوض إليه درس كتب حديث النبى عَّ ةٍ.، فكان يدرس فى دار العلوم الديوبندية "صحيح مسلم" و"سنن النسائي" و" سنن ابن ماجه" عند وجود شيخه رحمه الله، ثم فوض إليه "صحيح البخارى" و"السنن الجامع" الترمذى و"سنن أبى داؤد"، ثم اقتصر درسه على الأولين فقط نحو عشرين سنة ، ثم بقى فى آخر عمره درس "الصحيح" للبخارى فقط، فكانت من سعادته وحسن حظه أن مضت أنفاسه الطيبة فى الأنفاس القدسية النبوية فصحبت أنفاسفه المباركة الأنفاس الطاهرة النبوية . ولله در القائل : أهل الحديث هم أهل النبى وإن * لم يصحبوا نفسه أنفاسه صحبوا فلذا اشتهر فى العالم الإسلامى بــ " المحدث" و" شيخ الحديث "، فصار له الحديث شعاراً ودثاراً ، وإن فوض إليه درس علم آخر من علوم البلاغة أو علوم الفلسفة والمنطق وغيرها لصار فيها علماً مفرداً شامخاً فى العالم ، ودعى فى العلماء نظاراً أصولياً أو فيلسوفاً محققاً ، وإلى هذا أشرت فى أبيات لى فى رثائه : وقد كانت سعادته بحق * تبدى فى الحديث لدی اد كار وإلا كان تحريراً وحبراً * وغواصاً سبوحاً فى البحار وهذا أمرقد انجلى عند مستفيديه كالشمس فى رابعة النهار ، فلا تلحقك ريبة ومرية ، فإن الحق أبلج والباطل لجلج . والله الموفق والمعين . 3 - ١٠٠ - الشيخ وخصائص درسه، الشيخ والتاليف، الشيخ وبعض فوائده العلمية"، الشيخ والشعر ، الشيخ والفتنة المرزائية ، الشيخ ونبذ من شمائله العامة، مقالة" تاريخية" لبعض الافاضل، الشيخ وثناء اماثل العصر . ٨ الشيخ وخصائص درسه وشيوع طريقته المبتكرة . كان للشيخ رحمه الله مبتكرات طبعية فى الدرس ما يحار له العقول وتأخذ بمجامع القلوب والعقول"، ولا بدع فإنه كان محققاً ومتقناً فى العلوم والمعارف كافة ، فكان رحمه اللّه إذا أخذ فى الإلقاء يواصل الكلام ، فلا يتلعثم فيه ولا يتلجلج من غير أن يلحقه فتور أو احجام ، ولم يكن يفتقر إلى استدراك عثرة فى اللفظ أو تكرار فى النطق ، ولا يتخلله سكوت ولا حصر ولا بهر، فكان يحدر المسائل الدقيقة حدراً ويسرد المباحث الأنيقة سرداً ، تراه بحراً يموج بعبابه حتى تعجز مهرة الكتاب عن ضبط كلامه واستيعابه ، ينتقل حدسه من مسألة إلى مسألة ومن علم إلى علم ، وينشأ بينهما تناسباً ذقيق اللحام ، ويفرغه فى بديع أسلوبه بحسن سبك وانسجام . وأمهات خصائصه التى وعاها قلبى ووصل إليها فكرى أصدع بها محصاة منقحة : بيده الأولى : إنه كان يذكر جميع المباحث المتعلقة بالحديث من بيان مذاهب علماء الأمة وأدلتهم مع ترجيح بعضها على بعض بغاية إنصاف وعدل ، وبيان فوائده ومزاياه ، ثم إن كان له أدنى تعلق بمسائل علوم أخر يذكرها، والشئ بالشئ يذكر . 41 ()) ء 2 * واز = Fr - ١٠١ - الثانية : إنه كان يأخذ المسائل والمباحث من كلام أكابر علماء تلك الفنون فيذكر نحو سيبويه وأقوال معاصريه ، ولا ينحط من نحو ابن هشام والمحقق الرضى ، ولا يذكر فى البلاغة إلا قول الشيخ عبد القاهر الجرجانى والعلامة الزمخشرى ، ولم يكن ينحط إلى أقوال العلامة التفتازانى والخطيب، بل كان لا يرضى بتعبيرات السكانى فى "المفتاح"، نعم ربما يذكر أشياء فى البلاغة للشيخ تقى الدين السبكي وابنه الشيخ بهاء الدين السبكى من كتابه "عروس الأفراح" فتعجبها، وكان يقول: قد فاق التفى السبكى على ابن تيمية فى علوم البلاغة والعربية، بل كان لا يقدر رأيه فى هذه الفنون مع اعترافه بتبحره المدهش ، وكان يأخذ . اللغة من كلام الأئمة ، كالجوهرى فى "الصحاح"، والأزهرى فى "التهذيب"، والراغب فى "المفردات"، والزمخشرى فى " الفائق"، ولم يكن ينزل عن طبقة " القاموس"، وهكذا فى سائر العلوم مع تعقبات واستدراكات لطيفه برأى صائب يقبلها الذوق الصحيح ويذعن لها المنصف البصير . الثالثة : إنه كلما أحال على كتاب أو مصنّف - وكان ذلك أول مرة - فكان يذكر جملاً نفيسة بحال ذلك المصنف أو ذلك الكتاب، ويذكر خصائصه البديعة التى لا يجدها المتفقد فى مطاوى كتب الطبقات ، ليكون الطالب على خبرة وبصيرة نافذة ، وينبه الطلبة على ما كان فيه من المزايا ليكون له عوناً عند الحاجة . الرابعة : إنه كان يعتنى بأن يحل مشكلات العلوم والعقد التى اعتاص انخلالها على القوم ، فيجر الكلام إليها بأدنى مناسبة . VE الخامسة : إنه كان يحاول أن ينشأ فى الطلبة ملكة راسخة فى العلوم وسوادد كامل يتمكن به من حل المعضلات ، وكان ينبههم على أنه كيف ينبغى الإرتقاء إلى مدارج شامخة فى المعارف والعلوم . لا - ١٠٢ - السادسة : إنه كان يهيج رغبتهم إلى خدمة الدين ، وأن لا يجعلوا العلم وسيلة إلى معاشهم ولا ذريعة إلى المباهاة والتمارى ، وأن يبذلوا مجهودهم فى نصرة الحق والذب عن حياضه بكل ما أمكن ، ويمكن فى قلوبهم أن المطلوب من العبد العمل الصالح دون العلم فإن العبد لم يخلق له ، وكان عنده رحمه الله شرف الإنسان بالعبودية دون العلم . فهذه أمهات أغراضه فى درس الحديث ما تنقح عندنا ، ولا نستطيع أن نستقصى محاسن درسه الجزئية من حلاوة الكلمات ، وعذوبة الفقرات ، وجزالة التعبيرات ، وتنقيح المشكلات ، بنمط بديع مفهم ملخص ، وجذب الأفكار والتوجيهات إلى درسه بشراشرها ، وغيرها من المزايا الرائعة ما يحصر اللسان ويقصر القلم عن البيان ، بحيث يطرب الآذان وينشط الأذهان مما يتعلق بمشاهدة الأبصار ، وتعي دونها مهارى الأنظار ، بل رمزنا إلى ما كان يجرى مجرى الأصول والأمهات الموضوعة والقواعد الكلية المتقررة . وبالجملة فكان بحراً ينحدر أو وادياً يسيل أو برقاً يسرى ، قصارى جهده أن يقيَّد شوارد المسائل ، ويفتح المغلقات التى أقفلت أبوابها على الأماثل والجهابذة . فكانت درراً تناثرن من فيه وصدره بحر يقذف بمكامنه وخوافيه ، ولله دره حيث قال نفسه مشطراً لبعض الأشعار : أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا * وسالت بطاح عندها بالمسائل وقفت بها صحبى وما ثم موقف * ولكنه من عهدنا بالمنازل فدع عنك نهباً صيح فى حجراته * وهات حديثاً ما حديث الرواحل وهذا الذى صدعنا به من خصائصه فى الدرس صار سبباً لحرمان كثير من الطلبة والمستفيدين ومنشأ لإخفاقهم ، فإنه كان يضيق نطاق فهمهم عن . درك تلك المسائل ولا يتسع وعاؤهم لضبطها ، ومع هذا فأعلن بكل واد وزاد ءَ ٠) ۔ ٠.٠ : * 2 - ١٠٣ - على رؤس الأشهاد لكل حاضر وباد من غير مخافة لوم العاذلين واللحاة : أن ٠٢ البصيرة النافذة والتجربة العلمية والحذافة التامة التى تستفاد فى عدة دروسه للبصير الحاذق والذكى المنفقد لا يفوز بها أحد فى درس آخر وإن صرف عمره وبذل مجهوده ، فكانت دروسه نزهةً للخواطر وبهجة المسامع والنواظر، تحتوى على غرائب الكلام وطرف الأبحاث ما نأخذ بالألباب ، وتحير القلوب، والله يقول الحق وهو يهدى السبيل . فهذه مآثرها الفائقة التى انتهت إليها المشاهدة بالأنظار والأبصار ، وأسندت للناس بصحاح الأخبار والآثار ، وما يوم حليمة بسروالله المستعان . ثم لم يكن عليك نعمة من أن هذه الطريقة التى ابتكرها من نقل نقول متكاثرة فى الدرس وجمع مواد وافرة فى الباب لم تكن رائجة فى الهند قبله ، فرحمه اللّه كان هو أبو عذرتها وابن بجدتها ، وكان قبله المدرسون يذكرون شيئاً ولا يذكرون مأخذه ، بل كانوا يضنون به ويحسبونه متاعاً فاخراً ، ذلك مبلغهم من العلم إلا من شاء اللّه وقليل ما هم ، فجاء رحمه الله وأيقظ الناس من رقاد الغفلة ، ونبَّههم على تحقيقات أكابر المحققين مما سبقت إليه أفلامهم ، وبث فيهم جواهر علومهم التى سمحت بها أذهانهم وأفهامهم ، فكشفت الحجب وزال الغطاء وانشق الظلام وفلق الصديع وأضاءت لهم سبل التحقيق وطرق البحث والتدقيق، مع تشذيب وتهذيب وتثقيف وتقويم، فهذا هو الذى طبق الخافقين ذكره ، وأظهر فضله وقدره ، فشاعت اليوم بأكثر المعاهد العلمية طريقته العذراء فى الدروس والتأليف ، فيحذون حذوه ويقتفون أثره ، ولكن أين الاستبحار كاستبحاره ؟ وأين الاستحضار كاستحضاره ؟ وأين ذلك الرأى الثاقب والقريحة الوقادة ؟ ثم أين تلك النصفة والديانة ؟ فماء ولا كصداء، وفتى ولا كمالك ، ومرعى ولا كالسعدان . وقال قائلهم : وما كل زهر ينبت الروض طيب = ولا كل كحل للنواظر إتمد و * - ١٠٤ - وقيل : وما كل مخضوب البنان بثينة * ولا كل مصقول الحديد يمان ومن العجائب والعجائب جمة أن الشيخ رحمه اللّه لم يكن من دأبه المطالعة بالليل لما يدرسه بالنهار كما هو دأب عامة المدرسين ، فلم يكن يطالع لشىء مما كان يلقيه فى الدروس، حتى سمعت منه: "أنى ما طالعت الكتاب الذى يقرأ :على فى عمرى قط"، فقوة الحافظة كانت أغنته عن ذلك ، فكفاه ما طالع فى بدء عمره ، وأغناه الصباح عن المصباح ، لا أنه كان يلحقه الونى أو الكسل أو الملال من المطالعة ، بل جميع أوقاته كانت عامرة بمطالعة الأسفار وزير المحققين . نعم قد كان يزور فى نفسه هنيهة لئلا ينتشر الكلام ولئلا يتسع مجال البحث كثيراً ، وليكون ما يلقيه منضبطاً محدوداً حتى يستطيع المستمعون والمستفيدون أن تنهضوا بأعبائها ، ولو لا ذلك لأعجز القوم عن التافى ، فإنه كيف يسد البحر الذخار ، وكيف يوكأ على العيون الثرثارة . فائدة : قال ابن خلدون المغربى فى مقدمة "تاريخه": "ولقد سمعت كثيراً من شيوخنا رحمهم الله تعالى يقولون : شرح كتاب البخارى دين على الأمة ، يعنون أن أحداً من علماء الأمة لم يوف ما يجب له من الشرح بهذا الاعتبار الخ" قال الحافظ شمس الدين السخاوى - تلميذ الحافظ ابن حجر العسقلانى - فى "الضوء اللامع": إن ذلك الدين قضاه شيخنا الحافظ شيخ الإسلام ابن حجر رحمه الله بشرحه لـ "صحيح البخارى" " فتح البارى" .. وبلغنى عن شيخ العالم مولانا شيخ الهند محمود الحسن رحمه الله يقول: لم يوف الحافظ حق تراجم الصحيح . قال الراقم : لو كمل ما حاوله مولانا شيخ الهند رحمه الله من شرح أبواب الصحيح وتراجمه لقضى دين التراجم إن شاء. اللّه، والأسف أنه لم يكمل ما حاوله ، ومع هذا فالقطعة التى ألفها وطبعت ع - ١٠٥ - اليوم صارت للمستفيدين نبراساً ومقياساً . وهكذا قال الراقم : أن درس "صحيح البخارى" بحيث يكون حاوياً لمزاياه الكامنة ومعارفه الرائقة لم يكمل فى كثير من الأزمنة، ولا سيما الأزمنة المتأخرة حيث طارت مآثر الآثار أدراج الرياح ، وسالت بأعناق مطاياها البطاح ، فكان درسه بحيث يكشف خباياه ويعم مزاياه ديناً فى رقاب علماء الأمة المحمدية ، فقضى هذا الدين شيخنا زهه اللّه وأوفاه، ونقح مبناه ومعناه، وحقق مرماه ومغزاه ، فكم من المسائل الكلامية كانت فيه مخبوئة، وكم من مزايا الحديث كانت محجوبة، وكم من لطائف وأسرار رائعة وحكم ومعارف عالية كانت فيه مكنوزة ، فرحم الله شيخنا حيث شنَّف آذان الأمة الحاضرة بحليها ، وسمح بمضنوناته التى هى جواهر غالية كانت فى صدره . وصدق فيه قول البحيرى : وإذا تألق فى العيون كلامه الـ . محمود خلت لسانه من عضبه وإذا دجت أقلامه ثم انحنت = برقت مصابيح الدجى فى كتبه حكم فسائحها خلال بنانه = متدفق وقليبها من قلبه فكأنها والسمع معقود لها . شخص الحبيب بدا لعين محبه هذا وصلى الله تعالى على خير خلقه سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين. الشيخ والتأليف ، وبيان خوضه فى الحقائق . اعلم أن الشيخ قدس سره لم يرد قط من ريعان عمره أن يؤلف رسالةً أو كتاباً ، بيد أنه لم يبرح عاكفاً فى جمع الأوابد وقيد الشوارد فى برنامجته ومذكرته، وكان ينفذ وسعه فى حل المشكلات التى لم تنحل من أكابر المحققين، فكلما سنح له شئ من مثل هذه المعضلات كان يستمرى لحله أخلاف طبعه ( نفحة العنبر م - ١٤ ) ٤.٠ جد. - ١٠٦ - وفكره ، فكان يكتب ويقيد من سوائح الوقت وبوارحه ، وإن كان فى كتب القوم شئ ينحل به عقدتها أحال عليه برمز الصفحة إن كان مطبوعاً ، وهكذا كان ديدنه ودأبه من شرخ عهده بمطالعة كتب القوم ، فلم يغادر علماً إلا وله فى حل عقده تحريرات وبدائع تحقيقات ، واجتمعت لديه نفائس من ذخائر ثمينة على تحقيق مشكل واحد ما يحير الألباب والأفكار. وقد أسلفنا ذكر دأبه الشريف فى مطالعة الكتب ، فكلما تيسر له كتاب من أى مصنف كان من أى علم كان يطالعه من البدء إلى الختام ، وكان رحمه الله يقول: " ربما طالعت مجلدات ضخيمة من كتاب ، غير أنى لم أفز بشئ جديد وعلم حديث ، فكنت أتأسف على ذلك، وربما ظفرت بشىء يسير أو فائدة جديدة فاغتنمت وحسبت أن سعى أثمر"، حتى سمعت منه رحمه الله يقول: "طالعت جميع مؤلفات الشيخ المحدث عبد الحق الدهلوى المطبوعة وما تيسر لى من المخطوطة، ولم أحصل فيها بشى من علم جديد إلا مسألة واحدة (١)". . فهكذا كان دأبه فى المطالعة لا كعلماء العصر يطالعون مؤلّفات علم أو علمين أو مما يفتقرون إليه فى التدريس أو التأليف أو الإفتاء ، نعم وليس القوادم كالخوافى ، فكلما اطلع على شئء نفيس وتحقيق عال وحاول ضبطه فى مذكرته كان يقيده بالكتابة ، وله فى ذلك أصول : ٧ الأصل الأول : إنه كان يقيد ما ينحل به عقدة من مشكلات القرآن والحديث أو الفقه والأصول وعلم الحقائق والكلام والتوحيد وغيرها ، أو يفيدها فى الحل استشهاداً وتنظيراً . الأصل الثانى : إنه إذا سنح له دليل للمذهب الحنفى أو ما يفيده فى التأبيد والإستشهاد ، أو كان له نوع ارتباط به على ما انتقل إليه حدسه وربما (١) قال الراقم: وهذه المسالة كنت حفظتها من الشيخ وقيدتها فى مذكرتى وهى ليست عندى وقد نسيتها الان . منه . = ء - ١٠٧ - h يخفى على الناس فكان يقيده . الأصل الثالث : إذا كان له تحقيق خاص فى مسألة أو حل مشكل خلاف ما ذهب إليه الجمهور ثم سنح له فى أثناء مطالعته شئ يفيده أو يؤزره أو كان دليلاً على ما يرومه كان يقيده ، كمسألة العماء ، ما ماهية العماء؟ وهل هو قديم أو حادث ؟ وهل هو الوجود المنبسط أو غيره ؟ وماذا أريد به فى قوله بجَّ ل: ((كان الله فى عماء)) من حديث رزين العقيل فيما رواه الترمذى فى " جامعه"؟ وكمسألة الروح والنفس وما يتعلق بها من تحقيقات وتنقيحات لم تسمعها الآذان ، وكحقيقة التجلى ، ومسألة المعية الدهرية ، والسبقة الدهرية ، والمعية السرمدية الأزلية ، والمعية الزمانية ، وكيفية إفاضة الوجود من البارى جل ذكره على المقدورات الأزلية ، ومسألة صدور الحادث المادى من القديم المحرد ، وحقيقة عالم المثال ، وحقيقة درجات الجنة، وطبقات النار ، وكيفية تكونهما ، وتحقيق استحالة هذه الأعمال الدنيوية بإشباح جزائها فى الآخرة سواء بسواء ، وصيرورة هذه الأعراض بعينها جواهر فى دار الآخرة ، وعدم فناء الأعراض ، وحقيقة التشكلات البرزخية وتصويراتها ، وتحقيق عدم انقراض الذكر من العباد المؤمنين فى القبر وفى الجنة إلى أبد الآباد وغيرها من باب الحقائق الغامضة والمعارف الإلهية ، ومشكلات العلوم ومعضلات الفنون مما يشكل استقصاؤه . فهذا ما تنقح لى ملخصاً من ضبط أصوله وعاداته ، وأشياء أخر هنا يمكن اندراجها فيها . ٨٣ ٨٨ ثم له فى تقييده وجوه : الوجه الأول : إنه إن كان شيئاً سمح به صدره يذكره بلفظ موجز وتعبير منقح من غير مزيد البسط والإطناب . الوجه الثانى : إنه إذا كان تحقيقاً لغيره ففيه وجوه : فإما كان ينقله * - ١٠٨ - بلفظه ، أو كان يلخصه فى عبارته ، أو كان يحيل عليه بالمراجعة برمز الصفحة إن كان المنقول عنه مطبوعاً، وإلا يكتفى بمجرد الحوالة . فهكذا قد اجتمعت ." عنده ذخائر من حل جميع المعضلات العلمية، وعلى ذلك جبلت فطرته السليمة من بدء نشأتها ، لم يحاول تأليفاً للإشتياق أو لإفادة القوم أو لإذاعة صيته فى العالم ، بل كأنه لم يتفرغ له أو لم يرده إيثاراً للخمول. وربما يقول : كفى لهم من التحقيق والعلم أن خاضوا فى بحار علوم السلف واستفرغوا جهودهم وأتعبوا نفوسهم ، علا أنه قد ندرت البضاعة العلمية وخمدت اللواعج الطبيعية، فماذا يغنيهم ما نذكر لهم اهـ . فلو عزم على تأليف لغرض من تلك الأغراض التى بيناها لك لسالت بطحاء العالم بعلومه وتحقيقاته ، ولاستنارت أنواره اللامعة فى أرجاء البسيطة، ولملأت الدنيا معارفه شرقاً وغرباً ، ولنالت فضلاء العصر ضالتهم عجماً وعرباً ، فدار الكنانة على معلاها ، وفخار الحلبة بمحرز مداها . بيد أنه قد بعثته على تأليف عدة رسائل الضرورة الدينية والخدمة الإسلامية لما تألم قلبه وتصدعت كبده ، وسنذكرها. ورتب رسائل فى بعض مهمات الحديث من المسائل الإختلافية بين أرباب المذاهب، ملتقطاً لها من ذخائر مذكرته بإصرار وإلحاح من تلامذته وأصحابه ومستفيديه، ذباً عن حريم المذهب الحنفى ، ودفعاً لطعن الحسَّاد والجاهلين . وبالجملة هذه الرسائل المذهبية كانت درراً مبعثرة فى مذكرته وبرنامجته ، رتبها نوع ترتيب على شكل تأليف ، ولذا تراها مشحونة بالإحالة على الكتب من غير سرد جميع عباراتها ، ولو رتبت رسائله تلك على عادة مؤلفى العصر الحاضر أو على عادة المولعين بالبسط والتفصيل لصار كل رسالة منها فى مجلدات ولا ريب، علا أن طبيعته أيضاً كانت مولعة بالإيجاز والإختصار، ولعل رحمه الله قد ظن أن الإيجاز كمال فى التحبير ، فبلغ إلى ذروة سنامه وأقصى غايته حتى صار فيه نسيمج. وحده ونظير نفسه، وربما تشمئز منه الطبائع التى لم تستأنس بالمشكلات والغوص - ١٠٩ - فى الغار، ووقع بعض فى صنيعه هذا وعابوا عليه ديدنه هذا ، نعم هان على الأملس ما لاقى الدبر , وقد صدق المتنبى حيث قال : . وكم من عائب قولاً صحيحاً = وآفته من الفهم السقيم. ولكن تأخذ الآذان منه = على قدر القريحة والعلوم وأيضاً قال : إذا كانت النفوس كباراً * تعبت فى مرادها الأجسام ومع هذا الإيجاز والإكثار من الإحالة قد بث فى كل مؤلّف علوماً ومعارف وحكماً وحقائق ما يطرب المسامع والآذان ، وينشط القلوب والأذهان وأنا أعلن على رؤس المنائر أن كل موضوع ألَّف الشيخ فيه لو توخى أحد شيئاً زائداً فى الباب من جميع كتب القوم ونقَّب ونقَّح وتفحَّص وتصفّح لخاب وعجز إلا ما شاء الله، فإن الشيخ رحمه الله قد أوعب واستوعب وأتى بالعجب العجاب فأغرب وأطرب، وزاد على كل موضوع على من سلف، وأبدع من عنده بدائع وغرائب لمحت بها أفكاره اللطيفة حتى لم يترك الشفرة محزاً، ولا فى الأمر مساغاً ، والعيان أصدق شاهد ، فترى إن شاء الله تعالى كل مسألة ألَّف فيها الشيخ رحمه الله كلا الحابس فيه كالمرسل إذ أمعنت فيها بصرك وبصيرتك ونقَّيت عن كدر الحسد سريرتك والله الموفق والمعين . ثم إنه لما خصه الله بالقريحة الوقادة والنظر الدقيق والفكرة اللطيفة ذكر شيئاً بشئ لأدنى تأييد أو استشهاد عميق، أو لوّح إلى تزييف وعرض إلى إسقاط قول وأكثر من الإحالات على الكتب واستغزر من الدلائل والشواهد، فلذا قد يشكل الوصول إلى غور مرامه والبلوغ إلى كنهه ، لأنه كلما وسع العلم وسال فى المناكب والأطراف ودق الفهم وغار الفكر فى الدقائق ولطفت الطبيعة وقوى الحدس واستشعر بالحبايا فى المقام لا محالة يتسع مجال الكلام 1 - ١١٠ - ونطاق البحث بحيث تنوء بالعصبة أعبائه وتنشأ فى المقام المناسبات اللطيفة والإرتباطات البديعة حتى يتعسر تعيين المناط وعماد الكلام، نعم يحتوى مثل هذه التصانيف على فوائد شريفة وأسرار عالية وحقائق مضنونة ومعارف سامية ككتب شيخ الإسلام الحافظ ابن تيمية الحرانى ، ومؤلفات أرشد. تلامذته الحافظ ابن القيم الجوزية ، وكلام اللّه تبارك وتقدس، وأصح الكتب بعده بمرئ منا ومشهد ، فالمتكلم يتكلم حسب ما يليق برتبته وجلالة قدره وسعة علمه وجودة ذهنه ودقة فهمه وغناء طبيعته .. وفوق ذلك إن الله تعالى جعل مخلوقه على أنواع غير محصورة، ثم خص كلاً منها بخصائص ومميزات، فالطبائع مختلفة والأذهان متفاوتة ، ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود ، ولكن يا لهفى ويا أسفى على أن الشيخ رحمه اللّه قضى نحبه ولم يخلف على أثره نادرة من تصانيفه من شرح "صحيح البخارى" أو " جامع الترمذى"، أو أماً من الأمهات الست، أو كتاباً كالتذكرة له على نحو " بدائع الفوائد" للحافظ ابن القيم، و"التذكرة" للقرطبي، أو "الأمالى " للسيد مرتضى الزبيدي، و "الحاوى" السيوطى، و"الأمالى " للشيخ ابن حاجب المالكى ، ولو كان لكفى وشفى، وأغنى عن إتعاب النفوس ، ولقرت به العيون وبرد الغليل ، فمات ولم تظهر أسرار دفائنه ، ولم تطلق عتاق خزائنه ، وقد عزم على شرح مبسوط على "جامع الترمذى" فى آخر عمره ، غير أنه لم يمهله هجوم الأمراض وقلة الفرص حتى اخترمته المنون وحان أجله المحتوم ودفنت منيته فى حدث الثرى معه، فحال الأجل دون الأمل، وحال الجريض دون القريض : ولم يتفق حتى مضى لسبيله = وكم حسرات فى بطون المقابر ومع هذا إن الرسائل التى ألفها فى المواضيع المختلفة وطبعت ووصلت إلى ماح ٩٨ ءِ