Indexed OCR Text
Pages 81-100
- - ٧١ - وأدلتهم ، فإن كان مذهب الإمام الكوفى مخالفاً من الحديث فى بادى الرأى يوفق مذهبه به ويبين تطبيق المذهب بالحديث ، فاستبعد ذلك هذا الفاضل وتعجب منه وقال : وهل ذلك فى كل حديث ؟ فقال : نعم ، فاستنكر واستشكل هذا الصنيع وقال: هل الحديث حنفى ؟ وكيف يمكن ذلك ؟ وهل هذا إلا عصبية ما لها من سلطان ؟ فانعقدت حفلة، وكان الشيخ رحمه الله أراد أن يشهدها وحكيت له فى أثناء طريقه هذه الحكاية ، ولعل الشيخ أراد إلقاء شئ مما زوره فى نفسه ملائماً لإكرام الضيف ، ولكن تبدل دأبه وأراد أن يلقى كلمة تكشف له الستر عن تلك الطريقة السنية الفائقة ، فأخذ الشيخ فى البيان بعربية ناصعة فصيحة ، فكان كالبحر الذخار أو الغيث المدرار ، حتى وقع ذلك فى قلب الشيخ رشيد رضا ، وأريخ ما اختلج فى صدره ، حتى قام واعترف بمآثر الشيخ رحمه اللّه وتأثره من علومه وفضائله، ومدحه مدحاً سنياً، وأثنى عليه ثناءً وافياً، وأقر بأن تلك الطريقة طريقة حسنة مثلى. وقال فى مقالة طويلة ألقاها : لو لم أر هذه الجامعة العلمية ومثل هؤلاء الأحبار والأعلام لرجعت من الهند حزيناً ، ولما رجع إلى مصر صدع بكل ذلك فى جريدته "المنار"، ومما قال فى جريدة " المنار": علا أننى رأيت فى " مدرسة ديوبند " التى تلقب بـ " أزهر الهند " نهضة دينية علمية جديدة، أرجو أن يكون لها نفع عظيم ، وقال: ما قرت عنى بشئ فى الهند كما قرت برؤية " مدرسة ديوبند"، ولاسرت بشئ هناك كسرورها بما لاح لها من الغيرة والإخلاص فى علماء هذه المدرسة ، وكان كثير من إخوانى المسلمين فى بلاد الهند المختلفة يذكرون لى هذه المدرسة ، ويصف رجال الدنيا منهم علماءها بالجمود والتعصب، ويظهرون رغبتهم فى إصلاح تعميم نفعها ، وقد رأيتهم - ولله الحمد - فوق جميع ما سمعت عنهم من ثناء وانتقاد ، إلى آخر ما قال . ، - ٧٢ - فدونك الآن ملتقطات تلك المقالة المرتجلة الرائقة وتلك الكلمة الرائعة التى ألقاها الشيخ رحمه الله فى تلك الحفلة، وهى تحتوى على جواهر. غالية من نفحة : " هدى الشيخ الفقيه العارف القطب الكنكوهى رحمه الله "، ورشة من " مأثر الحجة العارف مولانا القاسم النانوتوى رحمه الله "، وفوحة من "مناقب الشيخ الإمام الشاه ولى الله الدهلوى رحمه الله" و"تذكرة أولاده". وفيها إيضاح: " تنقيح المناط" و" تخريج المناط" و" تحقيق المناط " مع الشواهد والأمثلة، بتنقيح وتحقيق أنيق ، وفيها : البحث على حديث القلتين ، والكشف عن مسألة الفاتحة خلف الإمام ، وحل العقدة من مسألة رفع اليدين ، والتأمين، وصلاة الكسوف ، وبيان أصول الأئمة الأربعة ، وطرق استدلالاتهم ، وبيان أن الحق فى موضع الاجتهاد واحد أم متعدد ، وغيرها من الإشارات بإجمال موضح واختصار معجب موعب . قال الشيخ رحمه الله : الحمد الله وكفى وسلام على عباده الذين اصطفى ، أما بعد : يقدم الخويدم فى الحضرة السامية تحية الإسلام حيا كم الله تعالى ، إذا آنسنا منكم مخائل الكرم والاعتناء بحالنا ، وأحسنا بنهضة إسلامية عطفت عليكم وعلينا ، وأنا أحوج إليكم منكم إلينا ، هؤلاء أساتذتى وأكابرى وذخائرى عند الله فى يومى وغدى ، أمرونى بأن أمثل لكم شكراً على إسداء الخير، وتشريفكم إيانا بالقدوم المبارك ، أحسن الله إليكم وإلينا ، ورفع درجاتكم فى الدين والدنيا والآخرة ، آمين وبه نستعين . مولانا ! إن حديثنا حديث ذوشجون ، والشئ بالشئ یذ کر، إن بلادنا هذه على شقة بعيدة ومسافة شاسعة من بلاد الإسلام، - ٧٣ - كـ"العراق" و"الشام" و"مصر"، فكانت شعائر الإسلام على وهى ومنائر العلم على خفاء إلا ما شاء اللّه وقليل ما هم، وإن عصابتنا هذه عصابة على طريقة قديمة ليست بحديثة ، إسنادنا في الدين متصل بالصدر الكبير ، والبدر المنير ، والإمام الشهير ، الشيخ الأجل ولى اللّه بن عبد الرحيم الفاروقى الدهلوى ، وحال الشيخ أظهر من أن يذكر ، فقد شرقت تصانيفه وغربت ، لكن بعض أحوال الشيخ يحتاج إلى أخبار شفاهية وواقعات تلقيتها من مشائخنا . كان من أمر الشيخ رحمه الله أنه أتقن العلوم الدينية ومبادئها أولاً على والده العلامة الشيخ الهمام عبد الرحيم ، ثم رحل إلى الحرمين زادهما الله شرفاً وتكريماً واستفاد من علمائها وفقهائها ، ولازم الشيخ أبا طاهر الكردى فى الحديث ، واجتهد فيه حتى صار الطرد والعكس فى الباب ، وكان الشيخ أبو طاهر يقول : تلقن الألفاظ منا وتلقنا المعنى منه ، يريد بذلك تبيين ملاحظ الحديث وتعيين مراد الشارع ، ثم رجع الشيخ. ولى اللّه إلى بلاده واشتغل بإصلاح ما أفسد الناس من سنة النبي الكريم عَ ل، وكان اللّه أودع فى صدره نوراً ينظر به عواقب الأمور ، فتفرس أنه ستقوم الحرب بين الحق والباطل ، فاستعد رحمه اللّه للدفاع عن الدين والذب عنه ، فما أعد لذلك أن ترجم " القرآن العزيز " باللسان الفارسية سماه : " فتح الرحمان"، جرده عن الإسرائيليات بأسرها، أراد بذلك تمهيد التوحيد ، ثم شرح " المؤطأ " (لمالك ( نفحة العنبر م - ١٠ ) ؛ جـ - ٧٤ - رحمه الله) وسماه: "المسوى" على طريقة فقهاء الحديث مع تحقيق المناط وتنقيحه وتخريجه ، أريد بذلك ما اصطلح عليه علماء الأصول . فتحقيق المناط : أن يصدر حكم من الشارع فى صورة جزئية ثم يثبت ويحقق ذلك فى سائر الجزئيات من نوع تلك الصورة ، مثاله : تقويم جزاء الصيد ، فتعرف القيمة فى جزئى جزئى هو تحقيق المناط ، وليس ذلك بقياس ، فلذا يشترك فيه الخاص والعام ولا يحتاج إلى الاجتهاد . وتنقيح المناط : أن يصدر حكم من الشارع فى صورة قد اجتمعت هناك أمور ، واتفقت بعض تلك الأمور مناط ذلك الحكم وبعضها لا دخل لها فيه، فتعرف الأمر الذى هو العلة تنقيح المناط . مثاله ما فى الحديث عن أبى هريرة رضى الله عنه قال: (( أتى رجل النبى فَِّ فقال: هلكت! قال: ما شأنك ؟ قال : وقعت على إمراتى فى رمضان ، قال : فهل تجد ما تعتق رقبة ؟ قال: لا ، قال: فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ قال: لا، قال: فهل تستطيع أن تطعم ستين مسكيناً ؟ قال : لا.)) الحديث . فنقح أبو حنيفة ومالك مناط ذلك الحكم وجوب الكفارة كون ذلك الفعل مفطراً، كان جماعاً كما فى هذه الصورة أو أكلاً أو شرباً بعد أن يكون عمداً ، فكونه جماعاً فى هذه الصورة أمر اتفاقى كسائر الإتفاقيات . وذهب أحمد والشافعى إلى أن المناط هو كونه جماعاً، فلا يعدى الحكم إلى الأكل والشرب . واحتج بحديث آخر عن أبى هريرة رضى الله عنه قال: قال رسول عَ لّ، : ((من أفطر يوماً من رمضان فى غير رخصة رخصها الله لم يقض ٨٠٠ رہ ٠ ٠٠ ء - ٧٥ - عنه صيام الدهر)) حمله على الأكل والشرب عامداً ، وقال : لم يقض عنه صيام الدهر . وتخريج المناط : أن يصدر حكم من الشارع فى صورة تجتمع هناك أمور يصلح كل واحد منها للعلية ، فيرجح المجتهد أمراً من بين تلك الأمور للعلية ويجعله مناطاً . مثاله: حديث النهى عن الربا فى الأشياء الستة ، اجتمع هناك أمور: القدر ، والجنسية ، . والطعم ، والثمنية، والاقتيات ، والادخار . فذهب أبو حنيفة إلى : أن مناط الحكر هو الوصف الأول ، والشافعى إلى : أنه الثانى ، ومالك إلى : أنه الثالث ، على ما أدى إليه اجتهادهم . فالفرق بين تحقيق المناط وتخريجه أن فى الأول اجتمعت أمور لا دخل لها مع المناط ، فنقح المجتهد المناط ، وفى الثانى اجتمعت أمور كل منها صالح لأن يكون مناطاً ، فرجح المجتهد أحدها لأن يكون مناطاً . وتنقيح المناط وتخريجه وظيفة المجتهد يزاحم فيه بعضهم بعضاً. ومن الأمثلة فيه أيضاً حديث: ((مفتاح الصلاة الطهور وتحريمها التكبير وتحليلها التسليم)) . فذهب أكثر الأئمة إلى ركنية صيغة التكبير والتسليم ، وخرج أبو حنيفة المناط فيه كون الأول ذكراً مشعراً بالتعظيم وكون الثانى خروجاً بصنع المصلى وقال بفرضية هذين، لكن ثبتت مواظبة النبى عَلٍ على صيغة التكبير وصيغة التسليم ، فليكونا واجبين . وقد التزم الشيخ ابن الهمام وجوب صيغة التكبير ، والمشهور أنه سنة ، وقد تحقق فيهما الذكر المشعر بالتعظيم والخروج بصنع المصلى، كتحقق الكلى فى الجزئى، فليكونا فرضين ، وعلى هذا القياس أمثلة كثيرة ، فهذا ما ١هـ م ٠٠ : ٣ ١ راعاه الشيخ ولى الله فى شرح "الموطأ"، واختار فيه أيضاً فتهاً جامعاً ، وقد حقق الشيخ أيضاً فى كتابه " الإنصاف فى بيان أسباب الاختلاف" و"عقد الجيد فى مسائل الإجتهاد والتقليد" :. أن الحق فى موضع الاجتهاد متعدد، وحكاه عن الأئمة الأربعة وارتضاء ، وأريد بموضع الاجتهاد أن لا يكون هناك كتاب ولا سنة متواترة ، فالحق هناك متعدد، وإذا كان هناك قاطع فليس بموضع اجتهاد ، والحق هناك واحد وهو الموافق لذلك القاطع، ثمن وافته وافق الحق ، ومن خالفه خالف الحق . ٢ - - ٠٠٠ مآے - ٧٦ - وصنف الشيخ رحمه الله فى حكم التشريع والعقائد الحقة تصانيف صارت لكل آت نبراساً ومقياساً ، منها : "حجة الله البالغة" و "البدور البازغة" و"التفهمات الإلهية" و"الخير الكثير" وغير ذلك ، ثم تبعه على ذلك أولاده وأحفاده ، فمن أولاده : الشيخ الأجل والصدر الأكمل الشيخ عبد العزيز ، ثم الشيخ رفيع الدين، ثم الشيخ عبد القادر. ثم خلف الشيخ عبد العزيز حفيده مفيد العصر ومسنده المشتهر فى الآفاق الشيخ محمد اسحاق ، وابن أخيه محبى السنة العلامة الجليل الشيخ محمد اسماعيل ، وكان الشيخ عبد العزيز بتلو: ((الحمد لله الذى وهب لى على الكبر اسماعيل واسحاق)) نفع الله بها هذه البلاد. دارس الشيخ محمد اسماق حديث النبي حَكَّ فصار رحلة الأقطار . وصنف الشيخ محمد اسمعيل كتباً فى الفرق بين السنة والبدعة الظلماء، فأحبى السنة حين كانت أميتت، ومات شهيداً رحمه الله. وقد تلمذ على الشيخ محمد اسحاق شيخ مشائخنا الشيخ عبد الغنى ، صار مداراً لرواية فى عصره ، وارتحل آخراً إلى و 1 - ٧٧ - المدينة الطيبة وصار سند تلك البلاد وكثر الأخذ عنه هناك (١)، وتلمذ على الشيخ عبد الغنى شمس الإسلام والمسلمين العازف الحافظ المحقق الشيخ محمد قاسم النانوتوى ، مؤسس هذه المدرسة العالية وبانيها ، والفقيه الحافظ المجتهد الولى الشيخ رشيد أحمد . صنَّف الشيخ محمد قاسم كتباً فى المعارف والحقائق ، وكتباً فى الرد على المخالفين من الماديين والدهريين ، فنفع الله به كثيراً ، وقد كنت أنشأت هذه الأشعار فى منقبته : قنا يا صاحبى على الديار = فمن دأب الشجى هو ازديار (٢) وكثرت الفتيا، وازدحمت المسائل على الشيخ رشيد أحمد حين التبس الحق بالباطل ، فأجاب فيها بالصواب ، كان فقيهاً مجتهداً، فأخذنا ذلك إماماً فى الأصول ، وهذا إماماً فى الفروع . وتنقح لنا منها علم منتح مبيض . ثم لما استولت الأجانب على هذه البلاد وقامت الحرب بين الحق والباطل أسس الشيخ محمد قاسم هذه المدرسة العالية ، فنفع الله بها كثيراً جزاه الله خير الجزاء . وغاية المدرسة درس الحديث وفقه الحديث ، وكان يرى أن المبادئ ضرورية ، والضرورى يتقدر بقدر الضرورة ، حتى إن الشيخ رشيد أحمد حظر الفلسفة وحجر عنها فى بعض السنين (١) سبحان الله، ما ابدع حكمته فى بريته، جاء الشيخ ولى الله بعلوم الحديث الى الهند ثم ذهب بها من الهند الى المدينة" الطيبة الشيخ عبد الغنى! فاعتبر ثم اعتبر ، فان لله حكماً ومصالح خفية" دقيقة" غامضة" فى خلقه واسره يخلق ما يشاء ويختار. منه . (٢) هذا مطلع قصيدة طويلة" للشيخ رحمه الله فى مناقبه . منه. ٨ - ٧٨٠ - فى هذه المدرسة . فهذا إسنادنا وطريقة مشائخنا فى الحديث وفقه الحديث طريقة معتدلة مثلى يتوسطون بين الأطراف . أزيد بذلك أن للأئمة الأربعة أصولاً أربعة أكثرية ، وذلك أن الإمام. مالكاً يأتسى بعمل أهل المدينة ، بل قد يرجحه على الحديث المرفوع . والشافعى يأخذ بأصح ما فى الباب . وأحمد يأخذ بالأصح والصحيح والحسن والضعيف إذا كان ضعفه يسيراً ، ويجوز هذا وذلك ، وعلى هذا وضع " مسنده"، وأبو حنيفة يأخذ بهذه الأقسام وينزل الأحاديث على محمل ، فلذا كثرت التأويلات عند الحنفية ، وكثرت الجروح على الرواة عند الشافعية ، والشافعى رحمه اللّه أول من أبطل الاحتجاج بالمرسل إلا إذا اعتضد ، وإمام ذلك الصنعة الإمام الهمام البخارى رحمه الله قد أخذ أصل مالك والشافعى رحمهما الله وركب بينهما ، فيأتى بأصح ما فى الباب ، ويراعى مساعدة عمل السلف ، فاذا لم يأت بحديث يعارض حديثاً فى كتابه ، ولم يخرج فى الكسوف إلا حديث الركوعين ، مشياً منه على أصله . واعتمد مسلم رحمه اللّه على ثقة الرواة ، فأخرج حديث ثلاث ركوعات وحديث أربع ركوعات ، بل حديث خمس ركوعات أيضاً موقوفاً على أمير المؤمنين على رضى الله عنه، فالبخارى قد انتفى واتبع مسلم القاعدة. فمشائخنا يتوسطون فى مثل هذا ، لا يأخذون بالتشدد ولا بالتساهل، ويوجهون الأحاديث المتعارضة بتوجيهات يكاد يقبلها من يسمعها . مثاله : حديث القلتين، فقد رواه يزيد بن هارون، وكامل بن طلحة ، وهدبة بن خالد ، وإبراهيم بن الحجاج ، ، عن حماد بن سلمة ، وهؤلاء حفاظ أثبات ورواة ثقات ، بلفظ: = ٤ ء - ٧٩ - ((إذا بلغ الماء القلتين أو ثلاثاً لم يحمل الخبث)) ، فيقال فيه : إن هذا ليس بتحديد شرعى ، فقد قال : " القلتين أو ثلاثاً" بالتنويع، فهو تقريب وإحالة على خلوص أثر النجاسة من جانب إلى جانب ، وذلك أصل مذهب أبى حنيفة وصاحبيه ، صرح به الشيخ ابن الهمام والشيخ ابن نجيم ، وقد سلمت الأحاديث المتعارضة لحديث القلتين ، كحديث النهى عن البول فى الماء الراكد ، وحديث النهى عن إدخال اليد فى الإناء إذا استيقظ ، وحديث ولوغ الكلب فى الإناء . ومثاله أيضاً أحاديث القراءة خلف الإمام ، فإنهم لما استدلوا على ترك القراءة خلف الإمام فى الصلاة بقوله تعالى: (( وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون)) وبقوله فجّخلّةٍ: ((وإذا قرأ فانصتوا)) وبحديث: ((من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة)) أَّولوا حديث: ((لا تفعلوا إلا بأم القرآن، فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها))، وذلك أنه لم يصح فى شأن نزول الآية شئ من الروايات ، فالعبرة لعموم اللفظ، وأيضا فقد روى البيهقى فى كتاب القراءة عن عن الإمام أحمد أنه أجمع العلماء على أن هذه الآية فى القراءة فى الصلاة. وحديث: ((إذا قرأ فانصتوا)) حديث صحيح، صححه أحمد بن حنبل ، ثم صاحبه أبو بكر الأثرم ، ثم مسلم فى باب التشهد من حديث أبى موسى الأشعرى ، وأحال به على حديث أبى هريرة ، ثم صححه ابن خزيمة ، والحافظ أبو جعفر ابن جرير الطبرى ، والحافظ أبو عمر ابن عبد البر ، والحافظ ابن حزم. الأندلسى الظاهرى ، ثم الحافظ زكى الدين عبد العظيم المنذرى ، ثم خاتم الحفاظ الحافظ ابن حجر العسقلانى فى " الفتح"، وهذا A'e 4 2 ** - ٨٠ - من حيث الإسناد . وأما من عمل السلف والأئمة فقد عمل به جماعات من الصحابة ، ومالك ، وأحمد ، وأبو حنيفة: والحديث إذا كان رواته ثقات ثم ساعده العمل عمل السلف فهو صحيح . بلا ريب ، لا يقدح فيه قدح ولا يؤثر فيه جرح ، وحديث : (( من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة)) حكاه الشيخ ابن الهام عن "مسند أحمد بن منيع" وصححه، فإن سنده على شرط الشيخين ، ولم نقف إلى الآن على علة فيه . وإسناده: أخبرنا اسحاق بن يوسف الأزرق ، قال حدثنا سفيان وشريك عن موسى بن أبى عائشة عن عبد الله بن شداد عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول اللّه عَل الحديث، وقد ساعده الموقوف عند الترمذى، والمرسل عند آخرين ، فإذن هو صحيح ، فوجه شيخ مشائخنا الشيخ رشيد أحمد حديث عبادة من طريق محمد بن اسحاق ، وسياقه: (( لعلكم تقرأون خلف إمامكم ؟ قالوا : نعم يا رسول اللّه نهذه هذا، قال: لا تفعلوا)) الحديث . فقال : هذا دليل الإباحة لا دليل الوجوب ، وإنهم كانوا يقرأون بغير أمر منه مح الة، ولذا سأل بقوله: ((لعلكم تقرأون خلف إمامكم؟))، فلما قالوا : نعم، قال: ((فلا تفعلوا إلا بأم القرآن ، فإنها سورة متعينة من بين سائر القرآن لا غيرها من السور))، فعلل النبى وجَلّ إباحتها خلف الإمام بكونها متعينة من بين السور لاصلاة بدونه ، وظهر عدم كون الصلاة بدونها فى حق الإمام والمنفرد، وأثر ذلك فى الإباحة فى حق المقتدى ، ومسألة الإباحة والكراحة مختلف فيها عند الحنفية ، وإن اتفقوا على عدم الوجوب وقالو فى مسألة رفع اليدين وجهر آمين : أنه - ٨١ - قد صح الرفع والجهر عن النبى حَلّ وعن الصحابة، وقد صح ترك الرفع بإسناد صحيح عند أبى داؤد ، والإخفاء وقد صح ترك الرفع عن أمير المؤمنين عمر وأمير المؤمنين على رضى الله عنها ، وكذا صح الإخفاء بآمين عن جماعة من الصحابة والسلف الصالح ، فليكن كلا الأمرين سنة ، وإنما يبقى الشأن فى الترجيح، هذا والله الموفق للسداد فى المبدأ والمعاد . ثم تلمذ على الشيخ محمد قاسم شيخنا العدل الحجة مسند وقته الشيخ محمود حسن متع اللّه المسلمين بطول بقائه ، وهو شيخ المدرسة الآن ، وعليه المدار فى الإسناد فى هذه البلاد ، وهو . على طريقة مشائخه ساعده التوفيق الإلهى فى التوفيق بين المتعارضات وحل المشكلات . مثاله ما قال لى مرة : إن تعدد الركوع فى الكسوف قد ثبت عن النبي بَ لٍ لأمر اختص به ، ولكن أرشد الأمة إلى وحدة الركوع فقال: ((صلوا كأحدث صلاة صليتموها من المكتوبة)) فراجعته وقلت : إن السادة الشافعية يحملون التشبيه . على عدد الركعتين لا على وحدة الركوع ، فقال: إن هذا هو جعل البديهى نظرياً، فإنه إذا كان النبى معَتخلٍّ قد صلى الكسوف بتعدد الركوع بنفسه على أعين الناس ورؤس الأشهاد وكان يشرع تعدد الركوع للأمة فلم ترك الإحالة على ما شاهدوه وعدل إلى التشبيه بالصبح؟ وما ذلك إلا أن التعدد كان لعارض ، وأرشد الأمة إلى المعروف فى الصلاة ، والله الموفق والمعين ، وآخر دعوانا أن الحمد اللّه رب العالمين" . انتهت تلك المقالة البليغة الجامعة لشتات المباحث النفيسة ، فاغتنمها ( نفحة العنبر م - ١١ ) - ٨٢ - فإنها غنيمة باردة ، ولا تقس أيها المتبصر الدارى والمتفكر الوارى هذه المقالة " بعلوم الشيخ التى حوته صدره ، فإنه قطرة من بحر لاساحل له ، وهل تغنى القطرة من البحر الخضم ؟ هيهات ذلك ، بل أريناك نموذجاً من مكامن صدره وشذرة من معادن قلبه ، هكذا كان يسمح بها قطرة قطرة عند الحاجة ، فالجرع أروى والرشيف أنقع ، ولكن إن فتحت عين بصيرتك ورطنت بالنصفة سريرتك علمت أن تلك القطرة بحر ، أو تنبئك عن بحر يمده من بعده أبحر ، وهو القائل : متى ما جئت تستسقيه قطراً . تجد بحراً يطم على البحار وليكن منك على ذكر أن الشيخ رحمه الله هذه مقالته المرتجلة المحتوية على إتقان صنعته وحذاقته وتغلغله فى مزايا الحديث وأسرار اختلاف الأئمة والرأى الصائب فيها ، وهو فتى يافع ، بلغ من عمره ثلاثين سنة ، فما ظنك بما أبدعته قريحته الوقادة ؟ وإلى أى منزلة بلغت همته السامية فى دوره الأخير؟ فكان يزداد فضله وعلمه ساعةٌ فساعةً ، وينبغ يوماً فيوماً، وقد استكمل بعده نحو هذا العمر ، فلتكن على بصيرة . ولنعم ما قيل : تناهت علاءً والشباب رداؤها = فما ظنكم بالفضل والرأس أشيب فرحم الله امرأ ذاق وادرى ، فله العبر والبصائر، ومن لم يذق لم يدر مثل سائر . ولله در شيخنا حيث هو نفسه القائل : تجدد عهداً بالديار الموائل وما هى إلا عبرة ، ثم عَبرة تمثل شيئاً من حديث الأماثل وما هى إلا ذكرة ثم فكرة # يدار حديث من شجون الأوائل نعم عند ما قد هبت العيس واسترت وأمثال هذه المزايا والخصائص الحديثية التى ذكرناها كانت بين عينى العلامة الفاضل السيد رشيد رضا المرحوم ، حتى صدع فى مقدمة " مفتاح ٠,٧ - ٨٣ - كنوز السنة " بكلمات صادقة حيث قال : " ولولا عناية إخواننا علماء الهند بعلوم الحديث فى هذا العصر لقضى عليها بالزوال من أمصار الشرق ، فقد ضعفت فى " مصر " و "الشام" و "العراق" و "الحجاز" منذ القرن العاشر للهجرة حتى بلغت منتهى الضعف فى أوائل هذا القرن الرابع عشر آه " . ثم إن هذه ملتقطات من تلك المقالة ، فما ظنك بأصل المقالة ؟ والله يقول الحق وهو يهدى السبيل . ولنكبح شكيمة المزبر عن هذا البحث ، فهذا ختام الكلام والله الموفق . ٨ الشيخ وأسانيده فى الحديث . اعلم أن من خصائص هذه الأمة الإسناد فى الدين ، فيسندون كل ما يدينون به عن كبار الأمة كابراً عن كابر وماجداً عن ماجد طبقةً بعد طبقة حتى ينتهى السلسلة إلى قائد الخير ورسول الرحمة سيدنا ومولانا محمد بعضتجاه؟ سيد الأنبياء والمرسلين خاتم النبيين إلى جبريل الأمين إلى رب العالمين جل ذكره وعز اسمه وعظم برهانه ، لم تجد أمة من الأمم فى أكناف البسيطة ومناكبها بهذه المثابة ، فحملة العلم فى كل عصرٍ بذلوا جهودهم بل مهجهم لهذه الأثرة الجليلة والخدمة العالية والمزية السامية ، وهذا الذى أوصل علوم الحديث إلى ثمانين علماً فصاعداً ، وقد أشار إلى ذلك إلهنا الحق وربنا الخبير العليم فى فاتحة "سورة النجم" من نظم التنزيل العزيز، وفى "سورة التكوير" حيث يقول الله جل ذكره فى "سورة النجم": (علمه شديد القوى ذو مرة فاستوى) وقال: (ما كذب الفؤاد ما رأى) ، وقال فى "سورة التكوير": (إنه لقول رسول كريم ذى قوة عند ذى العرش مكين مطاع ثم أمين) . فكل هذا تعديل للسند Fi 2 - ٨٤ - وتوثيق للراوى . ألا فليراعه البصير على مغزاه والفاضل الخبير على مرماه ! وكذا أشار إليه مولانا ونبينا الصادق المصدوق رسول اللّه عَ لٍ بقوله: ((يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين))، ولذلك ترى أولى الأرواح القدسية والنفوس الطيبة والأنفاس. المباركة يتهافتون على الأسانيد تهافة العطاش الهيم على الزلال السائغ والنمير البارد فى الهواجر الحارة والظهائر ، فقد شرقوا لها وغربوا ، يتروّون من سلسبيلها العذب ، ويتنعمون بنسائم روضه الرحب ، وكان قصارى أمانيهم أن يفوزوا بسند عال، حتى إن هذا إمام دار الهجرة الذى كان تضرب إليه أكباد الإبل، كان يقول: سند عال وبيت خال، وشيخنا الأجل قدس سره نظير من نظرائهم، اقتفى بهديهم واقتدى بهداهم رحمه الله ورحمهم، وأفاض علينا من بركاته وبركاتهم، ولهذا نشير ههنا إلى أسانيده التى اطلعت عليها والله المستعان. الاسناد الاول : لسائركتب الحديث عن شيخه وشيخ العالم المحدث البارع مولانا الشيخ محمود حسن الديوبندى المدعو بـ " شيخ الهند" قدس سره ، ثم لإسناده طرق : الأول: عن الحجة العارف مولانا محمد قاسم النانوتوی الدیوبندى، وعن المحدث الحجة مولانا رشيد أحمد الكنكوهى ، كلاهما عن الشيخ المحدث الشاه عبدالغنى الدهلوى نزيل المدينة المنورة . الثانى : عن الشيخ المحدث مولانا أحمد على السهار نفورى محشى " صحيح البخارى " . الثالث : عن الشيخ العارف مولانا محمد مظهر النانوتوى .. الرابع : عن الشيخ المحدث القارئ مولانا عبد الرحمن الفانى فتى . ء = ٨٥ - وهؤلاء الأعلام الشاه عبدالغنى، والمحدث السهار نفورى ، والمظهر النانوتوى ، والمحدث الفانى فتى كلهم عن الشيخ الأجل المحدث الشاه محمددة اسحق الدهلوى ، عن حبر الأمة المحدث العارف الشيخ عبدالعزيز الدهلوى، عن والده الشيخ الإمام الحجة قطب الدين أبى الفياض أحمد المدعوبـ "الشاه ولى الله الدهلوى " ، عن الشيخ أبى طاهر المدنى، عن والده الشيخ ابراهيم الكردى، عن الشيخ المزاحى ، عن الشهاب أحمد السبكى ، عن الشيخ النجم الغيطى ، عن الشيخ زين الدين زكريا ، عن عزالدين الشيخ عبدالرحيم ، عن الشيخ عمر المراغى ، عن الفخر بن البخارى ، عن عمر بن طبرزد البغدادى ، بإسناده إلى الحافظ الحجة أبى عيسى الترمذى صاحب "الجامع ". ومن شاء الاطلاع على أسانيد الشيخ عبد الغنى وأحوال رجالها فليراجع إلى "البانع الجنى فى أسانيد الشيخ عبدالغنى"، وقد طبع بحيدرآباد مرة، وأخرى بديوبند. الاستاد الثانى : عن شيخه الشيخ المحدث الصالح محمد اسحق الكشميرى المتوفى بالمدينة مهاجراً سنة ١٣٢٢ هـ، عن الشيخ السيد نعمان الآلوسى ، عن والده أعلم بغداد الشيخ الحبر مولانا محمود الآلوسى البغدادى صاحب "روح المعانى" بالإسناد المثبت فى ثبته، وهذا هو الإسناد الذى يقول لأجله شيخنا رحمه الله فى بعض مؤلفاته: "قال شيخى بواسطتين محمود الآلوسي فى "روح المعانى" فاغتنمه" . الاسناد الثالث : عن الشيخ حسين الطرابلسى الجسر صاحب "الرسالة الحميدية " و"الحصون الحميدية " بإسناده إلى الشيخ السيد أحمد الطحطاوى المصرى شارح " الدر المختار " و"مراقى الفلاح "، استجاز عنه الشيخ رحمه الله بالمدينة المنورة زادها اللّه شرفاً وتعظيماً ، كما أومأنا إليه فيما سلف . - ٨٦ غـ فهذا ما اطلعت عليه من أسانيده من هؤلاء المشائخ الذين كانوا غرر عصرهم ومسانيد وقتهم قدس الله أسرارهم وأشاع فى العالمين أنوارهم وبركاتهم . وقد أجازنى شيخى رحمه الله بأسانيده هذه كلها فلله الحمد والمنة، ثم له جزيل الشكر وحسن الثناء ، وصلى الله تعالى على خير خلقه سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين إلى يوم الجزاء . الشيخ والفقه ، ونبذة من خصائصه فيه . طالع من الفقه وما يتعلق به تصانيف الإمام محمد بن الحسن الشيبانى من كتب ظواهر الرواية و"المؤطا" وكتاب " الآثار" وكتاب " الحجة " له، بضبط وإتقان وغاية فكر وإمعان، ثم شرح الإمام شمس الأئمة السرخسى " المبسوط"، وهو شرح لكتب ظاهر الرواية التى جمعها الحاكم الصدر الشهيد فى كتابه "الكافى" و"شرح السير الكبير " له، ثم ما تيسر له من تصانيف الإمام الطحاوى من "شرح معاني الآثار" و"مشكل الآثار " و "المختصر" له فى الفقه، وقد قال فيما أحفظ والله أعلم: إنى طالعت "مختصر الطحاوى" نحو عشرين مرة، ومع ذلك لم يشتف صدرى فى مواضع كثيرة، فهكذا طالع من كتب الفقه هذه الكتب المطبوعة بمصر والهند المتداولة بين أيدينا اليوم، ثم من الكتب الخطية ما تيسر له، حتى سمعت عنه نفسه رحمه الله: أفتيت بكشمير للمفتيين والعلماء فى الفتاوى المشكلة وفى التى تكون آراؤهم فيها مختلفة ثلاث سنين كاملة ولم أفتقر لمراجعة كتاب فى تلك البرهة . ثم لم يكتف فى الفقه بمطالعة الفقه الحنفى بل طالع من كبار كتب الفقه المالكى والشافعى والحنبلى ما يقضى العجب ويورث الخيرة ، وكانت أكثرها غير مطبوعة عند ذلك ، فهذا كتاب " بدائع الصنائع" لأبى بكر الكاسانى و"البحر الرائق " لإبن نجيم و " النهر الفائق " لأخيه و "رد المحتار" للشامى و" كتاب ٠ * ٠ 1 3 : ح 2 - ٨٧ - الأم " للإمام الشافعى وغيرها من مبسوطات الفقه كلها. كانت بمرأى عينيه، طالعها وأمثالها سطراً سطراً حرفاً حرفاً، وكان يثنى كثيراً على كتاب " الأم" وعلى ذكاوة الإمام الشافعى حتى قد يقول : إنى كلما أطالع كتاب " الأم" يقع فى قلبى أن الإمام الشافعى رحمه الله من أذكياء الأمة . وكان يقول : أقدر على تلخيص كتبهم أىَّ كتاب كان إلا كتابٍ " الأم"، وكان يثنى على " البدائع" كثيراً، فكان يقول : إن مؤلفات العراقيين من الفقهاء الحنفية أثبت وأتقن من تصانيف الخراسانيين ، ولكن "البدائع" مع أن مؤلفه ملك العلماء أبا بكر الكاسانى من الخرسانيين ولكنه فى التثبت والإتقان مثل مؤلفات العراقيين، بل فاق حسناً على سائر كتب فقهائنا الحنفية رحمهم الله ، كتاب بديع إن طالعه عالم بالغور والإمعان لصار فقيه النفس ، وهو أنفع للمدرسين والمؤلفين منه للمفتيين . وكان يقول : لا يجوز لأحد أن يفتى ما لم يطالع " البحر" أو " رد المختار" بأسره أو كتاباً مبسوطاً آخر من مبسوطات الفقه الحنفي ، نعم صدق. من قال : لا تقعن البحر إلا سابحاً . وكان رحمه الله يقول: إذا ثبت فى أمر قول أبى حنيفة رحمه الله فلا أرجع. إلى قول الصاحبين ، وإذا لم يرو عن الإمام شئ فما وجدته مروياً عن الإمام أبى يوسف آخذه ولا أنتظر قول الإمام محمد ، وإذا لم يثبت شئ عن أبى يوسف فأعمل على قول محمد ولا ألتفت حينئذ إلى أقوال باقى المشائخ الحنفية، وإن لم أجد عنه قولاً فإن كان عن الإمام الطحاوى قول فأتمسك به . وإذا اختلف العراقيون ومشائخ ما وراء النهر فأختار ما ذهب إليه العراقيون ولا ألتفت إلى تصحيح المشائخ وترجيحهم عند الإختلاف، إذ ربما يختلف التصحيح، بل العبرة عندى إذن لقوة الدليل . : x .' 12 - ٨٨ - وكان يقول رحمه الله: لا أقلد أحداً من الأئمة فى سائر الفنون النقلية والعقلية إلا الفقه، فإنى أقلد فيه الإمام أبا حنيفة رحمه الله تعالى ، فلى رأى مستقل فى كل علم إلا الفقه، وكثيراً ما إذ أغوص فى تخريج أقوال الأئمة المجتهدين فقد يقصر خبى عن إدراك مدارك الإجتهاد وأتحير لدقة مداركهم وبعد كنهها . قال الراقم : تبصّر واعتبر بهذا القول من هذا الشيخ الذى كان حبر الأمة فى عصره ، لو رأيته حين كان يخوض فى عمار الفقه ويغوص فى بحاره وطفق يبين تخريج أقوال الأئمة ومنشأ إختلافاتهم وترجيح بعضها على بعض لرأيت سيلاً يهمى أو بحراً يموج . وتمثل لديك قول المتنبئ : ووجه البحر يعرف من بعيد = إذا يسجو فكيف إذا يموج ولقلت : كأن روح فقيه الأمة إمام الدين والدنيا نعمان الكوفى تدندن فى حلقوم الشيخ الأنور، ولكن مع هذا الفضل الباهر الذى كان يدهش العقول ويحير الفحول يعترف بهذا ، فما ذلك إلا لغور كنه مدارك الفقه ، ووعور مسالكه وصعوبة مراحله . وهذا دليل بين وبرهان ساطع على وصول هذا الفقيه الحبر إلى أقصى مدارك العلم ومعارج الديانة ومدارج الإنصاف ، فدع السفهاء والجهلة الذين زعموا أن الاجتهاد أمر سهل هين لين يقدر به كل من أحاط بكتاب " بداية المجتهد " لإبن رشد الفقيه المالكى أو الحمقى الذين يزعمون أن كل أحد يقدر على الاجتهاد بالعبور على " القرآن " وظواهر الأخبار ، فيحرم عليه تقليد مذهب أحد من أعيان الأمة ، فيطنطنون هؤلاء فى كتاباتهم ومؤلفاتهم طنين الذباب ، ويرمون العلماء الربانيين بعوائهم كالذئاب . ومنشأ كل ذلك الجهل عن معرفة مراتب السلف والقصور عن فهم مداركهم ، وفوق كل ذلك الحمق والسفه البين العوار . وهذا داء أعبى ـا - ''p th - ٨٩ - الأطباء دواءه ، فيقال لهذا الذى يقعقع بالشنان ويجعجع من غير طحين : هلا ادعى ابن رشد الفقيه الاجتهاد بسبب هذا الكتاب ؟ ولم لم يعد فى زمرة المجتهدين ؟ ولم يعزو نفسه إلى المذهب المالكى ؟ وكيف يقلد فى الفروع ؟ وهل يسوغ التقليد لمن بلغ رتبة الإجتهاد (١) . نعم هو رجل فقيه النفس بعيد الغور ، له مزايا جليلة هو فريد فيها ، وقد أحسن إلى الأمة الإسلامية بإبراز هذا العلق النفيس ، غاص فى منشأ اختلافات الأئمة ، ونبّه على أنه كيف تشعبت الآراء وتطرق الاحتمالات وتنوعت الأدلة ، فعرفها وفهمها، لا أنه صار مجتهداً مطلقاً فى المذهب بهذا القدر، فإنه لا يكفى هذا القدر فقط ولا يشفى، نعم وليس القوادم كالخوافى ، فإذا لم يكن هو نفسه مجتهداً فما ظنك بمن يستفيد منه حتى يبلغ به قلة الإجتهاد الشامخة التى تبقى العين دونها حسرى وما تنفع الشعفة فى الوادى الرغب ، فليستقيم المرء وليتزود التقوى، ولا يتبع الهوى ، فإنه قد أضل وأردى ، وليعرف لكل شئ قدره ، وليعط كل ذى حق حقه. علا أنه لخص كتابه هذا من كتاب "الإستذ كار" لحافظ المغرب ابن عبد البر، فالفضل أصله يرجع إلى أصله وإن كان هو موفقاً فى التلخيص والإجادة ، وهو إمام وفضله أكثر ولم يعد هو فى المجتهدين بل عد من كبار المالكية وحفاظ المحدثين وكفى به مزية وفضلاً. وأما الفريق الآخر فنطوى الكشح عن خطابه ، فإن هؤلاء بلغت سفاهتهم إلى غاية وأمد بعيد حيث يستنكفون عن إتباع الإمام أبى حنيفة والإمام مالك والإمام الشافعى والإمام أحمد فقهاء الأمة المحمدية ، ثم يقلدون أقوال ابن حزم وابن تيمية وابن القيم، بل القاضى الشوكانى ، وبل النواب المعزول البهوفالى من هو أدون منهم (١) ولم يصر جده الفقيه صاحب "المقدمات" مجتهداً وهو كان احسن به . ( نفحة العنبر م - ١٢ ) - ٩٠ - بمراتب من حيث لا يشعرون، فيستمسكون بعراهم ويعتصمون بأقوالهم وآرائهم الشاذة ويزعمونها وحياً سماوياً لا يتغير ولا يتبدل ، وكأنهم معصومون عن الخطأ والسهو ، وأن الحق لا يتجاوز رأيهم ولا يعدو مظنونهم ، فيا للعجب. ويا للأسف! هداهم الله وإيانا بفضله ، ونجانا من غوائل الهوى، ووفقنا لإتباع أئمة الهدى، ولو لا مخافة التطويل والخروج عما أنا بصدده لصدعت بالبحث وبينت عوار هذا القول الشنيع وسقيت الصدى وشفيت الصدر وبردت الغليل، والله يقول الحق ويهدى السبيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم. ودونك الآن مثالين ليتضح لك دأب الشيخ رحمه الله فى أبحاث الفقه: المثال الأول : قال شيخنا المحقق فى "فتح الملهم شرح صحيح مسلم": قال علامة عصرنا الفاضل الكشميرى أطال الله بقائه (رحمه الله) : أن قولهم: "الكفار مخاطبون بالمعاملات" إن كان المراد به الخطاب ثواباً وعقاباً فى الآخرة فسَّلم لا شك فيه ، وإن كان المراد الخطاب صحةً وفساداً فى أحكام الدنيا فليس هذا عندى على الإطلاق، فقد صَّرح فى "الهداية": إن الكافر إذا تزوج بلا شهود أو فى عدة كافر - وذلك فى دينهم جائز - ثم أسلما أقرَّا عليه عند أبى حنيفة رحمه الله، لأن الحرمة لا يمكن إثباتها ههنا حقاً للشرع، لأنهم لا يخاطبون بحقوقه ، ولا وجه الإيجاب العدة حقاً للزوج ، لأنه لا يعتقده . وصرح الشيخ ابن الهام رحمه الله أن المسلم إذا باع من الحربى ميتة أو خنزيراً أو قامره وأخذ المال يحل كل ذلك عند أبى حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى ، ولو كانوا مكلفين بالمعاملات بحسب الصحة والفساد لم يصح النكاح فى الصورة الأولى ولم يحل ذلك المال فى الصورة الثانية ، ولهذا نظائر أخرى تقف عليها · بعد التتبع البالغ ، فكما أنهم استثنوا من العقوبات حد الشرب كذلك ينبغى تقييد المعاملات أيضاً بشئ يخرج أمثال هذه الفروع المنصوصة عليها فى كتب 3 C ء