Indexed OCR Text

Pages 1-20

www.islamicbookscity.com
سلسلة المطبوعات رقم ٣٨
نفرَ الْعَنْ
فى حياة إمام العصر الشيخ أنور
تحوى حياته العلمية ومفاخره السائرة ومآثره
الخالدة وشمائله الميمونة وآراء مشائخه وأمائل
عصره فى نبوغه وكمالاته وشىء من
فوائد معلومه و شعره
تأليف
محمد يوسف بن السيد محمد زكريا البنوري
خادم الحديثِالنَّوَيِّ بالمدرسةِالعَّةِالإسلاميّةِ بكراتشي وَمُديرها
وَعُضوالمجمع العلمي العربيّ بدمَشق عفا الله عَنْهِ وَعَافَاء
وَجَعَلَ آخرته خَيْرًّا من أولاه
قام بنشرها
المخلّ العَالم ذكراتَيْه ◌َرَُّ
www.islamicbookscity.com

١٣٨٩ هـ - ١٩٦٩ م
سنة الطبع :
١٠٠٠ (ألف نسخة)
تعداد النسخ :
. القادر برنتنك سينتر
المطبعة :
نورى مسجد - تين هتى
كراتشى - باكستان
. من غير التجليد: عشر روبيات
من الكتاب:
مع التجليد : اثنتا عشرة روبية
ادارة المجلس العلمى
:
الناشر
بكراتشى
ص - ب - ٤٨٨٣
Printers :- AL - QADIR Printing Centre, Teen Hutt, Karachi.

مقدمة الطبعة الثانية
٤
إن إمام العصر المحدث الكبير الشيخ محمد أنور شاه الكشميرى ثم
الديو بندى رحمه الله تعالى كان من أفراد هذه القرون الأخيرة وأفذاذها ،
ونابغة هذه العصور الذى يستحق هذه الأمة الحاضرة أن تتباهى به ، ما كان
لمثلى أن يكتب حياة مثله ، وإنما يستحق أن يكتب حياته من كان متضلعاً من
هذه العلوم والمعارف ، وسابر أغوارها وأنجادها ، ووصل من حقائق العلوم
إلى غايتها القصوى وحماداها ، وأطال صحبة أنفاسه الطاهرة على محبة ووداد ،
وبصيرة وسداد ، ولكن القدر المحتوم قدر لى هذه السعادة الأبدية ، فوفقت
إلى تأليف فى حياته وترجمته قبل أربع وثلاثين سنة فى شرخ شبابى وعنفوان
فتوتى ، وما كان لمثلى أن تنجلى أمامى خصائصه البارعة ومزاياه الساطعة ،
غير أن غرامى بعلومه وولوعى بخصائصه وإخلاص ودادى لشخصيته فتح
أمامى حقائقه التى درستها بعد أكثر من ثلاثين عاماً ، ولم أزد غير وثوق
وتأكيد لما أدركته من قبل وكشفت لى كرامته الباهرة أن أدركت حقائق من
خصائصه ومزاياه فى ريعان شبابى ما لو كنت أدركتها وأنا ابن ستين سنة
فصاعداً لكفى لى فخراً بحول الله وقوته ، ومن قدرة الله القدير على كل شئ
أن سمعت شيئاً وسنى لم يبلغ إلى عشرين ، فذقته بثلج صدر وبصيرة مثل ما
أذوقه وأنا فوق ستين عاماً ، ذلك من فضل الله علينا وعلى الناس ولكن أكثر
الناس لا يشكرون .
٢٠

( ب )
ألفت ترجمته المختصرة وحياته العلمية وسميتها : " نفحة العنبر فى هدى
الشيخ أنور"، عنيت فيها بآدابه وحياته العلمية أكثر من عنايتى بأحواله
العامة وشمائله الطبية كما هو دأب أكثر المؤلفين العصريين .
وقد لاقى جهدى الضئيل تقديراً وثناءً من الأكابر كأمثال حضرة حكيم
الأمة التهانوى ومحقق العصر الشيخ العثمانى والمحقق الشيخ كفايت الله الدحلوى
مفتى الهند الأكبر ، وهنئونى بهذا التوفيق ، كل ذلك بفضل الله وكرمه
ما كان يخطر ببالى مثله ، ولما سافرت إلى القاهرة فى أول رحلة لى سنة
١٣٥٧ فى صفر الخير وتشرفت بزيارة بحاثة العصر المحقق الشيخ محمد زاهد
الكوثرى فقدمتها إلى حضرته ، فزارنى بعد يوم أو يومين فى منزلى بالقاهرة،
وقال : قرأت كتابك "النفحة" ووجدت كأن الشيخ مائل أمامى يخطب،
ومن العجيب أن حضرة شيخنا مولانا شبير أحمد العثمانى كتب فى جملة ما كتب
عن الرسالة مثل هذه الكلمة ما لفظه بالأردوية :
"كتاب ـے موضوع اوراسلوب جميل فى مجهكو بالكليه إبنى
طرف جذب كرليا ، بؤهتم وقت بلا سبالغه يه معلوم هوتا تهاكه
کوپا مرحوم کی تصویر آنکھول کے سامغ كهوى حـ ، اور خود کویا
علامة مرحوم ابن خاص لب ولهجه اورطرزادا مين ابن عقيدت
"ليشول ت خطاب كررھ ھي" .
ومن المبشرات أن صديقنا العالم الصالح مولانا عبد العزيز المرحوم
قد رأى رؤياً حين فرغت من تأليف "نفحة العنبر" قبل أن يعلم أحد بإتمامه
وأن يفض مسك ختامه : " أن شيخنا رحمه اللّه جاء غرفتى التى كنت أسكنها
فى "جامعة دابيل" وجلس خارجها، وأخذ يثنى على عضواً عضواً، ثم طلب
طيلساناً لى بشد على الرأس بدن العمامة فأخذه وشده على الرأس مثل العمامة .
وأثنى على ذلك الطبلسان بأنه فى غاية الجمال " .

( ج )
وأرى أن هذه البشرى رؤيا صالحة دلت على قبول هذه النفحة
بحضرته ، فهبت عليها نفحات من قبوله، فلله الحمد والنعمة ، وكفى لى
بها سعادة وفخراً :
جهد المتيم أشواق فيظهرها * دمع على صفحات الحد ينحدر
وأنا أدرى أن حياة إمام العصر العلمية يحتاج إلى توسع أكثر من هذا،
وقديماً قلت : إن كان طرف ضئيل من حياته موضوع بحث فالمجال واسع
جداً، فكيف يمكن أن يحوى جزء وهو غير كبير حياة مثله نابغة الدهر
وعبقرى الأمة الحاضرة ، ثم أنى لمثلى فى شبابى وفتوتى ! ثم كل ذلك فى
ظروف ضيقة وفرص مختطفة من أعمالى الدراسية . بيد أن الله سبحانه القادر
على كل شئ جعلها مقبولة واختطفته أيدى طلبة العلم فى برهة غير طويلة ،
وكم كنت أود أن أطيل البحث عن شئونه العلمية وشمائله العامة ، وكان أرباب
المجلس العلمى يحبون أن يعيدوا طبعها، ولكن لم أوفق لما كنت أود ولم يوفقوا
إلى ما أحبوا ، فطال الترقب وزادت الأشواق إلى أن جاء عهد الإعادة للنشر
مرة أخرى فى وقت وهنت قواى وازدحمت على الأشغال ، وفترت الداعية
ولم أتمكن من الزيادة غير النظر فى غضونها وشجونها ، نعم رغبت فى أن
يلحق بها ما كتبت عن إمام العصر الشيخ رحمه الله فى مقدمة "فيض الباردى"
أو كلمات فى محل آخر ليكافئ هذا الوهن ، أو شئ من فوائده الفقهية والعلمية
ليجبر هذا الكسر ويلم هذا الشعث ، وكنت احتذيت بعض قدماء الأئمة
مثل المبرد فى "كامله" والجاحظ فى " بيانه"، فجاءت فيها أمثال عربية
أدبية جعلتها أرقى أدباً فى أنظار وأغمض وأدق فى أنظار أخرى ، ولكن قل
مقام إلا وذكرت فيه بعد المثل أو قبله كلمة من كلامى يشرحه أو يكون
سياق يوضحه ، فمن غاب عنه المثل ومعناه وما حواه لم يغب عنه مفهوم الكلام.
عن

( د)
وفحواه ، ومهما يكن من شئ فإنيان شئ يتفق عليه الأمة جمعاء خارج من
طوق البشر ، وهكذا الدنيا . وصدق أبو الطيب حيث يقول : .
لحى الله ذى الدنيا مناخاً لراكب * فكل بعيد الهم فيها معذب.
ولنعم ما قال هو نفسه وأجاد ، وكان شيخنا رحمه اللّه يتمثل به أحياناً،
وهى هذه الأبيات :
تخالف الناس حتى لا إتفاق لهم إلا على شجب والخلف فى الشجب
فقيل تخلص نفس المرأ سالمة وقيل تشرك جسم المرأ فى العطب.
٠
ومن تفكر فى الدنيا ومهجته أقامه الفكر بين العجز والتعب
فإذن نقدم لمن له ولوع بحياة إمام العصر الشيخ وغرام بها تلك النفحة التى
هى نفحة من نفحاته رحمه الله فى حديقة أبهى من السابقة ورقاً وطباعة وصحة فى زى
قشيب وجمال بديع، نرجو الله سبحانه أن يجعلها سلوة للمغرمين بحب الشيخ،"
كما نرجو أن يجعلها نزهة أدبية للذى يريد التنزة فى رياض من الأدب والشعر
واللغة ، فيشمون منها نفحة ذكية عنبرية بفضل الله ، واللّه سبحانه ولى كل
توفيق ونعمة .
محمد يوسف البنورى
٢ صفر الخير سنة ١٣٨٩ هـ
المدرسة العربة الإسلامية
كراتشى رقم - ٥
فا
*
*
٠
2
..
٠٠
۔
٣
ء.
ء
١)

مقدمة الطبعة الأولى
سِالْهِ الرَّحِ الرَّحْيُيمٌ
الحمد لله الذى تواضع كل شئ لعظمته، والحمد لله الذى ذل كل شئ
لعزته، والحمد لله الذى خضع كل شئ لملكه، والحمد لله الذى استسلم كل
شئ لقدرته . .
اللهم اجعل شرائف صلواتك ونوامى بركاتك على سيدنا محمد عبدك
ورسولك الخاتم لما سبق والفاتح لما أغلق ، هديت به القلوب بعد خوضات
الفتن والإثم بموضمات الأعلام ومنيرات الإسلام ونائرات الأحكام ، فهو
أمينك المأمون وخازن علمك المخزون ، وعلى آله وصحبه الذين لهم الآثار
الباقية والباقيات الصالحات ما دامت العيون تسمح بالعبرات والقلوب بالحسرات.
أما بعد : فهذه نفثات صدر وقطرات قلم ، بل عبرات عين وحسرات
ألم نهديها إلى علماء الأمة الحنيفية، ولا سيما إلى فضلاء المالك الإسلامية وأماثل .
البلاد العربية لتصدع لهم بكلمات من كتاب حياة رجل عظيم ضنت بأمثاله
القرون وجادت بمثاله بعد دهور متطاولة .
كان برقاً تألق فى ساهرة الهند فأضاءت منه أقطارها ، وانبعث شعاعه
إلى أكتاف الدنيا ، فاستنارت منه أنجادها وأغوارها ، فاشرئبت إليه الأعناق ،
وأقنعت الرؤس وطمحت إليه الأعين ، فانطوى على مجل وغادرهم سامدين
حيارى لادراك لهم ولا حراك ، هو : الشيخ الإمام ، نسيج وحده ونابغة
دهره ، إمام العصر ، ابن دقيق الأمة الحاضرة فى دقة النظر، ابن تيمية
عصره فى الاستبحار والتغلغل فى العلوم، عسقلانى الحديث فى الحفظ والإتقان،
٣

( و )
جرجانى البلاغة ، وسيبويه العربية سيدنا ومولانا الشاه محمد أنور الكشميرى
ثم الديوبندى، طيب الله ثراه وجعل الجنة مثواه.
جاء والناس فى غفلة من مزايا علوم الحديث ومن تخريج مناط الأحاديث
وتنقيحه وتحقيقه ، راقدين عن فقه الحديث وأغراض الشارع ، حماداهم أن
يحفظوا ما راج بين القوم من التأويلات الركيكة والمحامل الواهية للنصوص ،
غير منتقدين لها على محك الفكرة الصائبة والبصيرة النافذة .
أتى رحمه الله والمشتغلون بالدرس والتأليف فى زاوية الاقتناع من بحار
.٤
الأقوال ببرض النقول يسبحون فى ضضاح من المعقول والمنقول ، لادراك
لهم من اجتناء الأزاهير الفاتحة من مريع رياض القدماء والاقتطاف من
ثمارها البانعة .
نبغ والعاكفون على العلوم فى دلجة مطبقة من سبل الإرتقاء إلى ذرى
المجد السامى والشرف الأقصى، غير منتفعين بمعادن السلف ودفائنهم القيمة
وتحقيقاتهم المضنونة ، والمكبون على الزبر كانوا يرجمون بالغيب ويرمون
فى الليل، لا يدرون طبقات المؤلفين ودرجاتهم ومواليدهم ووفياتهم، فأضاء
رحمه الله مناهج التفصى عن المعضلات الغامضة والمشكلات الدقيقة حتى أصبح
لهم التحقيق والتدقيق على طرف التام وتغلغل فى حقائق المدارك ومعارفها
ودقائق الأبحاث وغوامضها ، فقيد شواردها واستأنس أوابدها ، وغاص
البحار وشق الجبال ، فأخرج اللآلى الفاخرة والجواهر المضيئة فأصبحت
اليواقيت والجواهر أرخص ما يكون فى أسواق الدروس وأندية التأليف
والمجامع العلمية .
.وبالجملة فقد سمحت مزنته المطالة فساحت بحار وسالت أودية من غرر
نقول أكابر القدماء وأمائل السلف فى معضلات العلوم ، فسبح فيها بتحقيق
٠
.0
ء

ط
حـ
( ز )
نافذ واجتهاد مصيب وانتقاد رائق ، فاخضرت بقاع الجند وراحت فى البلاد
نسائمها وتنضرت رياضها النضرة ، حتى فاحت الأزاهير وصاحت حمائمها ،
فقد هز القلوب وهيج الأفكار ولذَّ الأسماع وأرهف البصائر والأبصار، حيث
بث الجواهر الغالية ونشر المعارف العالية ، ونفخ فى الأمة الحاضرة روح
نهضة العلوم الإسلامية . تبدت له الدنيا بدلها وحديثها ، وغردت له بما
تشتهيه الأنفس وتلذ به الأعين كعتان كشمير وحمامها ، وعطرت معاطسه
شائم أزهارها وكمامها ، فتولى عنها وتركها وراءه ظهرياً وأقبل إلى التوشح
بمطارف العلم والفضل بحرص صادق وقلب زكى وطبيعة وقادة ، تقياً نقياً،
حتى أضحى العلم له دثاراً وتقوى الله له شعاراً ، وصدق فيه ما خاطب به
الشيخ الإمام النووى الإمام تقى الدين ابن دقيق العيد رحمهما الله بقوله :
لكل زمان واحد يقتدى به = وهذا زمان أنت لا شك واحده
فهذه قطرات ورشات من غزير وابله وفوحات ونفحات من جميل
شمائله وفضائله، أتيمن بذكرها الميمون استذرافاً للعبرات، واستذكاراً بالعبر،
واقتداءً بمن سلف من أعيان الأمة وغبر، وادكاراً لنعم الله تعالى على الورى؛
واعتباراً بمآثر أفراد الملة فيما مضى. ولله د، الخليفة الراشد الإمام عمر بن
عبد العزيز الأموى رحمه الله حيث قال :
مادام ينفعك التفكير والنظر
أنظر لنفسك يا مسكين فى مهل
لله درك ماذا تستر الحفر
وفيهم لك يا مغتر معتبر
قف بالمقابر وانظر إن وقفت بها
ففيهم لك يا مغرور موعظة
ومما قلت :
مدى الدهر تبقى لا تزال كغرة
فآثار على أو مآثر فضلهم
فهل من عطاش تشتهى نقع غلة
وقد فارقوا عنا وأبقوا عيونهم
جـ
٠
Z
طمت مكنامن
٣

( ح )
فهل نظرة فى الغابرين بعبرة
أسائل دهراً من شائل فضلهم
وهات حديث الراحلين ببرهة
فدع ذكر سلمى أو حديث سعادهم
وهاك حديثا من كتاب وسنة
وذر حب ليلى ثم سعدى وذكرها
اللهم لك الحمد وإليك المشتكى، وأنت المستعان ، ولاحول ولا قوة إلا
بالله العلى العظيم، ونستعينك على فساد فينا، ونسألك صلاح أمرنا كله ،
وصلى الله تعالى على إمام الخير وقائد الخير ورسول الرحمة سيدنا محمد وآله
وصحبه وتبعه أجمعين .
هذا، ثم إنى كنت عزمت بأن أقتنع من هدى الشيخ رحمه اللّه وحياته العلمية
بما فيه مقنع وكفاية للمتفقدين ، بيد أن أصحاب المجلس العلمى قد أشاروا على
بإفصاح حياته العلمية بنوع بسط وإيضاحٍ وإيراد شئ من سيرته العلمية ،
ليكون مقدمة مقنعة لكتاب "مشكلات القرآن" من مؤلفات الشيخ رحمه الله،
بل لسائر مؤلفاته مبصرة فى آدابه وخصائصه ، فمن أجل ذلك أجلت قداح
نظرى الكليل فى أرجاء من باديته الفسحى ، والله الموفق، ولتسم بـ: " نفحة
العنبر من هدى الشيخ الأنور"، وإن شئت قسمها بـ: "نفائس الدرر من
أنفاس الشيخ الأنور". والله المستعان، وعليه الثقة والتكلان (١).
*
٠
۔۔
(١) ولتسم فى هذه الطبعة": نفحة" العنبر من حياة امام العصر الشيخ انور.

:
(١)
YE
بِ الله ◌ِرُهُالحَ
سلسلة" نسبه، نشاته وحياته الجملية"، اعماله بعد
الفراغ ، تدريسه للعلوم وافتتاحهمدرسة عربية بدهلى "
عود الشيخ الى وطنه وتاسيس مدرسة دينية" سماها
الفيض العام، زيارة الحرمين ولقاء صاحب الرسالة
الحميدية"، عزم التجرد والعزلة"، اقامته بدارالعلوم
الديوبندية وازدواجه، رحيله منها الى كجرات الهندو
اقامته بدابيل مرض الشيخ ، اجله المحتوم دفنه بديوبند
سلسلة نسبه .
هو: ابن الشيخ معظم شاه ، بن الشاه عبد الكبير، بن
الشاه عبد الخالق ، بن الشاه محمد أكبر، بن الشاه محمد عارف،
بن الشاه حيدر ، بن الشاه على ، بن الشيخ عبد الله ، بن الشيخ
مسعود النرورى الكشميرى رحمهم الله تعالى .
وفى "المكتوبات" الخطية عند خلف الشيخ (مسعود): أن سلفه جاءوا من
"بغداد " إلى الهند، ودخلوا " ملتان"، ثم ارتحلوا إلى بلدة " لا هور"،
ثم إلى "الكشمير". هذا ما ذكره شيخنا رحمه الله نفسه فى أواخر بعض رسائله،
وكان كما قال سيدنا كعب رضى الله عنه :
إن الكرام هم بنوا الأخيار
ورثوا الكرامة كابراً عن كابر
نشأته وحياته الجملية .
كانت ولادته صبيحة يوم السبت السابع والعشرين من الشوال سنة
١٢٩٢ الهجرية بقرية " ودوان" (١) على زنة لبنان . من كورة "لولاب"
(١) بالواوين بينهما دال مهمله".
( نفحة العنبر م - ١ )
ـدوما

- ٢ -
بناحية شمالية من مضافات "الكشمير" (الواقع فى أعدل أقاليم البسيطة، أعنى
الإقليم الرابع من الأقاليم السبعة) .
تربى فى حجر والدته التى كانت يتيمة دهرها فى الورع والزهد والعبادة،
فى ظلال حنو والده الراشد المسترشد العابد الزاهد ملجأ القوم فى النوائب
وملاذهم فى المهمات الدينية والدنيوية، إلى أن قضى أربع سنين من عمره
ودخل فى الخامسة فأخذ فى القراءة فختم التنزيل العزيز ، وفرغ من عدة
رسائل بالفارسية فى عامين على حضرة والده ، ثم شرع الكتب الفارسية حسب
ما توارث فى أهل بلدته وتعاملوا به من كتب الأدب الفارسى من النظم
والنثر ورسائل الإنشاء وكتب الأخلاق من مؤلفات الشيخ سعدى الشيرازى
والنظامى والأمير خسرو الدهلوى والعارف المحقق الجامى والمحقق جلال الدين
الدوائى وغيرهم ، فبرع فيها ما شاء الله وحوى علماً بتلك الكتب الفارسية
والعلوم المتعارفة فيها حتى فاق الأمثال والأقران ، وأشير إليه فى فضلاء بلده
بالبنان ، وحصلت له ملكة فى صياغة النظم الفارسى وإنشاء النثر ولم تتم له
بعد عشر حجج .
ثم شرع فى تحصيل العلوم العربية ، ففرغ من الصرف والنحو وقدر
صالح من أكثر العلوم المتداولة من الفقه وأصوله والمنطق وغيرها فى حولين
فصاعداً . فلما ارتوى وتضلع من علوم الكشمير أزعجته لواعج الإرتقاء على الرحيل
وأغراه جذبات الوجد والإشتياق على تكميل العلوم واكتساب المعارف لبرد
الهيام وإطفاء الغليل فشحذ غرار العزيمة الصادقة للرحلة عن وطنه ومألفه ،
فردعته أمه الحنون وأباه العطوف فودع بلدته الطيبة التى تحمى القلوب والأرواح
بنسائمها، وتهتز الأعطاف بأسجماع حمائمها إلى أن وصل إلى بقاع "هزاره" (من
حدود الفنجاب بالمغرب الشمالى ) وكان محطاً لرجال مهرة العلوم الدرسية
والأساتذة المتقنين وحذاق الفنون المتداولة ، فمكث فيها من أقطار شتى نحو
لا
الحر
بـ
؟

- ٣ -
أ
ثلاثة أعوام يطفئ وحره ويشفى صدره ، بيد أنه لم تقنع بذلك القدر نفسه ولم
تنقع به غلته بل كان يزداد ظمأ وأواماً إلى درك حقائق العلوم ، وما كان أن
يطمئن ما لم يصل إلى درك البحر الزاخر ، وهكذا حقيقة المعارف والعلوم
إذا سرت فى العروق وخالطت بشاشتها القلوب وامتزجت بالقرائح والأفكار
لا ينطفئ الضرام والغليل ، وتنادى القريحة : هل إلى مزيد من سبيل .
ر.
وكان رحمه الله سمع صيت بعض الأفاضل بالديار الهندية ، فامتطى إليها
صهوة الإرتحال ، وأخذ بيده عصا الترحال ، فقدر له التوفيق الإلهى ، وساقته
الحكمة السرمدية والسعادة الأزلية إلى محط رجال الأكابر ومحطة أعيان الأماثل
مهد العلماء الربانيين والأحبار الربيين ، شموس المعارف الإلهية وبدورها ،
ونجوم العلوم الدينية ونورها ، إلى بقعة أضاءت منها بقاع الهند بعد ما
أظلمت ، وانمحت منها ظلمات البدع بعد ما تراكمت ، إلى بقعة جرت منها
ينابيع القرآن والسنة فى الفيافى المجدبة ، وفلق بها صديع العلم والهداية بعد ما
أحاطت بأكنافها دياجر المحدثات والجهل ، وأرخيت بها سدول الغواية ،
أعنى : دار العلوم الإسلامية والجامعة العظيمة الدينية بقرية " ديوبند " من
مديرية " سهار نفور" (على شقة مائة ميل من بلدة "دهلى" عاصمة الهند إلى
الجانب الغربى الشمالى ) . وكان ساحتها مستنيرة بجهابذة العلوم النقلية والعقلية
وفطاحلها ، وكان أكبرهم وأبجلهم شيخ العالم مسند الوقت رحلة الأقطار
شيخ العرب والعجم مولانا الشيخ محمود حسن الديوبندى رحمه الله تعالى ،
وكان هو مرتوياً من علوم القرآن والسنة والحقائق والمعارف من قدوة الأمة
وقطب الإرشاد حكيم الأمة المحمدية وزعيمها معلم الناس الخير والحكمة شيخ
السنة مولانا رشيد أحمد الكنكوهى قدس سره . ومن بحر المعارف والحقائق
من أوتى الحكمة وفصل الخطاب حبر الأمة ولسان الحكمة حجة الإسلام مولانا
(١)
*
.
٢
3
ے

- ٤ -
محمد قاسم النانوتوى (١) ثم الدیوبندی قدس الله روحه .
وقد خص الله المحدث العارف الكنكوهى بإصابة الفكرة وإعلاء كلمة
الحق ، ونشر السنة فى الأمة علماً وعملاً صار مداراً للفتيا، وارتفعت إليه
مشكلات القضايا ومشتبهات المسائل والأحكام ، فهداه الله إلى الحق الأباج،.
ودار معه الحق حيثما دار، وكان شيخ الطريقة دارت عليه طريقة السادة
الجشتية ، وتواترت قطبيته عند العرفاء وأصحاب الكشف الصحيح .
وكان عندهم قطب الإرشاد ، فجرت منه أنهار السنة النبوية ، ونبعت
من قلبه ينابيع السلوك والعرفان، فجعله الله إماماً فى الشريعة، إماماً فى الطريقة،
جرد الشريعة عن البدعات الممتزجة بها ، وجرد طريقة السادة الحشتية عن
الرسوم المحدثة فى أهلها من محافل الساع واستعمال آلات الطرب واللهو من
المعازف والمزامير وغيرها من المحتفلات المبتدعة فيهم بالهند ، ومزجها بالسنة
الصافية حتى بدت فى قالب السنة زهراء ساطعة تطابق بها ظهرها وبطنها .
وأما الشيخ العارف النانوتوى رحمه الله فكان بحراً لأسرار الشريعة
والتكوين ومعارف السنة النبوية ، ذب عن عقائد الشريعة المحمدية صولات
الملحدين وسورات الزائغين والمبتدعين ، لم يكن علومه ومعارفه من الزبر
والأسفار والصحف والأوراق ، بل الله أودع فى قلبه نوراً أضاء منه علوم
الشريعة والحقيقة ، إذا توجه إلى إلقاء معرفة أو إيضاح سرٍ خفى نرى أن
قلبه انفتحت كوته إلى عالم القدس فيتاقى منه ، ثم يجرى منها تلك المعارف
والعلوم على لسانه الصارم بما يبهر العقول ويحير الألباب ، وقد آثره الله
بمعارف سامية خلت عنها كتب أكابر المحققين وأعاظم الصوفية كأمثال
الغزالى والشيخ الأكبر أعرف المغاربة ، والفخر الرازى ، ثم ساعده
(١) نسبة" الى "ثانوته" - بالنوين- قرية" من كورة ''سها رفور""، و" كنكوه" ايضاً
قرية" من قراها .
.
AT٦٠
١١٠
۔

- ٥ -
التوفيق الربانى لإيضاح المشكلات وتفهيم الغوامض حتى يجعلها مشاهدة رأى
العين ويخال أخفى النظريات عند بيانه من أجلى البديهيات حتى وقائع الحشر
وأمور المعاد حتى الجنة والنار وكمالاته الباطنة خارجة عن إحصاء أمثالى ، بل
عن إدراك نظرائى، وكان شيخ طريقته قطب العصر العارف إِمداد الله الهندى .
مهاجر مكة يتعجب من إرتقاء مداركه ومدارجه ، ويقول : إن مثله كان قد
يظهر فى القرون الماضية المباركة ، وكان العارف الكنكوهى والعارف النانوتوى
رضيعى لبان فى تحصيل العلوم ، وخليلى صفاء، وفرسى رهان فى طى منازل
السلوك، بايعا على يد ذاك الشيخ العارف الهندى ثم المكى الذى سلف ذكره
قدس سره . وكان يقول : انعكس الأمر ، فكان من بدائع القدر أن بايعا
على يدى وكانا هما أحق وأحرى بأن أبايع بأيديها ، صدع به فى آخر رسالته
"ضياء القلوب" (١).
٠
وبالجملة فكان العارف المحدث الكنكوهى شيخ السنة شريعةٌ وطريقةً،
هدياً وسمتاً ، علماً وعملاً، ذوقاً وحالاً . والعارف النانوتوى إمام الحقيقة
ولسان الحكمة. وأقرب المثال بها ما قصه العارف الجامى رحمه اللّه فى "النفحات"
عن "تاريخ اليافع": أن تلافى يوماً فى الطريق شيخ الطريقة العارف شهاب الدين
السهروردى والشيخ الأكبر محى الدين ابن العربي، فرنا كل إلى الآخر ومضى
لسبيله ولم ينطقا بشئ ، فسئل الشيخ الأكبر عنه : كيف وجدته ؟ فقال :
وجدته سنة مصطفوية من الرأس إلى القدم ، وسئل العارف السهروردى عنه،
فقال : وجدته بحر الحقائق . هذا وقد لقب فى الأمة الشيخ أبوبكر الباقلانى
(١) وارى انه قال ذلك تواضعاً، فان العارف امداد الله لا شك انه وصل فى قوة نسبته الباطنية"
الى حد بعيد، وإقامته بمركز التجلات الالهية" وهبته من المعارف الالهية"ما لا ينتطح
فيه عنزان، وماظهر من العلوم والمعارف من العارف النانوتوى كل ذلك انعكاس للمعارف
الامداديه على قلبه وقلمه ولكن على كل حال مثل هذا الثنا وان كان مبالغه"ولكن يعلم
منه مقدار كمالاتهما الباطنة والظاهرة وترغيب الشيخ العارف فى الاستسقاء من
ينابيعهما الفياضة". منه .
٠٠

- ٦ -
المالكى رحمه الله بـ: "شيخ السنة" و"لسان الأمة"، فليلقب العارف الكنكوهى
بـ "شيخ السنة". والعارف النانوتوى بـ " لسان الأمة". وأزيد عليه فى تلقيبه
بـ "لسان الحكمة". ولإمام العصر شيخنا فى مآثر كل منها قصيدة سأتبرك بها
فى سياق أخر إن شاء الله تعالى .
وبالجملة فكانا رحمهما الله نيرين فى سماء بلاد الهند الداجية، أحيا اللّه
بها آثار السنة النبوية بعد ما عفت أو كادت أن تعفو ، لتهاجم جمهور الناس
على البدعات المتراكمة والرسوم المحدثة الفاشية ، فرأب الله بها التأى ولم الشعث
ولأم الصدع حتى أشرقت كواكب السنة والملة الإبراهيمية فى دياجى المحدثات
المدلهمة ، فالحمد لله على ما استأصل بها شأفة أهل البدعة والهوى، وأثمر سعيهما
المبارك فى هذا القرن بالهند ، فاستوى الدين على الساق ، وملأت بركاتها الآفاق.
فكان العارف النانوتوى قد وصل إلى الرفيق الأعلى من قبل سنة ١٢٩٧ الهجرية،
وأما القطب الكنكوهى فكان بـ " كنكوه " يتداوى القلوب بإرشاده ويسترشد
الضالون بنور رشاده ، فقرأ ما بقى له من كتب خواتم العلوم وأسفار الحديث))
واستفاد ما قدر له من العلوم والمعارف ، واصطاد ما سنح له من السوائح
والبوارح ، واستقاد ما تأتى له من الشوارد والأوابد ، وسمعت من حضرة
شيخنا رحمه الله هذا صاحب الترجمة أنه يقول : قرأت "صحيح الإمام البخارى"
"والسنن" للإمام أبى داؤد السجزى "والجامع" للإمام أبى عيسى الترمذى
والجزئين الأخيرين من "الهداية" على شيخ العالم شيخنا المحمود قدس سره .
وقرأت "الصحيح" للإمام مسلم بن الحجاج القشيرى و " سنن الإمام النسائى
الصغرى" و"سنن الإمام ابن ماجه القزويني" على الشيخ محمد اسماق الكشميرى
رحمه الله. وأخبرنى بعض أساتذتى عن الشيخ رحمه اللّه أنه قال : اشتغلت خمس
سنوات بتحصيل الكتب الفارسية ، وخمسة أعوام بقراءة كتب العلوم العربية ،
تلك عشرة كاملة .
لا
لنے
ـ

X
- ٧ -
أعماله بعد الفراغ من التحصيل ، تدريسه
العلوم ، وافتتاحه مدرسة عربية بدهلى .
فنبغ الشيخ رحمه الله فى العلوم روايتها ودرايتها فى شرخ فتوته وإبان .
شبيبته ، فترعرع شاباً تقياً ، حبراً ذكياً ، لا يدرك شأوه ولا يبلغ مداه، "
فاستشرفت إليه العيون بل القلوب ، فذهب إلى "دهلى" وفوض إليه الدرس
بـ"مدرسة عبدالرب"، فدرس عدة شهور، ولم يلبث حتى أن بعضاً من صلحاء
معارفه وأصدقائه ممن تفرس فى الشيخ مخائل النجابة الباهرة ، وظن أنه عسى
أن يكون نظير نفسه فى المآثر العلمية أصر عليه وأبرم بأن يقوم وينتهض
لتأسيس مدرسة عربية بدهلى، فاستجاب دعوته بعد ما شرح اللّه لها صدره ،
فقام لها بإخلاص نية مشمراً لها عن ساعد الهمة ، وافتتح مدرسة عربية فى ؛.
بلدة "دهلى" وساعده على ذلك بعض أهل الهمم العالية من أولى الخير وأرباب
الفضل ، فاصطفى ذلك الصديق لها مديراً وناظماً ، وسماها : "مدرسة عربية
أمينية" (١) حسب اسمه: محمد أمين غفرله، وشاع صيتها بهذا الإسم فى أقطار
الهند إلى يومنا هذا ، فشرع هو نفسه فيه درس العلوم من أعاظم كتب الفنون
من علوم شتى من : الحديث والتفسير والبيان والمعقول ، ولما خصه الله
بقريحة وقادة ومادة غزيرة، وتغلغل فى مشكلات العلوم وعكوف على المطالعة
ليلاً ونهاراً ما لبث إلا وقد شاع قدره وفضله فى الأرجاء وهمى وبله فى
الجدباء، فشدت إليه الرحال وتهافت عليه أصحاب الكمال ، وبقى على ذلك برهة
يروى الهائمين بزلال علومه ومعارفه حتى طالت فروع المدرسة وأينعت ثمارها ،
(١) هذه المدرسة" من اشهر المدارس اليوم ببلدة "دهلى"، وقد عم فيضها وبعد
صيتها تطوى مدارج الارتقاء، وقد مضى عليها بضع وثلاثون عاماً . وازيد عليه:
الان قد انقلبت الاحوال وانقسمت الهند الى بهارت وباكستان، والمدارس بدعلى
اكثرها قد اندرست آثارها وانطفئت انوارها وبقيت عدة مدارس منها هذه المدرسة"،
وقد مضى عليها سبعون عاماً . منه .
٠٠
ء
٣٠
؟
=
ر)

طے
- ٨ -
وانتشرت أضوائها وأنوارها ، فتخرج عليه المتخرجون ، وتروى من فيضه
المشتاقون .
عود الشيخ إلى وطنه ، وتأسيسه
مدرسة دينية سماها: "الفيض العام".
. ثم جذبته نفحة وطنية وأزعجه حنين إلى زيارة الوالدين ، ونزوع إلى
القيام بواجب حقها ، فعزم الرحيل إلى مألفه ومهواه ، وامتطى هو جاء
الوجد والغرام ، وودع قلوب المحبين حسرة ، لابل شخص مغادراً للإشباح
ومستصحباً معه القلوب والأرواح ، وقد قال قائلهم :
مآرب قضاها الفؤاد هنالكا
وحبب أوطان الرجال إليهم
عهود الصبا فيها فحنوا لذلكا
إذا ذكروا أوطانهم ذكرتهم
ثم لما أقام برهة "بكشمير" وحجم عودها واختبر أهلها خبراً وخبراً
أحس أنه حواهم الجهل ، وشغفوا بالبدع ، وعضرا بالنواجذ على الرسوم
المحدثة ، واندرست فيهم مآثر العلم ، وعفت معالم السنة ، وأجدبت رياضها
ذات نضرة ، واقفرت حدائقها ذات بهجة حتى بلغ السيل الزبى وبلغ الدماء
الثنن ، فلو لم يتدارك الأمر سيكون ما يكون ، فأقلقه جداً ، فقام مستعيناً بالله
لبناء مدرسة لتعليم الدين الحنيفى وتأييد المذهب الحنفى وخدمة السنة النبوية
وتجديد معالمها وتشييد مراسمها ، فقدح الله زنده وأنجح مسعاه الجميل، وبنى
مدرسة سماها : "الفيض العام" أقام بها ثلاث سنوات ، يحمى زمار الشريعة
ويجدد معالم السنة ويعمر أطلالها ورسومها ، فدرس وأفتى ، ونصح الأمة
قلماً ولساناً ، وأرشدهم إلى الصراط السوى والهدى المستقيم، فانشعب صدعهم
واستقام عوجهم ، وانقشعت سحائب الجهل المتراكمة ، وتلألأت آثار السنة
النبوية بعد ما اختفت ، واستوصلت عروق البدعة بعد ما تأصلت .
وقد ذكر الشيخ رحمه الله نفسه شيئاً من حال هذه المدرسة فى كتاب له
ء
و
١

- ٩ -
إلى بعض معارفه ، وقد ظفرت به بما لفظه بالفارسية :
"كه فقير حقير در قصبه "باره موله از كشمير" بخيال خود
بغرض اشاعت علم دين واعانت مذهب امام اعظم رحمه الله طرح تعليم
فقه وحديث نهاده بود ، اكثر نیک نهادان اين امر را نيك نهادند
وبعض اهل توفيق بقليل وكثير زاد معادرا امداد دادند الخ"
نعم ، وهكذا أولو العزائم العالية ، والهمم الجلية ، وأصحاب المآثر
والجهود المباركة إذا استشعروا ملمة بالدين وحادثة فى الإسلام قاموا لحسم
عروقها ودفع مكيدتها ، لا يمنعهم قلة ذات يدهم ولا يصدهم عوز أنصارهم ،
فنجحوا وفازوا بجدودهم المثمرة التى تبقى على صفحات التاريخ على انقراض
الأعصار وتعاقب الأدوار ، فنالوا وجاهة عند ربهم ، وحازوا شرفاً فى
الحلق أى شرف . وصدق المتنبي :
وتأتى على قدر الكرام المكارم
على قدر أهل العزم تأتي العزائم
وتصغر فى عين العظيم العظائم
فتعظم فى عين الصغير صغارها
زيارة الحرمين ، ولقاء صاحب " الرسالة الحميدية".
ثم كان يزداد غرامه كل حين إلى حج بيت الله الحرام ، ويحرك أحشائه
تباريخ الوجد إلى روضة سيدنا ومولانا نبى القبلتين ورسول الثقلين على
صاحبها ألف ألف تحية وسلام حتى وفق لقضاء منيته الميمونة بمصاحبة من
أعيان " كشمير"، فمكث "بمكة" - زادها مجداً وكرامة ــ عدة شهور
يطفأ ضرامه بالطواف والجباً باكياً ، ويلتجئ متشبثاً بأستار الكعبة الطاهرة
المقدسة فى دلج الليالى داعياً ومنادياً . ثم حثه حادى الشوق إلى المدينة الطيبة
- زادها اللّه شرفاً وحرمة - فاستحث شملال العزيمة وشد الرحال إلى روضة
النبى الأمى القرشى الهاشمى محمد حَاجٍ، فلبث برهة من الدهر يستفشئ حمياه
برياها ، ولقى هنا الشيخ الفاضل حسين الطرابلسى الجسر ، مؤلف "الرسالة
(نفحة العنبر م - ٢ )
**

- ١٠ -
الحميدية" و"الحصون الخميدية"، بل جاوره مدة، ولاقى فى عهده المبارك
هذا رجالاً من أكابر علماء البلاد الإسلامية وذاكرهم فى مهات المسائل ،
واغتنم نوع فرصة لمطالعة أسفار نادرة ، ولاسيما من الحديث والتفسير فى
مكتبة شيخ الإسلام عارف حكمة الله الحسينى والمكتبة المحمودية ، وكانتا.
فى ذلك العهد مشحونتان بالكتب النادرة فى كل فن ، وقد ضاع الآن منهما
كثير من الذخائر النفيسة، فشهدوا بفضله ونوهوا بجلالة قدره ، ونال لديهم
منزلة سامية (١). وأجازه الشيخ الجسر بأسانيده فى الحديث ، وكتب له ورقة
الإجازة بيده ، وأثنى عليه فيها ثناء حسناً ، ونوه بشأنه ما يدل على أنه وقع
منه بمكانة علياء . وكنت قد طالعت تلك الورقة عند الشيخ ، وسأذكر تفصيل
سند تحتوى عليه عند ذكر أسانيد الشيخ رحمه الله ، ثم عاد إلى وطنه يطوى
فى ضميره الرجوع إلى الحرمين والعود أحمد . وذلك سنة ثلاث وعشرين
من هذا القرن الرابع عشر .
٢
عزم التجرد والعزلة عن الناس .
فاجتمع إليه أعيان القوم ، واكتنفه شرفاء الناس ، وتعاوروه من كل
جهة ، وألحوا عليه بالإزدواج ، وعرضوا له بناتهم ، وتنافسوا فى الإيثار ،
واستأثروه بعرض المزارع والحدائق ونقود الأموال ونفائس الأعراض ، ولم
يكن أن يلحظ إلى عرضها ، فطوى عنه الكشح وأعرض وأبرم على تجريد
نفسه من أمثال هذه العوائق والعلائق ، وخالها أغلالاً فى عنقه وسداً منيعاً
دون مآربه ، فاستوحش عن الخلق واستأنس بالحق ، وحاول أن يصرف
همه بشراشره إلى طى مراحل العلم الشامخ ومنازل المعرفة القاصية ، حتى
1
(١) وكان من المكاتب الحكومية" مكتبة" شيخ الاسلام عارف حكمه"المدنى من اغنى
مكاتب البلاد العربية" تحوى على نفائس مخطوطة" من بدائع الاسفار، والمكتبه"
المحمودية"، وقد تضلع منهما جميعاً ورتب مذكرة من غررهما، وما عدا هذين كانت
مكاتب شخصية" .
ء
44
R