Indexed OCR Text

Pages 21-40

٢١
يعقوب بن شيبة: حدثني بكر، سمعت أبا عاصم النبيل يقول: كان
أبو حنيفة يُسمَّى الوَتَدَ، لكثرة صلاته.
وقال حُرَيث بن أبي الورقاء: سمعتُ علي بن إسحاق
السمرقندي، سمعتُ أبا يوسف يقول: كان أبو حنيفة يَخْتِمُ القرآنَ في كل
ليلة في ركعة.
هذه حكاية غريبة. والمحفوظُ ما رواه بِشْرُ بن الوليد الكِنْدي، عن
أبي يوسف قال: كنتُ أمشِي مع أبي حنيفة إذ سمعتُ رجلاً يقول
لآخر: هذا أبو حنيفة لا ينامُ الليل، فقال أبو حنيفة: واللَّهِ لا يُتَحدَّثُ
عني بما لا أفعل! فكان يحيي الليلَ صلاةً ودُعاءً وتضرعاً.
وروى حِبَّان بن بِشْر، عن حَكَّام بن سَلْم، عن أبي سفيان قال:
كنا نختلف إلى عَمْرو بنِ مُرَّة، فكان أبو حنيفة يصلي العشاء والفجر بطهر
واحد .
وروى يحيى الحِمَّاني، عن أبيه، أنه قال: صحبتُ أبا حنيفة ستةً
أشهر، فما رأيتُهُ صلَّى الغداةَ إلا بوضوء العِشاء الآخرة، وكان يختم
القرآن كل ليلة عند السحر.
وقال إبراهيم بن سعيد الجوهري: ثنا المثنى بن رجاء، عن
أُمِّ حميد حاضنةِ وَلَدِ أبي حنيفة، قالت: قالت أمُّ ولد أبي حنيفة:
ما توسَّدَ أبو حنيفة فِراشاً بليل مذ عرفتُه، وإنما كان نومُهُ بين الظهر
والعصر في الصيف، وبالليل في مسجدِهِ أول الليل في الشتاء.
وعن أبي عبدالرحمن المقرىء، قال: لورأيتَ أبا حنيفة يصلي
علمتَ أنَّ الصلاة من هَمِّهِ.

٢٢
١٣
وقال جُبَارةُ / بن المُغَلِّس: سمعتُ الحسينَ الجُعْفِيَّ(١)، وسأله
رجل: أكان أبو حنيفة يؤمن بالبعث؟ فقال: أخبَرَني من شَهِدَه وهو يُردِّدُ
هذه الآية: ﴿فَمَنَّ الله علينا ووَقَانا عَذابَ السَّمُومِ﴾ وهو يبكي، ويقول:
اللهمَّ مُنَّ علينا وقِنا عذابَ السَّمُوم يا رحيم.
وعن سَلْم بن سالم البلخي، عن أبي الجُوَيْرِية، قال: صَحِبتُ
أبا حنيفة ستة أشهر، فما رأيتُه ليلةً واحدةً وَضَع جنبه.
وقال ابنُ أبي العوام القاضي في ((فضائل أبي حنيفة)): ثنا
الطحاوي، ثنا أحمد بن أبي عمران، ثنا محمد بن شجاع، عن
الحسن بن زياد، عن أبي حنيفة، قال: ربما قرأتُ في ركعتَيْ الفجر
حزبينٍ من القرآن .
قال علي بن حفص البزَّاز: سمعتُ حفصَ بن عبدالرحمن،
سمعتُ مِسْعَراً يقول: دخلتُ المسجدَ فرأيتُ رجلاً يصلي، فاستَحلَيْتُ
قراءته، فوقفتُ حتى قرأ سُبْعاً، فقلتُ يركع، ثم بَلَغ الثُّلث، فقلت
يركع، ثم بَلَغ النصف، فلم يزل على حاله حتى خَتَم القرآن في ركعة،
فنظرتُ فإذا هو أبو حنيفة.
(قال) إبراهيم بن رُسْتُمِ المَرْوَزِي: سمعتُ خارجةً بنَ مصعب
يقول: خَتَم القرآنَ في ركعة [أربعةٌ من الأئمة]: عثمانُ بن عفان، وتميمٌ
الدارِي، وسعيد بن جُبير، وأبو حنيفة،رضي الله عنهم.
(١) حسين بن علي بن الوليد الجعفي مولاهم أبو محمد المقرىء الكوفي، أحد
الأعلام والزهاد. مات سنة ثلاث ومئتين، من رواة الصحاح الستة.
(أبو الوفاء).

٢٣
وعن يحيى بن نصر قال: ربما ختم أبو حنيفة القرآن في رمضان
سِتین مرة.
محمد بن سَمَاعة، عن محمد بن الحسن، عن القاسم بن معن،
أنَّ أبا حنيفة قام ليلةً يُردِّدُ قولَه تعالى: ﴿بل الساعَةُ مَوْعِدُهم والسَّاعَةُ
أدْهَى وَأَمَرُّ﴾، ويبكي ويتضرَّعُ إلى الصباح.
وقال محمد بن حماد بن المبارك المِصِّيْصِي في ((سيرة
أبي حنيفة)): قال محمد بن مليح بن(١) وكيع بن الجراح: ثنا يزيدُ بن
كُمَيْت، سمعتُ رجلاً يقول لأبي حنيفة: اتَّقِ الله! فانتَفَضَ واصفرَّ
وأَطَرَقَ وقال: جزاك الله خيراً، ما أحوجَ الناسَ كلَّ وقت إلى من يقول
لهم مثلَ هذا!
[وقال يزيدُ بن كُمَيت] فَتَح غلامٌ لأبي حنيفة يوماً رِزْمةً خَزّ، فإذا
الأخضَرُ / والأحمر والأصفر، فقال الغلام: نسألُ الله الجنة. فبكى ١٤
أبو حنيفة حتى اختلَجَ صُدْغاهُ ومَنكِبَاهُ، وأَمَرَ بغَلْقِ الدكان، وقام مغطّى
الرأسِ مسرعاً، فلما كان من الغد جلستُ إليه فقال: يا أخي،
ما أجرَأنا؟! يقول أحدُنا نسألُ الله الجنة! إنما يَسألُ الله الجنةَ من راضَ
نفسه - يعني لها - إنما يُريد مثلُنا أن يَسأل الله العفو.
وروى الخطيب في ((تاريخه)) من جهة أَسَد بن عَمْرو، قال: صلَّى
أبو حنيفة فيما حُفِظَ عليه صلاةَ الفجر بوضوءِ العِشاءِ أربعين سنة، فكان
عامَّةَ الليل يقرأ جميعَ القرآن في ركعة(٢)، وكان يسمع بكاؤه بالليل حتى
(١) هكذا في الأصل، ولعل الصواب (عن)، حيث يَبعدُ سماعُ حفيد وكيع من
یزید بن كُمَيْت (ز).
(٢) في سند هذا الخبر أحمد بن الحسين البلخي وحماد بن قريش، وهما من
المجاهیل، فلا يثبت خبرهما، بل في الخبر نفسه ما يكذبه (ز).

٢٤
يرحمه جيرانه، وحُفِظَ عليه أنه خَتَم القرآن في الموضع الذي تُوفي فيه
سبعةَ آلافٍ مرة(١).
أخبرني بهذا المسلم بن علان إجازةً، أنا أبو اليُمْن الكِندي، أنا
أبو منصور الشيباني، أنبأ أبو بكر الخطيب، أنا علي بن المُحَسِّن، أنا
أحمد بن محمد بن يعقوب الكاغِذي، ثنا عبدالله بن محمد الحارثي
يُخَارَى، أنبأ أحمد بن الحسين البَلْخِي، ثنا حماد بن قريش، سمعتُ
أسدَ بنَ عَمْرو فذكره.
وقال مِسْعَرُ بن كِدَامٍ: رأيتُ أبا حنيفة قرأ القرآنَ في ركعة.
وعن ابن المبارك قال: مكث أبو حنيفة مدةً يصلي الخمس بوضوء
واحد.
وقال بعضهم: قال حماد بن أبي حنيفة: لما غَسَّلَ الحَسَنُ بن
عُمَارة أبي قال: غَفَر الله لك، لم تُفطِر منذ ثلاثين سنة، ولم تتوسَّد
يمينَك بالليل منذ أربعين سنة، ولقد أَتعبتَ مَنْ بَعْدَك، وفَضَحتَ القراء.
وقال حامد بن آدم المروزي: سمعتُ ابن المبارك يقول: ما رأيتُ
أورَعَ من أبي حنيفة، وقد جُرِّب بالسياط والأموال.
[وقال محمد بن أحمد بن] يعقوب بن شيبة: ثنا [جدي، أخبرني]
عبدُالله بن الحسن بن المبارك، عن إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة،
١٥ قال: مررتُ مع أبي بالكُنَاسة فبكى، فقلتُ له: يا أبتِ / ما يبكيك؟
قال: يا بُنَّيَّ في هذا الموضع ضَرَبَ ابنُ هُبَيرة جَدَّك عشرةَ أيام، في كل
يوم عشرةَ أسواطٍ على أن يَلِيَ القضاء فلم يفعل.
(١) لا يصح هذا، لأنه لم يسكن بغداد وإنما أُشخِصَ من الكوفة إلى بغداد، وكان
بها في السجن مدة (أبو الوفاء).

٢٥
[وقال أحمد بن منصور] الرَّمَادِي: ثنا عبدُالرزاق. قال: ما رأيتُ
أحداً أحلَمَ من أبي حنيفة، كنا جلوساً معه في مسجد الخيف، فسأله
رجلٌ عن مسألة فأفتاه، فقال الرجل: قال الحسن البصري كذا وكذا،
فقال [أبو حنيفة]: أخطأ الحسن، فجاء رجل مُغَطَّ الوجه، فقال: يا ابنَ
الفاعلة! تقول أخطأ الحسَنُ! فهَمَّ الناسُ به، فقال [أبو حنيفة]: أقولُ:
أخطأ الحسَنُ وأصاب ابنُ مسعود.
قال محمد بن مليح بن(١) وكيع: نا يزيد بن كُمَيت، سمعتُ
أبا حنيفة وشتَمَه رجلٌ واستطال عليه وقال له: يا كافر يا زنديق. فقال
أبو حنيفة: غَفَر الله لك، هو يَعلَمُ مني خلافَ ما تقول.
[قال] إبراهيم بن عبدالله الهروي: سمعتُ يزيد بن هارون يقول:
ما رأيتُ أحداً أحلَمَ من أبي حنيفة .
الواقدي: ثنا القاسم بن معن، قال أخَذَ ابنُ هُبَيْرَة أبا حنيفة، فأراده
على ولاية القضاء، فأبى فحبَسَه، فقيل لأبي حنيفة: إنه حَلَفَ أنْ
لا يُخرِجَك حتى تلِيَ له، وإنه يُريد بناءً، فَتَوَلَّ له عَدَّ اللَّبِن، فقال:
لو سألني أن أعُدَّ له أبوابَ المسجد لم أفعل.
وقال علي بن مَعْبَد بن شداد: ثنا عُبَيد الله بن عَمْرو الرَّقِّي، قال:
ضَرَب ابنُ هبيرة أبا حنيفة على أن يلي القضاء فأبَى، فقال الناس:
استتابه .
وذُكِرَ أبو حنيفة [عندَ ابن المبارك]، فقال: ماذا يقالُ في رجلٍ
عُرِضَتْ عليه الدنيا والأموالُ فنبذها، وضُرِبَ بالسياط فصَبَر عليها،
ولم يَدخل فيما كان غيرُه يستدعيه!
(١) ولعل الصواب (عن) كما سبق (ز).

٢٦
محمد بن شُجَاعِ الثَّلْجِي: حدَّثني حِبَّان رجلٌ من أصحاب
أبي حنيفة، قال: قال أبو حنيفة حين ضُرِبَ ليلي القضاء: ما أصابني في
ضربي شيءٌ أشدُّ على من غَمِّ والدتي، وكان بها براً!
يعقوب بن شيبة: ثنا عبدالله بن الحسن بن المبارك، نا بِشْرُ بن
الوليد، قال: أَشخَصَ المنصورُ أبا حنيفة، فأراده على أن يُولِّيَه، فأبى،
١٦ فحَلَفَ عليه لَيفعَلَنَّ، وحَلَف أبو حنيفة / أن لا يَفعل، فقال الربيعُ
الحاجبُ: ألا تَرى أميرَ المؤمنين يَحلِف؟ قال: أميرُ المؤمنين على كفارة
أَيمانِهِ أقدَرُ مني. فأبَى أن يلي، فَأَمَر به إلى السجن فمات فيه، ودُفِنَ
في مقابر الخَيْزُران.
رواها يعقوب بن شيبة، عن بِشْر، ورواها أيضاً إبراهيمُ بن
أبي إسحاق الزهري الكوفي عن بشر، فزاد فيها: فسُجِن، ثم دفعه إلى
حُمَيد الطوسي شُرْطِيِّه، فأراد أن يؤذيه فقال: يا شيخُ، إنَّ أميرَ المؤمنين
يَدَفَعُ إليَّ الرجلَ، ويقولُ لي: اقتُلْه، أو اقطَعْه، أو اضْرِبْهُ، ولا عِلمَ لي
بقِصَّته؟ فقال أبو حنيفة: هل يأمُرك أميرُ المؤمنين بأمرٍ قد وَجَبَ، أو بأمرٍ
لم يجب؟ قال: بل بما قد وَجَب. قال: فإذا أُمَرَك بقتلٍ واجبٍ أو ضَرْب
متعيِّنٍ، فبادر إليه فإنك مأجورٌ في ذلك.
يحيى الحِمَّاني، عن أبيه، قال: كان أبو حنيفة يُضرَبُ على أن
يَلِيَ القضاءَ فيأبَى، ولقد سمعتُه يبكي، وقال: أبكي غَمَّاً على والدتي!
وعن مُغِيث بن بَدِيل، قال: دعا أبو جعفر أبا حنيفة إلى القضاء
فامتنع، فقال: أترغب عما نحن فيه؟ فقال: لا أصلُحُ للقضاء. قال له:
كذبتَ. قال: قد حَكَمَ عليَّ أميرُ المؤمنين أني لا أَصلُحُ، لأنه نسبني إلى
الكذب، فإن كنتُ كاذباً فلا أصلح، وإن كنتُ صادقاً فقد أخبرتُك أني
لا أصلح، فحبسه.

٢٧
إسمعيل بن أبي أُوَيْس: سمعتُ الربيع بن يونس يقول: رأيتُ
المنصور يُنازِلُ أبا حنيفة في أمر القضاء. فقال: واللَّهِ ما أنا بمأمونٍ
الرضا، فكيف أكون بمأمون الغضب؟ فلا أصلُح لذلك، فقال: كذبتَ
أنتَ تَصلُح. قال: وكيف يَحِلُّ لك أن تولي من يكذب.
قال أبوبكر الخطيب: وقيل: إنه وَلِيَ القضاءَ يومين، [ولم يأتِه
فيهما أحد، وقَضَى في اليوم الثالث(١)] في قضية واحدة، ثم اشتكى ستةً
أيام [ثم مات].
وقال أبو عبدالله الصيمري الفقيهُ بسندٍ له: لم يَقبل أبو حنيفة العهدَ
بالقضاء، فضُرِبَ مئةَ سوط، وحُبِسَ ومات في السجن، كذا قال. وقيل:
حُمِلَتْ إليه عَشْرَةُ آلافٍ، فَوُضِعَتْ له في الدار، فاغتَمَّ ولم ينطِق،
ومكثَتْ تلك / البَدْرَةُ في مكانها، فلما مات أبو حنيفة حَمَلها ولدُه إلى ١٧
الذي جاء بها وهو الحسن بن قَخْطَبة، فقال: هذه وديعتك. فَنَظَر إليها
الحسن وقال: رحم الله أباك! لقد شَحَّ على دينه، إذ سَخَتْ به أنفسُ
أقوام .
ويُروَى أَنَّ ابنَ هُبَيرة لمّا بلغه أن أبا حنيفة حَلَف أنه لا يتولى
القضاء، فقال: يُعارِضُ يميني بيمينه؟! فأمَرَ به فضُرِبَ عشرين سوطاً
على رأسه، فقال: اذْكُرْ مَقامَك بين يدي الله، فإنه أذَلَّ من مَقامي بين
يديك، فلا تَهْدُرْ دمي، فإني أقول: لا إله إلا الله. فأومأ إلى الجلاد
أمسِكْ، فأصبَحَ أبو حنيفة في السجن وقد انتَفَخَ رأسُه ووجهُه من
الضرب. وقيل غيرُ ذلك.
(١) زيادة من تاريخ الخطيب (أبو الوفاء).

٢٨
محمد بن علي بن عفان العامري: ثنا الوليد بن حماد اللؤلؤي، ثنا
الحسن بن زياد اللؤلؤي، سمعت أبا يوسف يقول: اجتمعنا عند
أبي حنيفة في يومٍ مَطِير، في نفر [من أصحابه] منهم داودُ الطائي،
والقاسمُ بن معن، وعافيّةُ بن يزيد، وحفصُ بن غِياث [ووكيعُ بن
الجراح، ومالك بن مِغْوَل]، وزفر.
فأقبَلَ علينا بوجهه وقال: أنتم مَسَارُّ قلبي، وجِلَاءُ حُزْنِي، وأسْرَجْتُ
لكم الفقهَ أَلجَمتُهُ، وقد تركتُ الناسَ يطؤون أعقابكم، ويلتمسون
ألفاظكم، ما منكم واحد إلا وهو يصلح للقضاء.
فسألتكم بالله وبقَدْرِ ما وهب الله لكم من جلالة العلم لَمَا صُنتموه
عن ذل الاستئجار، وإن بُلِيَ أحدٌ منكم بالقضاء، فعَلِمَ من نفسه خَرْبَةً
سَتَرها الله عن العبادِ لم يَجُز قضاؤه، ولم يَطِب له رِزُه، فإن دَفَعَتْهُ
ضرورةٌ [إلى الدخول فيه] فلا يَحتجِبَنَّ عن الناس(١)، ولُيُصَلَّ الخمسَ
في مسجده، ويُنادِي عند كل صلاة: من له حاجة؟ فإذا صلَّى العشاء
نادَى ثلاثةَ أصوات: من له حاجة؟ ثم دخل إلى منزله.
فإن مَرِضَ مرضاً لا يستطيع الجلوسَ معه، أسقَطَ من رِزِقِهِ بقدر
مَرَضِه، وأيُّما إمامٍ غَلَّ فَيْئاً، أو جار في حكم، بطَلَتْ إمامتُه ولم يَجُز
حکمه(٢).
عن الحسن بن زياد قال أبو حنيفة: إذا ارتَشَى القاضي فهو معزول
وإن لم يُعزَل.
(١) وعند ابن أبي العوام: فلا يجعلن بينه وبين الناس حجاباً (أبو الوفاء).
(٢) زاد ابن أبي العوام: وإن أذنَبَ ذنباً بينه وبين ربه عز وجل يستوجب به الحد
دُرِىءَ عنه الحد، لأنه وليُّ إقامته، وإن كان شيئاً بينه وبين الناس أقامه عليه
أقرَبُ القضاة إليه (أبو الوفاء).

٢٩
١٨
/ ذِكْرُ مَنْ وصَفَه بالفِقه
عن الأعمش أنه سئل عن مسألة فقال: إنما يُحسِنُ هذه النعمانُ بن
ثابت الخزَّاز، وأظنه بُورك له في عِلمه.
يوسف بن موسى، سمعت جريراً يقول: كان الأعمش إذا سُئل عن
الدقائق أرسلهم إلى أبي حنيفة، وقد قال مغيرة له: ألا تأتي أبا حنيفة.
يحيى بن أكثم، عن جرير، قال: قال لي مغيرة: جالِسْ أبا حنيفة
تَفْقَه، فإن إبراهيم لو كان حَيَّاً لجالسه.
شَبَابة بن سَوَّار قال: كان شُعبةُ حسَنَ الرأي في أبي حنيفة، كثيرَ
الترحم عليه.
عُبَيْدُالله بن موسى، سَمِعتُ مِسْعَراً يقول: رَحِمَ الله أبا حنيفة إنْ
كان لفقيهاً عالماً.
حُسَين الجُعْفِي، سمعتُ زائدة [بن قُدَامة] يقول: النعمانُ بن ثابت
فقيهُ البَدَن، لم يَعْدُ ما أدرك عليه أهلَ الكوفة.
وعن أبي بكر بن عَيَّاش قال: كان النعمانُ بن ثابت أفقَهَ أهل زمانه.
أبو نعيم، سمعتُ علي بن صالح بن حُيّيّ يقول: لمامات
أبو حنيفة: ذَهَب مفتي العِراقِ وفقيهُها .
بِشْرٌ الحافي، سمعتُ عبد الله بن داود الخُرَيبي يقول: إذا أردتَ
الآثار فسفيانُ الثوري، وإذا رأدتَ تلك الدقائقَ فأبو حنيفة.
رَوْحِ بن عُبَادة قال: كنتُ عند ابن جريج فقيل له: مات أبو حنيفة،
فقال: رحمه الله، لقد ذَهَب معه علم كثير.

٣٠
المُثَنَّى بن رجاء سمعتُ سَعيدَ بن أبي عَرُوبة يقول: كان أبو حنيفة
عالمَ العراق.
قال يزيد بن هارون: أفقَهُ من رأيت أبو حنيفة .
وعن شدَّاد بن حكيم: ما رأيتُ أعلَمَ من أبي حنيفة في زمانه.
الحلوانيُّ قلتُ لأبي عاصم النبيل: أبو حنيفة أفقَهُ أو سفيان؟
فقال: أبو حنيفة.
عبدُالرزاق قال: قال ابنُ المبارك: إن كان (الاحتياج) إلى الرأي
فهو أسدُّهم [رأياً].
وعن ابن المبارك قال: لولا أن الله قد أدركني بأبي حنيفة وسفيانَ
لكنتُ بِدْعِيّاً.
يحيى بن آدم سمعتُ الحَسَنَ بنَ صالح يقول: كان أبو حنيفة فَهِماً
بعلمه، متثبِّتاً فيه، إذا صَحَّ عنده الخَبَرُ عن رسول الله صلى الله عليه
وسلم لم يَعْدُه إلی غیره.
١٩
المُزَنِيُّ وغيرُه، سمعتُ الشافعيَّ يقول: / الناسُ عِيالٌ على
أبي حنيفة في الفِقه.
إسحاق بن بُهْلُول، سمعتُ ابنَ عينية يقول: ما مَقَلَتْ عَيْنِيْ مثلَ
أبي حنيفة .
إبراهيم بن عبدالله المروزي الخَلَّال، سمعتُ ابنَ المبارك يقول:
كان أبو حنيفة آية .
أحمدُ بن الصباح، سمعتُ الشافعيَّ يقول: قيل لمالك: هل رأيتَ

٣١
أبا حنيفة؟ قال: نعم رأيتُ رجلاً لو كلَّمك في هذه السارية أن يَجعلها
ذهباً لقام بحُجَّتِهِ .
أحمد بن محمد بن مُغَلَّس (١): ثنا محمد بن مقاتل، سمعتُ
ابن المبارك يقول: إن كان الأثّرُ قد عُرِفَ واحتيج إلى الرأي، فرأيُ مالكٍ
وسفيان وأبي حنيفة، وأبو حنيفة أحسَنُهم وأدقهم فطنة، وأغوَصُهم على
الفقه، وهو أفقَهُ الثلاثة.
سلمة بن شبيب، سمعت عبدالرزاق، سمعتُ ابن المبارك يقول:
إن كان أحدٌ ينبغي له أن يقول برأيه فأبو حنيفة .
(١) هو أحمد بن محمد بن الصلت بن المُغَلِّس الحِمَّاني، حَدَّث عن ثابت بن
محمد الزاهد، وأبي نُعَيم الفضل بن دُكَيْن، وعفان بن مسلم. وعنه
أبو عَمْرو بن السماك، وأبو علي بن الصواف، وأبو الفتح بن محمد، قال
الخطيب: بعض الناس يقولون: أحمدُ بن الصلت يضعُ الأحاديث. قال: توفي
سنة ثمان وثلاث مئة. (أبو الوفاء).
وفي تاريخ الخطيب ٤: ٢٠٩: أخبرنا علي بن المُحسِّن التنوخي، حدثني
أبي، حدثنا أبو بكر محمد بن حمدان بن الصباح النيسابوري بالبصرة، حدثنا
أبو علي الحسن بن محمد الرازي، قال: قال لي عبد الله بن أبي خيثمة، قال
لي أبي حمد بن أبي خيثمة: اكتُبْ عن هذا الشيخ يا بني فإنه كان يكتب معنا
في المجالس منذ سبعين سنة - يعني أحمد بن الصلت بن المغلس الحماني.
وقال الخطيب: في إسناد هذه الحكاية غيرُ واحد من المجهولين، فلا أُبعِدُ أن
تكون موضوعة. ثم أطال النفسَ في توهين أحمد بن الصلت، لهوئِّ معروفٍ
في الخطيب في أبي حنيفة وأصحابه. وقد أشبعتُ الكلامَ في تمحيص هذا
البحث في تأنيب الخطيب ص ١٦٥ - ١٦٦، بما لا يتسع المقامُ لنقل ذلك
فلیراجع (ز).

٣٢
وقال حبان بن موسى: سئل ابن المبارك أمالكٌ أفقَهُ أم أبو حنيفة؟
فقال: أبو حنيفة.
بِشرُ الحافي قال: قال الخُرَيْبِي: ما يقَعُ في أبي حنيفة إلا جاهل
أو حاسد .
أبو مسلم الكَجِّي، عن محمد بن سعد الكاتب، عن الخُرَيبي أنه
قال: يجبُ على أهل الإِسلام أن يدعوا اللَّهَ لأبي حنيفة في
صلاتهم .
وعن مكي بن إبراهيم قال: كان أبو حنيفة أعلَمَ أهل زمانه.
يحيى بن معين، سمعتُ يحيى بن سعيد القطان يقول: لا نَكذِبُ
اللَّه، ما سَمِعنا أحسَنَ من رأي أبي حنيفة، وقد أخذنا بأكثرِ أقوالِه.
يحيى بن أبي طالب، سمعتُ علي بن عاصم يقول: لو وُزِنَ عِلمُ
٢٠ / أبي حنيفة بعلم أهل زمانه لرجح.
طَلْقِ بنِ غَّامِ النَّخَعِي، سمعتُ حفص بن غِيَاث يقول: كلامُ
أبي حنيفة أدَقُّ من الشَّعْر، لا يَعيبه إلا جاهل.
الحُمَيدي، سمعتُ سفيان بن عيينة يقول: شيئانٍ ما ظننتهما أن
يتجاوزا قنطرة الكوفة: قراءةُ حمزة، ورأيُ أبي حنيفة، وقد بَلَغَا
الآفاق.
ومن قوله في الرأي
نُعَيم بن حماد، سمعتُ أبا عصمة وهو نُوحٌ الجامع قال: سمعتُ
أبا حنيفة يقول: ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فعلى الرأس

٣٣
والعين، وما جاء عن الصحابة اختَرْنا، وما كان من غيرِ ذلك فهم رجالٌ
ونحن رجال(١).
جماعة قالوا: قال ابنُ معين: سمعتُ عُبَيدَ بنَ أبي قُرَّة، سمعت
(١) قلت: هذا لفظ ابن أبي العوام إلا أنه ذكر العينينِ مكان العين، وقال: فنحن
رجال وهم رجال والباقي سواء.
وذكر ابن عبدالبر هذه الرواية في ((الانتقاء)) ص ١٤٤، عن إبراهيم بن هانىء
النيسابوري قال: قيل لنعيم بن حماد: ما أشد إزراءهم على أبي حنيفة!
فقال: إن يُنقَمْ على أبي حنيفة ما حدثنا عنه أبو عصمة قال: سمعت أبا حنيفة
يقول: ما جاءنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قبلناه على الرأس
والعينين، وما جاءنا عن أصحابه اخترنا منه ولم نخرج عن قولهم، وما جاءنا
عن التابعين فهم رجال ونحن رجال، وأما غير ذلك فلا تَسمع التشنيعَ .
وفي ((تبييض الصحيفة)) للسيوطي ص ٢٩، عن نُعَيم بن حماد قال: سمعتُ
عبدالله بن المبارك يقول: قال أبو حنيفة: إذا جاء الحديثُ عن النبي صلى الله
عليه وسلم فعلى الرأس والعين، وإذا كان عن أصحاب النبي صلى الله عليه
وسلم اخترنا ولم نَخرج من قولهم، وإذا كان عن التابعين زاحمناهم.
وذكر الموفق بن أحمد نحوه في ٧٧:١ عن أبي حمزة السكري، عن الإِمام،
وقال سمعتُ هذا الحديث أيضاً في مسند أبي حنيفة برواية عبد الله بن
المبارك، عن أبي حنيفة فقال: إذا جاء الحديثُ عن النبي صلى الله عليه
وسلم فعلى الرأس والعين. والباقي سواء. وسمعتُه أيضاً في ((مناقب الصيمري))
بألفاظ مختلفة. ورَوَى أيضاً بسنده عن الحسن بن عبدالكريم بن هلال، عن
أبيه، عن الإِمام نحوه، ولفظُه في التابعين: وإذا جاء من بعدهم أخذت
وتركت ١ : ٨٠.
وأخرج ابنُ خُسْرُو في أول («مسنده)) عن نُعَيم بن حماد، عن ابن المبارك عن
الإِمام: وإذا كان من التابعين زاحمناهم. (أبو الوفاء).

٣٤
يحيى بن الضَّرَيْس يقول: شهدتُ الثوريَّ وأتاه رجل فقال: ما تَنْقِمُ على
أبي حنيفة؟ قال: وما له؟ قال: سمعتُه يقول: آخُذُ بكتاب الله،
فما لم أجد فبسُّنَّةِ رسول الله [والآثارِ الصحاح عنه التي فَشَتْ في أيدي
الثقاتِ عن الثقات]، فإن لم أجد فبقولِ أصحابه آخُذُ بقولٍ من شئتُ،
٢١ وأما إذا انتهى الأمرُ إلى إبراهيم والشعبي والحسن وعطاء / فأجتهدُ كما
اجتهدوا .
فسكت سفيانُ طويلاً، ثم قال كلماتٍ ما بَقِيَ أحدٌ في المجلس
إلا كتبها: نَسمعُ الشديدَ من الحديث فنخافُه، ونسمَعُ اللَيِّنَ فنرجوه،
ولا نحاسِبُ الأحياء، ولا نقضِي على الأموات، نُسلِّمُ ما سَمِعنا، ونكِلُ
ما لم نعلمه إلى عالِمِهِ، ونَتَهمُ رأينا لرأيهم.
وكيع، سمعت أبا حنيفة يقول: البَوْلُ في المسجد أحسَنُ من
بعض القياس.
محمد بن شجاع الثَّلْجِي، سمعتُ إسماعيل بن حماد بن
أبي حنيفة يقول: قال أبو حنيفة: هذا الذي نحن فيه رأي، لا تُجبِرُ عليه
أحداً، ولا نقول: يجبُ على أحد قبولُه، فمن كان عنده أحسَنُ منه فليأتِ به.
الحسن بن زياد اللؤلؤي قال: قال أبو حنيفة: عِلْمُنا هذا رأي،
وهو أحسَنُ ما قَدَرْنا عليه، ومن جاءنا بأحسَنَ منه قبلناه منه .
قال ابن حزم: جميعُ أصحاب أبي حنيفة مجمعون على أن
مذهبَ أبي حنيفة أنَّ ضعيفَ الحديث أولى عنده من القياس والرأي .
قال عُبيدالله بن عمرو الرَّقّي: كنا عند الأعمش وعنده أبو حنيفة،
فسُئل الأعمشُ عن مسألة فقال: أفتِه يا نعمان، فأفتاه أبو حنيفة، فقال:

٣٥
من أين قلتَ هذا؟ قال: لحديثٍ حدَّثتناه أنت! ثم ذَكَر له الحديث، فقال
له الأعمش: أنتم الأطباءُ ونحن الصيادلة .
أحمد بن أبي خيثمة: نا إبراهيم بن بشار، عن سفيان بن عيينة
قال: مررتُ بأبي حنيفة في المسجد وإذا أصحابُه حولَه قد ارتفعت
أصواتُهم، فقلت: ألا تناهم عن رفعِ الصوت في المسجد؟ قال: دَعْهم
فإنهم لا يتفقهون إلا بهذا.
فصل
قال عُمَرُ بن شَبَّة: حدثني أبو نعيم: سمعتُ زُفَرَ بن الهُذَيل يقول:
كان أبو حنيفة يَجهرُ في أمر إبراهيم بن عبدالله بنِ حَسَنٍ جهراً شديداً،
فقلتُ: واللَّهِ ما أنت بمنتٍ حتى نُؤتَى فَتُوضَعَ في أعناقنا الحبال، قال
أبو نعيم: فغدوتُ أُريدُ أبا حنيفة، فلقيتُه راكباً يريدُ وَداع عيسى بن موسى
قد كاد وجهُهُ يَسْوَدُّ، فقَدِمَ بغداد فأُدخِلَ على المنصور.
محمد بن شجاع الثلجي، سمعتُ الحسن بن أبي مالك، سمعت
أبا يوسف، سمعت أبا حنيفة يقول: يَقدَمُ علينا من هذا الوجهِ
/ صنفان - يعني من خراسان: الجَهْمَيَّةُ والمُشَبِّهة.
النضر بن محمد، عن أبي حنيفة أنه قال: جَهْمُ ومقاتل كانا
فاسِقَينِ، أَفرَطَ هذا في التشبيه، وهذا في النفي.
٢٢
قال أبو يوسف: قال أبو حنيفة: لا ينبغي للرجل أن يُحدِّث من
الحديث إلا ما يحفظه من وقتٍ ما سَمِعَهُ.
شعيب بن أيوب الصَّرِيفِيني: ثنا أبو يحيى الحِمَّاني، سمعتُ
أبا حنيفة يقول: رأيتُ رؤيا أفزعتني، رأيتُ كأني أنبِش قبر النبي صلى
الله عليه وسلم، فأتيتُ البصرة فأمرتُ رجلاً يَسأل محمد بن سيرين،

٣٦
فقال: هذا رجل يَنْشَرُ أخبارَ رسول الله صلى الله عليه وسلم. وفي رواية:
هذا رجل يَنشُرُ علم النبوة.
ورَوَى محمد بن شجاع الثلجي، عن الحسن بن أبي مالك، عن
أبي يوسف، قال: رأى أبو حنيفة كأنه يَنْبِشُ قبرَ النبي صلى الله عليه
وسلم ثم يأخذ عِظامَه يجمعها ويؤلفها فهاله ذلك، فأوصَى صَدِيقاً له إذا
قَدِمَ البصرة أن يَسأل ابن سيرين، فسأله فقال: هذا رجل يَجمع سُنةً
النبي ويُحييها.
وقال علي بن عاصم: سمعت أبا حنيفة يقول: رأيتُ كأني نبشتُ
قبرَ النبي صلى الله عليه وسلم فَجزِعتُ وخِفتُ أن يكون رِدَّةً عن
الإِسلام، فجهَّزتُ رجلاً إلى البصرة، فقَصَّ على ابن سِيرين الرؤيا،
فقال: إن صدَقَتْ رؤيا هذا الرجل فإنه يَرِثُ عِلم نبي .
ابنُ أبي رِزْمَة، عن عَبْدانَ، أنه سمع ابن المبارك يقول: إذا
سمعتُهم يذكرون أبا حنيفة بسُوءٍ ساءني ذلك، وأخاف عليهم المقتَ من
الله تعالى .
علي بن مَعْبَد، ثنا الشافعي قال: قال الليثُ بن سعد: كنتُ أَسمَعُ
بذكر أبي حنيفة، فأتمنَّى أن أراه، فإني لبمكة إذ رأيتُ الناس مُتَقَصِّفِين
على رجل، فسمعتُ رجلاً يقول: يا أبا حنيفة. فقلت: إنه هو. فقال:
إني ذو مال، وأنا من خراسان، ولي ابنٌ أزوَّجُهُ المرأةَ، وأنفقُ عليه المالَ
الكثير، فيُطلِّقُها فيذهَبُ مالي، وأشترِي له الجارية بالمالِ الكثير
فُيُعتِقُها، فَيَذْهَبُ مالي، فهل من حيلة؟
قال أبو حنيفة: أدخِلْه سُوقَ الرقيق، فإذا وقعت عينُه على جارية
فاشترِها لنفسك، ثم زوِّجها إياه، فإن طلقها رَجَعَتْ مملوكةً لك، وإن

٣٧
٢٣
أعتقها لم يَجُز عتقُه. قال الليثُ: فوالله ما أعجبني صَوابُهُ كما أعجبني
سُرعة جوابِه. ورَوَى نحوها الطحاوي / بإسناد آخر إلى الليث.
محمد بن شجاع، سمعتُ علي بن عاصم يقول: لو وُزِنَ عقلُ
أبي حنيفة بعقلِ نصفِ أهل الأرض لرَجَح بهم.
قال الطحاوي: سمعتُ محمدَ بن العباس وأحمدَ بن أبي عمران
يذكرانِ أن إسماعيلَ بن محمد بن حماد، قال: شككتُ في طلاق
امرأتي، فسألت شَرِيكاً فقال: طلِّقْها وأشهِدْ على رجعتِها، ثم سألتُ
سفيان الثوري فقال لي: [اذهَبْ فراجِعْها]، فإن كنتَ طلَّقتَها فقد
راجعتَها، ثم سألتُ زُفَرَ بن الهُذَيل فقال لي: هي امرأتُك حتى تتيقن
طلاقَها، فأتيتُ أبا حنيفة فقال لي: أما سفيان فأفتاك بالورع، وأما زفر
فأفتاك بعين الفقه، وأما شَرِيك فهو كرجل قلت له: لا أدري أصاب ثوبي
بولٌ أم لا؟ فقال لك: بُلْ على ثوبِك واغسِله(١).
محمد بن شجاع، سمعتُ الحسن بن زياد اللؤلؤي يقول: أتيتُ
داود الطائي أنا وحمادُ بن أبي حنيفة، فَجَرَى ذكرُ شيءٍ، فقال داود
لحماد: يا أبا إسماعيل مهما تكلّم فيه المتكلم بشيء، رجاءً أن يَسلم
(١) رأيت في مجموعة بخط الحافظ البِرْزَالي هذه القصة من غير طريق الطحاوي،
يَذْكُرُ فيها أبا حنيفة بدل زفر، ثم يسأل السائلُ زفرَ فيقول زفرُ: هل سألت غيري
فيقول: نعم، ثم يَسردُ السائل أجوبة هؤلاء، فيقول زفرُ: الصوابُ ما قاله
أبو حنيفة، أضرِبُ لك مثلاً: أنت مررتَ بَثَعْبٍ يَسِيلُ ماءً، فأصاب ثوبك، قال
لك أبو حنيفة ثوبُك طاهر، وصلاتك تامة، حتى تستيقن أمرَ الماء، وقال لك
سفيان: اغسله، فإن يك نجساً فقد طهر، وإن يك نظيفاً زاده نظافة، وقال لك
شريك: اذهَبْ قُبُلْ عليه ثم اغسِلْه (ز).

٣٨
منه، فليحذر أن يتكلم في القرآن إلا بما قال الله عز وجل فيه، فلقد
سمعتُ أباك يقول: أعلَمَنا الله أنه كلامُه، فمن أخَذَ بما عَلَّمه الله فقد
استمسك بالعروة الوثقى، فهل بعدَ التمسك بالعروة الوثقى إلا السقوطُ
في الهَلَكة؟! فقال حماد لداود: جزاك الله خيراً فنعم ما أشرتَ به.
علي بن الحسن بن شقيق، حدثني إسحاق بن الحسن الكوفي،
قال: جاء رجل إلى سوق الخزَّازين بالكوفة يَسألُ عن دكان أبي حنيفة
الفقيه، فقال له أبو حنيفة: ليس هو بفقيه هو مُفْتٍ متكلِّفٌ.
محمد بن شُجاع الثلجي، سمعتُ حِبَّان يقول: أَتَتْ امرأةٌ أبا حنيفة
بثوب فقال: بكم هو؟ قالت: بمئةٍ درهم، قال لها: هو خيرٌ من ذلك.
٢٤ قالت: بمئتين؟ / قال: هو خيرٌ من ذلكِ. قالت: بثلاث مئة؟ قال:
هو خير من ذلكِ. قالت: بأربع مئة. فاشتراه بأربع مئة.
وقيل: إنَّ رجلاً جاء إلى أبي حنيفة فقال: بِعْنِي ثوبين وأحسِنْ
بيعي، قال: أيَّ لون تريد؟ فَوَصَف له، فقال أُتُنظِرُني جُمُعتَينِ؟ قال:
نعم، فذهب ثم جاءه بعد ذلك، فدَفَع إليه الثوبين وديناراً، وقال: إني
لم أُحسِن إليك، إني جَعلتُ لك بضاعةً، فرُزِقْتَ من عند الله فاحْمَدْهُ.
فقالوا لأبي حنيفة، فقال: ألم تسمعوا إلى قوله: وأحسِنْ بيعي؟
حدثنا عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير قال: إذا قال الرجل
للرجل أحسِنْ بيعي فقد ائْتَمَنه.
عُبَيد بن يعيش: ثنا وكيع، قال: كان سفيان إذا قِيل له: أمؤمِنٌ
أنت؟ قال: نعم، وإذا قيل له: عند الله قال: أرجو. وكان أبو حنيفة
يقول: أنا مؤمن ها هنا وعند الله.

٣٩
قال أبو بِشْر الدُّولابيُّ: حدَّثني محمد بن سعدان، حدثني الضّبِّيُّ
مؤدِّبُ المُعِزّ، قال: كان أبو أَسِيد يجالس أبا حنيفة، وكان شيخاً عفيفاً
مغقَّلاً(١)، فقال مرةً في مجلس أبي حنيفة لرجل: ارفَعْ ركبتك فإني أريد
أن أبولَ، وإنما أراد أن يَبزُق. فقال الرجل لأبي حنيفة: ألا تَسمَعُ
ما يقول؟ قال أبو أَسِيد: أليس يقال: إذا جالستَ العلماء فجالِسْهم بقِلَّةِ
السكينة والوقار؟ فضَحِك أبو حنيفة والقومُ منه .
وكان أبو أَسِيد جالساً في الشارع، إذ مَرُّوا بَبَكْرَةٍ سَمِينة(٢)، فقال:
ليتها لي! قالوا: ما تصنَعُ بها؟ قال: أختِنُها وأنخَرُ ابني!
قال: وتهيأ يومَ الأحد، ولبِسَ ثيابَ يوم الجمعة، وتطيِّب وخَرَج
وجلس إلى صديق له عطار، فتحدَّث عنده ساعةً ثم قال: ألا تقومُ بنا
إلى الجمعة؟ فقال له: يا أبا أَسِيد اليومَ الأحد، الناسُ يغلطون بيوم وأنت
تغلَطُ بالأسبوع كله! قال: ما ظَنتُ إلا أنه الجمعة.
قال: ومَرِضَ فعاده أبو حنيفة، فقال: كيف تَجِدُك؟
قال: بخير، قال: أطعموك اليوم شيئاً / قال: نعم مَرَقَةَ رُبِّ ٢٥
(١) لعله يريد بذكر نوادر أبي أَسِيدهنا: الإِشارةَ إلى مبلغ رحابة صدر أبي حنيفة،
ودرجةٍ تلطفه مع من يتردد إلى مجلسه ولو لم يكن من طلاب العلم، ولم تكن
مجالسُ أهل العلم تخلو من بعض المغفلين المترددين إليها من غير قابلية
عندهم للعلم، وكان العلماء يتلطفون معهم ويصبرون على نوادرهم، حَذّراً من
كَسْرِ خواطرهم بزجرهم لئلا يجتمع عندهم الحرمان من العلم مع الهوان
المکشوف (ز).
(٢) أي بناقةٍ سَمِينة.

٤٠
جُمَيِّزِ ورُمَّان(١)! فضَحِك أبو حنيفة وقال له: أنت في عافية.
داود بن رُشَيد: ثنا يحيى بن سعيد الأموي، عن أبي حنيفة، عن
حماد، عن إبراهيم، قال: أخبرني من رأى قبر النبي صلى الله عليه
وسلم مُسَنَّماً عليه أفلاق من حجارةٍ بِيْض.
الطحاوي، سمعتُ أحمد(٢) [بن أبي عمرانَ يقول: سمعتُ
هلال بن يحيى يقول: سمعتُ يوسف] بن خالد السَّمْتِيَّ يقول: جالستُ
أبا حنيفة سنتين ونصفَ سنة، فما سمعتُه لحَنَ في شيء إلا في حرف
واحد، زَعَم أهلُ اللغة أنَّ له فيه مَخْرَجاً.
محمد بن أحمد بن حفص فقيهُ بخارى، عن أبي وهب محمد بن
مُزاحم أو غيرِهِ، عن ابن المبارك، قال: ما لَزِمتُ سفيان حتى جَعَلْتُ عِلمَ
أبي حنيفة هكذا، وأشار بقّبْضِ يده.
وقال أبو القاسم عبدُالله بن محمد بن أبي العوام السعديُّ قاضي
مصر: حدثني إبراهيم بن أحمد الترمذي، سمعتُ أبا نصر محمد بن
محمد بن سلام البلخي، سمعتُ نُصَيرَ بن يحيى البَلْخِي يقول: قلتُ
(١) هكذا في الأصل، والمَرَقَّةُ لا تكون إلا من اللحم، وقد جعَلَها أبو أسيد من
الرّبّ، ((والرُّبُّ)) بالضم والإِهمال: المُرَبَّى المصنوعُ من الفواكه، لكن الجُمَيِّز
من أردأ الفواكه، قلَّما يُصنَعُ منه مُرَبَّى، إلا أن ما يَرغبُ فيه مثلُ أبي أسيد
يكون شيئاً من هذا القبيل، مما لا يَرغبُ فيه سواه ولا سيما في حالة
المرض (ز).
(٢) كان في الأصل ((أحمد بن خالد)) وقد سقط منه ما كان بين ((أحمد)) و((بن))،
فزدته من كتاب ابن أبي العوام، ذكره عند ذكر خالد بن يوسف (أبو الوفاء).