Indexed OCR Text

Pages 1-20

مُبَاقِبَ الأَزهَلِ الجَيْفَة
وصَاحِبَيْ أبي يُسِفٌ وَمحمَّد بنْ الحَن
لِمَامِ لْحَافِظِ أَبِ عَبَدَاللَّهِ مُجَمَّدَ رَأْخْمَدُزْعُثَمَن الذَّهَيّ
ولد سَنة ٦٧٣ وتوفي ٧ سَنة ٧٤٨ رَحِمَه الله تعَالى
عُنِي بَتَحَقِيقهِ وَالتَعَليقعَلَيْهِ
٠
محمّدّ زاهِد الكَوْثري
وَكيْل
مَشِيَخة الإِسْلام باستانبول سَابقاً
أبُوُ الوَفَاء الأفغَاني
رئيس الجَمَعيّة العِلميّة
مِن لَجنّة إِحيَاء المعَارف النعَمَانِيَّة
عُنَيَت بُنِشْرِه
لجنة إحياء المعَارف النعمانيّة
بجَيدَ رَآباد الدكن بالهِنْد

مُنَاقِبَ الأَوَلِ الجَيْفَة

3

مُبَاقِبَالأَفْعْلِ الجَيْفَة
وصَاحِبَيْ أبي يُسِفِ وَمُحمَّد بنْ الحَن
لِلإِمَامِ لَحَافِظِ أيٍ عَبَدُاللَّهِ مُحَمَّدَ زَأَخْمَدُ زْعُثْمَان الْذَهَيِّ
ولد سَنة ٦٧٣ وتوفي سَنة ٧٤٨ رَحِمَه الله تعَالى
عُنِي بَتَحَقِيقِهِ وَالتَعَليقَعَلَيْهِ
محمد زاهِد الكَوْثري
وَكیل
مَشِيَخة الإِسْلامِ باستانبول سَابقاً
أبُوُ الوَفَاء الأفغَانى
رئيس الجَمَعيّة العِلميّة
مِن الجنَّة إِحيَاء المعَارف النعَمَانِيَّة
عُنَيَت بُنِشْرِ
لجنة إحِيَاءِ المعَارف النعمانيّه
تَجَيدَ رآباد الدكن بالهند

الطبعة الأولى في القاهرة من مصر سنة ١٣٦٦
الطبعة الثانية في مُلْتَان من باكستان سنة ١٣٩٩
الطبعة الثالثة في بيروت من لبنان سنة ١٤٠٨
يطلب من لجنة إحياء المعارف النعمانية بحيدر آباد الدكن في الهند

الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد
وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد فهذه الطبعة الثالثة من كتاب: مناقب الإمام أبي حنيفة
وصاحبيه أبي يوسف ومحمد بن الحسن، للإِمام الحافظ الذهبي
رحمهم الله تعالى، نقدمها للقراء، وقد استحسنا أن تطبع في بيروت،
لتخرج بحلة قشيبة، وعرض جميل، وحرف فصيح، وأثبتنا على حواشي
هذه الطبعة أرقام صفحات الطبعة الأولى المطبوعة بالقاهرة منذ أكثر من
أربعين سنة، نظراً للعزو إليها في النقل عنها، ونرجو من الله تعالى أن
ينفع بها، وهو ولي التوفيق.
لجنة إحياء المعارف النعمانية

٧
بِاللهِالرَ الرّيمِ
/ الحمدُ لله الذي شرف العلماء من عباده بكريم خطابه: ﴿إنما ٣
يَخشَى اللَّهَ من عبادِهِ العلماءُ﴾، و﴿هل يستوى الذين يعلمون والذين
لا يعلمون﴾. وأكرَمَ أولياءه منهم بمزيد كرمه وألطافه حيث قال تعالى:
﴿أَلا إِنَّ أولياءَ الله لا خَوْفٌ عليهم ولا هم يحزنون﴾ .
والصلاةُ والسلامُ على سيدنا محمد الذي ميَّز علماء أمته بقوله:
(من يُرِدِ اللَّهُ به خيراً يُفقِّهْهُ في الدين))، وعلى آله الطيبين الطاهرين
الأكرمين، وصَحْبِهِ القادةِ السادة البررة المتقين.
أما بعدُ، فقد كنتُ منذ رأيتُ كلمةَ الذهبي في ((تذكرة الحفاظ))،
عند ترجمتِهِ لأبي حنيفة في عداد الحفاظ ١٦٨:١: ((مناقبُ هذا الإِمام
قد أفردتُها في جزء))، وكلِمَتَهُ فيها عند ترجمتِهِ لصاحبه أبي يوسف في
عِدادهم أيضاً ٢٩٢:١: ((قد أفردتُه وأفردتُ صاحبَهُ محمدَ بنَ الحسن
رحمهما الله في جزء)).
لم أزل مشمِّراً عن ساق الجِدّ في البحث عن تلك الأجزاء المفردة
للذهبي في تراجم أئمتنا فقهاء الملة: أبي حنيفة النعمان بن ثابت
الكوفي، وأبي يوسف يعقوب بن إبراهيم الأنصاري، وأبي عبدالله
محمد بن الحسن الشيباني، رضي الله عنهم وأرضاهم.

٨
إلى أن أظفرني الله سبحانه بالجزء الخاص بمناقب أبي حنيفة،
من بين تلك الأعلاق النفيسة، في مكتبة العلامة الكبير الشيخ محمد
سعيد الشافعي المَدْرَاسي - مفتي العدالة العالية بحيدر آباد الدَّكَّن سابقاً
تغمده الله برضوانه -، وهي من أغنى مكتبات حيدر آباد، فيها نوادرُ
كثيرة من كتب الحديث والفقه، فاغتنمنا ذلك، ونسخناه لنشرِهِ بمعرفة
لجنتنا ((لجنة إحياء المعارف النعمانية)).
٤
كما أظفرني بالجزء الخاص بالصاحبين أبي يوسف ومحمد
رحمهما الله عند صديقنا / الأستاذ محمد زاهد الكوثري من مشايخ العلم
في دار الخلافة العثمانية سابقاً، كان نسخه من نسخة مكتوبة في القرن
الثامن، ضمن مجموعة اشتراها صديقُهُ المغفور له السيد محمد أمين
الخانجي الكتبي المشهور، من بيت السَّقَطِي بصالحية دمشق الشام،
حيث كان أعاره تلك المجموعة سنة ١٣٤٧هـ قبل أن يبعث بها إلى
الغرب.
وكان هذا توفيقاً من الله جل شأنه، وكان الجزء الخاص
بأبي حنيفة مملوءاً بالأغلاط، فبعثنا به إلى الأستاذ الكوثري بمصر
ليصححه ويعلق عليه بالتماس اللجنة، مع طلب الجزء الخاص
بالصاحبين منه حفظه الله بالتعليق عليه أيضاً، فقام بإسعاف المرجو، كما
يراه القارىء، وأهدى الجزء إلى اللجنة، جعل الله سعيه مشكوراً، ومتع
المسلمین بطول حياته .
فما كان ساقطاً من الأصل زدتُ فيه بين مربَّعين من كتاب فضائل
أبي حنيفة وأصحابه للحافظ ابن أبي العوَّام، لأن أكثر ما في الأصل
مأخوذ منه بلفظه، ولم أنبه عليه، وما زِيدَ فيه من غيره نبّهتُ عليه

٩
بالهامش، وتعليقاتُ الأستاذ محمد الزاهد الكوثري مرموز إليها
بحرف (ز) في آخرها.
أما ترجمةُ مصنف المناقب فهو - كما ذكرها الحافظ شمس الدين
أبو المحاسن محمد بن علي بن الحسن الحُسَيني الدمشقي في ((ذيل
تذكرة الحفاظ)): ((الشيخ الإِمامُ العلامة، شيخُ المحدثين، قُدوةُ الحفاظ
والقراء، محدِّثُ الشام ومؤرخُه ومفيدُه، شمسُ الدين أبو عبد الله
محمد بن أحمد بن عثمان بن قايماز بن عبدالله التّرْكْماني الفارقيُّ الأصل،
الدمشقيُّ الشافعي المعروف بالذهبي، مصنّفُ الأصل - يعني ((تذكرة
الحفاظ)) -.
ولد سنة ثلاث وسبعين وست مئة بدمشق، وسَمِعَ الحديثَ في سنة
اثنتين وتسعين وهلم جراً، وسَمِعَ بدمشق من أبي حفص عُمَر بن
القواس، وأبي الفضل بن عساكر، وخلقٍ، وبمصر الْأَبَرْقُوْهِي، وبالقاهرة
الدِّمْيَاطي، وبالثَّغْرِ الغَرَّافِي، وبَعْلَبَك التاج عبدالخالق، وبحلب سَنْقَر
الزيني، وبنابُلُس العِمَاد بن بَدْرَان، وبمكة التَّوْزَرِي.
وأجاز له خلقٌ من أصحاب ابن طَبَرْزَد والكِنْدِي وحَنْبَل
وابن الحَرَسْتاني وغيرهم من شيوخه في ((معجمه الكبير)»، وهم / أزيد ٥
من ألف ومئتي نفس بالسماع والإِجازة.
وخرَّج لجماعة من شيوخه وجرَّح وعدَّل، وفرَّع وصحّح، وعلَّل
واستدرك، وأفاد وانتَقَى، واختصر كثيراً من تآليف المتقدمين
والمتأخرين، وكتَبَ عِلماً كثيراً.
وصنَّف الكتبَ المفيدة، فمن أطولِها ((تاريخ الإِسلام))(١)، ومن
(١) في مكتبة أحمد الثالث في طوبقبو في إسطنبول نسخة في ٢٣ مجدداً (ز).

١٠
أحسنها «ميزان الاعتدال في نقد الرجال)»، وفي كثير من تراجمه اختصار
يَحتاج إلى تحرير. ومصنفاتُهُ ومختصراتُه وتخريجاتُه تقارب المئة، وقد
سار بجملةٍ منها الرُّكبانُ، في أقطار البلدان.
كان أحدَ الأذكياءِ المعدودين، والحفاظِ المُبرِّزين، وَلِيَ مَشْيَخَةَ
الظاهرية قديماً، ومَشْيَخَةَ النفيسية والفاضلية والتَّنْكِزِيَّة، وأمِّ الملِك
الصالح .
ولم يزل يكتُب وينتقي ويُصنف حتى أُضِرَّ في سنة إحدى
وأربعين(١)، ومات ليلة الاثنين ثالث ذي القعدة سنة ثمان وأربعين وسبع
مئة بدمشق، ودفن بمقبرة الباب الصغير رحمه الله تعالى .
وكان قد جَمَع القراءات السبع على الشيخ أبي عبدالله بن جبريل
المصري نزيل دمشق، فقرأ عليه خَتْمةً جامعةً لمذاهب القُرَّاءِ السبعةِ
بما اشتمل عليه كتابُ ((التيسير)) لأبي عَمْرو الدَّاني، وكتاب ((حِرْز
الأماني)) لأبي القاسم الشاطبي، وحَمَل عنه الكتابَ والسنةَ خلائقُ،
والله تعالى يغفر له)). انتهى ما قاله الحسيني بلفظه .
قلتُ: ومن تصانيفه التاريخُ الأوسط، والصغيرُ، وقد طُبع بدائرة
المعارف بحيدر آباد الدَّكَّن، وسِيرُ النَّبَلاء(٢)، وطبقاتُ الحفاظ، وطُبع
بدائرة المعارف مرتين، ومختصَرُ تهذيب الكمال المعروف بالتَّذْهِيب،
والكاشفُ، مختصَرُ ذلك، والمجرَّدُ في أسماء رجال الكتب الستة،
والتجريدُ في أسماء الصحابة، وطُبع بدائرة المعارف، والميزانُ وطُبع
(١) أي صار ضريراً فاقداً لبصره.
(٢) في مكتبة أحمد الثالث في ١٩ مجلداً (ز).

١١
بالهند وبمصر، والمغني في الضعفاء، ومشتبِهُ النِّسْبَة، وطُبع بأوروبا،
ومختصَرُ الأطراف لشيخِهِ المِزِّي، وتلخيصُ المستدرك مع تعقُِّه عليه،
وطُبع بدائرة المعارف في ذيل مستدرك الحاكم، / ومختصَرُ المُحلَّى، ٦
ومهذَّبُ سُنَن البيهقي، وغيرُ ذلك. وله معجَمٌ كبير، وصغير، وكتابُ
العلو، وطُبع بالهند وبمصر وفيه مآخذ، وزَغَلُ العلم، وطَبع بمصر مع
تعليق عليه للأستاذ الكوثري حفظه الله.
وقال السيوطي: في ((ذيل طبقات الحفاظ)): ((إنَّ المحدِّثين عِيالٌ
الآن في الرجال وغيرِها من فنون الحديث على أربعة: المِزّي،
والذهبي، والعراقي، وابن حجر))، ثم قال: ورثاه التاج السبكي بقصيدةٍ
أولُها:
مِن بعدِ موتِ الإِمام الحافظ الذهبي
((مَنْ للحديثِ وللسارين في الطَّلَب
بين البرية من عُجم ومن عَرَبِ
من للروايةِ والْأخبارِ يَنْشُرُها
بالنقدِ من وضع أهل الغيِّ والكذِبِ
من للدراية والآثار يحفظُها
حتى يُرِيْكِ جِلاءَ الشَّكِ والرِّيَبِ
من للصناعة يَدري حَلَّ مُعْضِلِها
ومنها :
وطَبَّق الأرضَ من طُلَّبِهِ النُّجُبِ
هو الإِمامُ الذي رَوَّتْ رِوايتُهُ
ثَبْتُ صدوقٌ خبيرٌ حافظُ يقِظُّ
في النقل أصدَقُ أنباءً من الكتب
من زاهدٍ ورِعٍ في اللَّهِ مرتِقِب))(١)
الله أكبرُ ما أقرَا وأحفَظَه
(١) هذا ما قاله ابن السبكي في الذهبي بعد موته تحت تأثير هذا الموقف الرهيب،
ولم يمنع ذلك أن يبدي رأيه في الذهبي نفسه منتقداً إياه في مواضع من
طبقات الشافعية، كما فعل مثل ذلك الذهبيُّ عند موت ابن تيمية، مع كونه
ينتقده من نواح، سامحهم الله وإيانا بمنه وكرمه. وفي تكملة الرد على نونية
ابن القيم ص ١٧٧ و١٨١ نماذجُ من هذا وذاك (ز).
.

١٢
هذا وقد تم نشر هذا المجموع النفيس، تحت ظلال مولانا الملك
الجليل المُعان، الذائعُ صِيتِ فضلِه في كل مكان، صاحبِ الجلالة،
السلطانِ ابن السلطان، سلطان العلوم، مظفر الممالك، شمس الملة
والدين، آصَف جاه السابع، مِير عثمان علي خان بَهَادَر، لا زالت مملكته
رافلة في حُلَل العِزّ والارتقاء، ما توالَى المَلَوان، وكان ذلك بإذن لجنة
إحياء المعارف النعمانية بحيدر آباد الدَّكَّن، حرسها الله عن الشرور
والفِتَن، في شهر ذي القَعْدة المحرم من سنة ١٣٦٦هـ، ولله الحمد
والمِنَّة ؟
أبو الوفاء الأفغاني

١٣
لتسـ
:آللَّ الرحمن الرحيم
عد
/ الحمد لله على كل حال. وصلى الله على محمد أفضل ٧
الرجال.
أما بعدُ فهذا كتابٌ في أخبار فقيه العصر، وعالم الوقت،
أبي حنيفة، ذي الرتبة الشريفة، والنفس العفيفة، والدرجة المُنِيفة:
النعمانِ بن ثابت بن زُوْطَى(١)، مفتي أهل الكوفة. وُلِدَ رَضِيَ الله عنه
وأرضاه، وأنفذ ما أوضحَهُ من الدين الحنيفيّ وأمضَاه، في سنة
ثمانين(٢)، في خلافة عبدالملك بن مروان بالكوفة.
(١) زُوطَى ليس بوالد ثابت مباشرة بل بينهما النعمان بن المرزبان، وأبو زوطى ماه،
كما نص على ذلك الإِمام مسعود بن شيبة في ((التعليم)) ص ٣، وهو الموافق
لما صح عن إسماعيل بن حماد (ز).
(٢) هذا اختيارٌ منه لأحدثِ الروايات المختلفة أخذاً بالأحوط، كما جَرَى عليه
الأكثرون، لكن هذا إذا لم يترجح سواه بدليل، ففي رواية ابن ذَوَّاد: كان ميلاده
سنة ٦١هـ. وفي ((أنساب)) السمعاني في (الخزَّاز) سَنَّةَ سبعين، ومثلُهُ في كتاب
((الجرح والتعديل)) لابن حِبَّن وفي ((روضة القضاة)) لأبي القاسم السِّمْنَاني
المعاصر للخطيب البغدادي، ويؤيدُ الأخيرَ عَدُّ الحافظ محمد بن مَخْلَدِ العطار
روايةً حماد بن أبي حنيفة عن مالك من رواية الأكابر عن الأصاغر، واهتمامُ
أبي حنيفة بمن يَخلُفُ النخعيَّ بعد أن بَرَع في علم الكلام.
=

١٤
وذلك في حياة جماعة من الصحابة رضي الله عنهم، وكان من
التابعين لهم إن شاء الله بإحسان، فإنه صحَّ أنه رأى(١) أنسَ بن مالك
٨ إذ قَدِمَها أنس / رضي الله عنه. قال محمد بن سعد: حدثنا سيفُ بن
جابر أنه سَمِعَ أبا حنيفة يقول: رأيتُ أنساً رضي الله عنه.
وقال: يعقوب بن شيبة السَّدُوسي: أبو حنيفة مولىٍّ لبني تَّيْم الله بن
ثعلبة بن بكربن وائل. وقال أبو خَازِم عبدالحميد القاضي: سألتُ
قال العقيلي في «الضعفاء»: حدثنا أحمد بن محمد الهروي، قال: حدثنا
=
محمد بن المغيرة البلخي، قال: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، قال حدثنا
محمد بن سليمان الأصفهاني، قال: لما مات إبراهيمُ اجتمَعَ خمسةٌ من أهل
الكوفة فيهم عُمَر بن قيس الماصِر وأبو حنيفة، فجمعوا أربعين ألف درهم،
وجاءوا إلى الحَكَم بن عُتَيْبَة، فقالوا: إنا قد جمعنا أربعين ألف درهم، نأتيك
بها وتكون رئيسنا في الإِرجاء، فأبى عليهما الحَكَمُ، فأتوا حمادَ بن
أبي سليمان فقالوا له فأجابهم وأخذ الأربعين ألف درهم اهـ.
والإِرجاءُ الذي يُنسَبُ إليه هو إرجاءُ السنة المشرُوحُ في ((الرفع والتكميل))
للکنوي .
وكذلك روايته عن عِدَّةٍ من الصحابة رضي الله عنهم، كما بيَّنتُ في ((التأنيب))
وفيما علَّقتُ على ((الانتصار والترجيح)) لسبط ابن الجوزي، وكلَّ ذلك ما كان
يصح لولا تقدُّمُ ميلادِهِ على سنة ثمانين، والله أعلم (ز).
(١) بل في ((جامع بيان العلم وفضله)) لابن عبدالبر ١: ٤٥: روايتُهُ عن ابن جَزْء
الصحابي، ولأهل العلم بالحديث عدة أجزاء في رواية أبي حنيفة عن عدة
من الصحابة رضي الله عنهم، فجزءُ أبي حامد محمد بن هارون الحضرمي،
وجزءُ أبي الحسين علي بن أحمد بن عيسى، وجزءُ أبي معشر عبدالكريم
الطبري في ذلك، من مرويات ابن حجر في ((المعجم المفهرس)) والشمسٍ بنٍ
طولون في ((الفهرست الأوسط))، وجزءُ أبي بكر عبدالرحمن بن محمد بن أحمد
السرخسي مما رواه سبط ابن الجوزي في ((الانتصار والترجيح)) (ز).

١٥
ابنَ إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة: لمن ولاؤكم؟ فقال: سُبِيَ ثابتٌ
أبو أبي حنيفة من كابُلَ، فاشتَرَتْهُ امرأةٌ من بني تيم الله بن ثعلبة
فاعتقته(١).
وقال أبو نعيم الفضل بن دُكَين: كان أبو حنيفة حسن الوجه واللحية
حسن الثياب. وقال عبدالوهاب(٢) بن زياد: رأيت أبا حنيفة بالكوفة وعليه
(١) ابن إسماعيل في سنده مجهولٌ متأخرُ الطبقة، فلا يناهض قولُه قولَ إسماعيل
نفسه وقولَ الإِمام نفسه (أبو الوفاء). ابنُ إسماعيل مجهولُ العين والصفة،
فلا تثبت روايتُهُ، على أنها تخالف رواية إسماعيل بن حماد نفسه المدونة في
كتاب الصَّيْمَري وتاريخ الخطيب، حيث قال إسماعيل فيهما: ((أنا إسماعيل بن
حماد بن النعمان بن ثابت بن النعمان بن المَرْزُبان من أبناء فارسَ الأحرار،
والله ما وقع علينا رق قط ... )).
بل كان ولاء أبي حنيفة لتيم الله بن ثعلبة ولاءَ الموالاة. قال الطحاوي في
((مشكل الآثار)) ٥٤:٤: سمعتُ بكار بن قتيبة يقول: ((قال أبو عبدالرحمن
المُقري: أتيتُ أبا حنيفة فقال لي من الرجل؟ فقلت: رجل منَّ الله عليه
بالإِسلام. فقال لي: ((لا تقل هكذا، ولكن والِ بعضَ هذه الأحياء ثم انتَمِ
إليهم، فإني كنتُ أنا كذلك)).
ومثلُهُ في رواية ابن أعين عن أحمد بن منصور الرمادي عن المقري، وزادفي
رواية يعقوب بن شيبة عند ابن أبي العوام ((فوجدتهم حيَّ صدق)).
فَعُلِمَ من ذلك أن ولاء أبي حنيفة لتيم الله بن ثعلبة، لم يكن بإسلام أحَدٍ
أجداده على يد أحدٍ من بني تيم الله، ولا بإعتاقٍ أحدهم لأحد أجداد
أبي حنيفة، فيكون ولاؤه ولاءَ مُوالاة، لا ولاءَ إسلام، ولا ولاءَ إعتاق، فتذهب
الرواياتُ المختلفةُ في انتقاصِهِ بنسبه أدراج الرياح هكذا، على أن العبرة
بالتقى والعلم (ز).
(٢) وفي كتاب ابن أبي العوام (عبدالواحد) وهو الصواب (ز).

١٦
طويلة(١) سوداء. وقال علي بن عبدالرحمن بن محمد بن المغيرة الكوفي
بمصر: سمعت أبي يقول: رأيت شيخاً في مسجد الكوفة يفتي الناس
[وعليه قَلْنْسُوَةٌ طويلة] فقلت من هذا؟ قالوا: أبو حنيفة.
قال قاضي مصر أبو القاسم عبدالله بن محمد بن أحمد بن
يحيى بن الحارث بن أبي العَوَّام السعديُّ في كتاب ((فضائل
٩ أبي حنيفة))، وهو مجلّدٌ واحد: حدثني إبراهيم بن أحمد / بن سهل
الترمذي، ثنا القاسم بن غسان القاضي، ثنا أبي، أنا جدي أبو غسان
أيوب بن يونس، سَمِعَ النضر بن محمد يقول: كان أبو حنيفة جميلَ
الوجه، سَرِيَّ الثوب، عَطِراً.
ولقد أتيتُه في حاجة فصليتُ معه الصبح، وعليّ كساءٌ قُوْمَسِيٌّ فَأمَر
بإسراج بغلِهِ وقال: أعطني كساءك [لأركب في حاجتِك، وهذا] كسائي
[إلى أن أرجع]، ففعلتُ، فلما رجع قال: يا نَضْرُ، أخجلتني بكسائك،
قلتُ: وما أنكرتَ منه؟ قال: هو غليظ. قال النضرُ: وكنتُ اشتريتُه
بخمسة دنانير، وأنا به مُعجَب، ثم رأيتُهُ بعدَ هذا وعليه كساء قُوْمَسِي
قوّمتُهُ بثلاثين ديناراً.
من أخلاقه وورعه
روى الحسن بن إسماعيل بن مجالد، عن أبيه، قال: كنتُ عند
(١) وهي قَلَنْسُوَة كانت تُلَس في المواقف الرسمية، وفيها يقول أبو عَمْرو يوسف بن
هارون الكندي :
ونادَى بالطويلةِ وهْيَ مما يكونُ برأسِهِ لجليلِ أَمْرٍ
كما في كشف الطرة للآلوسي ص ٢٨٤، وكان شيخه حماد بن أبي سليمان
يلبسها أيضاً (ز).

١٧
الرشيد [إذ دخل عليه أبو يوسف، فقال له هارون]: صِفْ لي أخلاقَ
أبي حنيفة، قال: كان واللَّهِ شديدَ الذَّبِّ عن حَرَامِ الله (١)، مُجانباً لأهل
الدنيا، طويلَ الصمت، دائمَ الفِكر، لم يكن مِهذاراً ولا ثرثاراً(٢)، إن
سُئِل عن مسألة كان عنده منها علم أجاب فيها، وما علمتُه يا أمير
المؤمنين إلا صائناً لنفسِه ودِينه، [مشتغلا بنفسه عن الناس](٣)، لا يَذكُرُ
أحداً إلا بخير. فقال الرشيد: هذه أخلاق الصالحين.
وقال القاسم بن غسان: سمعتُ إسحاق بن أبي إسرائيل يقول:
ذَكَر / قومٌ أبا حنيفة عند ابن عيينة فتنقَّصَه بعضُهم، فقال سفيان: مَهْ! ١٠
كان أبو حنيفة أكثرَ الناس صلاة، وأعظمَهم أمانة، وأحسنَهم مُروءة.
ورُوي عن شَرِيك قال: كان أبو حنيفة طويلَ الصمت، دائمٌ
الفِكر، كبيرَ العقل، قليلَ المحادثة للناس.
وقال الحسن بن إسماعيل بن مُجالد: سمعتُ وكيعاً يقول: قال
(١) وفي كتاب الحافظ ابن أبي العوَّام: فقال يا أمير المؤمنين، قال الله عز وجل:
﴿مَا يَلْفِظُ من قولٍ إلا لديه رقيبٌ عتيد﴾، وهو عند لسان كلِّ قائل، كان واللَّهِ
أبو حنيفة عِلمي به شديدَ الذب عن حَرَام الله إلى آخره، ونحوُه عند الإِمام
الموفق في مناقب أبي حنيفة ٢٠٦:١، إلا أنه رواه من طريق أبي عبدالله
الصَّيْمَري، عن أحمد بن محمد بن المُغَلَّس، عن إبراهيم بن سعيد
الجوهري، قال: كنت عند أمير المؤمنين الرشيد إذ دخل أبو يوسف. الحديث
بطوله، وفيه ((عن مَحارِم الله)) (أبو الوفاء).
(٢) يقال: رجلٌ ثرثارٌ مِهذار بمعنى كثير الكلام كما في ((الأساس)).
(٣) وما بين المربعات في هذه الصفحة وغيرها مَزِيدة من ابن أبي العوام، حيث
كان أصلُ الرواية من عنده (ز).

١٨
الحسن بن صالح بن حُيَيّ: كان أبو حنيفة شديدَ الخوف لله، هائباً
للحرامِ أن يُستَحَلَّ.
وعن بِشْربن يحيى: سمعتُ ابن المبارك يقول: ما رأيتُ رجلاً
أوقَرَ في مجلسه، ولا أحسَنَ سمتاً وحِلماً من أبي حنيفة، ولقد كنا عنده
[في المسجد الجامع]، فوقعَتْ حَيَّةٌ من السقف في حِجره، فما زاد على
أن نَفَض حِجرَه فألقاها، وما منا أحَدٌ إلا هَرَب.
وعن إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة، قال: لما حَذَق أبي حمادٌ
قراءة الفاتحة، أعطَى أبو حنيفة المعلُّمَ خمسَ مئة درهم.
وقد ورَدَ في كرم أبي حنيفة وأفضاله أخبارٌ عديدة.
وقال إبراهيم بن سعيد الجوهري: ثنا المثنى بن رجاء، قال: جَعَل
أبو حنيفة على نفسه إن حَلَف بالله صادقاً في عَرْضِ حديثِهِ أن يَتصدَّق
بدينار(١)، فكان إذا حَلَف تصدَّق بدينار، وكان إذا أَنفَقَ على عياله نفقةً
تصدق بمثلها .
وقال أبو بكر بن عياش: لِقِيَ أبو حنيفة من الناس عَنْباً لقلةِ مخالطتِهِ
الناس، فكانوا يَرَوْنه من زَهْوِ فيه، وإنما كان ذلك منه غریزةً فیه.
وقال جُبَارة بن المُغَلِّس: سمعتُ قيس بن الربيع يقول: كان
أبو حنيفة ورعاً تقياً، مُفْضِلاً على إخوانه.
وقال لُوَيْنٌ: سمعتُ محمد بن جابر يقول: كان أبو حنيفة قليلَ
(١) وفي كتاب ابن أبي العوام: ((بدرهم ثم بربع دينار ثم بدينار)) متدرجاً. وفي
لفظ روايته طول، وقد اختصره الذهبي كما ترى، وعادته في غالب الروايات
الاختصار في هذا الكتاب (ز).

١٩
الكلام إلا بما يُسأل عنه، قليلَ الضحك، كثيرَ الفِكر، دائمَ القطوب،
كأنه حديثُ عهدٍ بمصيبة.
وقال زيد بن أخزَم: سمعتُ الخُرَيْبِيَّ يقول: كنا عند أبي حنيفة
فقال له رجل: إني وضعتُ كتاباً على خطك إلى فلان، فوَهَب لي أربعةً
آلاف درهم، فقال أبو حنيفة: إن كنتم تنتفعون بهذا فافعلوا. ورواها
الطحاوي عن أبي خَازِم القاضي عنه.
/ شيوخ أبي حنيفة وأصحابه
١١
تفقَّه بحمادِ بن أبي سليمان صاحبٍ إبراهيم النخعي وبغيرِهِ،
وقال: اختلفتُ إلى حماد خَمْسَ عشرة سنة(١). وفي رواية أخرى عنه
قال: صحِبتُهُ عَشْرَةَ أعوام(١)، أحفَظُ قولَه، وأسمَعُ مسائلَه.
وسَمِعَ الحديثَ من عطاء بن أبي رباح بمكة، وقال: ما رأيتُ
أفضلَ من عطاء. وسَمِعَ من عطية العَوْفي، وعبد الرحمن بن هُرْمُز
الأعرج، وعكرمة، ونافع، وعَدِيّ بن ثابت، وعَمْرِوبن دينار، وسلمة بن
كُهَيل، وقَتَادة بن دِعامة، وأبي الزبير، ومنصور، وأبي جعفر محمد بن
علي بن الحسين، وعَدَدٍ كثيرٍ من التابعين.
تفقَّه به جماعةٌ من الكبار، منهم زُفَربن الهُذَيل، وأبو يوسف
(١) كلاهما وهَمٌ ظاهر، ففي تاريخ الخطيب بسنده ١٣ :٣٣٣: ما معناه أنه صَحِبَه
عَشْرَ سنين، ثم ظَنَّ استغناءَه عنه أياماً، لكنه عاد إليه عما قليل، فلازمه إلى أن
مات، ثم صرَّح أنه لازمه إلى موته ثماني عشرة سنة، بل الصوابُ أنه اتصل به
في عهد النخعي فلازمه إلى وفاته سنة عشرين ومئة اهـ. كما يظهر من اعتنائِهِ
عند وفاةِ النخعي بمن يَخلُقُه على ما ذكره العُقَيلي (ز).

٢٠
القاضي، وابنُهُ حمادُ بن أبي حنيفة، ونُوحُ بن أبي مَرْيَم المعروفُ بنُوحٍ
الجامع، وأبو مُطيع الحَكَمُ بنُ عبد الله البَلْخِي، والحسَنُ بن زياد
اللُّؤْلؤي، ومحمدُ بن الحسن، وأَسَدُ بن عَمْرو القاضِي.
ورَوَى عنه من المحدثين والفقهاء عِدَّةٌ لا يحصون، فمن أقرانِهِ :
مُغيرةُ بن مِقْسَم، وزكريا بنُ أبي زائدة، ومِسْعَرُ بن كِدَام، وسفيانُ
الثوري، ومالكُ بن مِغْوَل، ويونسُ بن أبي إسحاق.
وممن بعدَهم زائدةُ، وشَرِيك، والحَسنُ بن صالح، وأبو بكر بنُ
عياش، وعيسى بنُ يونس، وعلي بن مُسْهِر، وحفصُ بن غِيَاث،
وجريرُ بن عبدالحميد، وعبدُ الله بن المبارك، وأبو معاوية، ووكيعٌ،
والمُحارِبي، وأبو إسحاق الفَزَاري، ويزيدُ بن هارون، وإسحاق
[بن يوسف] الأزرق، والمُعافَى بن عمران، وزيدُ بن الحُبَاب، وسعدُ بن
الصَّلْت، ومكيُّ بن إبراهيم، وأبو عاصم النبيل، وعبدُالرزاق بن هَمَّام،
وحَفْصُ بن عبدالرحمن البَلْخِي، وعُبَيْدُالله بن موسى، وأبو عبدالرحمن
١٢ / المقرىء، ومحمدُ بن عبدالله الأنصاري، وأبو نُعَيم، وهَوْذَة بن خليفة،
وأبو أسامة، وأبو يحيى الحِمَّاني، وابن نُمَير، وجعفر بن عَوْن،
وإسحاق بن سليمان الرازي، وخلائقُ(١).
عِبادة أبي حنيفة
قد تواتر قيامُه الليل وتهجُّدُه وتعبُّدُه رحمه الله تعالى. قال
(١) والذين ذكرهم الحافظ أبو الحَجَّاج المِزِّي وحده في ((تهذيب الكمال)) من
الرواة عن أبي حنيفة يقاربون مئة شخص، مع أنه لم يَستقص ولا قارب، بل
تبلغُ أصحابُه ألوفاً (ز).