Indexed OCR Text

Pages 661-680

الباب الخامِس والتسعُون
في فضيلة(١) مجاورته
أخبرنا أبو منصور عبد الرحمن بن محمد القزاز ، قال : أخبرنا أبو بكر أحمد
ابن علي بن ثابت ، قال : حدثني الحسن بن أبي طالب ، قال : حدثنا يوسف
ابن عمر القواس(٢)، قال: حدثنا أبو مقاتل محمد بن شجاع.
وأخبرنا محمد بن ناصر ، قال : أخبرنا المبارك بن عبد الجبار ، قال : أخبرنا
محمد بن عبد الواحد الحريري ، قال : أخبرنا أبو عمر بن حَيّويه ، قال : حدثنا
عبد الله بن محمد بن إسحاق المروزي ، قالا : حدثنا أبو بكر بن أبي الدنيا ،
قال : حدثني أبو يوسف بن بختان - وكان من خيار المسلمين - قال : لما ماتَ
أحمد بن حنبل ؛ رأَى رجل في منامه كأَن على كُل قبر قنديلًا ، فقال : ما هذا ؟
فقيل له : أَما علمتَ أَنه نُوِّر لأَهل القبور قبورهم بنزول هذا الرجل بين
أظهرهم ، وقد كان فيهم من يُعذَّب فَرحم ؟ !
أخبرنا محمد بن أبي منصور ، قال : أخبرنا عبد القادر بن محمد قال : أنبأنا
أَبو إِسحاق البَرْمَكي ، قال: أنبأنا عبد العزيز بن جعفر قال : حدثنا أبو بكر
الخلال ، قال : حدثني محمد بن العباس ، قال : سمعتُ عبيد بن شَريك ،
يقول : مات رجل مُخنث ، فَرني في النوم فقال: قد غُفر لي ، دُفن عندنا أَحمد
ابن حنبل ، فغُفر لأَهل القبور .
(١) في (د) و (ف): ((فضل)).
(٢) تحرف في (ف) إلى: ((القواريري)).
٦٤٢

أنبأنا محمد بن أبي منصور ، عن أبي علي الحسن بن أحمد الفقيه ، قال : لما
ماتت أُم القَطِيعي ، دفنها في جوار أحمد بن حنبل فرآها بعد ليال (١فقال: ما
فعل الله بك١) فقالت : يا بني ، رضي الله عنك ، فلقد دفنتني في جوار رجل
ينزل على قبره في كل ليلة - أو قالت: في كل ليلة جمعة - رحمة تَعمّ جميع أهل
المقبرة ، وأَنا مِنْهم .
قال أبو علي: وحكى أبو طاهر(٢) الجمال - شيخ صالح - قال : قرأتُ ليلة
وأنا في مقبرة أحمد بن حنبل، قوله تعالى: ﴿فَمِنْهُم شَقِيٌّ وَسَعِيد﴾(٢). ثم
حملتني عيني ، فسمعت قائلًا يقول : ما فينا شقي والحمد لله ببركة أحمد بن
حنبل .
قلت : وبَلغني عن بعض السلف القدماء ، قال : كانت عندنا عجوز من
المتعبدات قَدْ خَلَتْ بالعبادة خمسين سَنة ، فأصبحت ذات يوم مَذعورة ،
فقالت : جاءَّني بعض الجن في مَنامي ، فقال : إِني قَرينك من الجن ، وإِن الجنّ
استرقَت السمعَ بتعزية الملائكة بعضها بعضًا بموت رجل صالح يقال له : أحمد بن
حنبل ، وتُربته في موضع كذا ، وإن الله يغفر لمن جاوره ، فإن استطعتِ أن
تجاوريه في وقت وفاتك فافعلي ، فإِنّي لك ناصحٌ ، وإِنك ميتة بعده بليلة ،
فماتَت كذلك ، فعلمنا أنه منام حق .
(أَنبأَّنا محمد بن ناصر الحافظ ، قال: حدثني أبو البركات طلحة بن أحمد بن
طلحة القاضي ، قال : كان لي صديق اسمه ثابت ، وكان رجلاً صالحًا يقرأ
القرآن ، ويأمر بالمعروف ، وينهى عن المنكر ، فتوفي ، فلم أصلِّ عليه لعذر
(١ - ١) ساقط من ( ط ) .
(٢) تصحف في ( ط) إلى: (( أبو ظاهر).
(٣) سورة هود : ١٠٥ .
٦٤٣

منعني ، فرأيته في المنام ، فسلمت عليه ، فلم يرد عليَّ السلام ، وأَعرِضَ عني ،
فقلت : يا ثابت ، ما تكلمني وأنت صديقي ، وبيني وبينك مودة ؟ ! فقال :
أَنْت صديقي ولم تصلّ عليَّ! فاعتذرتُ إِليه. ثم قال له : حدثني كيف أُنْت
بمقبرة أحمد بن حنبل ؟ - لأنه دفن هناك - فقال لي : ليس في مقبرة أحمد
أَحدّ يعذب بالنار ، فقلت له : ما تقول في مقابر قريش ؟ فقال: لا أُعلم ما
ثم ، ما عندنا حدثتك به ، فقلت : إِذا قدم أحدٌ عليكم تزورونه وتستخبرونه ؟
فقال: إِذا قدم علينا أَحد زرناه واستخبرناه عن الأحياء)) .
قال : قرأت بخط شيخنا أبي الحسن علي بن عبد الله بن الزاغوني ، قال :
كُشف قبر إِمامنا أحمد بن حنبل حين دُفن الشريف أبو جعفر (١ ابن أبي موسى(١)
إلى جانبه ، وجثته لم تتغير وكفنه صحيح لم يَبل .
قلتُ : بين وفاة الإِمام أحمد بن حنبل ، ووفاة الشريف أبي جعفر مئتا سنة
وتسع وعشرون .
( * -* ) ما بين العلامتين مثبت من (ش) وهو ساقط من ( ت) و (د) و ( ط ) و ( ف )
و ( هـ ) .
(١ - ١) ساقط من ( ط ) .
٦٤٤

الباب السّادس والتسعُون
في ذكر عقوبة مَن آذاه
:
أخبرنا عبد الملك بن أبي القاسم ، قال : أخبرنا عبد الله بن محمد
الأَنصاري ، قال : سمعتُ أَبا يعقوب الحافظ ، يقول : سمعت علي بن محمد بن
أحمد بن رزق ، قال : سمعتُ محمد بن إبراهيم ، يقول : سمعت أحيد بن جرير
الجوهري ، قال : سمعتُ محمد بن فضيل يقول : تناولت مرة أحمد بن حنبل
فوجدتُ في لساني أَلْمًّا لم أُجد القرار، فيِمت ليلة فأَتاني آت ، فقال : هذا
بتناولك الرجل الصالح ، هذا بتناولك الرجل الصالح ، فانتبهتُ ، فلم أَزْل أَتوب
إلى الله تعالى حتى سكن(١).
أخبرنا محمد بن ناصر ، قال : أَنْبأَنا أَحمد بن علي بن خلف ، قال : أخبرنا
أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحاكم ، قال : حدثنا أبو أحمد بكر بن محمد
الصوفي ، قال : حدثنا أبو بكر أُحيد بن جرير اللؤلؤي ، قال : سمعت محمد بن
فضيل البلخي ، يقول : كنت أتناول أحمد بن حنبل ؛ فوجدت في لساني أَلمَّا ،
فاغتممت ، ثم وضعت رأسي فنمت ، فأَتاني آت ، فقال : هذا الذي وجدت
في لسانك بتناولك الرجل الصالح . قال : فانتبهت ، فجعلت أقول : أَستغفر
الله! وأقول : لا أعود إلى شيءٍ من هذا. قال: فذهب ذلك الألم .
أخبرنا عبد الملك بن أبي القاسم ، قال : أخبرنا عبد الله بن محمد
الأنصاري ، قال : أخبرنا أبو يعقوب إِملاءً، قال : أخبرنا أبو العباس أحمد بن
(١) ((مختصر تاريخ دمشق)) ٢٥٣/٣.
٦٤٥

محمد بن الحسين الرازي(١)، قال: حدثنا أبو الحسين أَحمد بن محمد بن الحسين
ابن معاوية الرازي ، قال : حدثنا بكر بن عبد الله بن حبيب أبو محمد ، قال :
سمعتُ مِسْعَرَ بن محمد بن وهب يحدث أَبي ، قال : كنتُ مؤدبًا للمتوكل قبل أن
يلي الخلافة ، فلما ولي الخلافة ، أُنزلني حُجرة من حجر الخاصة ، فربما كانت
تعرض في فكرته مسألة في الدّين، فيوجّه إليّ ، فيسألني عنها ، وكان إذا جلس
للخاصة أُقوم على رأسه ، فإِن افتقدني دعاني(٢) حتى أقف موقفي ، لا
يُخليني(٣) منه ليلًا ولا نهارًا إِلَّا في وقت خلوته، وأنه جلس للخاصة ذات يوم في
مجلسه الذي كان يسمى الوَديع ، ثم قام منه حتى دخل بيتًا له من قوارير سقفه
وحيطانه وأرضه ، وقد أُجري له الماء فيه ، فالماء يعلو على البيت وأسفله وحيطانه
يتقلب فيه ، يرى من هو داخله ، كأنه في جوف الماء جالس ، وقد فُرش له
فراش من(٤) قباطي مصر، وسائدها ومَخادها الأُرجوان ، فجلس في مجلسه ،
وجلس عن يمينه الفَتحُ بن خاقان ، وُبيد الله بن خاقان ، وعن يساره بُغا
الكبير ، وَوَصيف، وأنا واقف في زاوية البيت اليمنى مما يليه ، وخادم آخذ
بعضادة الباب واقف ، إِذ ضحك المتوكل ، فَأَرَّ القوم(٥) وسكتوا. فقال: أَلا
تسألوني مم ضحكت ؟ فقالوا: ممّ ضحك أمير المؤمنين ، أَضحك الله سِنَّه ؟
فقال : أُضحكني أَني ذات يوم واقف على رأس الواثق ، وقد قَعد للخاصة في
مجلسي الذي كنت فيه جالسًا ، وأنا واقف على رأسه ، إِذ قام من مجلسه فجاءً
حتى دخل هذا البيت الذي دخلته ، فجلس في مجلسي هذا ، ورُمتُ الدخول ،
(١) ساقطة من ( د ) و ( فى ) .
(٢) في ( ط ): (( فإن تفقدني دعاني)) .
(٣) تحرفت في (ط) إلى: ((لا يجلسني).
(٤) ساقطة من (ت) و ( ط ) و ( ف ) .
(٥) أي: سكت القوم. ((القاموس)).
٦٤٦

فُمُنعت ، ووقفت حيث الخادم واقف ، وجلس ابن أبي دُؤاد في مجلسك يا فَتَح ،
وجلس محمد بن عبد الملك بن الزيات في مَجلسك يا عُبيد الله ، وجلس إسحاق
ابن إبراهيم في مَجلسك يا بُغا ، وجلس نَجاح(١) في مجلسك يا وَصيف، إِذ قال
الواثق : والله لقد فكرت فيما دعوت الناس إليه من أَنَّ القرآن مخلوق، وسُرعة
إجابة من أجابنا ، وشدّة خلاف من خالفنا ، حتى حملنا من خالفنا على السّوط
والسيف والضرب الشديد والحبس الطويل ، ولا يردعه ذلك ولا يرده إلى قولنا ،
فوجدت من أجابنا رغب فيما في أيدينا ، فأَسرع إلى إجابتنا رغبة منه فيما
عندنا ، ووجدتُ من خالفنا منعه دينٌ وورع عن إجابتنا ، وصبر على ما يناله
من القتل والضرب والحَبس ، فوالله لقد دخل قلبي من ذلك أمرٌ شككتُ فيما
نحن فيه ، وفي محنة من نمتحنه ، وعذاب من تُعذبه في ذلك ، حتى هممتُ بترك
ذاك ، والكلام والخَوض فيه ، ولقد هممتُ أَن آمر بالنداءٍ في ذلك وأكف الناس
بعضهم عن بعض ، فَبدأُ ابن أَبِي دُؤاد ، فقال: اللّهَ اللهَ يا أمير المؤمنين! أَن
تُمِيتَ سُنَّة قد أحييتها ، وأن تُبطل دينًا قد أَقمته ، ولقد جهد الأَسلاف فما بلغوا
فيه ما بلغت ، فَجزاك الله عن الإِسلام والدين خير ما جزى وَليّا عن أوليائه . ثم
أطرقوا رؤوسهم ساعة يفكرون في ذلك ، إِذ بدأ ابن أبي دؤاد - وخاف أن
يكون من الواثق في ذلك أمر ينقضُ عليه قوله ، ويفسد عليه مذهبه - فقال :
والله يا أَمير المؤمنين ، إِن هذا القول الذي نحنُ عليه ندعو إليه الناس لهو الدين الذي
ارتضاه الله لأَنبيائه ورُسله، وبعثَ به نبيه محمدًا عَّ له، ولكن الناس عمُوا عن قبوله.
فقال الواثق : فإني أُريد أن تُباهلوني(٢) على ذلك ؛ فقال ابن أبي دؤاد : ضَربه
الله بالفالج في دار الدنيا قبل الآخرة ، إن لم يكن ما يقول أَميرُ المؤمنين حقًّا من أَن
(١) تحرفت في (ف) إلى: ((الحاج)).
(٢) يقال: باهلَ بعضهم بعضًا، أي تلاعنوا . ((اللسان؟ .
٦٤٧

القرآن مخلوق . وقال محمد بن عبد الملك الزيات : وهو ؛ فَسمر الله يَديه(١)
بمسامير من حَديد في دار الدنيا قبل الآخرة ، إِن لم يكن ما يقول أمير المؤمنين
حقًّا من أن القرآن مخلوق. فقال إسحاق بن إبراهيم: وهو ؛ فأَنتنَ الله ريحه في
دار الدنيا ، (٢قبل الآخرة٢) حتى يَهرب منه حميمٌ وقريب ، إن لم يكن ما يقول
أَمير المؤمنين حقًّا بأَن القرآن مخلوق . وقال نَجاح: وهو ؛ فَقتله الله في أَضيق
مَحبس إن لم يكن ما يقول أُمير المؤمنين حقًّا من أن القرآن مَخلوق .
ودخل عليهم إِيتاخ وهم في ذلك، فأخذوه على البديهة ، وسألوه عن ذلك .
فقال: وهو ؛ فغرقه الله في البحر إن لم يكن ما يقول أمير المؤمنين حقًّا من أَن
القرآن مخلوق . فقال الواثق : وهو ؛ فأُحرق الله بَدنه بالنار في دار الدنيا قبل
الآخرة ، إن لم يكن ما يقول أمير المؤمنين حقًّا من أَن القرآن مخلوق .
فَأَضحكُ أَنَّه لم يَدعُ أَحدٌ منهم يومئذ بدعوة على نفسه ، إِلا استجيبت . أما
ابن أبي دُؤاد : فقد رأَيتُ ما نزل به وما ضَربه الله به من الفالج .
وأَما ابنُ الزيات(٣): فأَنا أُقعدته في تنور من حديد ، وسَمرتُ يديه بمسامير
من حديد .
وأما إسحاق بن إبراهيم(٤) : فإِنه مرض مرضه الذي مات فيه ، فأقبل يَعرق
عرقًا مُنتنًا حتى هرب منه الحميم والقَريب ، وكان يُلقى عليه كل يوم عشرون
(١) في (ف): (( بدته )).
(٢ - ٢) ساقط من ( ط ) .
(٣) كان محمد بن عبد الملك الزيات وزيرًا للمعتصم والواثق والمتوكل ، ثم سجنه المتوكل وعذبه حتى مات ،
انظر ((العبر) ٤١٤/١، و(( تاريخ الطبري)) ٢٧/٦.
(٤) نائب بغداد وأميرها، وليها نحوًا من ثلاثين سنة، انظر ترجمته في ((الكامل في التاريخ)» ٣١٩/٧،
و (( سير أعلام النبلاء)) ١٧١/١١.
٦٤٨

غِلالة ، فتؤخذ منه وهي مثل الجيفة ، فيرمى بها في دجلة لا ينتفع بها تَتقطع من
شدة الثَّتن والعرق .
وأما نجاح(١): فأَنا بنيتُ عليه بيتًا ذراعًا في ذراعين حتى مات فيه .
وأَما إِيتاخ(٢): فأنا كتبت إلى إسحاق بن إبراهيم وقد رجع من الحج : كَبّلهُ
بالحديد وغَرّقه .
وأما الواثق : فإِنه كان يُحب النساءَ وَكَثرة الجماع، فوجَّه ذات يوم إِلى
ميخائيل الطبيب ، فدُعي له ، فدخل عليه وهو نائم في مَشْرقة (٣) وعليه قَطيفة
خَزّ ، فوقف بين يديه ، فقال : يا ميخائيل ، ابغني دواء للباه. فقال : يا أمير
المؤمنين ، بَدْنك فلا تَهدّه ، فإِن كثرة الجماع تهدّ البَدن ، ولا سيما إذا تكلّفَ
الرجل ذلك ، فاتقِ الله في بدنك ، وأَبق عليه (٤) ، فليس لك من بدنك ◌ِوض .
فقال له : "لابد منه، ثم رفع القَطيفة عنه ، فإِذا بين فَخذيه وَصيفة قدَ ضمها
إليه ، ذكر من جمالها وهيئتها أمرًا عجبًا ، فقال : من يَصبر عن مثل هذه ؟
قال : فإن كان ولابد فعليك بلحم السَّبع، فأمر أن يؤخذ لك منه رطل ، فيُغلى
سبع غَليات بخلِّ خمر عَتيق ؛ فإذا جلستَ على شربك أُمرت أَن يوزن لك منه
ثلاث دراهم ، فانتقلت به على شربك في ثلاث ليال ، فإنك تجد فيه بُغيتك ،
واتَّق الله في نفسك ولا تُسرف فيها ، ولا تجاوز ما أُمرتك به ، فَلَها عنه أَيامًا ،
(١) نجاح بن سَلمة ، كان على ديوان التوقيع والتتبع على العمال ، فكان جميع العمال يتقونه ، قتله المتوكل
سنة (٢٤٥ هـ )، انظر خبر ذلك في «تاريخ الطبري) ٥٧/٦ - ٦٠.
(٢) غلام خزري اشتراه المتوكل، فرفعه وضم إليه هو والواثق أعمالًا كثيرة فكان مقدم الجيوش والموكل
بالعقوبات ، ولما قوي وعظم خافه المتوكل فدبر له مكيدة واعتقله مع ابنيه حتى مات في سجنه سنة (٢٣٤)
انظر (تاريخ الطبري)) ٣٣/٦ - ٣٥، و(( العبر)) ٤١٦/١.
(٣) المشرِقة - مُثلثة الراء -: موضع القعود في الشمس بالشتاء. ((القاموس)).
(٤) في ( د) و (ف): ((عليك)).
٦٤٩

٠٠.
فبينا هو ذات ليلة جالس على شرابه ، إِذ ذكره ، فقال : علّ بلحم السَّبع
الساعة، فأُخرج له سبعٌ من الجُبِّ وذُبح من ساعته ، فأمر فكبب له منه ، ثم
أَمر فأغلي له منه بالخلّ ، ثم قدد له منه ، فأخذ ينتقل(١) به على شرابه، وأنت
عليه الأَيام والليالي فَسُفي بطنه ، فَجُمع له الأطباء، فأجمع رأيهم على أنه لا دواءَ
له إلا أن يُسجر له تنور بحطب الزيتون ويُشحن حتى يمتلى جَمَرًا ، فإِذا امتلأ
كُسح ما في جوفه ، فألقي على ظهره ، وحُشي جوفه بالرطبة ، ويقعد فيه ثلاث
ساعات من النهار ، فإِن استسقى ماء لم يُسق ، فإِذا مَضت ثلاث ساعات
كوامل ، أُخرج منها وأُجلس جلسة منتصبة على نحو ما أمروا به ، فإذا أصابه
الروح وجد لذلك وَجعًا شديدًا، وطلب أَن يُردَّ إِلى التنور ، فُيُترك على حاله
تلك ، ولا يرد إلى التنور حتى تمضي ساعتان من النهار، فإنه إذا مضت ساعتان
من النهار ، جرى ذلك الماء وخرج من مخارج البول ، وإِن سُفي ماء أو ردَّ إِلى
التنور ، كان تلفُه فيه . فأَمر بتنور ، فاتخذ له وسجر له بحطب الزيتون ، حتى
إذا امتلأ جَمَرًا أَخرج ما فيه ، وجُعل على ظهره ، ثم حُشِي بالرطبة ، وعُرّي
وأُجلس فيه ، وأقبل يصيح ويستغيث ، ويقول : أُحرقتموني ، اسقوني ماء ، وقد
وكل به من يمنعه الماءَ ولا يدعه أن يقوم من موضعه الذي قد أقعد فيه ، ولا
يتحرك ، فتنقَّط بدنه كلّه ، فصارت فيه نُفاخات مثل أكبر البطيخ وأعظمه ،
فترك على حالته حتى مضت له ثلاث ساعات من النهار ، ثم أخرج وقد كاد
يحترق ، أو يقول القائل في رأي العين : قد احترق ، فأجلسه المتطبيون ، فلما
وجد روح الهواء ، اشتدَّ به الوجع والألم ، وأقبل يصيح ويَخور خوار الثور ،
ويقول : رُدّوني إلى النور فإني إن لم أُردّ مِتُّ، فاجتمع نِساؤه وخواصه لما رأوا به
(١) النَّقل - بالفتح وقيل بالضم -: ما يعبث به الشارب على شرابه. ((اللسان)).
٦٥٠

من شدة الألم والوجع وكثرة الصياح فرجوا أن يكون فَرَجُه(١) في أَن يُرد إلى
التنور ، فردوه إلى التنور ثانية ، فلما وجد مَسّ النار سكن صياحه وتَفطَّت
النفاخات التي كانت خرجت ببدنه وخمدت ، وبرد في جوف التنور ، فأخرج
من التنور ، وقد احترق وصار أسود كالفحم ، فلم تمضٍ به ساعة حتى قَضى .
فَأَضْحَكُ(٢) أَنه لم يَدْعُ أُحدٌّ منهم على نفسه في تلك الساعة بدعاء إِلا
استجاب الله له في نفسه(٣) .
قلت : وقد رويت لنا هذه الحكاية على وجه آخر .
أخبرنا أبو منصور القزاز ، قال : أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت ، قال :
أخبرنا محمد بن علي بن يعقوب ، قال : أخبرنا محمد بن نُعيم الضَّبي ، قال :
سمعتُ أبا العباس السيّاري ، يقول : سمعتُ أَبا العباس بن سعيد المروزي ، قال :
لما جلس المتوكل دخَل عليه عَبد العزيز بن يحيى المكي ، فقال: يا أميرَ المؤمنين ،
مارُئي أَعجب من أَمر الواثق ! قَتل أَحمد بن نصر ، وكان لسانه يقرأ القرآن(٤) إِلى
أَن دُفن ، قال : فوجد المتوكل من كل ذلك وَساءَه ما سمعه في أخيه(٥) ، إِذ دخل
عليه محمد بن عبد الملك الزّات ، فقال له : يا ابنَ عبد الملك ، في قلبي من قَتل
أحمد بن نصر، فقال: يا أمير المؤمنين ، أحرقني الله بالنار إِنْ قتلَه أمير المؤمنين
الواثق إِلا كافرًا .
قال : ودخل عليه هَرْثَمة ، فقال : يا هَرْثَمة في نَفسي من قَتَل أَحمد بن
(١) في (ش): (( أن يكون له فرجة)).
(٢) في (ش): ((فأنا أضحك)).
(٣) أورد الذهبي هذه القصة باختصار في ((سير أعلام النبلاء)) ٢٩٣/١١ - ٢٩٥.
(٤) في (ط): (( ولما قتل أحمد بن نصر كان لسانه يقرأ القرآن)).
(٥) تحرفت في (هـ) إلى: (( أبيه)).
٦٥١

نَصر ، فقال : يا أمير المؤمنين، قَطعني الله إِرْبًا إِرْبًا، إِن قتلَه أمير المؤمنين الواثق
إلا كافرًا .
قال: ودَخل عليه أحمدُ بن أبي دُؤاد ، فقال : يا أَحمد ، في قلبي مِن قَتْل
أُحمد بن نصر ، فقال : يا أمير المؤمنين ، ضَربني الله بالفالج إِن قتلَه أمير المؤمنين
الواثق إلا كافرًا .
قال المتوكل: فأما الزّات فأَنا أَحرقتُه بالنار، وأَما هَرْئمة فإنه هَرب فأخذه قومٌ
من العرب ، فقالوا : هذا الذي قتل ابن عمكم ، فقطعوه إِزْبًا إِرْبًا .
وأَما ابنُ أَبِي دُؤاد، فقد سَجَنه الله في جلده(١) .
قلت : وقد كان أحمد ابن أبي دؤاد يَلي قضاء القُضاة للمعتصم ، ثم وليه
للواثق ، وحَملهما على امتحان الناس بخلق القرآن فضربه الفالج .
فأخبرنا أبو منصور القزاز ، قال : أخبرنا أبو بكر أحمد بن علي الخَطيب ،
قال : أخبرني محمد بن أحمد بن يعقوب ، قال : أخبرني محمد بن نُعيم الضبي ،
قال : سمعتُ أَبا الحسين بن أبي القاسم ، يقول : سمعتُ أَبي ، يقول : سمعتُ أَبا
الحسين بن الفَضل ، يقول : سمعتُ عبد العزيز بن يحيى المكي ، يقول :
دخلتُ على أَحمد بن أبي دُؤاد وهو مَفلوج، فقلتُ : إِني لم آتِك عائدًا . ولكن
جئتُ لأحمد الله على أنه سَجَنك في جِلدك(٢) .
أخبرنا أبو منصور القزاز ، قال : أخبرنا أبو بكر الخطيب ، قال : أخبرنا أبو
الحسين بن بِشْران ، قال : حدثنا عثمان بن أحمد الدقّاق ، قال : حدثنا إسحاق
ابن إبراهيم الخُتّلي ، قال : حدثني أبو يوسف يعقوب بن موسى بن الفَيْرُزان(٣)
(١) (تاريخ بغداد)) ١٧٨/٥.
(٢) (تاريخ بغداد)) ١٥٥/٤.
(٣) تحرفت في (ف) إلى: ((القيرواني)).
٦٥٢

ابن أخي معروف الكَرْخِي ، قال : رأيتُ في المنام كأني وحالي نمُّ على نهر
عيسى ؛ فبينا نَحن نمشي إِذا امرأة تقول : ما تَدري ما حدث الليلة ؟ أَهلكَ الله
ابن أبي دُؤاد . فقلتُ لها : وما كان سببُ هلاكه ؟ قالت: أَغضبَ الله ،
فغضب عليه من فَوق سبع سماوات(١) .
قال يعقوب : وأخبرني بعض أصحابنا ، قال : كنتُ عند سفيان بن وكيع ،
فقال : تَدرون ما رأَيتُ الليلة ؟ - وكانت الليلة التي رأوا فيها النار ببغداد
وغيرها - رأيتُ كأَن جهنم زَفرت فخرج منها اللّهب، أُو نحو هذا الكلام .
فقلتُ : ما هذا ؟ قال: أُعِدَّت لابن أَبِي دُؤَاد(٢) .
أخبرنا القزاز ، قال : أخبرنا الخَطيب ، قال : قرأتُ على محمد بن الحسين
القطان، عن دَعْلَج ، قال : أخبرنا أحمد بن علي الأَبار ، قال : حدثنا الحسن
ابن الصباح ، قال : سمعتُ خالد بن خِدَاش ، قال : رأيتُ في المنام قائلًا ،
يقول : مُسِخ ابنُ أبي دؤاد، ومُسخ شُعَيب ، وأَصاب ابنَ سماعةً فالجٌّ ، وأَصابَ
آخر الذَّبحة ولم يُسَمّ (٣) .
قلت : شُعيب هو ابن سَهل القاضي ، كان جَهميًّا .
وماتَ ابن أبي دؤاد منكوبًا أُخذ ماله، وفلج ، وهلك في سنة أربعين
ومئتين (٤) .
أخبرنا عبد الملك ، قال : أخبرنا عبد الله بن محمد ، قال : حدثنا محمد بن
(١) المصدر السابق : ١٥٦/٤.
(٢) نفس المصدر .
(٣) المصدر السابق : ١٥٤/٤.
(٤) انظر تفصيل ذلك في ((تاريخ بغداد)؛ ١٤١/٤ - ١٥٦، و((وفيات الأعيان ؛ ٨١/١ = ٩١،
و ((سير أعلام النبلاء)) ١٦٩/١١ - ١٧١.
٦٥٣

أحمد الجارودي ، قال : أخبرنا أبو الحسن أحمد بن جعفر بن أبي توبة ، قال :
حدثني أبو المثنى أحمد بن إبراهيم ، (١قال: حدثنا سَلَمة بن شَبيب ، قال :
حدثنا الوليد بن الوليد الدِّمشقي١)، قال: حدثنا ابن ثوبان، عن عِكْرِمة ، عن
ابن عباس، قال: قالَ رسول الله عَّه: ((مَن مَشى إِلى سُلطان الله عزَّ وجل
في الأرض ليذلّه أَذلّه الله وقَمعه قَبَلَ يوم القيامة مَع ما يدّخر له في الآخرة من
الخِزي والنَّكال))(٢). وسُلطان الله في الأرض كِتابه وسُنته.
أخبرنا عبد الملك ، قال : أخبرنا عبد الله بن محمد ، قال : أخبرنا علي بن
بشرى(٣)، قال: أخبرنا محمد بن إسحاق بن محمد بن مَنْدَة ، قال: أخبرنا علي
ابن عباس بن أبي عَياش المغربي ، قال : حدثنا محمد بن عبد الوهاب
العَسقلاني ، قال : حدثنا زكريا بن نافع ، قال : حدثنا عبد العزيز - يعني ابن
الحُصين - عن رَوح بن القاسم ، عن عَبد الله بن حنش ، عن عِكْرِمة ، عن
ابن عباس عن النبي عَِّ، قال: (( سُلطان الله في الأرض كِتاب الله وسُنَّة
نبيه)) .
أخبرنا عبد الملك ، قال : أخبرنا عبد الله بن محمد ، قال : أخبرنا أبو
يعقوب ، قال : أخبرنا جدي ، قال : حدثنا يعقوب بن إسحاق ، قال : حدثنا أبو
بكر محمد بن علي بن شعيب الطوسي ، قال : كتب خالد بن خداش إِلى أَبي في
اليوم الذي ضُرب فيه أحمد بن حنبل: وأخبرك أَن رجلًا بلغه ما صُنع بأحمد ،
فدخل المسجد ليُصلي شكرًا ، (٤فخسف به إلى صدره٤) ، فاستغاثَ الناسَ ،
ءَ
فأَغاثوه .
(١ - ١) ساقط من (ف ).
(٢) الوليد بن الوليد الدمشقي؛ قال الدارقطني: منكر الحديث ، وقال ابن حبان: لا يحتج به ، وقال نصر
المقدسي: تركوه . وشيخه فيه ابن ثوبان - واسمه عبد الرحمن بن ثابت - تغير بأخَرة ، فالخبر لا يصح .
(٣) تحرف في ( د) إلى: ((السري)).
(٤ - ٤) ساقط من ( ف ) .
٦٥٤

أخبرنا ابن ناصر ، قال : أخبرنا أبو الحسين بن عبد الجبار ، قال : أخبرنا
أَبو محمد الخَلّال ، قال : حدثنا أحمد بن إبراهيم بن شاذان ، قال : حدثنا محمد
ابن علي بن هارون المقرى ، قال : حدثنا إبراهيم بن جعفر بن جابر ، قال :
حدثنا أحمد بن منصور الرمادي ، قال : حدثنا خالد بن خِدَاش(١) : أَن رجلًا
فرح بضرب أحمد بن حنبل فخَسف الله به .
بلغني عن أبي بكر أحمد بن سُليمان النجّاد ، أنه قال : حدثني شيخ كنا
نتردد معه في طلب(٢) الحديث ، ونتأدب به ، قال : قصدتُ قبر أحمد بن حنبل
وحوله من القبور قبور يسيرة إِذ ذاك ، فجاءَ قوم ممن يرمي بالبندق ، فقال
بعضُهم لبعض: أيما هو قَبُرُ أَحمد بن حنبل ؟ قالوا له : ذاك ، فرماه بُندقة ،
وكنتُ أُعرفه ، فرأيته بعد ذلك وقد جَفَّت يده .
أنبأنا أبو بكر محمد بن عبد الباقي ، قال : أخبرنا هناد بن إبراهيم ، قال :
أخبرنا علي بن محمد ، قال : حدثنا عثمان بن أحمد ، قال : حدثنا حنبل بن
إسحاق ، قال : حدثني عمران بن موسى، قال: دخلتُ على أبي العروق الجلاد
الذي ضَرب أَحمد لأَنظر إليه ، فمكثَ خمسةً وأربعين يومًا ينبح كما يَنبح
الكلب .
(١) تحرف في (ف) إلى: ((خراش)).
(٢) ساقطة من ( هـ ) .
٦٥٥

أخبرنا عبد الرحمن ، قال : أخبرنا أحمد بن علي ، قال : أخبرنا الحسين بن
شجاع الصوفي(١)، قال: حدثنا عمر بن جعفر بن محمد بن سَلْم (٢) ، قال :
حدثنا أحمد بن علي الأَبّار ، قال : سمعتُ سفيان بن وكيع ، يقول : أحمد عندنا
محنة ، من عابَ أَحمد عندنا فهو فاسق(٣) .
أَخبرنا عبد الرحمن ، قال : أخبرنا أحمد بن علي ، قال : أخبرنا عبد العزيز
ابن أَبي(٤) الحسن القِرْمِيسيني، قال: حدثنا يوسف بن عمر بن مسرور
القَواس، قال : حدثنا أبو الحسن علي بن محمد المطيري(٥) ، قال: سمعتُ أَبا
الحسن الهمذاني ، يقول : أحمدُ بن حنبل مِحنة ، به يُعرف المسلم من
الزنديق(٦) .
أنبأنا محمد بن أبي منصور ، قال : أخبرنا المبارك بن عبد الجبار ، قال :
حدثنا عُبيد الله بن عمر بن شاهين ، قال : حدثني أبي ، قال : حدثني محمد
ابن إبراهيم الحربي ، قال : قال محمد بن علي بن شعيب : سمعتُ مَردويه
الصائغ ، يقول : إِذا جاءَني من لا أَعرفه من أصحاب الحديث ، أَجريتُ ذكر
أحمد بن حنبل ، فإن رأيته يُسارع فيه، أَمنته، وإن رأيته يَسكت أنَّهمته(٧).
أخبرنا عبد الرحمن بن محمد ، قال : أخبرنا أحمد بن علي ، قال : حدثني
الحسن بن أبي طالب ، قال : حدثنا أحمد بن إبراهيم بن شاذان ، قال : حدثنا
(١) ساقطة من ( ط ) .
(٢) تحرف في (د) إلى: ((سلمة))، وفي (ف) إلى: ((سليم)).
(٣) ((تاريخ بغداد)! ٤٢٠/٤ .
(٤) ساقطة من ( ف ) .
(٥) تحرف في ( د) و (ف) إلى: ((الطبري)).
(٦) المصدر السابق .
(٧) في (ف): ((أبهمته)).
٦٥٨

محمد بن علي المقرئ ، قال : أَنشدنا أُبو جعفر محمد بن بَدينا الموصلي ، قال :
أَنشدني ابنُ أَعين في أحمد بن حنبل :
أَضْحی ابنُ حَنبل مِحنةً مَأمونةً وبِحُبِّ أَحمَدَ يُعرف المُتَنسِّكُ
وإذا رأَيتَ لِأَحمدٍ مُتَنقصًا فاعلَم بأَنَّ سُتورَهَ سَتُهتَّكُ(١)
أَخبرنا إسماعيل بن أَحمد، قال: أخبرنا حَمْد بن أحمد ، (٢قال: حدثنا
أَحمد بن٢) عبد الله الحافظ ، قال : حدثنا الحسين بن محمد ، قال : حدثنا عمر
ابن الحسن القاضي ، قال : حدثنا أبو جعفر أحمد بن القاسم المقرئ ، قال : سمعتُ
الحُسين الكرابيسي ، يقول : مثل الذين يذكرون أحمد بن حنبل ، مثل قَوم يجيئون
إِلى أَبِي قُبَيس(٣) يُريدون أن يهدموه بنعالهم(٤) .
(١) البيتان في ((تاريخ بغداد)) ٤٢٠/٤ - ٤٢١.
(٢ - ٢) ساقط من ( هـ ) .
(٣) اسم الجبل المشرف على مكة. ((معجم البلدان )× ٨٠/١ .
(٤) ((حلية الأولياء)) ١٧٢/٩.
٦٥٩

الباب الثامِن والتسعُون
في سبب اختيارنا لمذهبه على مَذهب غيره
اعلم وفقك الله ؛ أنه إنما يتبين(١) الصواب في الأُمور المشتبهة لمن أُعرض عن
الهوى ، والتفتَ عن العصبية ، وقَصد الحقَّ بطريقه ، ولم ينظر في أسماءِ الرجال ولا
في صيتهم ، فذلك الذي ينجلي له غامض المشتبه ، فأما من مالَ به الهوى ،
فعسیرٌ تقويمه .
واعلم: أَنَا نَظرنا في أَدلة الشرع وأُصول الفِقه وسَبرنا أَحوال الأعلام
المجتهدين ، فرأينا هذا الرجل أوفرهم حظًا من تلك العلوم ، فإنه كان من الحافظين
لكتاب الله عز وجل .
قال أبو بكر بن حمدان القَطيعي : قرأتُ على عبد الله بن أحمد بن حنبل ،
قال : لَقَّني أَبي (٢أحمدُ بن حنبل٢) القُرآن كلّه باختياره . وقرأْ أحمد بن حنبل
على يَحيى بن آدم، وعُبيد(٣) بن الصباح ، وإسماعيل بن جعفر وغيرهم
بإسنادهم، وكان أحمد لا يُميل(٤) شيئًا في القرآن، ويروي الحديث: ((أُنْزِلَ
(١) في (د) و (ط ) و (فى): (( يبين)).
(٢ - ٢) ساقط من (ف ) .
(٣) في (د) و (ف): ((عبيد الله))، وهو خطأ.
(٤) الإمالة: تقريب الألف نحو الياء، والفتحة التي قبلها نحو الكسرة. ((الكشف عن وجوه القراءات
السبع)) ١٦٨/١. والإمالة قسمان: كبرى وصُغرى، والذين يميلون من القراء السبعة إمالة كبرى: حمزة
والكسائي الكوفيان ، وأبو عمرو البصري ، وليست الإمالة دائمة لهم .
والذي يميل إمالة صُغرى : ورش عن نافع المدني .
=
٦٦٠

مُفَخَّمًا فَفَخّموه (١) )). وكان لا يُدغم شيئًا في القرآن إلا: ( اتّخذتم )(٢) وبابه ،
كأَبي بكر (٣)، ويمدُّ مَدًّا متوسطًا .
وكان رضي الله عنه من المصنّفين في فنون علوم القُرآن من التَّفسير والناسخ
والمنسوخ والمقدَّم والمؤخّر إلى غير ذلك ، مما أشرنا إليه في باب ذكر تصانيفه(٤).
وأَما النَّقل : فقد سلم الكل له انفراده(٥) فيه ، بما لم ينفرد به سواه من الأئمة
من كثرةٍ محفوظه منه ، ومَعرفة صَحيحه من سَقيمه وفنون علومه ، وقد ثَبت أَنه
ليس في الأئمة الأعلام قبله من له حظ في الحَديث كحظ مالك . ومن أراد
معرفة مقام أحمد في ذلك من مقام مالك ، فلينظر فَرق ما بين (( المسند ))
و (( الموطأ)).
وقد كان أحمد رضي الله عنه يذكر الجرح والتعديل والعِلل من حفظه إذا سُئل
= أما ابن كثير المكي، وابن عامر الشامي، وعاصم ، فليس من مذهبهم الإمالة وكان الإمام
أحمد - رضي الله عنه - يحب قراءة أهل المدينة وعاصم .
. (١) أخرجه ابن الأنباري في ((الوقف والابتداء))، والحاكم في (المستدرك)) ٢٣١/٢، من طريق بكار بن
عبد الله، عن محمد بن عبد العزيز العوفي ، عن أبي الزناد ، عن خارجة ، عن زيد بن ثابت ، قال : قال
رسول الله عَ ◌ّة: ((أُنزل القرآن بالتفخيم)). وقال الحاكم: صحيح. وتعقبه الإمام الذهبي، فقال: لا
والله ، والعوفي مجمع على ضعفه ، وبكار ليس بعمدة ، والحديث واهٍ مُنكر .
(٢) والإدغام فيه أقوى من غيره لأنه من باب ما هو في كلمة واحدة ، لأن الحرفين لا ينفصل أحدهما عن
الآخر - وهما الذال والتاء - ومن ذلك ( اتخذتم ) فقد أظهره ابن كثير وحفص ، وأدغم الباقون ، وعليه
أكثر القراء. ((الكشف عن وجوه القراءات السبع)) ١٥٩/١ - ١٦٠.
(٣) أبو بكر بن عياش بن سالم الأسدي المقرئ المحدث ، قرأ القرآن وجوّده ثلاث مرات على عاصم بن أبي
النجود، تلا عليه أبو الحسن الكسائي ويحيى بن آدم، توفي سنة (١٩٣) هـ. انظر ترجمته في: (( حلية
الأولياء)) ٣٠٣/٧، و((معرفة القراء الكبار)) ١٣٤/١.
(٤) انظر الصفحة (٢٦١) .
(٥) في ( د) و (ف): ((بانفراده)).
٦٦١

كما يقرأ الفاتحة، ومن نَظر في كتاب ((العِلل)) لأبي بكر الخَلّال عرف ذلك ،
ولم يكن هذا لأحد منهم ، كذلك انفراده في علم النقل بفتاوى الصحابة
وفَضائلهم وإجماعهم واختلافهم لا ينازع في ذلك .
وأما علم العربية ، فقد قال أحمد : كتبتُ من العربية أكثر مما كَتب أَبو عمرو
الشَّيباني(١).
وأما القياس : فله من الاستنباط ما يَطول شرحه ، وقد أشرنا إلى بعض ذلك
في باب قُوة فهمه(٢) .
ثم إِنه ضمَّ إِلى العلوم ما عجز عنه القوم من الزهد في الدنيا ، وقوة الورَع ، ولم
يُنقل عن أَحد من الأئمة أنه امتنع من أَرفاق(٣) السلطان وهدايا الإِخوان
كامتناعه ، ولولا خدش وجوه فضائلهم رضي الله عنهم ، لذكرنا عنهم ما قبلوه
وترخصوا باخذه .
وقد سَبق في كتابنا هذا من زُهده في المباحات ما يكفي ويشفي ثم إنه ضمَّ
إلى ذلك الصبر على الامتحان وبذل المهجة في نُصرة الحق ، ولم يكن ذلك لغيره .
وقد أخبرنا المحمدان : ابن ناصر ، وابن عبد الباقي ، قالا : أخبرنا حَمْد بن
أَحمد، قال: حدثنا أبو نُعَيْم الحافظ ، قال : حدثنا محمد بن عبد الرحمن بن
سهل ، قال : أخبرني محمد بن يحيى بن آدم الجوهري ، قال : حدثنا محمد بن
(١) واسمه إسحاق بن مِرار، وهو ليس من شيبان بل أدّب أولادًا منهم فنسب إليهم ، كان واسع العلم باللغة
والشعر وكلام العرب، وصنف كتاب ((الجيم))، و((النوادر))، و((غريب المصنف)) وغير ذلك. توفي
سنة (٢٠٦) هـ. انظر ترجمته في ((بغية الوعاة)) ٤٣٩/١.
(٢) انظر الصفحة (٧٧) .
(٣) الرِّفق: ما استعين به ، يقال: رفق فلان فلانًا، أي: نَفعه. وقد وردت في (د): (( أرزاق)) وفي
(فى): ((أوقاف)).
٦٦٢

عبد الله بن عبد الحكم ، قال : سمعت الشافعي ، يقول : قال لي مُحمد بن
الحسن : صاحبنا أَعلمُ أَم صاحبكم ؟ قلت : تُريد المكابرةَ أَو الإِنصاف ؟
قال : بل الإِنصاف ، قال : قلتُ : فما الحُجة عندكم ؟ قال : الكِتاب والإِجماع
والسنَّة والقياس، قال: قلتُ : أُنشدك الله ! أُصاحبنا أعلم بكتاب الله أُم
صاحبُكم ؟ قال : إِذ أُنشدتني بالله فصاحبكم . قلت : فصاحبنا أعلم بسنة
رسول الله أُم صاحبكم ؟ قال : صاحبكم . قلت : فصاحبنا أَعلم بأَقاويل
أصحاب رسول الله أُم صاحبكم ؟ قال : صاحبكم . قلت : فَبقي شيء غير
القياس ؟ قال : لا . قلت : فنحن تدّعي القياس أكثر مما تدعونه ، وإنما يقاس
على الأُصول فيعرف القياس . قال : ويُريد بصاحبه مالك بن أنس(١).
قلت : فَقد كفانا الشافعي رضي الله عنه بهذه الحكاية المناظرة لأصحاب أَبي
حَنيفة ، وقد عُرف فضل صاحبنا على مالك ، فإِنه حصَّل ما حصَّله مالك وزاد
عليه كثيرًا، وقد ذكرنا شاهد هذا (٢) باعتبار ((المسند)) و ((الموطأ)). وقد كان
الشافعي رضي الله عنه عالمًا بفنون العلم إلا أنه سلم لأحمد علم النَّقل الذي عليه
مدار الفِقه .
فأخبرنا عبد الملك بن أبي القاسم الكَرُوخي ، قال : أخبرنا عبد الله بن محمد
الأنصاري ، قال : أخبرنا محمد بن أحمد الجارودي ، قال : قال القَطِيعي :
سمعتُ عبد الله بن أحمد بن حنبل ، يقول : سمعت أبي يقول : سمعتُ الشافعي
يقول : أنتم أعلم بالحديث مِنّ ؛ فإِذا صحَّ الحديث فقولوا لنا حتى نَذهب
إليه(٣) ..
(١) الخبر في ((مناقب الشافعي)) للبيهقي ١٨٣/١ - ١٨٤.
(٢) ساقطة من ( ط ) .
(٣) ((مناقب الشافعي)) ١٥٤/٢.
٦٦٣