Indexed OCR Text

Pages 581-600

القبر(١) .
أخبرنا محمد بن أبي منصور ، قال : أخبرنا أبو الحسين بن عبد الجبار قال :
أخبرنا محمد بن عبد الواحد الحريري، قال: أخبرنا أبو عُمر بن حَيّويه ، قال :
أخبرنا أبو مُزاحم الخاقاني ، قال : حدثني أبو يحيى بن أبي علي عمّ ، قال :
سمعتُ أُبي يقول : حدثني أُخي عُبيد الله بن يحيى أبو الحسن ، قال : سَمعتُ
المتوكل يقول لمحمد بن عبد الله: طوبى لكَ يا مُحمد، صَلَّتَ على أَحمد بن
حنبل) .
(١) ((سيرة الإمام أحمد)): ١٣٨، و((سير أعلام النبلاء)) ٣٣٨/١١ - ٣٣٩.
(٥ - ٥) ما بين العلامتين ساقط من (ف).
٥٥٦

الباب الثالث والثمانون
في ذكر كَثرة (١) الجَمِع الذين صِلّوا عليه
(٢أخبرنا عبد الملك بن أبي القاسم الكَرُوخي، قال: أخبرنا عبد الله بن
محمد الأنصاري ، قال : أخبرنا محمد بن أحمد الجارودي - أو محمد بن محمد
عنه - قال : حدثنا محمد بن جعفر بن مَطر، قال: حدثنا الهيثم بن خَلَف ،
قال: دفّا أحمدَ بن حنبل يوم الجُمعة بعد العَصر سنة إحدى وأربعين، وما رأيتُ
جَمعًا قط أكثر من ذلك٢) .
أخبرنا محمد بن أبي منصور ، قال : أخبرنا عبد القادر بن محمد ، قال :
أنبأنا إبراهيم بن عمر (٣) ، قال: أنبأنا عبد العزيز بن جعفر ، قال: حدثنا أحمد
ابن محمد الخَلّال ، قال : سمعتُ ابن أبي صالح القَنْطري ، يقول : شهدتُ
الموسم أَربعينَ عامًا . ما رأيتُ جَمعًا قط مثل هذا .
قال الخلّال: وسمعتُ عبد الوهاب الورَّاق، يقول: ما بَلَغنا أن جمعًا كان في
الجاهلية والإسلام مثله ، حتى بَلَغنا أَن الموضع مُسِح(٤) وحُزِر على التصحيح،
فإذا هو نحو من ألف ألفٍ ، وحزَرنا على السور نحوًا من ستين ألف امرأة . وفَتَح
الناس أبوابَ المنازل في الشوارع والدروب، يُنادون من أرادَ الوضوء ، وكثُر ما
(١) ساقطة من ( د) و (ش) و (هـ ).
(٢ - ٢) ساقط من ( ف) .
(٣) في (هـ ): (( بن عمر البرمكي)).
(٤) تحرفت في (ف) إلى: (( نُسخ)).
٥٥٧

اشترى الناس من الماءِ فَسقوه (١).
أخبرنا عبد الرحمن بن محمد القزاز ، قال : أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت ،
قال : أخبرنا الحسن بن أبي بكر ، قال : ذكر عبد الله بن إسحاق البغوي ، عن
بُنَان بن أحمد القَصْبَاني، أَخبرهم : أَنه حضر جنازة أحمد بن حنبل مع من
حضر . قال : فكانت الصفوف من الميدان إِلى قَنطرة باب القَطيعة ، وحُزِر من
حَضرها من الرجال ثمان مئة ألف . ومن النساءِ ستون ألف امرأةٌ(٢).
أخبرنا عبد الملك ، قال : أخبرنا عبد الله بن محمد ، قال : أخبرنا أبو
يعقوب ، قال : أخبرنا جدي ، قال : أخبرنا أحمد بن محمد بن ياسين ، قال :
سمعتُ موسى بن هارون ، يقول: يقال: إِن أحمد بن حنبل لما ماتَ مُسِحَت(٣)
الأمكنة المبسوطة التي وقف الناس عليها للصلاة عليه ، فحُزِر مقادير الناس
بالمساحة على التقدير ستّ مئة ألف وأكثر، سوى ما كان في الأطراف والحوالي
والسطوح والمواضع المتفرقة ، أكثر من ألف ألف (٤).
أخبرنا أبو منصور القزاز ؛ قال : أخبرنا أبو بكر أحمد بن علي ، قال :
أخبرنا محمد بن عيسى بن عبد العزيز ، وعلي بن أبي علي ، قالا : أخبرنا أبو بكر
محمد بن عُبيد الله بن الشِّخِّير ، قال : حدثنا أبو بكر محمد بن أحمد بن
النَّحاس ، قال : سمعتُ عبد الوهاب الورّاق ، يقول: ما بلغنا أَنه كان
للمسلمين جمع أكثر منهم على جنازة أحمد بن حنبل إِلا جنازة كانت(٥) في بني
إسرائيل(٦)
(١) ((سير أعلام النبلاء)) ٣٣٩/١١.
(٢) ((سير أعلام النبلاء)) ٣٣٩/١١ و((تاريخ بغداد)) ٤٢٢/٤.
(٣) تحرفت في (ف) إلى: ((شحنت ).
(٤) المصدر السابق .
(٥) ساقطة من ( ط ) و (هـ ) .
(٦) ((تاريخ بغداد)) ٤٢٢/٤.
٥٥٨

أخبرنا إسماعيل بن أحمد، ومحمد بن عبد الباقي(١)، قالا: أخبرنا حَمْد بن
أَحمد ، قال : أخبرنا أبو نُعَيْم الحافظ ، قال : سمعت ظَفر بن أحمد ، يقول :
حدثنا أبو سَهل بشر بن أحمد الإِسْفَرَابِيني، قال: سمعت محمد بن خُشْنَام بن
سَعد، يقول: أَخبرني الفَتح بن الحجاج - أو غيره - قال: بَعث أمير المؤمنين
عشرين حازِرًا ليحزروا كَمْ صَلى على أحمد بن حنبل ، فحَزروا ألف ألف وثلاث
مئة ألف سوى من كان في السفن(٢).
أخبرنا ابن ناصر ، قال : أخبرنا عبد القادر بن محمد ، قال : أخبرنا
البَرْمَكي، قال : أخبرنا ابن مَرْدَك ، قال : حدثنا ابن أبي حاتم ، قال : سمعتُ
أَبا زُرْعَة يقول: بَلغني أَن المتوكل أمر أَن يُمْسَح الموضعُ الذي وقف عليه
الناس ، حيث صُّلِّي على أحمد بن حنبل ، فبلغ مقام(٣) ألفي ألف وخمس مئة
أَلف(٤) .
أَنبأَنا يحيى بن أبي علي بن البنا ، قال : أنبأنا محمد بن الحسين بن خَلف ،
قال: أخبرنا أبو الحسن علي بن محمد الحِنّائي(٥) ، قال: أخبرنا أبو محمد
الطَّرَسُوسي ، قال : حدثنا أبو العباس البُرْدَعي ، قال : حدثني أحمد بن الحسن
المَقَانِعِي ، قال: قال(٦) أَبي: كنتُ ببغداد وأَنا في بُستان لصديق لي - وأنا
وَحدي - فإِذا بشَيخ وشاب وعَليهما طِمْران من شَعر ، فسلَّمت عليهما ، وقلتُ
لهما : أراكما من غَير هذا البلد ! قالا : نعم ، نحن من جبل الّكام حضرنا جنازة
(١) في ( ط ): ((بن أبي القاسم)).
(٢) في ((حلية الأولياء)) ١٨٠/٩: سوى من كان في السفر .
(٣) في (ط): (( مُصلى)).
(٤) الخبر في ((الجرح والتعديل)) ٣١٢/١.
(٥) تحرف في ( ف) إلى : ((الحساني)).
(٦) ساقطة من ( ط ) .
٥٥٩

أخبرنا محمد بن أبي منصور ، قال : أخبرنا عبد القادر بن محمد ، قال :
أَنبَأَنا إبراهيم بن عمر ، قال : أنبأنا عبد العزيز بن جعفر ، قال : حدثنا أحمد بن
محمد الخلال ، قال : سمعتُ عبد الوهاب الورّاق، يقول : أَظهرَ الناس في جنازة
أحمد بن حنبل السنَّة والطَّعنَ على أهل البدع ، فَسَرَّ الله المسلمين بذلك على ما
عِندهم من المصيبة ، لما رأوا من العز وعُلوّ الإِسلام، وَكَبَتَ(١) الله أَهلَ البدع
والزَّيغ والضَّلالة ، ولزم بعض الناس القَبر وباتوا عنده(٢) ، وجعل النساء يأتين،
فأَرسل السلطان أصحاب المَسالح(٣) فلزموا ذلك الموضع حتى منعوهم مخافة
الفتنة .
قال الخلال : وحدثني أبو بكر المُوذي ، قال : سمعتُ علي بن مَهروبه ،
يقول: سمعتُ خالتي(٤) - وهي امرأة حارث المُحَاسِبِي - قالت: ما صلّوا
ببغداد في مَسجد العصر يومَ مات أحمد بن حنبل إِلا في مَسجد حارث .
(١) في (ف): ((كبَّ)).
(٢) ليس من السنة ملازمة القبر، ولا أن يُبات عنده، ولا أن تزوره النساء، فسُنة رسول الله عَة زيارة
القبور والسلام على أهلها والانصراف ، ولعل القصد أن المكان الذي دفن فيه أحمد - رحمه الله - لا يخلو
من أحد بعد دفنه مباشرة ، حيث يصلي عليه من لم يصل عليه سابقًا ، أو أن من لازم القبر هم من العامة
وليسوا فقهاء في الدين ، وقد يكون في هذا كما في الباب الذي بعده شيء من المبالغة .
(٣) يراد بهم جنود السلطان، قال ابن الأثير في ((النهاية ) ٣٨٨/٢: ((المسْلَحة: القوم الذين يحفظون
الثغور من العدو، وسموا مَسْلَحة لأنهم يكونون ذوي سلاح، أو لأنهم يسكنون المسلّحة ، وهي كالثغر
والمرقَب يكون فيه أقوام يرقبون العدو لئلّا يطرقهم على غَفلة، وجمع المسلّح: مَسالح )».
(٤) في (هـ ): ((سمعت خالتي ميمونة تقول: سمعت خالتي .... )).
٥٦٢

الباب الخامس والثمانون
في ذكر ازدحام الناس على قَبره بعد دفنه
أنبأنا أحمد بن الحسن بن البّا، قال : أخبرني أبي ، قال: حدث أبو الحسن
التميمي ، عن أبيه ، عن جده ، أنه حضر جنازة أحمد بن حنبل ، قال : فمكثتُ
طول الأسبوع رجاءَ أَن أَصِل إلى قَبِ فلم أَصل من ازدحام الناس عليه(١) ، فلما
كان بعد أسبوع وصلتُ إلى القَبر(٢) .
(١) ساقطة من (هـ ) .
(٢) (( المنهج الأحمد) ٤٤/١ .
٥٦٣

الباب السّادِس والثمانون
في ذكر ما خلَّف من التّركة(١)
أخبرنا محمد بن أبي منصور ، قال : أخبرنا عبد القادر بن محمد ، قال :
أنبأنا إبراهيم بن عمر ، قال : أنبأنا عبد العزيز بن جعفر ، قال : أخبرنا أحمد بن
محمد الخَلّال ، قال : أَخبرني محمد بن أبي هارون ، أَن إسحاق حدَّثهم ،
قال : ماتَ أَحمد بن حنبل(٢) رحمه الله وما خلَّف إِلا ستّ قِطع ، أَو سَبع قطع
كانت في خِرقته، خرقة كان يَمسح بها وَجهه قَدر دانقين .
(١) تصحفت في (هـ) إلى: ((البركة)).
(٢) في (ف) و (هـ): ((مات أبو عبد الله)).
٥٦٤

الباب السابع والثمانون
في ذكر تأثير موته عند جَميع الناس
أخبرنا أبو منصور عبد الرحمن بن مُحمد القزاز ، قال : أخبرنا أبو بكر أحمد
ابن علي بن ثابت الخطيب .
وأخبرنا محمد بن ناصر ، قال : أخبرنا عبد القادر بن محمد بن يوسف ،
قالا(١) : أخبرنا إبراهيم بن عمر البَرْمَكي .
وأخبرنا عبد الله بن علي المقرئ ، قال : أخبرنا عبد الملك بن أحمد
السُّيُورِي ، قال : أخبرنا عبد العزيز بن علي بن أحمد بن الفضل ، قالا : أخبرنا
علي بن عبد العزيز بن مَرْدَك .
وأخبرنا إسماعيل بن أحمد ومحمد بن عبد الباقي ، قالا: أخبرنا حَمْد (٢) بن
أَحمد ، قال: أخبرنا أحمد بن عبد الله الحافظ أبو نُعَيْم، قال: سمعتُ ظفر بن
أحمد يقول : حدثني الحسين بن علي ، قال: حدثني أحمد الورّاق، قال :
حدثنا أبو محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي ، قال : حدثني أبي ، قال :
حدثني أبو بكر محمد بن عياش ، قال : سمعتُ الوَرْكاني - جار أَحمد بن
حنبل - يقول: يومَ مات أحمد بن حنبل وقَع المأتم والنَّوح في أربعة أصناف من
الناس : المسلمين ، واليهود، والنَّصارى، والمجوس، وأَسلم يومَ مات عشرون ألفًا
من اليهود والنَّصارى والمجوس . وفي رواية أبي نُعَيْم عَشرة آلاف(٣) .
(١) في (ط): ((قال)).
(٢) في (هـ): ((أحمد بن أحمد)) وهو تحريف.
(٣) الخبر في (الجرح والتعديل)) ٣١٣/١، و((تاريخ بغداد)) ٤٢٣/٤، و((حلية الأولياء)) ١٨٠/٩،=
٥٦٥

أخبرنا محمد بن أبي منصور ، قال : أخبرنا عبد القادر بن محمد ، قال :
أنبأنا إِبراهيم بن عمر ، قال : أنبأنا عبد العزيز بن جعفر ، قال : أخبرنا أحمد بن
محمد الخلال ، قال : حدثنا محمد بن حمدان القاضي ، قال : سمعتُ هارون بن
عبد الله ، يقول : سَمعتُ علي بن حُريث ، يقول : ما مِن أَهلِ بيتٍ لم يَدخل
عليهم الحُزن(١) يومَ موت أحمد بن حنبل إِلا (٢) بَيت سوء.
= و (( سير أعلام النبلاء)) ٣٤٣/١١، وقد علق الإمام الذهبي على ذلك بقوله: ((وهي حكاية منكرة لا
أعلم رواها أحد إلا هذا الوركاني، ولا عنه إلا محمد بن العباس ، تفرد بها ابن أبي حاتم ، والعقل يحيل أن يقع
مثل هذا الحادث في بغداد ولا ينقله جماعة تنعقد هممهم ودواعيهم على نقل ما هو دون ذلك بكثير ، وكيف
يقع مثل هذا الأمر الكبير ولا يذكره المروذي ، ولا صالح بن أحمد، ولا عبد الله بن أحمد ، ولا حنبل
الذين حكوا من أخبار أبي عبد الله جزئيات كثيرة لا حاجة إلى ذكرها ، فوالله لو أسلم يوم موته عشرة
أنفس لكان عظيمًا ، ولكان ينبغي أن يرويه نحو من عشرة أنفس ... والوركاني مات سنة ثمان وعشرين ومئتين
فكيف يحكي يوم جنازة أحمد رحمه الله)) انظر مقدمة ((المسند)) بتحقيق أحمد شاكر ١٣٠/١ - ١٣١.
(١) ساقطة من ( ف ) و ( هـ ) .
(٢) في (ف) و (هـ ): ((يوم مات إلا بيت سوء)).
٥٦٦

الباب الثانيِن وَالثمانون
في ذکر تأثیر موته عند الجن
أخبرنا عبد الملك بن أبي القاسم الكَرُوخِي ، قال : أخبرنا عبد الله بن محمد
الأنصاري ، قال : أخبرنا إسحاق بن إبراهيم الحافظ ، قال : أخبرنا محمد بن
عبد الله اللَّل ، قال : حدثنا محمد بن إبراهيم بن عَبد الله المكّي ، قال : حدثنا
عبد الله بن إبراهيم الأَزْدي ، قال : حدثنا أبو بَكر المُوذي قال : قال رَجُلٌ
بطَرَسوس: أَنا مِنَ اليمن ، وكانَت لي بنتٌ مُصابة، فجئتُ بالعزّامين فَعزموا (١)
عليها ، فَفَارقها الجنّي على أَن لا يعاود ، فَعاود بعد سنة ، فقلتُ : أَليسَ قد
فارقتَ على أن لا تُعاود ؟ قال : بلى ، ولكن ماتَ اليوم رجل بالعراق يقال له :
أَحمد بْن حنبل ، فذهَبت الجن كلّها تُصلي عليه إلا المَرَدة وأنا مِنهم ، ولست
أعود بَعد يومي هذا، فما عاد . وقَد رُويت لنا هذه الحكاية على وَجه آخر .
. أَخبرنا محمد بن أبي منصور ، قال : أخبرنا عبد القادر بن محمد ، قال :
أنبأَنَا إِبراهيم (٢ بن عمر٢) قال : أنبأنا عبد العزيز بن جعفر ، قال : أخبرنا أحمد
ابن محمد الخلّال، قال : حدثنا محمد بن الحسين ، قال : حدثنا أبو بكر
المُوذي ، قال : حدثني أبو مُحمد اليماني بطَرسوس ، قال : كنتُ باليمن ، فقال
لي رجل : إِن ابنَتي قد عرضَ لها عارض ، فمضيتُ معه إِلى عَزّام عِندنا باليمن
(١) يقال: عزم الراقي، أي: قرأ العزائم وهي الرُّقى، أو هي آيات من القرآن تُقرأ على ذوي الآفات رجاء
البرء. ((القاموس)).
(٢ - ٢) ساقط من ( ط ) .
٥٦٧

فَعزم عليها ، فأُخذ على الذي عَزَم عليه(١) أَن لا يعرِضَ لها ، فمكثَ نحوًا من
ستة أشهر ، ثم جاءني أبوها فقال : قد عادَ إِليها ، قال : قلتُ : فاذهب إِلى
العَزّام ، فذهب إليه فَعزم عليه فكلَّمه الجِنّي ، فقال: وَيَلك! أليس قد أَخذتُ
عليك أن لا تقربها ؟ قال : فقال : إِنه وردَ علينا موتُ أحمد بن حنبل ، فلم يبقَ
أُحد من صالحي الجِن إِلا حَضرهِ ، إِلا المَرَّدَة فإِنِي تَخلَّفتُ معهم .
أخبرنا محمد بن أبي منصور ، قال : أخبرنا عبد القادر بن محمد ، قال :
أخبرنا إبراهيم بن عمر ، قال : أَنبأنا عبد العزيز بن جعفر ، قال : أخبرنا أحمد
ابن محمد الخَلّال، قال : حدثني أَحمد بن محمد بن محمود ، قال : كنتُ في
البحر مُقبلاً من ناحية السِّند، فقمتُ في الليل فإِذا هاتفٌ من ناحية البحر
يقول : ماتَ العبدُ الصالح أَحمد بن حنبل ، فقلتُ لبعض من كان معنا : مَن
هذا ؟ فقال : هذا من صالِحي الجِنّ ، وماتَ أَحمد تلك الليلة . وبَلغني عن أبي
زُرْعة ، أنه قال : كان يُقال عندنا بخُراسان ، إِنَّ الجنَّ نَعت أحمد بن حنبل قبل
مَوته بأربعين صباحًا(٢) ، وبَلغني عن صالح بن أحمد بن حنبل، قال : كانَ أَهلنا
يذكرون أنهم كانوا يَسمعون رثَّة لا تُشبه رئَّة الإِنس من دارٍ أَبي عبد الله إِذا هدأت
العُيون بعدَ وفاته بأربعينَ صباحًا .
(١) في (فى) و (هـ): ((عليها)).
(٢) في هذه الرواية نظر، إذ أن الجن لا يعلمون الغيب، والآجال بيد الله سبحانه وتعالى، ولا يعرف نهايتها
إلا من أطلعه الله على ذلك ، ولم يثبت أن الجن ممن أُطلعوا على ذلك ، فيتنبه لمثل هذه الحكايات التي لا
تستند إلى دليل ، ولا يقبلها عقل .
٥٦٨

الباب التاسع والثمانون
في ذکر التعازي به
قد ذكر أولاد أحمد رضي الله عنه : أَن خلقًا كثيرًا عزّوهم عنه ، وأَن جماعةً
من الصالحين لم يُعرفوا جاءوا للتعزية ، فلم أطل بذكر ذلك ، وإِنما ذكرتُ نبذة
من مشهور ذلك .
أخبرنا ابن أبي منصور قال : أخبرنا عبد القادر بن محمد ، قال : أخبرنا
إبراهيم بن عمر ، قال : أخبرنا علي بن عبد العزيز ، قال : حدثنا عبد الرحمن بن
ء
أبي حاتم ، قال : حدثنا صالح بن أحمد ، قال : جاءَ كِتاب المتوكل بعد أيام من
موت أبي إِلى مُحمد بن عبد الله بن طاهر يأمره بتعزيتنا ، ويأمر بحمل الكتب ،
فَحملتها ، وقلت : إِنها لنا سماعٌ ، فتكون في أيدينا وتُنسخ عندنا ، فقال : أَقُول
لأمير المؤمنين ، فلم يزَل يدافع الأمر ، ولم تَخرج عن أيدينا والحمدُ لله ربّ
العالمين .
قرأتُ على محمد بن أبي منصور ، عن أبي القاسم بن البُسْري ، عن أبي
عَبد الله بن بَطّة ، قال : حدثنا عبد العزيز بن جعفر ، قال : حدثنا أبو بكر
الخَلّال ، قال : حدثنا محمد بن علي ، قال : حدثنا صالح بن أحمد ، قال :
كتبَ إِلّ أُخْ لي يُعزيني عن أَبي :
بسم الله الرحمن الرحيم ، أما بعد ، فإِنّ الله عز وجل حَتم الموت على عباده
حتمًا عَدلًّا ، على بريته كافة قضاء فصلًا ، حتى يأتي ذلك على جميع من ذراً
وبرأً ؛ وكان ممن أَتى عليه حتم الله وقضاؤه أبو عبد الله رحمة الله عليه، دعاه الله إِليه
فأجابه رَضِيًّا مرضيًّا نَقًّا من الدَّنس والعيب ، طاهر الثوب ، غير مبتدع ولا
٥٦٩

ضالّ ولا مُضل ، ولا زائغ عن هدي ولا مائل إلى هوى ، لم يُرهبه وعيد إِلى أَن
نقله الله عز وجل إلى جواره ، فلمثل ما صار إليه من كرامة الله فليعمل
العامِلون، وعلى أَنّ المصيبة به قد مضَّت وأَرمَضت وأَبلغت من القلوب، وأَنا
أعزيك وعامة المسلمين ممن يقرأ كتابنا هذا بما(١) أمر الله به تَنجًّا(٢) لما وعد من
صَلواته ورحمته وهداه ، لمن احتسب وصبر وسلَّم ورضي بحكم الله النافذ على
جميع خلقه ، فقد مضى على أحسن حالاته وأحسن قصده وهَديه ، ثابتًا على
حَزمه وعزمه ، أرادته الدنيا ولم يُردها ، ولم تأخذه في الله لومة لائم ، فقد كَلَم وثَلم
في الإِسلام فَقَدُه ، وأنا أسأل الله الذي يجود بالجزيل ، ويعطي الكثير ، أن يُصلي
على مُحمد عبده ورسوله ، وأن يُعطي أبا عبد الله أَفضل ما أُعطى أُحدًا من
أوليائه الذين خلقهم لطاعته ، وأن يُعلي درجته ، ويَرفع ركنه ، ويَجعل مجلسه مع
النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحَسُنَ أُولئك رَفِيقًا، وأن يهب لك
صَبِرًا يُبلغك ما وعد الصابرين ، ويَقينًا يوجب لكَ ثواب المحسنين فإنه ولي
النّعم ، وبيده الخير ، وهو على كُل شيءٍ قدير .
أخبرنا إسماعيل بن أحمد ، ومحمد بن عبد الباقي ، قالا : أخبرنا حَمْد بن
أحمد ، قال : أخبرنا أحمد بن عبد الله الحافظ ، قال : حدثنا أبي ، قال : حدثنا
أحمد بن محمد بن أبان ، قال : حدثنا أبو العباس أحمد بن إبراهيم الصوفي ،
قال : قالَ لي رجل من أهل العلم - وكان خَيرًا فاضلًا يُكنى بأبي جعفر - في
العَشية التي دَفًّا فيها أبا عبد الله : تَدرِي من دفًّا اليوم ؟ قلتُ : من ؟ قال :
سادِس خمسة ، قلتُ : من ؟ قال : أَبو بكر الصديق ، وعُمر بن الخطاب ،
وعُثمان بن عَفان ، وعلي بن أبي طالب ، وعُمر بن عبد العزيز ، وأحمد بن حنبل .
قال : فاستحسنتُ ذلك منه، وعَنى بذلك أَن كلّ واحدٍ في زمانه(٣).
(١) في (ط): ((إنما)).
(٢) في (ف): ((منجزًا)).
(٣) ((حلية الأولياء)) ١٦٦/٩.
٥٧٠

الباب التسعون
في ذكر المنتخب من الأشعار التي مُدح بها
في حیاته ورُثي بها بعد وفاته
أخبرنا عبد الملك بن أبي القاسم ، قال : أخبرنا عبد الله بن محمد
الأنصاري ، قال : أخبرنا محمد بن المنتصر القتيبي ، قال : أخبرنا أبو بكر بن
أَبي الفَضل المزَّي، قال : أخبرنا محمد بن إبراهيم السنّي(١) ، قال: حدثنا
إبراهيم بن إسحاق الأنصاري ، قال: أَنشدني عبد الله بن أحمد بن حنبل ، لأَبِي
سَعيد اليَخامُري(٢) ، في أَبي عبد الله رحمه الله :
بتسديد ذِي العرش الرفيع الدعائِم
فأَنتَ أَبا عبدِ الإِله مُسدّدٌ
لكَ الفضلُ في الدنياعلى علمائِنا
وزُهّادنا يابنَ القُرومِ(٣) الأكارِم
وَأَمْرُكِ مَحمودُ الْقُوى والعَزائِمِ
وقَولُكْ مَقبولٌ ورأيكَ فَاضِلٌ
شَددتَ له أَرَكَانَه بدَعائِمِ
وكلُّ امرئٍٍ وثَّقْتَه في حَديثِه
بمرتبةٍ(٤) لا تُرْتَقى بسَلالم
حللتَ من الإِسلامِ والبِّ والتُّقى
فَفَرْتَ بِغُنِمِ من جَزِيل الغَنَائِمِ
حويتَ بِحُور العلم من كلّ بَلدة
(١) في (ف): ((السندي)).
(٢) نسبة إلى يَخامر: اسم رجل وبه عُرف أبو سعيد هذا، واسمه هشام بن منصور بن شبيب
السكسكي ، توفي سنة (٢٦٣) هـ. انظر ((اللباب)) ٣٠٦/٣، و(( تاريخ بغداد)) ٤٨/١٤،
و((طبقات الحنابلة)) ٣٩٤/١ .
(٣) في (هـ ): ((القرون)).
(٤) في (ط ): ((بمنزلة)).
٥٧١

أخبرنا عبد الملك ، قال : أخبرنا عبد الله بن محمد ، قال : أخبرنا أبو
يعقوب الحافظ ، قال : أخبرنا محمد بن عبد الله اللّآل ، قال : أخبرنا محمد بن
إبراهيم الصّام ، قال: أخبرنا إِبراهيم بن إسحاق الغَسِيلي قال: أُخذت هذه
القصيدة من أبي بكر المُوذي، وذكر أن (١) إسماعيل بن فُلان التّرمذي قالها ؛
وأَنشدها [ في(٢) ] أحمد بن حنبل وهو في سجن المحنة (٣):
تباركَ من لا يعلمُ الغيبَ غَيْرُهُ ومَن لم يَزِل يُثْنَى عَليه ويُذكَّرُ
علافي السماوات العُلى فوقَ عرشه إِلى خَلقه في البرّ والبَحر ينظرُ
وَمَنْ دونِهَ عَبدٌ ذَلِيلٌ مُدبّرُ
سَمیعٌ بصیرٌ لا نشُ مُدبّرٌ
يدا رَبِنا مَبسوطتانِ كِلاهُما
إِذا فيه فكَّرنا استحالت ◌ُقولُنا
وإِن تَقَّرَ المخلوقُ عن علم ذاتِه
فَلو وصف الناسُ البعوضة وحدها
فكيفَ بمن لا يَقْدِرُ الخلقُ قَدْرَه
نُهينا عن التَّفتيش والبحثِ رحمةً
وقالوا لنا : قولوا ولا تَتَعمَّقُوا
فقُلنا وقلَّدنا ولم تَأْتِ بدعةً
ولم نَرَ(٥) كالتسليم حِرزًا ومَوئلًا
تَسجَّان والأيدي من الخلق تَقْتُرُ
فَأُبنا(٤) حَيارى واضمَحلَّ التَّفكُّرُ
وعن كَيفَ كان الأمرُ ضلَّ المُنَقِّرُ
بعلمِهِمُ لم يُحكِموها وقَصَّروا
ومَنَ هو لا يَبْلَى ولا يَتَغيّرُ
لنا وطَريقُ البحثِ يُردي ويُخْسِرُ
بذلك أوصانا النَّبِي الْمُعَزّرُ
وفي البِدْعة الخُسْرَانِ والحقُّ أَنورُ
لمن كانَ يرجو أَن يُتاب ويَحذَرُ
(١) ساقطة من ( ط ) .
(٢) زيادة من (« المنهج الأحمد)).
(٣) بعدها في ( ف ): ((وهي هذه)).
(٤) في (هـ): ((فإنا)).
(٥) تحرفت في ( ف) و (هـ) إلى: (( ترك)).
٥٧٢

وأَن كتابَ الله فينا كَلامُه
شهدنا بأنّ الله كلَّم عَبدَه
غداة رأَى نارًا فَقال لأهله
فناداه يا موسى أَنا الله لا تَخف
وقال انطلق إِني سميعٌ لكل ما
وكلَّمه أيضًا على الطور رُّه
كذلك قال الله في مُحکم الهدى
وإِنَّ ولَّ الله في دارٍ خُلده
ولم تَرَ (١) في أَهل الخصومات كلها
ولم يحمِدِ الله الجِدالَ وأَهِلَهِ
شهدنا بأنّ الله لا ربَّ غَيْرُهُ وأَحمدَ مبعوثٌ إِلى الخَلق مُنذرُ
وإِن شكَّ فيه المُلْحدون وأَنْكَروا
ولم يَكُ غير الله عَنه يُعبّر
سآتي بنارٍ أَو عن النار أخبرُ
وأُرسِلَه بالحقِّ يَدعو ويُنْذِرُ
يَجيء به فرعون ذو الكُفرِ مُبْصِرُ
وقُرّبَ والتوراة في الّوح تُسطّرُ
وإِسناده الرّوح الأمينُ المُطهرُ
إِلى رَبِهِ ذِي الكِبرِياءُ سَيَنظُرُ
زَكِينًا(٢) ولا ذا خَشيةٍ يتوقّرُ
وكانَ رسولُ الله عن ذاك يَزْجُرُ
وسُنَّتْنا تركُ الكلام وأَهلِهِ وَمَن دِينُه تشديقُهُ وَالتَّقْعُرُ
وكلّ كلاميٍّ قليل خُشوعه له بيعٌ فيه وسوقٌ ومَتجر (٣)
تَفَرَّغ قومٌ للجدال وأَغفَلوا طَريقَ الثُّقى حتى غَلَا المُتَهُوِّر
وقاسوا بآراءٍ ضِعافٍ وفَرَّطوا وَرأي الذي لا يَتبع الحقَّ أَبْتَرُ
جَزِى الله رَبُّ الناسِ عَنّ (٤) ابنَ حنبل
وصاحبه خَيرًا إِذا الناسُ أُحضِروا
(١) في (هـ): ((ولم أر)).
(٢) في (ط): ((ذكينًا)) وفي (ت): ((ذكيًا))، والزَّكَن: الفطنة والحدس الصادق. ((اللسان)).
(٣) هذا البيت ساقط من ( د) و ( ط ) و ( ف) و (هـ ).
(٤) في ( ط ): (( عني)).
٥٧٣

سَمَيّ نبي الله أَعني مُحمدًا
سقَى اللهُ قَبِرًّا حَلَّه ما ثَوَى بِهِ
هُما صَبرا للحقِّ عند امتحانهم
وأربعةٌ جاؤوا من الشامِ سادَة
دُعُوا فَأَبُوا إِلا اعتصامًا بدينِهِم
إِلى البلدِ المشحونِ من كُلِّ فِتنةٍ
فما زادهم إِلا رضًا (٢) وتمسكًا
إِذا مُيِّز الأشياخُ يَومًا وحُصِّلوا
رقيق أُدِيمِ الوَجِه حُلْوٌ مُهذَّب
أَبِّ إِذا ما حافَ ضَيمٌ مُؤْمّرٌ
لَعمرك ما يَهوى(٤) لِأحمدَ نكبةً
هو المحنةُ اليومَ الذي يُبْتَلَى به
شَجَّى في حُلوق الملحدين وقُرةً
فَقَا أَعيِنَ المُرّاقِ فعلُ ابن حنبل
جَرِى سابقًا فِي حَلْبة الصّدِقِ والنُّقَى
وبَّد عَنْ إِدراكه كُلُّ كَوْدَنٍ(٦)
فَقُل في ابنٍ نوحٍ والمقالةُ (١) تَقصرُ
من الغَيْثِ وَسْمِيًّا يَروحُ ويُكِرُ
وقَاما بنَصرِ الله والسَّفُ يَقطُرُ
عليهم كُبُولٌ بالحديد تُسمَّرُ
فأُجلوا عَنِ الأَهلين طُرّا وسُيِّروا
وفي السِّجن كالسُّراق أُلقوا وصُيّرُوا
بدينهمُ والله بالخَلِقِ أَبْصَرُ (٣)
فأحمدُ من بَين المشايخ جَوْهَرُ
إِلى كُلّ ذِي تَقوى وَقور موقِّرُ
ومُرّ إِذا ما خاشئُوه مُذَكّرُ
من الناس إِلا ناقص العقل مُعْوِرُ
فَيعتبرُ السُّ فِينا ويُسْبَرُ
لأعين أَهل النُّسك عَقِّ مُشمِّرُ
وأَخرسَ من يَبغي العيوبَ ويحقرُ
كما سَبَقِ الطَّرْف(٥) الجَوَادُ المضَمَّرُ
قَطُوف إِذا ما حاولَ السبقَ يَعثُرُ
(١) في (ط): ((والمقال)).
(٢) في ( ط) : ((هدى)).
(٣) في (ط): ((أُخبر)).
(٤) في (ط): ((فما كل ما يهوى)).
(٥) الطرف من الخيل: الكريم العتيق، وقيل: هو الطويل القوائم والعنق المطرَّف الأذنين. ((اللسان)).
(٦) الكودن: البرذون الهجين، وقيل: هو البغل. ((اللسان)).
٥٧٤

إذا افتخر الأقوامُ يَومًا بسيِّدِ
فَقُل للأُلِى يَشْنَوْنَه لصَلاحه
جُعِلتم فِداءً أُجمعينَ لنَعِلِهِ
أَرْبِحَانَةَ القُرّاءِ تَبْغُونْ عَثْرَةً
فَيَا أَيها الساعي لتُدرِكَ شَأْوَه
تمسكَ بالعلم الذي كانَ قَدْ وَعَى
ولا بَغْلَةٌ هِمْلَاجَةٌ مَغربية .
ولا مَنزَلٌ بالساج والكِلْسِ مُتقنٌ
ولا أَمَّةٌ بَرَاقَةُ الجِيدِ بَضَّةٌ
حَمی نَفسه الدنيا وقد سَنَحَت له
فإِن يَكُ في الدنيا مُقِلَّا فإِنه
وقُل للألى حادُوا معًا عن طَريقه
فلا تَأْمنوا عُقْبَى الذي قَد أَتَيْتُمُ
فيا عُلماءَ السوءِ أَيْنَ عُقولُكُم
أَلا إِنِي أَرجو النجاةَ بُغضِكم
تَأْسّى بكم قَومٌ كثير فأصبحوا
ويا تسعةً كانوا كتسعة صالح
نَكصثُم على الأعقابِ حينَ امتُحْتُمُ
ففيه لنا - والحمدُ للهِ ـ مَفخُّ (١)
وصِحتِهِ والله بالعُذْرِ يَعِذِرُ
فإنكمُ مِنها أَذْلُ وَأَحَقَرُ
وَكُلِكُمُ مِن جِيفِةِ الكَلْبِ أَقْذَرُ
رُويدك(٢) عن إدراكه سَتُقَصِّرُ
ولم يُلْهِهِ عنه الخَبِيصُ المَزَعْفُرُ
ولا حُلَّةٌ تُطْوَى مِرارًا وَتُنْشَرُ
يُنقَّش فيه ◌ِصُّهُ ويُصوَّرُ
بمنطِقها يُصْبَى الحَليمُ ويُسْحَرُ
فمنزلُهُ إِلا من القُوتِ مُقْفِرُ
من الأدبِ(٣) المحمود والعلم مُكْثِرُ
ولم يمكثوا حتى أَجابوا وغيّروا
فإِنَّ الذي جئتُم ضَلَالْ مُزْوَّرُ
وَأَيْنَ الحديثُ المسند المتَخيِّرُ
وكل امرئٍ يَشْنى الضَّلالةَ يُؤْجِرُ (٤)
لَكُمْ وِلَهم في كُل مِصرٍ مُعيّرُ
نبي الهدى إِذْ ناقة اللهِ تُعقر (٤)
ولم يَكُ فِيكُمْ [من] لذلك منكِرُ (٤)
(١) في (ف): (( نفخر)).
(٢) في (ط ): ((فإنك)).
(٣) في (ط): ((الأثر)).
(٤) هذا البيت ساقط من (د) و(ط ) و (ف) و (هـ ).
٥٧٥

فياسَوْءَتا مما يَخطُّ المُقدِّرُ
کتبتم بأيديكم حُتوفَ نُفوسکم
ولم تُضرب الأعناقُ مِنكم وتُنشَرُ
وأَشمتم (١) أَعداءَ دين محمد
ويُظهر إِحسانَ المُسيء ويَستُرُ(٢)
فَسبحان مَن يُعصى فَيَعفو وَيَغْفِرُ
أَخبرنا عبد الملك بن أبي القاسم ، قال : أخبرنا عبد الله بن محمد
الأنصاري ، قال : أخبرنا أبو يعقوب ، قال : أخبرنا محمد بن عبد الله اللّآل،
قال: أخبرنا محمد بن إبراهيم الصرّم ، قال : أخبرنا إبراهيم بن إسحاق
الغَسِيلي : قال : أَنشدني الهَيضم بن أحمد لأبيه برني أحمد بن حنبل، فَذكر
قصيدة انتخبتُ منها :
نَعِيتَ بَحرًّا كان يَجري مُزبدًا
يا ناعيَ العلم بيوم أُحمدا
ومَكَرُمات وتُقِّى وسُودَدا
إذا غدا قُلت : الربيعُ قَد غدا
أَشبهتَ سُفيان الذي تَعَّدا
أَشْبَهْتَهُم قَنَاعةً ومهتدى
وكنتَ في هذا وذاكَ أَوْحِد!
قد زُلْزِلَت أَرض(٣) العِراق كَمدا
صَلابة في دينه تَجرِّدًا
يا أَحمدَ الخير الذي تَحمّدا
ومِسْعَرًا دانَيْتَهُ ومُعْضِدا
وعِقَّةً بنتَ بها ومقتَدى
سُمِيتَ في هذا وذاك المُفْرِدا
والشام حُزْنًا والحِجازُ أَرْعَدا
شَّدتَ للدينِ بناءً مرفدا
يا أَحمد بن حنبل لا تَبَعُدا
ولم تُردِ قَصرًا بها مُمَّدا
إِذْ كُنتَ في الدينِ لَه (٤) مشيدًا
. (١) في (ط): ((فأشمتم)).
(٢) أورد العليمي بعض أبيات هذه القصيدة في ((المنهج الأحمد)) ٥٢/١ - ٥٣.
(٣) في (ف): ((أعلى)).
(٤) في (ف ): ((لها).
٥٧٦

ولا حِصانًا كالعُقاب أَجْردا ولا إِماءَ كالسَّعالي نُهَّدا
أُلْبِسْنَ ربطًا وحُلينَ عَسْجَدًا فَقُمن يُشبِهِن غُصونًا مُيَّدا
تَنزِل(١) بالنازل دُنياه الرَّدى
إِنّ المنيات توافي الموعدا
وحظُّه مِنها الذي تَزَوّدا
قال : وأُنشدني الهيضم لأبيه ، فذكر قصيدة انتخبت منها :
لِتبكِ عُيون مُسبلاتٌ بَوَيِلِها على زينةِ الدُّنيا وعالِمِ أَهْلِها
على مُستقلِّ بالخُطوب مُقَلّها
قليلٌ عليه فاستقلا بُكاكُما
إليه الفَلا بينَ السّديس وبُزْلَها
إمامٌ لأهل العلم تَفري مَطِيُّهم
وصارَ إلى دار البِلى وَمَحلّها
ومِن شَدِّ أنساعِ الرِّحالِ وحَلِّها
إِذا(٢) ما أُنيخت كل عيسٍ بَرَحْلها
تَصوب عليه البارِقاتُ بِهَطِلِها
فبانَ بيومِ كانَ مِقدار يَومه
فتلك المطايا قد أُرِحْنَ من السُّرَى
لمهلك ثاوٍ كان مَأْوِى رِحالهم
لِيُرَوَ رَمَيمٌ تَحتَ ردمٍ من الثَّرى
سَتحدث أحداثٌ يقال لمثلها أَلا مِثْلُه في مثلها عِند مِثلها
قال : وأنشدني الهيضَم لأَبيه فيه :
والعابدين لهم عليكَ خُشوعُ
الزاهدينَ مع الدموع دُموعُ
يَبكون فَقْدَك والجفونُ شِفاؤها
يا أَحمد الخَير الذي وارى الثَّرى
أَرْوَى مَحلَّتَكَ السماءُ وجادَها
هَمَلَانُها وَرُقَادُها مَمنوعُ
وبه الشَّنَاتُ مِن الجميعِ جَميعُ
دِيَمُ الخَّرِيف وصَيِّفٌ وَرَبِيعُ(٣)
(١) في (ط ): ((تبر)).
(٢) تحرفت في (ط) إلى: ((إِذ)).
(٣) الأبيات في ((المنهج الأحمد)) ٥٣/١.
٥٧٧