Indexed OCR Text

Pages 501-520

الباب الثاني والسّبعُون
في ذكر قصته مع الواثق
ولي الواثق أبو جعفر هارون بن المعتصم في ربيع الأول سنة سبع وعشرين
ومئتين ، وحسَّن له ابنُ أبي دُؤَاد امتحانَ الناس بخلق القرآن ، ففعل ذلك ولم
يَعرض لأحمد، إِما لما علم من صَبره، أَو لما خاف من تأثير عُقوبته ، لكنه
أرسل إلى أحمد بن حنبل : لا تُساكتي بأَرض . فاختفى أُحمد بَقية حياة الواثق ،
فما زال يتنقّل في الأماكن ، ثم عاد إلى منزله بعد أشهر ، فاختفى فيه إِلى أَن
ماتَ الواثق(١)
أَخبرنا أَبو منصور القزاز ، قال : أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت ، قال : أَقام
أحمدُ بن حنبل مدة اختفائه عند إسحاق بن إبراهيم بن هانئ النَّيسابوري(٢).
قلت : وقد روي : عند إبراهيم بن هانئ وبيتُ الوالِدِ والولد واحدٌ .
أَخبرنا موهوب بن أحمد ، قال: أخبرنا علي بن أحمد بن البُسْزي(٣) ، قال:
حدثنا محمد بن عبد الرحمن المُخَلِّص(٤) ، قال: حدثنا الْبَغَوي ، قال : سمعت
أبا عبد الله أحمد بن حنبل في سنة ثمان وعشرين في أولها ، وقد حدث حديث
معاوية عن النبي عَِّ، أنه قال: ((لم يَبقَ من الدنيا إِلا بَلاءُ وفِتنةٌ، فأَعدّوا
(١) ((ذكر المحنة)): ٧٢، و((سير أعلام النبلاء)) ٢٦٤/١١.
(٢) ((تاريخ بغداد)): ٣٧٦/٦.
(٣) تحرف في (ف) إلى: ((التستري)).
(٤) يقال هذا لمن يُخلِّص الذهب من الغش ويفصل بينهما، واشتهر بذلك محمد بن عبد الرحمن هذا .
((الأنساب)) ١٤١/١٢.
٤٧٢

للبلاءِ صَبْرًا )) (١) . فَجعل يقول: اللهمَّ رضينا! اللهمَّ رضينا!
أُخبرنا إسماعيل بن أحمد ، ومحمد بن عبد الباقي ، قالا : أخبرنا حَمد بن
أحمد ، قال: حدثنا أحمد بن عبد الله، قال: أُخبرني جعفر بن محمد الخُلْدِي
في كتابه ، قال: حدثني أبو حامد - قرابة(٢) أَسد المعلم - قال: قال إبراهيم
ابن هانئ: اختفى عندي أحمد بن حنبل ثلاثة أيام . ثم قال : اطلبْ لي
موضعًا حتى أَتحول إليه . قلت : لا آمَنُ عليك يا أَبا عبد الله . فقال: افعلْ؛
فإِذا فعلتَ أَفدتُك، فطلبتُ له موضعًا ، فلما خرج قال لي : اختَفى رسولُ الله
مَِّ في الغارِ (٣) ثلاثةَ أيام ثم تحوَّل، وليسَ ينبغي أَن يُتبع رسول الله في الرخاءِ
ويُترك في الشدة(٤)
أخبرنا عبد الوهاب الحافظ ، وعلي بن أبي عمر ، قالا : أخبرنا رزق الله بن
عبد الوهاب التميمي ، قال : حدثنا أحمد بن محمد بن يوسف ، قال : حدثنا
جعفر بن محمد بن نُصير، قال : حدثنا أبو حامد أحمد بن مخلد بن ماهان
الحَذّاء ، قال: حدثنا فَتْح بن شُخْرُف ، قال : قال لي إبراهيم بن هانئ
النَّيسابوري : اختفى عندي أحمد بن حنبل ثلاث ليال . ثم قال: اطلب لي
(١) أخرجه أحمد ٩٤/٤، من طريق علي بن إسحاق ، أخبرنا عبد الله بن المبارك، أخبرنا عبد الرحمن بن
يزيد بن جابر ، حدثني أبو عبد ربه ، قال : سمعت معاوية ..... وهذا سند قوي ، وأخرجه ابن ماجه
(٤٠٣٥) من طريق غياث بن جعفر الرحَبي ، أنبأنا أبو الوليد بن مسلم ، سمعت عبد الرحمن بن يزيد بن
جابر ..... بهذا الإسناد. قال البوصيري في ((الزوائد)) ورقة: ٢٥٣ : هذا إسناد صحيح رجاله ثقات .
ورواه ابن حبان في ((صحيحه)) (١٨٢٨) من طريق الوليد بن مزيد ، عن ابن جابر ، به .
(٢) ساقطة من ( ف ) .
(٣) يعني بذلك اختفاءه مع أبي بكر الصديق في غار بجبل ثور ، وهو في طريق هجرته إلى المدينة ، وانظر
تفصيل ذلك في ((السيرة النبوية لابن هشام ١٣٠/٢.
(٤) ((حلية الأولياء)) ١٨٠/٩، و((طبقات الحنابلة)) ٩٧/١.
٤٧٣

مَوضعًا حتى أُدور إليه ، فقلت : لا آمنُ عليكَ يا أَبا عبد الله . فقال لي : النَّبي
عَّه اختفى في الغار ثلاثةَ أيام ثم دار ، وليس ينبغي أَن تُتبع سنة رسول الله في
الرخاءِ وتُترك في الشدة . قال فتح: حدثت به صالحًا وعبد الله فقالا : لم
نسمع هذه الحكاية إلا منك ، وحدثت بها إسحاق بن إبراهيم بن هانئ فقال :
ما حدثني أبي بها(١) .
أخبرنا عبد الملك الكَرُوخِي ، قال : أخبرنا عبد الله بن محمد الأنصاري ،
قال : أخبرنا إسحاق بن إبراهيم السرخسي ، قال : أخبرنا أحمد بن أبي عمران ،
قال : أخبرنا أبو علي الحسين بن جعفر الخطيب ، قال : سمعتُ هارون بن
عبد الرحمن ، يقول : سمعت تَميم بن بهلول الرازي ، يقول : سمعتُ أَبا زُرعة ،
يقول: قلت لأحمد بن حنبل : كيف تخلصتَ من سيف المعتصم وسَوطِ
الواثق ؟ فقال : لو وُضع الصدقُ على جُرح (٢) لَبرّ .
(١) نفس المصدر .
(٢) في ( د) و (ف): ((جراح)).
٤٧٤

فصل
وقد روي أن الواثق ترك امتحان الناس بسبب مناظرة جرت بین یدیه رأی بها
أَن الأَولى ترك الامتحان .
فأخبرنا أبو منصور عبد الرحمن بن محمد القزاز ، قال : أخبرنا أحمد بن علي
ابن ثابت ، قال : أخبرنا محمد بن الفَرج بن علي البزّز ، قال : حدثنا عبد الله
ابن إبراهيم بن ماسي ، قال : حدثنا جعفر بن شعيب الشاشي(١) ، قال : حدثني
محمد بن يوسف الشاشي(١)، قال: حدثني إبراهيم بن مَنَّةً(٢) ، قال: سمعتُ
طاهر بن خَلف ، يقول : سمعتُ محمد بن الواثق - الذي كان يُقال له :
المهتدي بالله - يقول: كان أَبي إذا أَرادَ أَن يَقتل رجلًا أُحضَرنا ذلك المجلس ،
فأُتي بشيخ مخضوبٍ(٣) مُقيّد. فقال أَبي(٤): ائذنوا لأَّبي عبد الله
وأصحابه - يعني ابن أبي دُؤاد - قال: فأدخل الشيخ . فقال : السلامُ عليك
يا أمير المؤمنين ، فقال: لا سلَّم(٥) الله عليك، فقال: يا أميرَ المؤمنين، بئسَ ما
أَدَّبك مُؤدِّبك، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا حُبِيْتُمْ بِتَجِيَّةٍ فَحيّوا بأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ
رُدُّوها﴾(٢) . والله ما حَّيتني بها، ولا بأحسن منها، فقال ابن أبي دُؤاد :
(١) تحرف في (ف) إلى: ((الشامي)).
(٢) في (ف): ((منبه))، وفي (هـ): ((منة)).
(٣) في ( ط): ((محصور)).
(٤) في ( ف): (( لي)).
(٥) في (ش): «لا سلام)).
(٦) سورة النساء : ٨٦ .
٤٧٥

يا أمير المؤمنين ، الرجل مُتكلم . فقال له : كَلِّمه ، فقال: يا شَيخ ، ما تَقول
في القُرآن؟ قال الشيخ: لم تُنصِفني، وَلِّنِي(١) السؤال، فقال له: سَل، فقال له
الشيخ : ما تقول في القرآن ؟ قال : مَخلوق ، فقال : هذا شيء علمه النبي
عَ لَه وَأَبو بَكر وعُمر وعُثمان وعَلي(٢) والخلفاء الراشدون، أم شيء لم يعلموه؟
فقال: شيء لم يعلموه. فقال: سبحان الله! شيء لم يَعلمه النبي عَله ، ولا
أبو بكر ولا عمر ولا عثمان ولا علي ولا الخلفاء الراشدون علمته(٣) أنت ! قال :
فَخجل ، فقال: أَقِلْني ، قال: والمسألة بحالها ، قال: نعم . قال : ما تقول في
القرآن؟ قال: مَخلوق، فقال: هذا شيء علمه النبي عَّه وأبو بكر وعُمر
وعُثمان وعَلي والخُلفاء الراشدون أُم لم يَعلموه ؟ فقال : عَلموه ولم يَدعوا الناسَ
إليه ، فقال : أفلا وَسِعكَ ما وَسعهم ؟ قال: ثم قامَ أَبي (٤) ، فدخل مَجلس
الخلوة ، واستلقى على قَفاه ، ووضع إِحدى رجليه على الأُخرى ، وهو يقول :
هذا شيء لم يَعلمه النبي عَّ ◌ُلِّ ولا أبو بكر ولا عُمر ولا عُثمان ولا عَلي ولا الخُلفاء
الراشدون، عَلمته أَنتَ سبحان الله! شيء(٥) علمه النبي عَ لّه، وأبو بكر وعُمر
وعُثمان وعلي والخُلفاء الراشدون ، ولم يدعوا الناس إليه ، أَفلا وَسعك ما
وَسعهم ؟ ! ثم دعا عَمّارًا الحاجب، فأَمر أن يرفع عنه القيود ويُعطيه أربع مئة
دينار، ويأذن له في الرجوع، وسَقط من عينه ابنُ أَبي دُؤاد، ولم يمتحن بعد ذلك أَحدًّا (٦).
وقد رُويت لنا هذه القصة(٧) على صِفة أُخرى : فأخبرنا أَبو منصور
(١) في (د) و (ف): ((ولي)).
(٢) ساقطة من ( هـ ) .
(٣) في (ف): ((وعلمته)).
(٤) في (ف): ((إلى))، وهو تحريف .
(٥) ساقطة من ( د) و (ف ) .
(٦) الخبر بطوله في ((تاريخ بغداد)) ١٥١/٤ - ١٥٢، و((سير أعلام النبلاء)» ٣١٢/١١ - ٣١٣.
(٧) في (د): ((الحكاية))، وفي (ف): ((الرواية)).
٤٧٦

عبد الرحمن بن محمد القزاز ، وأبو السعود أحمد بن علي بن المُجلي ، قالا :
أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت ، قال : أخبرنا محمد بن أحمد بن رزق قال :
أخبرنا أحمد بن سندي الحَدّاد ، قال : قُرِئ على أحمد بن الممتنع وأَنا أَسمع ،
قيل له : أخبركم صالح بن علي بن يعقوب الهاشمي ، قال : حضرتُ المهتدي(١)
بالله أمير المؤمنين وقد جلس للنظر في أُمور المتظلّمين في دار العامة ، فنظرتُ إِلى
قصص الناس تُقرأ عليه من أولها إلى آخرها ، فيأمر بالتوقيع فيها ، ويُنشأ الكتابُ
عليها ، وتُحَرّر وتُختم وتُدفع إلى صاحبها بَين يديه ، فَسرني ذلك واستحسنتُ ما
رأَيتُ ، فجعلت أَنْظر إليه(٢) ، ففطن ونظر إِلَّ فَغضضتُ عنه ، حتى كان ذلك
مِنِّي ، ومنه مِرارًا ثلاثًا(٣) ، إِذا نَظَر غَضضتُ وإِذا شُغل نظرتُ ، فقال لي : يا
صالح ، قلتُ : لَبِّيك يا أَمير المؤمنين ، وقمتُ قائمًا، فقال: في نفسك منا شيء
تُريد - أو قال: تحب - أَن تَقوله؟ قلتُ: نَعم يا سيدي ، فقال لي: عُد إِلى
مَوضعك ، فعدت حتى إِذا قام قال للحاجب : لا يبرح صالح ، فانصرفَ
الناس ثم أذن لي فَدخلت(٣) ، فدعوتُ له ، فقال لي : اجلس ، فجلستُ،
فقال : يا صالح ، تقولُ لي ما دارَ في نفسك أَو أَقول أَنا ما دار في نفسي أنه دار
في نفسك ؟ قلتُ : يا أمير المؤمنين ، ما تعزم عليه وتأمر به ، فقال: أَقُولُ أَنا إِنه
دار في نفسي أَنك استحسنتَ ما رأَيتَ منا ، فقلتَ : أَيّ خليفةٍ خَليفتنا إن لم
يكن يقول(٤): القرآن مخلوق. فورد على قلبي أمر عظيم، ثم قلت: يا نفسُ هل
تموتينَ قبل أجلك؟ وهل تَموتين إلا مرة؟ وهل يجوزُ الكذب في جدّ أَو هزل؟
(١) في (ف ): ((حضر ابن المهتدي)) وهو تحريف بيّن .
(٢) ساقطة من ( ط ) .
(٣) ساقطة من ( ف ) .
(٤) ساقطة من ( د ) .
٤٧٧

فقلت : يا أمير المؤمنين ، ما دار في نَفسي إِلا ما قلتَ، فَأَطرق مليًّا ثم قال :
وَيَحك! اسمع مني ما أَقول، فوالله لتسمعنَّ الحق ، فَسُرّي عني ، فقلتُ : يا
سيدي ، ومن أُولى بقول الحق منك وأنتَ خليفةُ رب العالمين ، وابنُ عم سيد
المرسَلين. فقال: ما زلتُ أَقول(١): إِن القرآن مخلوق صدرًا من أيام الواثق،
حتى أَقدم أحمدُ بن أبي دؤاد عَلينا شيخًا من أَهلِ الشام من أَهل أَذَنة ، فأُدخل
الشيخ على الواثق مُقيدًا، وهو جميل الوجه ، تامّ القامة، حَسن الشيبة ، فرأيتُ
الواثق قد استحيا منه (٢ ورقَّ له ، فما زال يدنيه ويقربه حتى قرب منه٢) ، فسلم
الشيخ فأُحسن ، ودعا فأَبلغ ، فقال له الواثق : اجلس ، فَجلس . فقال له : يا
شَيخٍ ، ناظِر ابنَ أَبي دُؤاد على ما يُناظرك عليه ، فقال الشيخ: يا أمير المؤمنين ،
ابن أبي دُؤاد يصبو(٣) ويضعف عن المناظرة ، فغضب الواثق وعاد مكان الرقّة له
غضبًا عليه. وقال: أَبو عبد الله (٤ بن أبي دؤاد٤) يصبو (٣) ويضعف عن مناظرتك
أنتَ ؟ فقال الشيخ : هَوّن عليكَ يا أمير المؤمنين ما بك ، فَائِذَنْ في مُناظرته .
فقال الواثق : ما دعوتُك إِلا للمناظرة ، فقال الشيخ: يا أميرَ المؤمنين، إِن رأَيتَ
أن تحفظ عليَّ وعليه ما نقول، قال: أُفعل ، قال الشيخ : يا أحمد، أخبرني عن
مقالتك هذه ، هي(٥) مقالةٌ واجبة داخلة في عَقد الدين ، فلا يكون الدين كاملًا
حتى يقال فيه بما قلت ؟ قال : نعم . قال الشيخ: يا أحمد ، أخبرني عن رسول
الله عَ لِّ حينَ بعثه الله تعالى إلى عباده هل سَتَرَ شيئًا مما أُمره الله عز وجلّ به في
(١) ساقطة من ( ف ) .
(٢ - ٢) ساقط من ( ف ) .
(٣) في أصول النسخ: ((يصبأ ويضعف)) وفي (ط): ((يقل ويصبأ ويضعف)) والمثبت من ((تاريخ
بغداد)). ويقال: صبا يصبر صَبًا، من الصَّوَة: وهي جَهْلةُ الفتوّة. ((القاموس)).
(٤ - ٤) ساقط من ( ط ) .
(٥) في (هـ ): ((هل هي)).
٤٧٨

أمر دينهم؟ قال: لا. "فقال الشيخ: فدعا رسول الله عَ ليه الأُمة إلى مقالتك
هذه ؟ فسكت ابن أبي دؤاد١)، فقال الشيخ : تكلم ! فسكت ، فالتفتَ
الشيخ إلى الواثق فقال : يا أمير المؤمنين ، واحدة . فقال الواثق : واحدة . فقال
الشيخ : يا أحمد ، أخبرني عن الله تعالى حين أُنزل القرآن على رَسول الله،
فقال: ﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لكم دِيْنَكُمْ وَأَثْمَمْتُ عَلَيْكم نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ
الإِسْلَامَ دِينًا﴾(٢) ، هل كان الله تعالى الصادقُ في إِكمال دينه ، أَو أُنْتَ الصادق
في نقصانه حتى يقال فيه بمقالتك هذه ؟ فسكت ابن أبي دؤاد ، فقال الشيخ :
أجب يا أحمد ، فلم يجب ، فقال الشيخ: (٢يا أمير المؤمنين(٣) ، اثنتان، (٣ فقال
الواثق : اثنتان٣) ، فقال الشيخ: يا أحمد ، أخبرني عن مقالتك هذه ، عَلمها
رسول الله أُم جَهلها ؟ قال ابن أبي دُؤَاد : علمها ، قال : فدعا الناسَ إِليها ؟
فسكتَ . فقال الشيخ : يا أمير المؤمنين ، ثلاث ؛ فقال الواثق : ثلاث ، فقال
الشيخ : يا أحمد، فاتَّسع لرسول الله أَن عَلمها وأَمسكَ عنها كما زعمتَ ولم
يُطالب أُمته بها؟ قال: نعم. قال الشيخ: واتَّسع لأبي بكر الصدّيق، وعُمر
ابن الخطاب ، وعُثمان بن عفان ، وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهم ؟ قال ابن
أبي دُؤاد : نعم ، فأعرض الشيخ عنه وأقبل على الواثق ، فقال: يا أميرَ المؤمنين ،
قد قَدَّمت القول: إن أحمد يصبو(٤) ويضعف عن المناظرة . يا أمير المؤمنين ، إِن
لم يَتسع لنا من الإمساك عن هذه المقالة بما زعم هذا أُنه اتسع لرسول الله ولأَ بي
بَكر وعمر وعُثمان وعَلي ، فلا وَسَّعَ الله على مَن لم يتَّسع له ما اتَّسع لهم . فقال
(١ - ١) ساقط من ( ش ) .
(٢) سورة المائدة : ٣ .
(٣ - ٣) ساقط من (ف ) .
(٤) في أصول النسخ: ((يصبا) وفي (ط): ((يقل ويصباً)).
٤٧٩

الواثق : نعم ، إِن لم يتّسع لنا منِ الإمساك عن هذه المقالة ما اتسع لرسول الله
عَلِّ ، وأَبِي بَكر وعُمر وعُثمان وعَلي ، فلا وَسَّعَ الله علينا، اقطَعوا قيدَ الشيخ ،
فلما قَطعوا القيدَ ضرب الشيخُ بيده إلى القَيد حتى يَأْخذه فجاذَبه الحدادُ عليه ،
فقال الواثق : دَع الشيخَ يأخذه ، فأخذه فَوضعه في كُمه ، فقال له الواثق : یا
شَيخٍ ، لم جاذبتَ الحداد عليه ؟ قال : لأَني نويتُ أَن أَتقدمَ إلى من أُوصي إليه
(( إِذا أُنا مت١ّ) أَن يَجعله بيني وبينَ كفني، حتى أُخاصم به هذا الظالم عند الله
يوم القيامة ، وأَقول : ياربّ ، سَلْ عبدَك هذا لِمَ فيَّدني وروّع أهلي وَولدي
وإِخواني بلا حق أوجبَ ذلك عليَّ ؟ وبَكى الشيخ، وَكى الواثق وبكينا ، ثم
سأَلِه الواثق أن يجعله في حِل وسَعةٍ مما ناله ، فقال له الشيخ : والله يا أمير
المؤمنين ، لقد جعلتُك في حِل وسَعة من أول يوم إكرامًا لرسول الله ، إِذ كنتَ
رجلًا من أهله ، فقال الواثق : لي إليك حاجة . فقال الشيخ : إِن كانت مُمكنة
فعلتُ ، فقال له الواثق : تُقِيم قِيَلَنَا ، فَتَنتفع بك وينتفع بك فتياننا. فقال
الشيخ: يا أمير المؤمنين، إِن ردَّك إِياي إلى الموضع الذي أُخرِجني عنه هذا
الظالم ، أَنفع لك من مقامي عليك ، وأخبرك بما في ذلك ؛ أَصير إلى أهلي
وولدي فأُكفّ دعاءَهم عليك ، فقد خَلّفتهم على ذلك ، فقال له الواثق : فتقبل
منَّاصِلة تَستعين بها عَلَى دهْرِك، فقال: يا أمير المؤمنين ، لا تحلّ لي ، أَنا عنها
غَنِي وذو مِرَّةٍ (٢) سَوي، فقال: سل حاجةً . فقال: أَوتقضيها يا أمير
المؤمنين ؟ قال: نَعم . قال: تأذن أَن يُخلى لي السبيل الساعة إِلى الشَّغر. قال :
قد أَذنتُ لك ، فسلَّم وخرج . قال المهتدي بالله : فرجعتُ عن هذه المقالة ،
وأَظن أن الواثق رَجع عنها منذ ذلك الوقت(٣) .
(١ - ١) ساقط من ( ط ) .
(٢) المِّرّة: القوة والشدة. ((اللسان)).
(٣) انظر القصة بطولها في ((تاريخ بغداد)) ٧٥/١٠ - ٧٨، و(سير أعلام
النبلاء)» ٣١٤/١١ - ٣١٥.
٤٨٠
... .

أخبرنا القزاز، قال : أخبرنا أبو بكر الخطيب ، قال : أخبرنا أبو بكر
عبد الله بن علي بن حَمُّوَه ، قال : سمعتُ أَبا بكر أحمد بن عبد الرحمن الشيرازي
الحافظ ، أَخبرنا بحديث الشيخ الأُذَنِي ومناظرته . فقال: الشيخُ هو أبو
عبد الرحمن عبد الله بن محمد بن إسحاق الأُذْرَمِي(١).
قلت : وقد روي أن الواثق رَجع عن القول بخلق القرآن قبل مَوته .
أَخبرنا أَبو منصور القزاز ، قال : أخبرنا أبو بكر الخطيب ، قال : أخبرني
عُبيد الله بن أبي الفتح، قال : أخبرنا أحمد بن إبراهيم بن الحسن ، قال : حدثنا
إبراهيم بن محمدبن عَرفة ، قال : حدثني حامد (٢) بن العباس ، عن رجل ، عن
المهتدي بالله ، أن الواثق ماتَ وقد تابَ عن القول بخلق القرآن .
(١) في (ش): ((الأذني))، والخبر في ((تاريخ بغداد)) ٧٩/١٠.
(٢) تحرف في (ط) إلى: ((حارث)).
٤٨١

الباب الثالث والسّبعُون
في ذكر قصته مع المتوكّل
ولي المتوكل على الله بعد الواثق في يوم الأربعاءِ لستُّ بقين من ذي الحجة سنة
اثنتين وثلاثين ومثتين ، وسِنّه سنت وعشرون سنة يومئذ، فأَظهر الله عز وجلَّ به
السُّنَّة ، وكشفَ تلك الغُمّة ، فشكره الناس على ما فعل .
أخبرنا أبو منصور عبد الرحمن بن محمد ، قال : أخبرنا أحمد بن علي بن
ثابت ، قال : أخبرنا محمد بن علي بن إسحاق الخازن ، قال : أخبرنا أحمد بن
بشر بن سعيد الخِرقي(١)، قال: حدثنا أبو رَوق الهِزَّانِيّ(٢) ، قال: سمعتُ محمد
ابن خَلف يقول: (٣كان إبراهيم بن محمد التَّيمي قاضي البصرة يقول٣): الخُلفاء
ثَلاثة؛ أبو بكر الصديق قاتَل أَهلَ الرّة حتى استجابوا له ، وعُمر بن عبد العزيز
ردَّ مَظالم بني أُمية ، والمتوكّل محا البِدعِ وأَظهَرَ السَُّّة (٤) .
أخبرنا عبد الرحمن ، قال: أخبرنا أحمد بن علي ، قال : أخبرني الحسن بن
شهاب العُكْبَري في كتابه ، قال : حدثنا عبيد الله بن عبد الله بن أبي سمرة
البُنْدار ، قال : حدثنا معاوية بن عثمان ، قال : حدثنا علي بن حاتم ، حدثنا علي
ابن الجهم، قال: وجَّه إِلّ أمير المؤمنين المتوكّل، فأتيته فقال لي : يا علّ،
(١) تحرف في (ف) إلى: ((الحربي)).
(٢) تحرف في (ف) إلى: ((الفراتي)).
(٣ - ٣) ساقط من (د ) .
(٤) ((تاريخ بغداد)) ١٧٠/٧.
٤٨٢

رأَيتُ النّبِي عَ لّه في المنام فقُمت إليه، فقال لي : تَقوم إِلَّ وَأَنتَ خليفة!
فقلت له : أَبشر يا أمير المؤمنين، أَمَّا قيامك إِليه فَقيامك بالسنّة، وقَد عَدَّك من
الخُلفَاءِ ، فَسُرَّ بذلك(١) .
أخبرنا عبد الرحمن ، قال : أخبرنا أحمد بن علي ، قال : حدثنا الأزهري
(٢ قال : حدثنا عبيد الله بن محمد العُكْبَري ، قال : حدثنا أبو الفضل محمد بن
أَحمد بن سَهل النَّيسابوري٢)، قال: حدثنا سعيد بن عثمان الخياط(٣)، قال:
حدثني علي بن إسماعيل ، قال : رأيتُ جَعفرًا المتوكل بطرسوس في النوم وهو في
النّور جالس ، قلتُ : المتوكل ؟ قال: المتوكل ، قلت : ما فَعل الله بك ؟ قال :
غفر لي ، قلتُ : بماذا؟ قال : بقليل من السنّة أُحيِيتُها(٤).
قلت : أَطفاً المتوكل نيران البدعة ، وأَوقد مَصابيح السنة .
أخبرنا أبو منصور القزاز ، قال : أخبرنا أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت ،
قال : أخبرني الأزهري ، قال: أخبرنا أحمد بن إبراهيم ، قال : حدثنا إبراهيم بن
محمد بن عَرفة ، قال : في سَنة أربع وثلاثين ومئتين أشخص المتوكل الفُقهاء
والمحدّثين ، وكانَ فيهم مُصعب الزُّبيري ، وإسحاق بن أَبي إِسرائيل ، وإبراهيم بن
عَبد الله الهَرَوي ، وعبد الله وعثمان ابنا أَبي شَيبة ، فَقُسمت بينهم الجوائز ،
وأُجريت عليهم الأرزاق، وأمرهم المتوكل أَن يَجلسوا للناس وأَن يُحدثوا
بالأحاديث التي فيها الردّ على المعتزلة والجهمية، وأَن يُحدثوا بالأحاديث في
(١) المصدر نفسه .
(٢ - ٢) ساقط من ( ش ) .
(٣) في ((تاريخ بغداد)): ((الحنّاط)).
(٤) ((تاريخ بغداد)) ١٧٠/٧.
٤٨٣
:

الرؤية(١)، فجلس عُثمان بن أبي شيبة في مَدينة المنصور(٢)، وَوُضعِ له مِنبر ،
واجتمع عليه نحو من ثلاثين ألفًّا من الناس ، وجلس أَبو بكر بن أبي شَيبة في
مَسجد الرُّصافة واجتمع عليه نحو من ثَلاثين أَلْفًّا(٣) .
أنبأنا أبو القاسم الحريري ، عن أبي إسحاق البرْمَكي ، قال : أخبرنا أبو
الحسن بن القُرات ، قال : أَنشدنا القاضي أبو بكر بن كامل ، قال : أَنشدني
بَكر الخليلي(٤) الزاهد ، قال: أَنشدني أَبو عَبد الله غُلام خليل ، قال : أنشدني
أبو جعفر الخَوّاص بعَبّادان بعدَ زوال المحنة :
ذَهَبَتْ دَولةُ أَصحابِ البِدَعْ وَوَهَى حَبْلُهُم ثمّ(٥) انقَطعْ
وتداعى بانصرافٍ(٦) جمعُهُمْ حِزبُ إِبليسَ الذي كانَ جَمِعْ
هَل لهم ياقَوم في بِدعَتِهِمْ مِنْ فَقِيهِ أُو إِمامٍ يُتْبَغْ
مثل سُفيان أُخي الثَّور الذي عَلَّم الناسَ دقيقاتِ الوَرَعِ
أَو سُليمان أُخي الَّيمِ الذي تَرك النَومَ لهولِ المطَّلِعِ
أَوْ فَقيه الحَرمين مالك ذلك البَحر الغزير المُنْتَجَع
أَو فَتَى الإِسلام أَعني أَحمدًا ذاكَ لو قارعه القُرّا قَرَع
لم يَخَفْ سَوَطَهِمُ إِذ خَوّفوا لا وَلَا سَيَفَهِمُ لَمّا لَمَعْ(٧)
(١) أي الأحاديث المثبتة لرؤية البارئ عزَّ وجلّ في الآخرة .
(٢) يعني مدينة بغداد، فقد أمر أبو جعفر المنصور بتخطيطها وبنائها في سنة (١٥٤) هـ . ( معجم
البلدان)) ٤٥٧/١ ٠
(٣) ((تاريخ بغداد)) ٦٧/١٠ .
(٤) في (هـ ): ((الخليل)).
(٥) في (ش): ((حين).
(٦) في (ش): ((بانصرام)).
(٧) ورد في هامش (هـ) ما نصه: ((آخر الجزء السابع من أجزاء الشيخ الفقيه أبي محمد عبد الله بن
قدامة المقدسي ) .
٤٨٤

فصل
ثم بعث المتوكل بعد مُضي خمس سنين من ولايته بتَسيير(١) أحمد بن حنبل
إليه (٢)، فأخبرنا محمد بن أبي منصور ، قال: أخبرنا عبد القادر بن محمد (٣)،
قال : أُخبرنا إبراهيم بن عمر البَرْمَكي ، قال : أخبرنا علي بن عبد العزيز ،
قال : أخبرنا عبد الرحمن بن أبي حاتم ، قال : حدثنا صالح بن أحمد بن حنبل ،
قال : وجَّه المتوكل إلى إسحاق بن إبراهيم يأمره بحمل أبي إليه ، فوجَّه إسحاق إلى
أبي ، فقال له : إِنّ أمير المؤمنين(٤) كتبَ إِلَّ يأمرني بإشخاصِك إِليه ، فتأَهَّبْ
لذلك . قال أبي : وقال لي : اجعلني في حلٍّ من حُضوري ضَربك . قلتُ: قد
جعلتُ كلّ من حضر في حِل. قال أَبي: وقالَ أَسأَلِك عن القرآن مَسأَلَة
مُستَرشدٍ لا مسألة امتحان ، وليكن ذلك عندك مَستورًا ، ما تقول في القرآن ؟
فقلت : القرآن كلامُ الله غير مخلوق ، قال لي : من أَين قلتَ : غير مخلوق ؟
فقلت : قال الله عز وجل: ﴿أَلَا لَهُ الخَلْقُ والْأَمْرُ ﴾(٥) ، ففرّق بين الخَلق
والأمر ، فقال إسحاق : الأَمر مَخلوق ، فقلت : يا سبحان الله أَمخلوق يخلق
مخلوقًا !! فقال : وعمن تحكي أنه ليس بمخلوق ؟ فقلت : جعفر بن محمد ،
قال : ليس بخالق ولا مَخلوق ، قال : فسكت . فلما كان في الليلة الثانية وجّه
(١) في (هـ): ((يستزير)).
(٢) ساقطة من (د) و (ف ) و ( هـ ).
(٣) في (د) و (ف): (( بن محمد بن يوسف)).
(٤) في ( ط ): (( أبا جعفر)) وهو خطأ.
(٥) سورة الأعراف : ٥٤ .
٤٨٥
.. .. ............

إِلّ، فقال: ما تَقول في الخُروج. فقلت: ذاك إِليكم(١)، وجاءَ إِلى أَبي
جماعة من الأَنصار والهاشميين عندما وجّه المتوكل في حمله فقالوا: تُكلّمه ؟
فقال : قد نَويت أَن أكلمه في أُهله وفي الأَنصار والمهاجرين وما فيه مصلحة
للمسلمين ، وكان حمله إلى المتوكل في سنة سبع وثلاثين ومئتين ، فأخرج حتى إذا
صرنا في موضع يقال له : بُصْرَى(٢) ، باتَ أَبي في المسجد ونحن معه ، فلما
كان في جوف الليل جاءَ النَّيسابوري . فقال : يَقول لك ارجع ، فقلت(٣) : يا
أَبَة ، أَرجو أن يكون خِيَرة ، فقال: لم أُزْل أَدعو الله عز وجل (٤).
سياق ما حدث بعد ذلك
من تحريض الأَعداءِ على أَحمد أَنه قد أَخفى بعض العلويين عنده .
لما أُخرج أحمد رضي الله عنه إلى المتوكل، رُدَّ من بعض الطريق ، ثم توفي
إسحاق بن إبراهيم ، وولي مكانه ابنه عبد الله بن إسحاق ، فرفع الأعداء إِلى
المتوكل أَن عندَ أَحمد علويًّا .
أَخبرنا المحمّدان : ابن ناصر، وابن عبد الباقي ، قالا : أخبرنا حَمْد بن
أحمد ، قال : حدثنا أحمد بن عبد الله ، قال : حدثنا محمد بن جعفر ، والحسين
ابن محمد ، وعلي بن أحمد ، قالوا : حدثنا محمد بن إسماعيل بن أحمد ، قال :
حدثنا صالح بن أحمد ، قال : لما ولي عبد الله بن إسحاق كتب المتوكل إليه: أن
وجه إلى أحمد بن حنبل أَنَّ عِندك طَلِبَة أَمير المؤمنين، فوجَّه بحاجبه مُظَفر ،
(١) ساقطة من ( ف ) .
(٢) قرية من قرى بغداد، قرب عُكبّرا، وهي غير بصرى المشهورة بالشام. ((معجم البلدان)) ٤٤١/١.
(٣) في (د) و (هـ): ((فقلت له )).
(٤) ((سيرة الإمام أحمد)) : ٩٠ - ٩٢.
٤٨٦

وحضر معه صاحب البَريد - وكان يُعرف بابن الكلبي - وكان قد كتب إليه
أيضًا ، فقال له مُظفر: يقول لك الأمير: قد كتبَ إِلَّ أَمير المؤمنين أَن عندك
طَلِبته ؟ وقال له ابنُ الكلبي مثل ذلك ، وكان قد نام الناس(١).
أخبرنا محمد بن ناصر ، قال: أخبرنا عبد القادر بن محمد ، قال: أخبرنا
إبراهيم بن عمر ، قال : أخبرنا علي بن عبد العزيز ، قال : أخبرنا عبد الرحمن بن
أبي حاتم ، قال : حدثنا صالح بن أحمد بن حنبل ، قال : دقّوا الباب وأَبي في إزار
فَفتح ، فلما قُرَّ عليه الكتاب وكأنهم أَوْمَؤُوا إِلى أَن عنده عَلويًّا. قال لهمّ : ما
أَعرفُ من هذا شَيْئًا، وإني لأَرى طاعَتُه فِي الْعُسْرِ واليُسرِ والمَنْشَطِ والمَكْرَه
والأَثَرَة ، وإني أَتأسف على تَخلّفي عن الصلاة في جماعة ، وعن حُضور الجمعة
ودعوة المسلمين ، وقد كان إِسحاق وَجّهَ إِليه قبل موته : الزم بيتك ولا تخرج إِلى
جمعة ولا جماعة ، وإلا نزل بك ما نزل بك في أيام أبي إسحاق . ثم قال له ابن
الكلبي : قد أَمرني أَمير المؤمنين أَن أُحلّفك أن ما عندك طَلِبَته فتحلف، قال:
إن استَحلفتموني حلفتُ، فَأَحَلَفَه بالله وبالطلاق، أَن ما عنده(٢) طَلِبَة أَمير
المؤمنين ، ثم قال له : أُريدُ أَن أفتّش منزلك، وكنت حاضرًا، فقال : ومنزل
ابنك ، فقام مُظفر وابن الكلبي وامرأتان معهما ، فدخلا فَقتشا البيت ، ثم فَتَش
الامرأتان النساءَ ، ثم دخلوا منزلي ففتشوه ، ودلّوا شمعة في البئر فنظروا ، ووجهوا
النِّسوة فَفتشوا الحرم ثم خرجوا ، فلما كان بعد يومين ، ورد كتاب علي بن
الجهم : إن أمير المؤمنين قد صَحَّ عنده براءَتك مما قُرفت(٣) به ، وقد كان أهل
البدع مَدوا أعينهم ، فالحمدُ لله الذي لم يُشمتهم بك، قد وجه
(١) ((حلية الأولياء)) ٢٠٦/٩.
(٢) في (ف ) و (هـ ): ((ما عندك )).
(٣) في (هـ): (( قُذفت)).
٤٨٧

---------
إليكَ أَمير المؤمنين يأمرك بالخروج، فالله الله أَن تَستعفي أَو تَرُدَّ المال(١).
أَخبرنا إسماعيل بن أحمد ، ومحمد بن عبد الباقي ، قالا : أخبرنا حَمْد بن
أحمد ، قال: أخبرنا أبو ثُعَيْم الحافظ ، قال : حدثنا أبو بكر بن مالك ، قال :
حدثنا أبو جعفر بن ذريح العُكْبَري ، قال: طلبت أحمد بن حنبل في سَنة ست
وثلاثين ومئتين لأَسأله عن مَسأَلَة ، فَسأَلتُ عنه فَقالوا : خَرج يُصلي ، فجلستُ
حتى جاءَ، فسلَّمت عليه فرد عليّ السلام ، فدخل الزُّقاق وأَنا أُماشيه ، فلما
بلغنا آخر الدرب، إِذا بابٌ يفرج، فَدفعه وصار خَلفه، وقال : اذهَب عافاك
الله . فثنيت عليه ، فقال : اذهب عافاك الله ، فَخرج رجل فسألته عن تَخلُّفه
عن كلامِي ، فقال : ادُّعي عليه عند السلطان أَن عِنده علويًّا، فجاءَ مُحمد بن
نَصر ، فأحاط بالمحلة فَقُتشت ، فلم يوجد فيها شيء مما ذُكر ، فَأَحجم عن كَلام
العامّة(٢) .
أخبرنا ابن ناصر، قال : أخبرنا أبو الحُسين بن عبد الجبار ، قال : أخبرنا
أبو بكر محمد بن علي الخياط ، قال : أخبرنا محمد بن أبي الفَوارس ، قال :
أخبرنا أحمد بن جعفر بن سَلْم(٣)، قال: حدثنا أحمد بن محمد بن
عبد الخالق(٤) ، قال : حدثنا أبو بكر المُّوذي ، قال : سمعتُ أَبا عبد الله يقول :
قد جاءَني أبو علي يحيى(*) بن خاقان ، فقال لي: إِن كتابًا جاءَه فيه : إِن أَمير
المؤمنين يُفْرِئِك السلام ، ويقول لك: لو سَلِمَ أَحدٌ من الناس سَلمتَ أَنت ،
هاهنا رجل قد رَفع عليك وهو في أيدينا محبوس، رَفع عليكَ أَن عَلويًّا قد تَوجَّه
(١) ((سيرة الإمام أحمد)): ٩٩ - ١٠١، و((حلية الأولياء)) ٢٠٦/٩ - ٢٠٧.
(٢) ((حلية الأولياء)» : ١٧٦/٩.
(٣) تحرف في (ش) إلى: ((سالم)).
(٤) في (ط ) : (( حدثنا أحمد بن محمد، حدثنا محمد بن عبد الخالق )) وهو خطأ .
(٥) في أصول النسخ: ((أبو علي بن يحيى)) وهو خطأ، فابن يحيى اسمه عبيد الله وكنيته أبو الحسن)).
٤٨٨

من قِبل خُراسان ، وقد بعثتَ برجل من أصحابك يَتلقاه وهو ذا مَحبوس(١) ؛
فإِن شئتَ ضربتُه ،(٢ وإن شئت حبستُه٢)، وإن شئتَ بعثتُ به إِليك ، قال :
فقلت له : ما أَعرف مما قال شيئًا، أَرى أَن تُطلقوه ولا تَعرضوا له، فقلت لأُبي
عبد الله: سفكَ الله دمه قَد أَشاط (٣) بدمائكم، فقال: ما أُراد إِلا استئصالنا،
ولكن قلتُ: لعلّ له والدة أَو أَخوات أَو بنات ، أَرِى أَن تُخلوا سبيله ولا تَعرضوا
له .
أخبرنا عبد الملك الكَرُوخي، قال : أخبرنا عبد الله بن محمد الأنصاري ،
قال: أخبرنا أبو يعقوب ، قال: أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله الَّلَّلُ(٤)،
قال: أخبرنا محمد بن إبراهيم الصرّام(٥)، قال: أخبرنا إبراهيم بن إسحاق قال :
إِنَّ المتوكل أُخذَ العلوي الذي سَعى بأَبي عبد الله إِلى السلطان ، وأَرسله إلى أَبي
عبد الله ليقولَ فيه مقالة للسلطان ، فعفا عنه ، وقال : لعلّه يكون له صِبيان
يُحزِنهم قتله .
(١) في (ط) و (هـ ): ((وهو ذا هو محبوس)).
(٢ - ٢) ساقط من ( ط ) .
(٣) يقال: شاط دم فلان، أي: ذهب، وأشطتُّ بدمه: أردتُ إذهابه ((اللسان)).
(٤) تحرف في ( د) و (ف) إلى: ((الدلال).
(٥) ساقطة من (هـ ) .
٤٨٩

سياق قصة خُروجه إلى العَسْكر بعد انقضاء أمر (١) هذه التُّهمة
أُخبرنا محمد بن أبي منصور ، قال : أخبرنا عبد القادر بن محمد ، قال :
أخبرنا إبراهيم بن عمر ، قال : أخبرنا علي بن عبد العزيز (٢) ، قال : أخبرنا
عبد الرحمن بن أبي حاتم ، قال : حدثنا صالح بن أحمد بن حنبل ، قال : وَرد
كتابُ علي بن الجَهم: إِنَّ أَمير المؤمنين قَد وجّه إِليكَ يعقوب المعروف
بقَوْصَرَّة(٣) ومعه جائزة ويأمرك بالخُروج ، فالله الله أَن تَستعفي أَو تَردّ المال،
فيتَّسع القول لمن يُبغضك ، فلما كانَ الغد وَرد يعقوب فدخل إليه ، فقال : يا أَبا
عبد الله ، أَميرُ المؤمنين يقرأ عليكَ السلام ويقول: قَد صحَّ عِندنا نقاءُ ساحَتك ،
وقد أحببتُ أَن آنَس بقُربك، وأَن أَتْبِك بدُعائك ، وقد وجَّهتُ إِليك عشرة
آلاف دِرهم مَعونةً على سفرك . وأَخرج بَدْرةً فيها صُرّة نحو من مئتي دينار ،
والباقي دراهم صحاح ، فلم ينظر إِليها ، ثم شدّها يعقوب وقال له : أعودُ غدًا
حتى أَنظر ما تَعزم عليه ، وقال له : يا أبا عبد الله ، الحمدُ لله الذي لم يُشمت
بكَ أَهل البِدع. وانصرف، فَجئتُ بِإِجَّانَة (٤) خضراء فكَيبتُها ، (° على البَدرة٥) ،
فلما كان عند المغرب ، قال : يا صالح ، خذ هذا صَيِّره عندك ، فصيرتُها عند
(١) ساقطة من ( ط ) .
(٢) في (ف): (( بن عبد القادر))، وهو خطأ.
(٣) لقب يعقوب أحد حجّاب المتوكل .
(٤) وعاء كبير تغسل فيه الثياب ، وتسمى أيضًا: المِرْكَن ((اللسان)).
(٥ - ٥) ساقط من ( ط ) .
٤٩٠

رأسي فوقَ البيت ، فلما كان السَّحر(١) إِذا ينادي: يا صالح (٢) ، فقمتُ
فصعدتُ(٢) إليه ، فقال: ما نمتُ ليلتي هذه، فقلت: لمَ يا أَبَة ؟ فجعل
يبكي ، وقال : سلمتُ من هؤلاءٍ حتى إِذا كان في آخر عُمري بُليتُ بهم ، قد
عزمتُ على أَن أُفْرَق هذا الشيء إذا أصبحتُ ، فقلت : ذلك إِليكَ ، فلما
أَصبحَ جاءَه الحسنُ البزّاز والمشايخ ، فقال: جئني يا صالح بميزان ؛ فقال :
وجُّهوا إِلى أَبناءِ المهاجرين والأنصار ، ثم قال: وَجِّه إلى فُلان حتى يُفرق في
ناحيته ، وإلى فلان . فلم يزل حتى فَرقها كلّها ونفضتُ الكيسَ ، ونحنُ في حالة
الله تعالى بها عليم . فجاءَ بُني لي(٣) فقال: أَعطني يا أَبة دِرهمًا، فنظر إِلَّ
فأخرجتُ قِطعة أعطيته ، وكتب صاحب البيد أنه قد تصدّق بالدراهم من يَومه
حتى تَصدق بالكيس .
قال علي بن الجَهم : فقلتُ له : يا أميرَ المؤمنين ، قد [ تصدق بها و(٤) ]
علم الناس أنه قد قبل منك(٥) ، وما يَصنع أُحمد بالمال؟ وإنما قُوته رغيفٌ(٦)،
قال : فقال لي : صَدقتَ يا علي .
قال صالح: ثم أخرجنا ليلًا معنا حراس معهم النقَّاطات(٧)، فلما أَضاءَ
الفجر ، قال لي : يا صالح، أمعك دراهم ؟ قلت : نعم . قال : أُعطهم ،
فأعطيتهم درهمًا درهمًا. فلما صرنا إِلى الحنّاطين(٨)، قال يعقوب :
(١) في (د) و (ف): ((سحرًا)).
(٢) ساقطة من ( ط ) .
(٣) ساقطة من (فى ) .
(٤) تكملة من (( سيرة الإمام أحمد)).
(٥) في (ش): (( أنه قد زهد في الدنيا من قبلك)).
(٦) ساقطة من (ف ) .
(٧) ضرب من السُرُج يستصبح به «اللسان)).
(٨) تصحفت في (ف) إلى: ((الخياطين)).
٤٩١