Indexed OCR Text
Pages 461-480
i أَخاف فِتنةً بالسوط ، وأخاف أن لا أَصبر. فسمعه بعض أهل الحبس وهو يقول ذلك ، فقال : لا عليكَ يا أبا عبد الله ، فما هو إِلا سَوطان ثم لا تدري أين يقع الباقي ، فكأنه سُرِّي عنه ، ورُدّ من الرقّة وحُبس(١) . أخبرنا هبة الله بن الحسين بن الحاسب ، قال : أخبرنا الحسن بن أحمد بن البَّا، قال: أخبرنا أبو الفَتح بن أَبي الفَوارس، قال : حدثنا أحمد بن جعفر بن سَلْم ، قال : حدثنا عمر بن محمد بن عيسى الجَوهري ، قال : حدثنا صالح بن أَحمد، قال : لما جاءَ نَعِيُّ المأمون رُدّ أَبي وُمُحمد بن نوح في أَقيادهما إِلَى الرَّقة ، وأُخرجا في سَفينة مع قوم مُحبسين ، فلما صارا بعانات توفي محمد بن نوح ودُفن بها، ثم صارَ أَبي إلى بغداد وهو مُقيد، فمَكث بالياسرية(٢) أيامًا ، ثم صار إِلى الحَبس في دارٍ اكتُريت له عند دار عُمارة ، ثم نُقل بعد ذلك إِلى حَبس العامة في دَرب الموصلي ، وفي رواية في دَرب يُعرف بالموصلية(٣). أخبرنا محمد بن أبي منصور ، قال : أخبرنا أبو الفضل الحداد ، قال : حدثنا أبو نُعَيم الحافظ ، قال : حدثنا محمد بن جعفر ، قال : حدثنا محمد بن إسماعيل ابن أحمد ، قال : حدثنا صالح بن أحمد ، قال : قال أبي : كنتُ أُصلي بأَهلِ السجن(٤) وأَنَا مُقيد(٥) . أخبرنا عبد الرحمن بن محمد القزاز ، قال : أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت ، قال : أخبرني الحسن بن علي التَّميمي ، قال : حدثنا عمر بن أحمد الواعظ ، قال : (١) ((سير أعلام النبلاء)) ٢٣٩/١١ - ٢٤٠. (٢) قرية كبيرة على ضفة نهر عيسى بينها وبين بغداد ميلان. ((معجم البلدان)× ٤٢٥/٥ . (٣) ((سيرة الإمام أحمد)) : ٥١ - ٥٢ . (٤) في ( ش ) : (( الحبس). (٥) ((حلية الأولياء)) ١٩٧/٩، و((سيرة الإمام أحمد»: ٥٢. ٤٢٨ حدثنا أحمد بن محمد بن مَسْعَدة الأصبهاني ، قال : حدثنا أبو يحيى مَكي بن عبد الله بن يوسف الثَّقفي ، قال : حدثنا أبو بَكر الأَعين ، قال : قلتُ لآدم العَسقلاني : إِني أُريد أَن أَخرج إلى بغداد ، أَفْلكَ(١) حاجة ؟ قال : نعم ، إِذا أَتِيتَ بغداد فَأْتِ(٢) أَحمد بن حنبل فَأَقْرِئه مِني السلامَ ، وقل له : يا هذا ، اتَّقِ الله وتقرب إليه بما أَنت فيه ، ولا يَستغزتَّك أَحد ، فإنك إن شاءَ الله مُشرف على الجنة، وقل له : حَدَّثنا الليثُ بن سعد، عن مُحمد بن عجلان ، عن أَبي الزِّناد، عن الأُعرج، عن أَبي هُريرة، قال: قالَ رسولُ اللهِ عَّهِ: ((مَنْ أَرادَكُمْ عَلى مَعصِيَةِ اللهِ فَلا تُطيعوه))(٣). فأَتيتُ أحمد بن حنبل في السِّجن فدخلتُ عليه ، فسلَّمتُ عليه وأَقْرَأَته السلامَ ، وقلتُ له هذا الكلامَ والحديث ، فأَطرقَ أَحمد إِطراقةً ثم رفع رأسه فَقال: رَحمه الله حيًّا وميتًا، فلقد أُحسنَ النصيحة (٤) . أخبرنا عبد الملك بن أبي القاسم ، قال : أخبرنا عبد الله بن محمد (١) في (د) و(ف): ((فلكَ)). (٢) في ( ش): (( فأتيت ) . (٣) أورده الخطيب البغدادي في ((تاريخه)) ٢٩/٧، وأخرجه أحمد ٦٧/٣، وابن ماجه (٢٨٦٣) في الجهاد: باب لا طاعة في معصية الله، من حديث أبي سعيد الخدري أن رسول الله عَ لّه بعث علقمة بن مُجرّز على بعث وأنا فيهم ، فلما انتهى إلى رأس غزاته - أو كان ببعض الطريق - استأذنته طائفة من الجيش ، فأذن لهم وأُمَّر عليهم عبد الله بن حذافة بن قيس السهمي ، فكنت فيمن غزا معه ، فلما كان ببعض الطريق أوقد القوم نارًا ليصطلوا، أو ليصنعوا عليها صنيعًا، فقال عبد الله - وكانت فيه دعابة - : أليس لي عليكم السمع والطاعة؟ قالوا: بلى، قال: فما أنا آمركم بشيء إلا صنعتموه ؟ قالوا : نعم . قال : فإني أعزم عليكم إلا تواثيتم في هذه النار. فقام ناس فَتحجّزوا، فلما ظن أنهم واثبون قال : أمسكوا على أنفسكم، فإنما كنت أمزح معكم، فلما قدمنا ذكروا ذلك للنبي عَ له، فقال رسول الله عَلَّه: ((مَن أمركم منهم بمعصية الله، فلا تُطيعوه)». وصححه ابن حبان (١٥٥٢) والحاكم، والبوصيري في ((الزوائد)) ورقة ٠١٨٢ (٤) الخبر في ((تاريخ بغداد)) ٢٨/٧ - ٢٩. ٤٢٩ .... الأنصاري ، قال : أخبرنا إسحاق بن إبراهيم السَّرخسي ، قال : أخبرنا محمد بن عُبيد الله الَّلَّل(١)، حدثنا محمد بن إبراهيم الصّام، قال: حدثنا إبراهيم بن إسحاق الغَسِيلي(٢)، قال: حدثنا أبو بكر محمد بن طَريف الأَعين ، قال : أتيتُ آدَم بن أبي إياس ، فقلت له : إِن عبد الله بن صالح يُقْرِتُك السلامَ، قال : لا تُقْرِثْني منه السلام ، ولا تُفْرِتْه مني السلام. فقلت : ولم ؟ قال : لأنه قالَ : القرآن مخلوق ، فقلت له : إنه قد اعتذر اليومَ وأخبر الناسَ برجوعه عن ذلك ، قال : إِن كان كذلك فَأَقْرِئِه مني السلام . فلما فرغتُ قلت له : إِني أُريد الخُروج إلى بغداد ، فهل لك من حاجة ؟ قال : نعم ، ائتِ أحمدَ بن حنبل فاقرأ عليه مني السلام ، وقل له : يا هذا ، اتق الله وتقرب إلى الله بما أَنتَ عليه ، ولا يستغزنَّك أَحد عن دينك، فإِنك إِن شاءَ الله مشرفٌ على الجنة . وقل له : حدَّثنا(٣) الليث بن سعد عن ابن عَجلان عن أبي الزناد عن الأعرج عن أَبي هُريرة قال: قالَ رسول الله عَّ ◌ُله: ((مَن أَرادكم على معصية الله فلا تُطيعوه)). فأتيته وهو في السّجن فأَقرأته السلام وأُخبرته بالكلام والحَديث ، فأَطرق مليًّا، ثم قال: يَرحمه الله حيًّ وميتًا قد أحسن النصيحة . ٠٠ ... (١) بعد اللام ألف ألفٌّ ثانية ممدودة وبعدها لام. هذه النسبة إلى بيع اللؤلؤ، ويقال له : اللؤلؤي أيضًا . ((اللباب): ٣٠٠/٣. وقد تحرفت في (د) إلى: ((الدلّال)). (٢) تصحف في (د) إلى: ((العسيلي))، وفي (ف) إلى: ((العسلي)). (٣) في (ف ): ((حديث)). ٤٣٠ الباب التاسع وَالسّتون في ذكر قصته مع المعتصم لما مات المأمون رُوَّ أَحمد إلى بغداد ، فسُجن إلى أن امتَحنه المعتصم ، وكان أَحمد بن أَبي دُؤاد على قَضاءِ القُضاة ، فحمله على امتحان الناس بخلق القرآن . (١قال أبو بكر المُّوذي: لما سُجن أحمد بن حنبل، جاءَ السجّان، فقال له : يا أَبا عبد الله، الحديثُ الذي رُوي في الظَّلَمة وأعوانِهم صَحيحٌ(٢) ؟ قال : نعم ، قال السجّان: فأَنا من أَعوانِ الظَّلَمة؟ قال أحمد: فأَعوانُ الظَّلمة من يأخذ شعرك ، ويغسل ثَوبك، ويُصلح طعامك ، ويَبيع ويشتري منك، فأَما أَنْتَ فِمِن أَنفُسِهم١) . (١ - ١) ساقط من (د) و ( ط) و (ف) و (هـ ). (٢) روى الترمذي (٢٢٦٠) في الفتن: باب تحريم إعانة الحاكم الظالم، والنسائي ١٦٠/٧ في البيعة : باب ذكر الوعيد لمن أعان أميرًا على الظلم ، وباب من لم يُعِن أميرًا على الظلم، وأحمد ٢٤٣/٤ من طريق مسعر : عن أبي حصين ، عن الشعبي عن عاصم العدوي ، عن كعب بن عجرة - رضي الله عنه - قال : حرج إلينا رسول الله عَّ ونحن تسعة - خمسة وأربعة ، أحد العددين من العرب والآخر من العجم - فقال: ((اسمعوا ، هل سمعتم أنه سيكون بعدي أمراء، فمن دخل عليهم فصدقهم بكذبهم وأعانهم على ظلمهم ، فليس مني ولست منه ، وليس بوارد عليّ الحوض ، ومن لم يدخل عليهم ، ولم يُعِنهم على ظلمهم، ولم يصدقهم بكذبهم، فهو مني وأنا منه، وهو وارد عليَّ الحوض)). قال الترمذي: هذا حديث صحيح غريب لا نعرفه من حديث مسعر إلا من هذا الوجه . وله شواهد كثيرة عند أحمد ٩٥/٢ عن ابن عمر، و٢٤/٣ و٩٢ عن أبي سعيد الخدري، ٣٢١/٣ و٣٩٩ عن جابر بن عبد الله، و٣٨٤/٥ عن حذيفة بن اليمان، و١١١/٥، و٣٩٥/٦ عن خباب ابن الأرت. ورواه الحاكم في ((المستدرك)) ٤٢٢/٤ من حديث جابر بن عبد الله، وصححه، ووافقه الذهبي. ٤٣١ أخبرنا ابن ناصر ، قال : أخبرنا عبد القادر بن محمد (١)، قال : أخبرنا البَرْمَكي ، قال : أخبرنا ابن مَرْدَك ، قال : حدثنا ابن أبي حاتم ، قال : حدثنا صالح بن أحمد ، قال : قال أبي : لما دخلتُ عليه قال لي - يعني المعتصم - : ادْنُهْ ، ادْتُهْ ، فلم يَزل يُدنيني حتى قَربت منه . ثم قال : اجلس ، فجلست وقد أُتْقلتني الأَقياد ، فمكثتُ قليلاً ثم قلتُ : تَأذن(٢) في الكَلام ؟ فقال : تَكلّم . فقلتُ : إِلى ما دعا الله ورسوله ؟ فسكتَ هُنيهةً ، ثم قال : إِلى شهادة أن لا إِله إلّا الله . فقلتُ : فأَنا أَشهدُ أَن لا إِله إِلّا الله ، ثم قلتُ : إِنَّ جدكَ ابنَ عباسٍ يقول: لما قَدِم وفدُ عبدِ القَيْس على النبي عَ ◌ّهِ سَألوه عن الإِيمان ، فقال: (( أَتَّدرونَ ما الإِيمان؟(٣))) قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: ((شَهادة أَنْ لا إِله إلّا الله وأَنَّ مُحمدًا رَسُولُ اللهِ، وإِقامُ الصَّلاةِ، وإِيتَاءُ الزَّكَاةِ، وَأَن تُعطُوا الخُمُسَ مِنَ المَعْنَم ))(٤) . فقال أُبي: فقالَ - يعني المعتصم -: لولا أُتّي وجَدتك في يدِ مَن كانَ قبلي ما عَرِضتُ لك . = جعفر المنذري وأبو أحمد بن أبي أسامة ، قالا : سمعنا محمد بن إبراهيم البوشنجي ، قال : قدم المعتصم من بلاد الروم بغداد في شهر رمضان سنة ثمان عشرة ، فامتحن فيها أحمد ، وضرب بين يديه)). وسيرد في الصفحة (٤٤٥) . (١) ساقطة من ( د) و (ف ) . (٢) في (هـ ): (( أتأذن )). (٣) في (ف): (( ما الإِيمان بالله)). (٤) أخرجه البخاري ١٢٠/١، ١٢٥ في الإيمان : باب أداء الخمس من الإيمان، وفي العلم : باب تحريض النبي ◌َّ وفد عبد القيس على أن يحفظوا الإيمان والعلم ويُخبروا مَن وراءَهم، وفي مواقيت الصلاة: باب قول الله تعالى: ﴿ مُنيبين إليه واتقوه﴾، وفي الزكاة: باب وجوب الزكاة ، وفي الجهاد : باب أداء الخمس من الدين ، وفي الأنبياء : باب نسبة اليمن إلى إسماعيل ، وفي المغازي : باب وفد عبد القَيس ، وفي الأدب : باب قول الرجل: مرحبًا، وفي خبر الواحد: باب وَصاة النبي عَّه وفود العرب أن يُبلغوا مَن وراءَهم، وفي التوحيد: باب قول الله تعالى: ﴿والله خلقكم وما تعملون﴾، وأخرجه مسلم (١٧) في الإيمان: باب الأمر بالإِيمان بالله، وأبو داود (٤٥١٩) في السنة، والنسائي ٢٢٣/٨ في الأشربة ، وهو في = ٤٣٤ : .... .... . ثم قال: يا عبد الرحمن بن إسحاق ، أَلم آمُرُك أَن تَرفع المحنة ؟ قال أَبي : فقلتُ : الله أكبر، إِنَّ في هذا لَفَرِجًا للمسلمين ، ثم قال لهم - يعني المعتصم -: ناظروه، كَلّموه ، ثم قال: يا عبد الرحمن، كلِّمه. فقال لي عبدُ الرحمن : ما تقولُ في القُرآن ؟ قلت له : ما تقولُ في عِلم الله عزَّ وجل ؟ فسكتَ ، فقال لي بعضهم: أُليسَ قال الله عزَّ وجلَّ: ﴿اللهُ خَالقُ كُلٌّ شَيءٍ﴾(١) والقرآن أَليسَ هو شيئًا(٢) ؟ قال أبي: فقلتُ : قال الله عزَّ وجلّ: ﴿ تُدَمَّرُ كُلَّ شَيءٍ بِأَمْرِ رَبِّها﴾(٣) فدمَّرت إِلا ما أُراد الله عزّ وجل ؟ وقال بعضهم : قال الله عز وجل: ﴿ ما يَأْتيهم مِن ذِكْرٍ من رَبهم مُحْدَثٍ﴾ (٤) أَفيكونُ محدثٌ إِلا مخلوقًا؟ قال أَبي: فقلت له: قالَ الله عز وجل: ﴿صّ والقرآنِ ذِي الذِّكر﴾(٥) والذِّكر هو القُرآن، وَتِلكَ ليس فيها أَلْفٌّ ولا لام. قال أبي : وذكر بعضهم حَديث عِمران بن حُصَين: إِن الله عزَّ وجل خَلقَ الذِّكر ، فقلتُ: هذا خَطأ؛ حدَّثنا غيرُ واحد: (( إنَّ الله عزَّ وجلَّ كَتَبَ الذِّكر))(٦)، واحتجوا عليَّ بحديث ابن مسعود: (( ما خلق الله عزَّ وجلَّ من جَنِةٍ = ((المسند )» ٢٢٨/١ و٣٦١. (١) سورة الرعد : ١٦، والزمر : ٦٢ . (٢) في الأصول: ((شيء)). (٣) سورة الأحقاف : ٢٥ . (٤) سورة الأنبياء : ٢ . (٥) سورة ص : ١ . (٦) المحفوظ من حديث عمران بن حصين: ((وكتب في الذكر كل شيء)) . أخرج الحديث بتمامه البخاري ٢٠٥/٦، ٢٠٧ في أول بدء الخلق، و ٣٤٥/١٣، ٣٤٧ في التوحيد: باب وكان عرشه على الماء ، عن عمران بن حصين قال: دخلت على النبي عَّة وعقلت ناقتي بالباب ، فإذا ناس من بني تميم ، فقال : ((اقبلوا البشرى يا بني تميم))، قالوا: قد بشرتنا، فأعطنا - مرتين - ثم دخل عليه ناس من اليمن ، فقال : (اقبلوا البشرى يا أهل اليمن، إذ لم يقبلها بنو تميم)) قالوا: قبلنا، جئناك لنتفقه في الدين، ونسألك عن أول= ٤٣٥ ولا نارٍ ولا سَماءٍ ولا أُرضٍ أُعظمَ من آيةِ الكُرسي))(١). قال أَبي: فقلتُ : إِنما يوقع الخلق على الجنة ، والنار والسماء والأرض، ولم يقع على القرآن(٢). قال: فقال بعضهم: حَدثنا حديث حَبَّاب: ((يا هَنَتَاه، تَقرَّبْ إِلى الله بما استَطعتَ، فإِنك لن تَتَقرّب إِليه بشَيءٍ أَحبَّ إليه من كلامه))(٣) . قال أبي : هذا كذا هو ، فجعل ابن أبي دُؤاد ينظر إِليه كالمغضب قال : وكانَ يتكلم هذا فأَردّ عليه ، ويتكلم هذا فأردّ عليه ، فإذا انقطعَ الرجلِ منهم اعترضَ ابنِ أَبي دُؤاد، فيقول : يا أَمير المؤمنين ، هو والله ضالٌّ مُضلِّ مُبتدع! قال أبي : فيقول: كَلِّموه ، ناظروه ، فَيكلمني هذا فأُرد عليه ، ويُكلمني هذا، فأرد عليه ، فإِذا انقطعوا يقول لي : - يعني المعتصم - وَيحك يا أحمد ! ما تَقول ؟ فأقول: يا أمير المؤمنين ، أَعطوني شَيئًا من كتاب الله عزَّ وجلّ ، أَو سُنة رسولِ الله عَِّ حتى أَقْوَلَ به ، فيقول ابن أبي دؤاد: وأَنْتَ لا تقول إلا ما في كتاب الله ، أَو سُنة = هذا الأمر ما كان؟ قال: ((كان الله ولم يكن شيء غيره ، وكان عرشه على الماء ، وكتب في الذكر كل شيء، وخلق السماوات والأرض )). (١) أورده السيوطي في ((الدر المنثور٥ ٣٢٣/١ ونسبه إلى أبي عبيد، وابن الضريس، ومحمد بن نصر، بلفظ: (( ما خلق الله من سماء ولا أرض ولا جنة ولا نار أعظم من آية في سورة البقرة: ﴿الله لا إله إلا هو الحي القيوم﴾)). وأخرجه سعيد بن منصور، وابن الضريس، والبيهقي في ((الأسماء والصفات)) عن ابن مسعود قال : ما من سماء ولا أرض ولا سهل ولا جبل أعظم من آية الكرسي . (٢) في (د) و (ط): ((على حرف القرآن)). (٣) أخرجه الآجري في (( الشريعة)»: ٧٧، من طريق أبي القاسم عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي ، حدثنا داود بن رشيد ، حدثنا أبو حفص الأبار ، عن منصور ، عن هلال بن يساف ، عن فروة ابن نوفل ، قال : أخذ خباب بن الأرت رضي الله عنه بيدي ، فقال : يا حَناه ، تقرب إلى الله عزَّ وجل بما استطعت ، فإنك لست تتقرب إليه بشيء أحب إليه من كلامه . وسنده صحيح ، وأورده أبو نعيم في (( الحلية )) ١٩٩/٩ بدون إسناد . ٤٣٦ رسول الله ؟ فقلت له : تَأوَّلِتَ تَأْوِيلًا ، فأَنت أَعلم ، وما تأولتُ ما يُحبس عليه ويُقَيَّد عليه(١) . أخبرنا عبد الملك بن أبي القاسم ، قال : أخبرنا عبد الله بن محمد الأنصاري ، قال : أخبرنا أبو يَعقوب، قال : أخبرني جَدي ، قال : أخبرنا محمد بن أبي جعفر المنذري ، وأبو أُحمد بن أبي أُسامة ، قالا : سمعنا محمد بن إبراهيم البُوشَنْجي ، قال : حَدثني بعض أصحابنا ، أَن ابن أَبي دُؤاد أَقبل على أحمد يُكلمه ، فلم يلتفت إليه أحمد ، حتى قال المعتصم لأحمد : أَلا تُكلم أَبا عبد الله ؟ فقال أَحمد : لستُ أَعرفه من أَهل العِلم فأُكلّمه(٢) ! . أخبرنا ابن ناصر، قال : أخبرنا ابن(٣) يوسف، قال: أخبرنا البَرْمَكي، قال : حدثنا ابن مَرْدَك ، قال : حدثنا ابن أبي حاتم ، قال : حدثنا صالح بن أحمد قال: جَعل ابنُ أبي دؤاد يقول: يا أميرَ المؤمنين، والله لئن أَجابك لهو (٤) أُحبُّ إِلَّ من مئة ألفٍ دينار ، ومئة ألفِ دينار - فيعدُّ من ذلك ما شاءَ الله - قال : فقال - يعني المعتصم - : واللهِ لئن أجابني لأُطلقنَّ عنه بيدي، ولِأَرَكبِنَّ إِليه بجُندي ، ولأَطأَن عَقِبَه . ثم قال : يا أحمد ، والله إِني عليكَ لشفيق ، وإني لأُشفق عليكَ كشفقتي على هارون ابني ، ما تقول ؟ فأقول : أُعطوني شيئًا من كتاب الله عزَّ وجلّ ، أَو سُنة رسوله . (١) انظر القصة بطولها في ((سيرة الإمام أحمد)): ٥٥ - ٥٨، و((حلية الأولياء)) ١٩٨/٩، و« سير أعلام النبلاء )) ٢٤٤/١١ - ٢٤٧. (٢) ((سير أعلام النبلاء) ٢٤٧/١١. (٣) في ( د) و (ف): (( أبو)). (٤) ساقطة من ( ف ) . ٤٣٧ فلما طالَ المجلس ضَجِر ، وقال : قوموا ، وحَبسني ، وعبد الرحمن بن إسحاق يُكلّمني ، وقال : ويحك! أُجبني ، وقال لي : ما أُعرفك، أَلم تكن تأتينا ؟ فقال له عبد الرحمن بن إسحاق: يا أمير المؤمنين ، أعرفه منذ ثلاثين سَنة يَرى طاعتك والجهاد والحَج معكم ، قال: فيقول: والله إنه العالم، وإنّه لفقيه. وما يَسوؤني(١) أن يكون مثله معي يردُّ عني أَهلَ المِلَلِ. ثم قال لي: مَا كنت(٢) تعرف صالحًا الرشيدي ؟ قال : قلت : قَد سمعت باسمه . قال: كان مُؤدِّبي ، وكان في ذلك الموضع جالسًا - وأشار إلى ناحية من الدار - فسألته عن القرآن ، فخالفني ، فأمرت به فوُطئٍّ وسُحِب . ثم قال لي(٣): يا أحمد ، أَجبني إلى شيءٍ لك فيه أدنى فرج حتى أطلق عنك بيدي . قال : قلت : أعطوني شيئًا من كتاب الله عز وجل ، أو سنة رسوله ، فطال المجلس ، فقام فدخل ، ورددت إلى الموضع الذي كنت فيه . فلما كانَ بعد المغرب وَجَّه إِلَّ(٤) برجلين من أصحاب ابن أَبِي دُؤاد ، يَبيتان عندي ، ويناظراني ، ويقيمان معي ، حتى إذا كان وقتُ الإِفطار جيءَ بالطعام ، ويجتهدان بي أَن أفطر فلا أُفعل ، قال أبي : ووجه إِلّ - يعني المعتصم - ابنَ أَبِي دُؤاد في بَعض الليل ، فقال : يقول لك أمير المؤمنين : ما تقول ؟ فأرد عليه نحوًا مما كنت أَرد . فقال ابن أبي دؤاد: والله لقد كتبَ اسمك في السَّبعة ، يحيى ابن مَعِين(٥) وغيره ، فمحوته . (١) في (ش): (( وما يسرني)). (٢) تحرفت في (ف) إلى: ((ياليت)). (٣) ساقطة من ( ف ) و ( هـ ) . (٤) ساقطة من ( ف ) . (٥) في (هـ ): (( وأبو خيثمة، وأحمد الدورقي، والقواريري ، وسعدويه ، وسجادة ، وأحمد بن حنبل ، وخلف المخرمي » . ٤٣٨ (١ - قلت: السبعة: يَحيى بن مَعِين، وأَبو ◌َخَيْئمة، وأُحمد الدَّورقي، والقَواريري وسَعدويه، وسَجادة، وأحمد بن حَنبل، وقيل: خَلَف المخزومي - ١) . ولقد ساءَّني أَخذهم إياك ، ثم يقول : إِن أَمير المؤمنين قد حلف أَن يَضربك ضربًّا بعد ضرب، وأن يُلقيَك في موضع لا تَرى فيه الشمس ، ويقول : إِن أجابني جئتُ إليه حتى أُطلق عنه بيدي ، ثم انصرف . فلما أصبح - وذلك في اليوم الثاني - جاءَ رسوله فأخذ بيدي حتى ذهب بي إِليه ، فقال لهم : ناظروه ، كَلّموه . فجعلوا يناظروني، ويتكلم هذا من هاهنا فَأَردّ عليه ، ويَتكلم هذا من هاهنا فأَردّ عليه، فإِذا جاؤوا (٢) بشيءٍ من الكلام مما ليسَ في كتاب الله عزَّ وجلَّ، ولا سُنة رسوله، ولا فيه خبر . قلت : ما أُدري ما هذا؟ قال : يقولون: يا أمير المؤمنين، إِذا توجَّهَتْ له الحُجة عَلينا ثبتَ ، وإِذا كلَّمناه(٣) بشيءٍ يقول : لا أدري ما هذا ، (٤فيقول : ناظروه٤) ، فقال رجل : يا أَحمد ، أَراك تذكرُ الحديثَ وَتَنْتَحِلِهِ(٥) . قلتُ: ما تقول في ﴿ يُوصِيكُم اللهُ في أَولادِكُمْ لَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيْنِ﴾(٦)؟ فقال: خَصَّ(٧) الله عزَّ وجلَّ بها المؤمنين . فقلتُ : ما تقولُ إِن كان قاتِلًا أَو عَبدًا أَو يَهوديا ؟ قال : فسكتَ ، وإِنما احتججتُ عليهم بهذا، لأنهم كانوا يَحتجّون بظاهر القرآن ، وحيث قال (١ - ١) ساقط من (هـ ) . (٢) في (ف): ((جاء)). (٣) في ( ط): ((ألزمناه)). (٤ - ٤) ساقط من ( ط ) . (٥) انتحله وتَنخَّله: ادعاه لنفسه وهو لغيره ((القاموس)). (٦) سورة النساء : ١١ . (٧) في ( ط): ((أوصى)). ٤٣٩ لي : أَراكَ تنتَحِل الحَديث. فلم يَزالوا كذلك إِلى أَن قَرُب الزوال ، فلما ضَجر ، قال لهم : قوموا ، وخَلا بي وبعبد(١) الرحمن بن إسحاق ، فلم يزل يُكلمني ، ثم قامَ فدخل ، ورُدِدْتُ إِلى الموضع(٢) . أُخبرنا المحمدان ابن ناصر، وابن عبد الباقي ، قالا: أخبرنا حَمْد ، قال : حدثنا أبو نُعَيم الحافظ ، قال : حدثنا سليمان بن أحمد ، قال : حدثنا عبد الله ابن أحمد بن حنبل ، قال : كتب إِلّ الفَتح بن شُخْرُف بخط يده قال: قال(٢) ابْنُ حُطَيط - رجلٌ قد سماه من أُهلِ الفَضل ، من أَهل خُراسان - حُبِس (٤) أحمد بن حنبل وبعض أصحابه في المِحنة في دارٍ قبل أَن يُضرب . قال أحمد بن حنبل : فَلما كان الليلُ نامَ من كان معي من أَصحابي ، وأَنا مُتفكر في أَمري ، قال : فإذا أنا برجل طويل يتخطى الناس حتى دنا مِني. فقال: أَنْتَ أَحمدُ بن حنبل ؟ فسكتُّ ، فقالها ثانية ، فسكتُّ ، فقالها ثالثة : أَنتَ أَبو عبد الله أحمد ابن حنبل ؟ قلتُ : نَعم ، قال: اصْبِر ولكَ الجنّة. قال أحمد: فلمّا مَسَّنِي حَرُّ السَّوط ذكرتُ قولَ الرجُل(٥) .. أخبرنا ابن ناصر ، قال : أخبرنا ابن يوسف ، قال : أخبرنا البَرْمَكي ، قال : حدثنا ابن مَرْدَك ، قال : حدثنا ابنُ أبي حاتم ، قال : حدثنا صالح بن أحمد ، قال: قال أبي : فلما كانت الليلةُ الثالثةُ، قلت : خليق أَن يحدث غدًا من أُمري شَيء ، فقلتُ لبعض من كان معي ، المؤكّل بي : ارتَّدْ لي خَيطًا ، (١) في (د) و (هـ ): ((وخلاني ولعبد))، وفي (ط): ((وخلاني ونفذ عبد الرحمن)). (٢) الخبر بطوله في ((سيرة الإمام أحمد»: ٥٨ - ٦٢، و((حلية الأولياء)) ١٩٩/٩ - ٢٠١، و (( سير أعلام النبلاء)) ٢٤٧/١١ - ٢٤٩. (٣) ساقطة من ( ط ) . (٤) تحرفت في (فى) إلى: ((جليس)). (٥) ((حلية الأولياء)) ١٩٣/٩. ٤٤٠ : فجاءَني بخيطٍ فشددتُ به الأَقياد ، ورَددتُ التّكَةَ إِلى سَراويلي ، مخافَةٍ أَن يحدثَ من أَمري شيءٍ فَأُتعرّى ، فلما كان من الغد في اليوم الثالث وَجّه إِلَّ، فأُدخلتُ(١)، فإِذا الدار غاصَّة ، فجعلت أَدخل من مَوضع إلى موضع ، وقومٌ معهم السيوف ، وقومٌ معهم السِّياط ، وغير ذلك . ولم يكن في اليومين الماضيين كثير (٢) أَحد من هؤلاءِ. فلما انتهيتُ إِليه، قال: اقعُد . ثم قال : ناظروه ، كلِّموه . قال: فَجعلوا يُناظروني، ويَتكلم هذا فأَردُّ عليه، ويتكلم هذا فأَردُّ عليه ، وجعل صوتي يعلو أصواتهم ، فجعل بعض من على رأسه قائم يُومى إِلَّ بيده . فلما طال المجلس نَحّاني ثم خَلا بهم ، ثم نَحّاهم ورَدّني إليه ، وقال : وَيحك يا أَحمد ! أَجبني حتى أطلق عنك بيدي ، فرددت عليه نَحوًا مما كنتُ أردّ ، فقال لي: عليكَ - وذكر اللَّعنَ - ثم قال: خُذوه واسحبوه وخلِّعوه(٣). قال : فسُحِبت ، ثم خُلِّعت . قال: وقد كان صار إِلَّ شَعْرٌ من شَعر النبي عَِّ، فَصررتُه في كُم قَميصي، فوجَّه إِلَّ إسحاق بن إبراهيم: ما هذا المصرور في كم قَميصك ؟ فقلت: شَعر من شَعر النبي عَّه. قال: وسَعى بعضُ القوم إلى القَميص ليَخرقه عَلَيَّ ، فقال لهم : - يعني المعتصم - : لا تخرقوه . فُزع القميص عني . قال : فظننتُ أَنه إِنما دُرئ عن القَميص الخَرق بسبب الشعر الذي كان فيه . قال أبي: وجلس على كُرسي - يعني المعتصم - ثم قال: العُقابَين والسِّيَاط، فجيءَ بالعُقابَين(٤) ، فَمُدت يَداي ، فقال بعض من حَضر خَلفي : (١) في (د): (( فأدخلت عليه )). (٢) في ( ش ) و (هـ): (( كبير)). (٣) في ( ف): (( وأسجنوه واخلعوه)). (٤) هما خَشبتان يَشْبح الرجلُ الجلد بينهما. ((اللسبان)). ٤٤١ .. ... ◌ُخُذ ناتئَ(١) الخَشبتين بيديك وشُدَّ عَليهما، فَلم أُفهم ما قال ؛ فَتخلَّعت يَداي(٢) . أخبرنا عبد الملك بن أبي القاسم ، قال : أخبرنا عبد الله بن محمد الأنصاري ، قال : أخبرنا أبو يعقوب، قال: أخبرنا جدي ، قال : أخبرنا محمد بن أبي جعفر المنذري ، وأَبو أَحمد بن أبي أسامة ، قالا: سَمعنا محمد بن إبراهيم البُوشَنْجي، يقول: ذكروا أن المعتصم لانَ في أَمر أَحمد لما عُلِّق في العُقابين، ورَأَى (٣) تُبوته وتَصميمه وصَلابته في أَمرِهِ ، حتى أغراه ابنُ أَبي دُؤاد ، وقال له : إِن تَرِكته ، قيل : إِنكَ تركتَ مذهب المأمون وسَخِطتَ قوله ، فهاجَه ذلك على ضَرِبِه (٤) . أخبرنا ابن ناصر ، قال : أخبرنا ابن يوسف ، قال : أخبرنا البَرْمَكي ، قال : أخبرنا ابن مَرْدَك ، قال : حدثنا ابن أبي حاتم ، قال : حدثنا صالح ، قال : قال أبي : لما جيءَ بالسياط نَظر إليها المعتصم ، فقال : ائتوني بغيرها ، فأُتي بغيرها ، ثم قال للجلادين : تقدموا . قال : فجعل يتقدم إليَّ الرجلُ منهم فَيضربني سَوطين ، فيقول له : - يعني المعتصم - شُدّ ، قَطع الله يدك ثم يَتنحّى ، ثم يتقدم الآخر فيضربني سوطين ، وهو في كل ذلك يقول لهم : شُدوا قَطع الله أيديكم. فلما ضُربت تسعة عشر سوطًا، قام إليّ - يعني المعتصم - فقال : يا أحمد ، علامَ تقتل نفسك ؟ إني والله عليك شَفيق . قال : ..... (١) في (ط): ((بأي)) وفي ( ش): (( خذ بأبي عبد الله الخشبتين)) وهو تحريف . (٢) ((سيرة الإمام أحمد)): ٦٢ - ٦٤، و((حلية الأولياء) ٢٠١/٩ - ٢٠٢، و((سير أعلام النبلاء)) ٢٤٩/١١ - ٢٥٠. (٣) في ( ط): ((ولما رأى)» . . (٤) ((سير أعلام النبلاء)) ٢٥١/١١. ٤٤٢ : فجعل عُجِيْفْ يَنخسني بقائم (١) سَيفه، وقال: تريد أن تغلبَ هؤلاءِ كلهم(٢) ؟! وجعل بعضهم يقول: وَيلك ! الخليفة على رأسك قائم ! وقال بعضهم : يا أمير المؤمنين ، دمهُ في عنقي، اقتله . وجعلوا يقولون له : يا أمير المؤمنين ، أَنتَ صائم، وأنت في الشمس قائم ! فقال لي : ويحك يا أَحمد ! ما تقول؟ فأقول: أعطوني شيئًا من كتاب الله عز وجل أَوسُنة رسوله عَ لَّلِ، أَقول به . قال : ثم رجع فجلس ، ثم قال للجلاد: تَّقدم، أُوْجع قَطع الله يدَك(٣) ثم قام الثانية ، فجعل يقول : ويحك يا أَحمد ! أُجبني، فجعلوا يُقبلون علّ ويقولون: ويلك(٤) يا أَحمد ! إِمامك على رأسك قائم! وجعل عبد الرحمن يقول : من صَنع من أصحابك في هذا الأمر ما تَصنع ؟ قال : وجعل يقول - يَعني المعتصم - : ويحك! أجبني إلى شيءٍ لك فيه أدنى فرج حتى أُطلق عنك بيدي. قال: فقلت: يا أميرَ المؤمنين، أُعطوني شيئًا من كتاب الله عزَّ وجلَّ أَو سُنة رسوله حتى أَقول به . قال : فرجع فَجلس ، فقال للجلادين : تَقدموا ، فجعل الجلاد يتقدَّم ويَضربني سوطين ويَتنحى ، وهو في خِلال ذلك يقول : شُدَّ قطع الله يَدك! قال أبي : فذهبَ عقلي، فأَفقتُ بعد ذلك ، فإِذا الأَقيادُ قد أُطلقتْ عني ، فقال لي رجل ممن حَضر: إِنا كبَبْناك على وَجهك، وطَرحنا على ظهرك باريّةً(٥) ودُسْناكَ . قال أَبي : فما شعرتُ بذلك، وأتوني بسَوِيق(٦)، فقالوا لي: اشرب وَتقيّأْ، فقلت: لست أفطر. ثم جيءَ بِي إِلى دار (١) في (ف) و (هـ): ((بقائمة)). (٢) تحرفت في (ط) إلى: ((كلمهم)). (٣) في (د) و (ف): « يديك )). (٤) في (ط): ((ويحك)). (٥) بكسر الراء وفتح الياء المشددة: الحصير المنسوج، فارسية الأصل. ((اللسان)). (٦) شراب يُتخذُّ من الحنطة والشعير. ((اللسان)). ٤٤٣ إسحاق بن إبراهيم ، فحضرت صَلاة الظهر ، فتقدم ابنُ سَمَاعةً فصَلّى ، فلما انفتل من الصلاة ، قال لي : صَليتَ والدمُ يسيل في ثوبك ؟! فقلت : قد صَلّى عُمر وجرحه يثعب دمًّا(١) . قال أبو الفَضل : ثم خُلّي عنه ، فَصار إلى منزله ، فمكث في السِّجن منذ أُخذ وحُمل إِلى أَن ضُرب وخُلّي عنه ثمانيةً وعِشرين شهرًا . قال صالح : ولقد أَخبرني أَحدُ الرجلين الَّذين كانا مع أبي - يعني في الحبس(٢) - وكانَ هذا الرجل قد سَمع ونَظر، ثم [ جاءني ](٣) بعد ذلك فقال لي : يا ابن أخي، رَحمة الله على أبي عبد الله، واللهِ ما رأيتُ أَحدًا يُشبهه ، ولقد جعلتُ أَقول له في وقتِ ما يُوَجَّهُ إِلينا بالطعام : يا أَبا عبد الله ، أَنْتَ صائم ، وأنتَ في موضع تَقِيَّةٍ ، ولقد عطش فقال لصاحب الشراب : ناولني ، فناوله(٤) قَدحًا فيه ماء وثلج، فأخذه ونظر إليه هُنَيّةً ثم ردَّه عليه ولم يشرب ، فجعلتُ أُعجب من صَبره على الجوع والعطش ، وهو فيما هو فيه من الهول(٥) ! قال صالح : وقد. كنتُ أَتمسُ وأَحتال أَن أوصِل إِليه طعامًا أَو رَغيفًا أَو رغيفين في تلك الأيام ، فلم أَقدر على ذلك . وأخبرني رجل حضره : أَنْه تَفقده في هذه (١) أخرجه مالك في (( الموطأ)) برقم ٧٩ : باب العمل فيمن غلبه الدم من جرح أو رُعاف ، من طريق هشام بن عروة ، عن أبيه ، أن المسور بن مَخرمَة أخبره أنه دخل على عمر بن الخطاب من الليلة التي طعن فيها ، فأيقظ عمر لصلاة الصبح ، فقال عمر: نعم ، ولا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة ، فصلى عمر وجرحه يثعب دمًّا . أي : يجري ويتفجر منه الدم . (٢) في (د): (( السجن)). (٣) في أصول النسخ: ((حال))، والمثبت من ((سيرة الإمام أحمد)) و((حلية الأولياء)). (٤) في ( هـ ): ((فناولته)). (٥) في ( د): ((العول)). ٤٤٤ الثلاثة الأيام وهم يُناظرونه ويُكلمونه ، فما لَحن في كلمة ، قال: وما ظننتُ أَن أَحدًا يكونُ في مثل شجاعته وشِدّة قَلبه(١) . أخبرنا عبد الملك بن أبي القاسم ، قال : أخبرنا عبد الله بن محمد الأنصاري ، قال : أخبرنا أبو يعقوب ، قال : أخبرني جَدي ، قال : أخبرنا محمد بن أبي جعفر المنذري ، وأبو أَحمد بن أبي أسامة ، قالا : سَمعنا محمد بن إبراهيم البُوشَنْجي ، قال : قَدم المعتصم من بلادِ الروم بغداد(٢) في شهر رمضان سنة ثمان عشرة ، فامتحن فيها أحمد ، وضُرب بين يديه . فحدثني من أُثق به من أصحابنا عن محمد بن إبراهيم بن مُصعب - وهو يَومئذ على الشُّرَط للمعتصم ، خليفة إسحاق بن إبراهيم - أنه قال: ما رأيتُ أَحدًا لم يُداخل السلطان ولا خالَط الملوك أَثبت قلبًا من أَحمد يَومئذ ؛ ما نحنُ في عينه إِلا كأَمثال الذُّباب . أخبرنا ابن ناصر ، قال : أخبرنا المبارك بن عبد الجبار ، قال : أخبرنا أبو محمد الحسن بن محمد الخلال ، قال : حدثنا أبو الفضل عُبيد الله بن عبد الرحمن الزُّهري ، قال : قرأتُ في كتابي : قال المُرُّوذي في مِحنة أَحمد بن حنبل وهو بَين الهُنْبَازَيْن: يا أستاذ، قال الله تعالى: ﴿ ولا تَقْتُلوا أَنْفُسَكُمْ﴾(٣) ، فقال أحمد: يا مَرّوذي، اخرج انظر (٤) ، أي شيءٍ تَرى . قال : فخرجتُ إِلى رَحبة دار الخليفة ، فرأيتُ خلقًا من الناس لا يُحصي عَددهم إلا الله، والصحفُ في أَيديهم، والأَقلام والمحابر في أَذرعتهم، فقال لهم (١) الخبر بطولة في ((سيرة الإمام أحمد)): ٦٤ - ٦٧، و((حلية الأولياء)) ٢٠٢/٩ - ٢٠٣، و ((سير أعلام النبلاء)) ٢٥١/١١ - ٢٥٣. (٢) ساقطة من ( ف ) . (٣) سورة النساء : ٢٩ . (٤) ساقطة من ( ف ) . ٤٤٥ : المُرُّوذي : أَيّ شيءٍ تَعملون ؟ فقالوا: ننتظر (١) ما يقول أحمد فنكتبه ، فقال المروذي : مكانكم ، فدخل إلى أحمد بن حنبل وهو قائم بين الْهُنْبَارَين ، فقال له : رأيتُ قومًا بأيديهم الصحف والأقلام ينتظرون ما تقول فيكتبونه . فقال : یا مروذي ، أُضِلُّ هؤلاء كلَّهم، أَقتل نَفسي ، ولا أُضل هؤلاء كلهم(٢) . قلت(٣) : هذا رجلٌ هانت عليه نفسه في الله تعالى فَبذلها، كما هانت على بلال(٤) نفسه . وقد رَوينا عن سعيد بن المسيّب(٥) : أَنه كانت نفسه عليه في الله تعالى ، أُهون من نَفس ذُباب . وإنما تهون أنفسهم عليهم لتلمّحهم العواقب ، فعيون البصائر ناظرة(٦) إِلى المآل لا إِلى الحال ، وشدة ايتلاء أَحمد دليلٌ على قُوة دينه ، لأَّنه قد صَحَّ عن النبي عَُّلِ أَنْه قال: ((يُبْتَلَى الرّجلُ على حَسَبٍ دِينِه))(٧) فَسبحان من أَيَّده (* وَبَصَّره، وقَوّاهُ) ونَصَرِه . (١) في ( ط ): (( ننظر ». (٢) ((سير أعلام النبلاء)) ٢٥٣/١١ - ٢٥٤، وقال الذهبي بعدها: ((فهذه حكاية منقطعة)). (٣) أي المصنف رحمه الله . (٤) تحرف في (ف) إلى: ((بلاء)). (٥) عالم أهل المدينة وسيد التابعين في زمانه، يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ولا يخشى في الله لومة لائم ، تعرض للامتحان والضرب على يد هشام بن إسماعيل عامل عبد الملك بن مروان على المدينة ، توفي سنة (٩٥) هـ. انظر ترجمته في ((طبقات ابن سعد)) ١١٩/٥، و((حلية الأولياء)) ١٦١/٢، و(( سير أعلام النبلاء )» ٢١٧/٤ . (٦) ساقطة من ( ف ) . (٧) أخرجه الترمذي (٢٣٩٨) في الزهد، وأحمد ١٧٢/١، ١٨٠، ١٨٥، وابن ماجه (٤٠٢٣)، والدارمي ٣٢٠/٢، والحاكم في ((المستدرك)) ٤٠/١، كلهم من طريق مصعب بن سعد، عن أبيه سعد بن أبي وقاص ، قال: قلت : يا رسول الله، أيّ الناس أشد بلاءً؟ قال: ((الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل ، يبتلى الرجل على حسب دينه ، فإن كان في دينه صلبًا اشتدّ بلاؤه ، وإن كان في دينه رِقَة ، ابتلي على حسب دينه ، فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض وما عليه من خطيئة)) وإسناده حسن . (٨ - ٨) ساقط من ( ف ) . ٤٤٦ أخبرنا محمد بن ناصر ، قال : أنبأنا الحسن بن أحمد الفقيه ، قال : أُخبرنا ◌ُبيد الله بن أحمد ، قال: حدثنا أبو بكر محمد بن عبيد الله الكاتب ، قال : حدثنا أبو علي الحَسن بن محمد بن عثمان الفَسَوي ، قال : حدثني داود بن عَرفة ، قال : حدثنا مَيمون بن الأصبغ ، قال : كنتُ ببغداد ، فسمعتُ ضَجّة ، فقلتُ : ما هذا؟ فقالوا: أحمدُ بن حنبل يُمتَحَن . فَأَتْيتُ منزلي ، فأَخذتُ مالًا له خطر، فذهبتُ به إلى من يُدخلني إلى المجلس ، فأدخلوني ، فإذا بالسيوف قد جُرِّدت ، وبالرّماح قد رُكزت ، وبالتّراس قد نُصبت، وبالسياط قد طُرحت ، فأَلْبسوني قَبَاءً أُسود، ومِنْطَقَة وسَيفًا ، ووقفوني حيثُ أسمع الكلام ، فأتى أمير المؤمنين ، فجلس على كرسي ، وأُتي بأحمد بن حنبل ، فقال له: وقرابتي(١) من رسول الله عَّه، لأَضربتّكَ بالسياط، أَو تقولَ كما أَقُولُ ، ثم التفت إلى جلاد ، فقال: خُذه إِليك، فأُخذه . فلما ضُرب سوطًا قال : بسم الله ، فلما ضُرب الثاني قال : لا حَول ولا قُوة إلا بالله ، فلما ضُرب الثالث قال: القُرآن كلامُ الله غيرُ مَخلوق، فلما ضُرب الرابع قال: ﴿ قُل لّن يُصِيبَنَا إِلَّ مَا كَتَبَ اللهُ لنَا﴾(٢) . فضربه تسعةً وعشرين سوطًا، وكانت تِكّة أحمد حاشية ثوب ، فانقطعت ، فَنزل السراويل إِلى عائَته ، فقلتُ : الساعةَ ينهتك ، فرمى أحمدُ طَرفه نحو السماءِ وحرَّك شَفتيه، فما كان بأسرع من أَن بقي(٣) السراويل لم ينزل . قال ميمون : فَدخلت إليه بعد سبعة أيام ، فقلت : يا أبا عبد الله، رأَيتُك يومٍ ضَربوك قد انحلَّ سراويلك ، فرفعتَ طرفك نحو السماءِ، (١) الحلف بغير الله سبحانه وتعالى وأسمائه وصفاته لا يجوز، كالحلف بالقرابة وغيرها، فقد قال علي : ((مَن كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت))، انظر ((فتح الباري)) ٤٦١/١١، ومسلم (١٦٤٦)، وأبو داود (٣٢٥٠)، والترمذي (١٥٣٤) . (٢) سورة التوبة : ٥١ . (٣) في ( ط ): ((ارتقى السراويل ولم ينزل)). ٤٤٧ .... ورأيتُك تُحرّك شفتيك، فأَيِّ شيءٍ قلتَ ؟ قال: قلتُ : اللهم إني أسألك باسمك الذي ملأتَ به العرشَ ، إن كنتَ تعلمُ أَني على الصواب فلا تَهتك لي سِرًا(١). أخبرنا المحمدان : ابن ناصر ، وابن عبد الباقي ؛ قالا : أخبرنا حَمْد قال : أخبرنا أبو نُعَيْم الحافظ ، قال : أخبرنا عبد الله بن جعفر، قال : حدثنا أبي ، قال: حدثنا أحمد بن أَبي ◌ُبيد الله(٢)، قال: قال أحمد بن الفَرج: حضرتُ أحمد لما ضُرب، فتقدّم أَبو الدَّنّ فَضربه بضعةَ عشر سوطًا، فأقبل الدمُ من أكتافِه، وكانَ عليه سَراويل فانقطع خَيطه ، فنزل السراويل ، فلحظته وقد حَرّك شَفتيه ، فعادَ السراويل كما كان ، فسأَلتُه عن ذلك، فقال : قلتُ : إِلهي وسَيدي ، وقَفتني هذا الموقف ، فَتهتكني على رؤوس الخلائق، فعادَ السراويل كما كان(٣) . أخبرنا المحمدان : ابن ناصر ، وابن عبد الباقي ، قالا : أخبرنا حَمْد بن أحمد ، قال : حدثنا أبو نُعَيم الحافظ ، قال : حدثنا الحسين بن محمد ، قال : حدثنا إبراهيم بن محمد القاضي ، قال : حدثني أبو عبد الله الجوهري ، قال : حدثني يوسف بن يعقوب بن الفَرج ، قال : سمعت علي بن محمد القُرشي ، قال : لما قُدّم أحمد بن حنبل ليضرب وجُرّد ، وبقي في سَراويله، فبينا هو يُضرب انحلّ السراويل ، فجعلَ يُحرك شَفتيه بشيءٍ ، فرأيتُ يَدين خَرجتا من تَحته وهو (١) أورد الذهبي الحكاية في ((سير أعلام النبلاء)) ٢٥٤/١١ - ٢٥٥، وقال بعدها : هذه حكاية منكرة، أخاف أن يكون داود وضعها. وانظر ((طبقات الحنابلة)) ٣٣٥/١ - ٣٣٦. (٢) في (ط): (( بن عبيد الله)). (٣) ((حلية الأولياء)) ٢٠٤/٩ - ٢٠٦، و ((سير أعلام النبلاء)) ٢٥٥/١١، وقد علّق الإمام الذهبي عليها بقوله : (( هذه الحكاية لا تصح وقد ساق صاحب الحلية من الخرافات السمجة هنا ما يُستحيا من ذكره )) . ٤٤٨ يُضرب، فشدَّتا السراويل ، فلما فَرغوا من الضَّرب ، قلنا له : ما كنتَ تقول حيثُ انحلَّ السراويل ؟ قال : قلتُ : يا من لا يعلمُ العرشُ منه أينَ هو إلا هو ، إِن كنتُ على الحقِّ فلا تَّبْدِ عَورتي ، فهذا الذي قلتُ(١) . أخبرنا ابن ناصر ، قال : أخبرنا أبو علي الحسن بن أحمد ، قال : حدثني القاضي أبو يَعلى محمد بن الحسين ، قال : حدثنا أبو الحسن علي بن محمد الجِنّائي ، قال : حدثنا أبو محمد عبد الله بن محمد بن إسماعيل الطَّرسوسي، قال : حدثنا أبو بكر محمد بن عيسى ، قال : حدثنا أحمد بن طاهر ، قال : حدثنا العباس بن عبد الله ، قال : سمعتُ جعفرًا الرازي يقول : كانَ إسحاق بن إبراهيم يقول: أنا والله! رأَيتُ يوم ضرب أحمد سراويله(٢) وقد ارتفع من بعد انخفاضه ، وانعقدَ من بعد انحِلاله ، ولم يفطن بذلك لذهول عقل من حضره ، وما رأَيتُ يومًا كان أعظم على المعتصم من ذلك اليوم ، والله لو لم يرفع عنه الضرب لم يَبرح من مكانه إِلا مَيْتًا . أخبرنا عبد الملك بن أبي القاسم ، قال : أخبرنا عبد الله بن محمد الأنصاري ، قال : أخبرنا محمد بن المنتصر ، قال : أخبرنا أبو بكر بن أبي الفَضل ، قال: حدثنا محمد بن إبراهيم الصرّام ، قال : حدثنا إبراهيم بن إسحاق الأَنصاري ، قال : سمعتُ بعضَ الجلادين ، يقول: لقد بَطل أحمدُ بن حنبل الشُطّار(٣) ، والله لقد ضَربْتُه ضَربًا لو أُبرك لي بعيرٌ فَضربته ذلك الضرب، لنقبتُ عن جوفه . (١) ((حلية الأولياء) ١٩٤/٩ - ١٩٥، وكذلك أوردها الذهبي في ((السير)) ٢٥٦/١١ وعقب عليها بقوله: (( أوردها البيهقي في مناقب أحمد ، وما جسر على توهيتها )). (٢) ساقطة من ( ف ) . (٣) جمع شاطر: من أعيا أهله خبثًا ودهاءً. ((اللسان)). ٤٤٩