Indexed OCR Text

Pages 441-460

خبزتيه ؟ قلت : في بيت عبد الله ، قال : ارفَعيه . ولم يأكل منه .
قلتُ : ما عرفنا أَن أَحمد - رضي الله عنه - تَزوج سوى المرأتين اللتين
ذكرناهما: أُم صالح ، وأُم عبد الله، ولا تَسرّى إِلا بهذه الجارية التي ذكرنا
أخبارها، واسمها حُسْن، إلا أن أبا الحُسين أحمد بن جعفر بن المنادي ذكر في
كتاب ((فَضائل أحمد)) أَن أَحمد استأذن أَهله أن يتسرى طلبًا للاتّباع، فأَذنت
له ، فاشترى جارية بثمنٍ يسير وسمّاها ريحانة استنانا برسول الله عَ لَّهِ(١). فعلى
هذا يكونُ قد اشترى جاريتين ، وتكون إحداهما في حياة زوجته ، والله أعلم .
(١) تقدم ذلك في الصفحة : ٢٤٣ .
٤٠٨

الباب الرابع وَالسّتون
في ذكر عَدد (١) أولاده
قد ذكرنا أن صالحًا من أُمّ، وعبد الله من أُمّ ، وأَن حُسْنًا الجارية وَلدت له
الحَسنَ والحُسين، ثم وَلِدت ثالثًا يسمى بالحَسن أيضًا، ثم ولدت مُحمدًا،
ووَلَدت سعيدًا ، وَزَينب - وتُكنى : أُم علي - .
أخبرنا ابن أبي منصور ، قال : أخبرنا عبد القادر بن محمد ، قال : أنبأنا أبو
إسحاق البَرْمَكي ، قال : أنبأنا عبد العزيز بن جعفر ، قال : حدثنا أحمد بن
محمد الخَلّال ، قال: أخبرني أبو غالب علي بن أحمد ، قال : قال لي صالح :
جَعل أبي يعتذر إليَّ من حُسن(٢) وسعيدٍ، ويقول: كلّ ما(٢) أَخذ الله تعالى
میثاقه فلابد أن يخرج إلى الدنيا .
قال الخلال : وأخبرني الخَضر بن أحمد بن المثنى الكِندي ، قال : حدثنا
عبد الله بن أحمد ، قال : وُلد لأَّبِي مَولود فأعطاني عَبدُ الأَعلى رُقعةً يُهنّيه ،
فرمى بالرقعة أَبي ، وقال : ليسَ هذا كتاب عالم ولا مُحدِّث ، هذا كتابُ
كاتِب .
أنبأنا محمد بن أبي منصور ، قال : أخبرنا المبارك بن عبد الجبار ، قال :
أخبرنا عبيد الله بن عمر بن شاهين ، قال : حدثني أبي ، قال : حدثنا أحمد بن
(١) ساقطة من ( هـ ) .
(٢) ضبطها ناسخ النسخة (هـ ): (( حَسَن)).
(٣) في (ف): (( كما)).
٤٠٩

محمد بن الفَضل ، قال : سمعتُ أَبا محمد فُوران ، يقول : كنتُ أَصحبُ أَحمد
ابن حنبل ويأنس إِلي ، ومني يَستقرِض، فإذا جاءَ مولود بالليل وأنا لا أَعلم يَجِيءُ
في السحر ، فيقعُد (١) على باب داري لا يدق البابَ ، وأَنا ليسَ أُعلم به حتى
أُخرج إلى (٢) الصلاة ، فيقوم إِلَّ فيصحبني(٣) ، فأقول له : في أُّ شيءٍ جئتَ یا
أبا عبد الله الساعة ؟ فيقول : قد جاءَنا مَولود ، فيمضي هو ، وأُصلي أَنا الغَداة
وأُخرج إِلى القَنطرة ، أَو باب الِّين(٤) ، فآخذ ما يَصلح للنساءِ وأبعث به
إليه (٥) .
(١) تحرفت في (ف) إلى: ((وبعد)).
(٢) في (د): ((إليه إلى)).
(٣) في (ط): ((فيصبحني)).
(٤) تصحف في (فى) إلى: (( التين)). وباب التِّين: اسم محلة كبيرة كانت ببغداد وفيها قبر عبد الله بن
الإمام أحمد . ((معجم البلدان)٤ ٣٠٦/١.
(٥) في (ط) و (هـ): ((إليهم)).
٤١٠

الباب الخامِس وَالسّتون
في ذكر أخبار أولاده وعَقِبه
ذكر صالح بن أحمد بن حنبل وَأَولاده وعَقبه(١):
كان صالح يُكنى أبا الفَضل، وهو أكبر أَولاد أَحمد ، وُلد سَنة ثلاثٍ ومثتين ،
وكان أحمد يُحبه ويُكرمه ، وابتُلي بالعِيال على حَداثة سِنِّه ، فقلَّت روايته عن أبيه ،
على أنه قد رَوى عنه كثيرًا (٢) ، وَروى عن أبي الوليد الطَّيالسي، وإبراهيم بن
الفَضل الذارع(٣)، وعلي بن المَدِيني، وروى عنه ابنُه زُهير، والبَغَوِي، ومحمد
ابن مَخْلد في آخرين . وولي قَضاءَ أَصفهان ، فَخرج إليها فَمات بها .
وأخبرنا عبد الرحمن بن محمد القزاز ، قال : أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت ،
قال : حُدِّثت عن عَبد العزيز بن جعفر، قال: حدثنا أبو بكر الخَلّال ، قال :
كان صالح بن أحمد بن حنبل سَخِيًّا جدًّا، أُخبرني الحسن بن علي الفَقيه
بالمصِّيّصَةِ(٤) ، قال: كان صالح قد افتصدَ ، فدعا إِخوانَه ، وأنفق في ذلك اليوم
نَحوًّا من عشرين دينارًا في طيبٍ وغيره، وأحسبُ أنه قال: كان في الدعوة ابنُ
أَبي مَريم ، وإِذا أَبو عبد الله قد دَقَّ الباب ، فقال له ابنُ أبي مريم : أُسيِل علينا
(١) ساقطة من (ف) و (هـ ) .
(٢) ساقطة من ( ش ) .
(٣) في (ط): ((الدارع)). والذارع: نسبة إلى ذَرع الثياب والأرض، انظر ((الأنساب)) ١/٦.
(٤) بالتشديد ، وقيل : بالتخفيف ، مدينة على شاطئ نهر جيحان من ثغور الشام بين أنطاكية وبلاد
الروم، كانت من الأماكن التي يرابط بها المسلمون قديمًا. ((معجم البلدان)) ١٤٤/٥.
٤١١

السِّر لا تَفْتضِح ولا يَشمّ أَبو عبد الله رائحةَ الطيب ، فدخل أبو عبد الله ، فقعد
في الدار ، وسأله عن حاله، وقال له : خُذ هذين (١) الدرهمين وأنفقهما اليوم،
وقام فخرج ، فقال ابنُ أبي مريم لصالح : فَعل الله بكَ وفَعل، لِمَ أَردتَ أَن
تأخذ الدراهم مِنه(٢) ؟ !
أخبرنا عبد الرحمن بن محمد القزاز ، قال : أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت ،
قال : حدثني محمد بن الحُسين بن محمد، قال: ذكر أبو بكر الخلال ، قال :
أخبرني محمد بن العباس ، قال: حدثني محمد بن علي ، قال: لما صارَ صالح
إِلى أَصفهان وكنتُ معه ، بَدأَ بمسجد(٣) الجامع فدخله وصلى ركعتين ، واجتمع
الناسُ والشيوخُ وجلس وقُرئّ عهدُه الذي كتبَ له الخليفة ، فجعل يَبكي بُكاءً
شديدًا حتى غلبه ، فبكى الشيوخ الذين قَربوا منه ، فلما فرغ من قِراءَة العهد
جَعل المشايخ يدعون له ويقولون : ما ببلدنا أَحدٌ إِلا ويُحب أَبا عبد الله ويميلُ
إليك . فقال لهم : تَدرون ما أُبكاني ؟ ذكرتُ أَبي أَن يَراني في مثل هذا(٤)
الحال ، وكان عليه السَّواد ، وكانَ أَبي يَبعث خَلفي إِذا جاءَّه رجلٌ زاهد ، أَو
مُتَقشف لأُنظر إليه ، يُحب أَن أَكونَ مثله ، أَو يَراني مثله . ولكنَّ الله يعلم ما
دخلتُ في هذا الأمر إلا لدَينٍ قد غَلبني، وكثرة عيال ، أحمدُ الله(٥). وكان
صالح غيرَ مرةٍ إذا انصرفَ من مجلس الحُكم ينزع سَواده ويقول لي : تراني أموت
tu
وأنا على هذا(٦) ؟
(١) في أصول النسخ: ((هذه))، والمثبت من ((تاريخ بغداد)).
(٢) ((تاريخ بغداد)) ٣١٩/٩.
(٣) في ( هـ ): ((بالمسجد)).
(٤) في (د.) و (ف): ((هذه)).
(٥) في أصول النسخ: ((وكثرة عيال أحمد))، والمثبت من ((تاريخ بغداد)).
(٦) الخبر في ((تاريخ بغداد)) ٣١٨/٩، و((طبقات الحنابلة)) ١٧٤/١، و((المنهج الأحمد)) ١٥٦/١.
٤١٢

توفي صالح في رمضان سنة خمس وستين ومئتين بأصفَهان .
فأَمازُهير بن صالح ، فإِنه حَدَّث عن أبيه (١) ، وروى عنه ابنُ أُخيه محمد بن
أَحمد بن صالح، وأحمدُ بن سليمان(٢) النَّجاد . وقال الدارقطني : زُهير ثِقة .
قال أحمد بن كامل القاضي : تُوفي زُهير بن صالح في ربيع الأول سنة ثلاث
وثلاث مئة .
محمد بن أحمد بن صالح بن أحمد بن حنبل
يُكنى أبا جعفر، روى عن أبيه ، وعن عَمه زُهير ، وإبراهيم بن خالد
الهِسِنْجَانِي(٣) في جماعة، وروى عنه الدَّارَقُطْني، وتُوفي سنة ثلاثين وثلاث مئة .
ذكر عبد الله بن أحمد بن حنبل
كان يُكنى أبا عبد الرحمن ، وكان أَروى الناس عن أبيه، وسَمع مُعظم
تصانيفه وحديثه ، وسمع من عبد الأعلى بن حماد ، وكامل بن طلحة، ويحيى بن
مَعِين ، وأبي بكر وعُثمان ابني أَبِي شَيْبة ، وشَيبان بن فَرّوخ في خلق كثير .
وكان له حظّ وافر من الحفظ ، وكان أحمد يقول: ابني عبد الله مَحظوظ من
علم الحديث - أو من حفظ الحديث(٤) - .
ولما مرض قيل له : أَينَ تحب أَن تُدفن ؟ فقال: صح عندي أَن بالقَطيعة نبيًّا
مدفونًا، ولأَن أكون في جِوار نَبي أُحبّ إِلَّ من أَن أُكون في جِوار أَبي .
(١) في (د) و (ف ): ((وروى عن أبيه)).
(٢) تحرف في (هـ ) إلى: ((سلمان)).
(٣) تحرف في (ف) إلى: ((العسنجاني)).
(٤) ((تاريخ بغداد)) ٣٧٦/٩.
٤١٣

وتُوفي يوم الأحد لتسع بقين من جمادى الآخرة سنة تسعين ومئتين ، ودُفن في
آخر النهار في مقابر باب التّبن، وصَلى عليه زُهير ابن أخيه، وكان له (١) جَمع
عظيم .
ذکر سعید بن أحمد بن حنبل
قال حنبل بن إسحاق : وُلد سعيد قَبل موت أحمد بنحو من خمسين يومًا .
وقال غيره : ولي سَعيد قضاءَ الكوفة وتوفي سنة ثلاث وثلاث مئة .
قلتُ: وهذا لا يصح ، فإن أبا منصور القزاز(١) أَخبرنا، قال: أخبرنا أَحمد
ابن علي بن ثابت ، قال : سعيدُ بن أحمد بن حنبل حَكى عن أَبي مُجالد أحمد
ابن الحسين الضرير ، روى عنه القاضي أبو عِمران موسى بن القاسم
الأُشْيَب(٢)، ومات سعيد قبل وفاة أخيه عبد الله بدهر طويل(٣).
قلت : وقد ذكرنا في باب ثَناء العلماءِ على الإِمام أحمد ، أن إبراهيم الحَربي
جاءَ إِلى عبد الله يُعزيه بأخيه سَعيد (٤) .
قلت : فأما الحَسن ومحمد ، فلا نَعرف من أخبارهما شيئًا، وأَما زَينب ، فقد
ذكرنا لها حديثًا في باب وَرَعه، وأنها قالت لإسحاق بن إبراهيم: خُذ هذه
الدجاجة فبعها ، فإِن أبي يَحتاج أَن يَحتجم ، وما عنده شيء(٥) . وقد قال
إسحاق : رأيتُ أبا عبد الله يَضرب ابنتَه على اللَّحن(٦) وَينتهرها .
(١) ساقطة من ( ف ) .
(٢) تصحف في (ف) إلى: ((الأشنب)).
(٣) (( تاريخ بغداد )) ٩٦/٩.
(٤) انظر الصفحة (١٨٥) .
(٥) انظر الصفحة (٣٥٢) .
(٦) تحرفت في (ف) إلى: ((اللحين)).
٤١٤

وأخبرنا محمد بن أبي منصور ، قال : أخبرنا عبد القادر بن محمد ، قال :
أخبرنا أبو بكر محمد بن علي الخياط ، قال : أخبرنا أبو الفَتح بن أبي الفَوارس ،
قال: أخبرنا أبو بكر أحمد بن جعفر بن محمد بن سَلْم(١) الخُتَّي ، قال : حدثنا
أَبُو بَكر المُوذي ، قال : دخلتُ على أبي عبد الله فرأيتُ امرأةً تمشط صَبيةً له ،
فقلتُ للماشِطة بعد : وصلتِ رأسَها بقَرامِل(٢) ؟ فقالت: لم تَتركني الصَّبية ،
قالت : إِن أبي نَهاني . وقالت : يَغضبُ .
وقد رُوي لنا أنه كانت له بنتٌّ اسمُها فاطمة ، والظاهر أنها غير زينب . إِلا
أُنا قد ذكرنا عن زُهير عدد أولاده ، ولم يَذكرها فيهم ، فيحتمل أن تكونَ هي
زينب ، لأَن المرأة قد تُسمى باسمين ، ويحتمل أن تكون غيرها . وقد ذكرنا لفاطمة
حديثًا في باب كراماته ، وقد أَنبأنا أبو بكر بن عبد الباقي ، قال : أنبأنا أبو
إسحاق البَرْمَكي ، قال : وجدتُ في كتاب أَبي : حدثنا أبو بكر بن شاذان ،
قال : حدثنا أبو عيسى أحمد بن يعقوب ، قال : حدثتني فاطمة بنت أحمد بن
حنبل ، قالت : وقع الحريقُ في بيت أُخي صالح ، فَدخلوا فإِذا ثوبٌ کان لأبي قد
أكلت النار ما حوله وهو سَليم (٣).
(١) في (د) و (ف): ((مسلم)).
(٢) ضفائر من شعر أو صوف تصل به المرأة شعرها ((اللسان)).
(٣) تقدم الخبر في الصفحة (٣٩٩). وقد ورد هنا في هامش النسخة (هـ ) ما نصه: (( آخر الجزء
السادس من أجزاء الشيخ الإمام أبي محمد عبد الله بن أحمد بن قدامة المقدسي )) .
٤١٥

الباب السّادس وَالسّتون
في ذکر ابتداء المحنة وسببها
لم يزل(١) الناس على قانون السلف وقولهم: إن القُرآن كلام الله غير مخلوق ،
حتى نَّبغت المعتزلة فقالت بخلق القرآن ، وكانت تَستر ذلك ، وكان القانون
مَحفوظًا في زمن الرشيد ، فأخبرنا عبد الرحمن بن محمد القزاز ، قال : أخبرنا
أحمد بن علي بن ثابت ، قال : أخبرنا محمد بن أحمد بن أبي طاهر الدّقّاق ،
قال: أخبرنا أبو بكر أحمد بن سُليمان النجّاد(٢) ، قال: حدثنا عبد الله بن
أحمد بن حنبل ، قال : حدثنا أحمد بن إبراهيم الدَّوْرَقِي ، قال : حدثني محمد بن
نوح ، قال : سمعتُ هارون أمير المؤمنين يقول: بلغني أُن بشرًا المَريسي(٣) زعمَ
أَنّ القُرآن مَخلوق ، ولهِ(٤) عليَّ إن أُظفرني به لأقتلنّه قِتْلَةً ما قتلتُها أَحدًا قطّ .
أَخبرنا عبد الملك بن أبي القاسم ، قال : أخبرنا عبد الله بن محمد
الأنصاري ، قال : حدثنا يحيى بن عَمّار بن يحيى ، قال : حدثنا محمد بن إبراهيم
ابن جناح الأُصمّ ، قال : حدثنا أحمد بن محمد بن سَهل ، قال : حدثنا إبراهيم
(١) تحرفت في (ف) إلى: (( لما نزل)).
(٢) تحرفت في (ف) إلى: ((النجار)).
(٣) بشر بن غياث المَريسي ، أبو عبد الرحمن ، المتكلم المناظر ، كان من كبار الفقهاء ثم نظر في الكلام
فغلب عليه ، وانسلخ من الورع والتقوى، وجَرَّد القول بخلق القرآن ودعا إليه حتى كان عين الجهمية في
عصره ، فمقته أهل العلم لتشبثه بقوله الخاطئ، توفي سنة (٢١٨) هـ عن سن يقارب الثمانين . انظر ترجمته
في: ((الفرق بين الفرق»: ١٩٢، و((تاريخ بغداد)، ٧ / ٥٦، و((سير أعلام النبلاء)) ١٩٩/١٠.
(٤) مثبتة من (ش) و ((تاريخ بغداد)) ٦٤/٧، وهي ساقطة من ( د) و (ف) و (هـ ).
٤١٦

ابن إسحاق الأنصاري ، قال : حدثنا أحمد بن إبراهيم الدَّورقي قال : سمعتُ
محمد بن نوح يُحدِّث عن المسعودي قاضي بغداد ، قال : سمعتُ هارون
الرشيد ، يقول : بلغني أَن بشر بن غياث يقول: القُرآن مخلوق، ولله عليّ لئن
أَظفرني به لأَقتلنه فِتْلة ما قَتَلتُها أَحدًا .
قال أحمد : فكان بشرٌ متواريًا أَيامَ هارون نحوًّا من عِشرين سَنة حتى ماتٌ
هارون ، فظهر ودَعا إِلى الضَّلالة ، وكانَ من المِحنة ما كان .
قلت : فلما تُوفي الرشيدُ كان الأمر كذلك في زمن الأَمين ، فلما ولي المأمون
خالَطه قومٌ من المعتزلة فحسَّنوا له القولَ بخلق القرآن ، وكان يتردّد في حمل الناسِ
على ذلك ، ويُراقب بقايا الأشياخ ، ثم قَوي عزمه على ذلك فحمل الناس عليه .
أخبرنا عبد الرحمن بن محمد القزاز ، قال : أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت ،
قال : أخبرنا القاضي أبو بكر أحمد بن الحسن(١) الحِيري، وأبو سَعيد محمد بن
موسى الصَّيرفي ، قالا : حدثنا أبو العباس محمد بن يَعقوب الأُصم ، قال :
حدثنا يحيى بن أبي طالب ، قال : أخبرني الحسن بن شاذان الواسطي ، قال :
حدثني ابن عَرْعَرة ، قال : حدثني ابن أُكثم ، قال : قال لنا المأمون : لولا مَكان
يزيد بن هارون، لأَظهرتُ أَن القُرآن مَخلوق . فقال بعضُ جُلسائه : يا أمير
المؤمنين ، ومَن يَزِيد حتى يكون يُتَّقى؟ قال : فقال : ويحك ! إني أَخاف إن
أظهرته فيردّ عليّ ، فيختلف الناس وتكون فِتنة، وأنا أكره الفِتنة ، قال: فقال
الرجل : فأَنا أُخبرُ ذلك منه، فقال له : نعم . فخرج (٢ إلى واسط٢) ، فجاءَ
إلى يزيد ، فدخل عليه المسجد وجلس إِليه ، فقال له : يا أبا خالد ، إِن أُمير
(١) تحرف في (ط) إلى: ((الحسين)).
(٢ - ٢) ساقط من ( ف ) .
٤١٧

المؤمنين يُقْرِئك السلام ، ويقول لك: إني أُريدُ أَن أظهر أَن القرآن مخلوق ،
قال : فقال : كذبتَ على أمير المؤمنين، (١ أَميرُ المؤمنين ١) لا يَحمل الناس على ما لا
يعرفونه ، فإن كنتَ صادقًا فاقعُد إلى المجلس، فإذا اجتمع الناس فَقُل . قال :
فلما أن كان الغَد اجتمع الناس ، فقام فقال : يا أبا خالد - رضي الله
عنك - إِن أمير المؤمنين يُقرئك السلام ، ويقول لك: إِني ◌ُردتُ أَن أُظهر أَن
القرآن مخلوق ، فما عندك في ذلك ؟ قال : كذبتَ على أمير المؤمنين ، أَمير
المؤمنين لا يحمل الناس على ما لا يعرفونه، وما لم يقل به أحد . قال : فقدم ،
فقال : يا أَمير المؤمنين كُنتَ أُعلم، كان من القِصة(٢) كيت وكيتَ ، فقال له :
وَيُحِكَ تَلَعَّبَ بك(٣) !
:
. ..... ......
(١ - ١) ساقط من ( ط ) و (ف ).
(٢) في ( ف): ((القضية)).
(٣) ((تاريخ بغداد)) ٣٤٢/١٤، و((سير أعلام النبلاء)) ٢٣٧/١١.
٤١٨

الباب السّابع والسّتون
في ذكر قصته مع المأمون
قال العُلماء بالسِّير: كَتب المأمونُ وهو بالرَّقة إِلى إسحاق بن إبراهيم - وهو
صاحب الشرطة ببغداد(١) - بامتحانِ الناس فامتَحنَهم .
أخبرنا المحمَّدان : ابن ناصر ، وابن عبد الباقي ، قالا : أخبرنا حَمْد بن
أحمد ، قال : أخبرنا أبو نُعَيم أَحمد بن عبد الله ، قال : حدثنا محمد بن جعفر ،
وعلي بن أحمد ، قالا : حدثنا محمد بن إسماعيل بن أحمد .
وأخبرنا(٢) هبة الله بن الحسين بن(٣) الحاسب ، قال : أخبرنا الحسن بن أحمد
ابن(٤) البّا، قال: أخبرنا أبو الفَتح بن أبي الفَوارس، قال: أخبرنا أحمد بن
جعفر بن سَلْم(٥) ، قال : حدثنا عمر بن محمد بن عيسى الجَوهري ، قالا :
حدثنا صالح بن أحمد بن حنبل ، قال : سمعتُ أَبي ، يقول : لما أُدخلنا على
إسحاق بن إبراهيم للمِحنة ، قُرِئٍ عَلينا كتابُ الذي صار إِلى طَرَسوس - يعني
المأمون - فكانَ فيما قُرِئٍ علينا : ﴿ ليسَ كِمِثْلِهِ شَيءٍ﴾، وهو خالق كل
(١) ساقطة من ( ف ) .
(٢) قبلها في (ف) حرف (( ح)) وهي علامة تحويل من سند إلى سند آخر. انظر التعليق رقم (٣) في
الصفحة (١٢) .
(٣) ليست في أصول النسخ، وهي مثبتة من ((مشيخة ابن الجوزي)) : ١٥٣.
(٤) ساقطة من ( هـ ) .
(٥) تحرف في ( ف ) إلى: ((مسلم)).
٤١٩
:

شيء، فقلت: ﴿وهو السميعُ الْبَصير﴾(١).
قال صالح : ثم امتحن القوم ، فوجه بمن امتنع إلى الحبس ، فأجاب القومُ
جميعًا غير أربعة : أبي ، ومُحمد بن نوح ، وتُبيد الله بن عمر القَواريري ،
والحَسن بن حماد، سَجّادة(٢). ثم أَجاب عُبيد الله بن عمر، والحَسن بن
حماد ، وبقي أَبي ومُحمد بن نوح في الحبس ، فمَكثا(٣) أيامًا في الحبس ، ثم ورد
الكتاب من طَرسوس يحملهما، فحُمِلا مُقيدين زَميلين(٤) .
أخبرنا المحمدان : ابن ناصر ، وابن عبد الباقي ، قالا : أخبرنا حَمْد بن
أحمد ، قال : أخبرنا أبو نُعَيم الحافظ ، قال : حدثنا سليمان بن أحمد .
(*) وأخبرنا ابن ناصر، قال: أُنبأنا أبو علي الحسن بن أحمد، قال٥) : أخبرنا
علي بن أحمد بن عمر الحَمّامي قال : أخبرنا ابن الصواف ، قالا(٦) : حدثنا
عبد الله بن أحمد بن حنبل ، قال: حدثني أبو مَعْمَر(٧) القَطِيعِي ، قال: لما
حَضرنا في دار السلطان أَيامَ المحنة ، وكانَ أَبو عبد الله أحمد بن حنبل قد
أُحضِرِ، وكانَ رجلًا لَيْنَا، فلما رأى الناسَ يُجيبون انتفَخت أوداجُه، واحمرّت
عَيناه ، وذهبَ ذلك اللِّينُ الذي كانَ فيه ، فقلتُ : إِنه قَد غضب الله . قال أبو
مَعْمَر : فلما رأَيتُ ما به ، قلتُ : يا أَبا عبد الله ، أبشر ؛ حدثنا محمد بن
(١) سورة الشورى : ١١ .
(٢) ثُقب بذلك لكثرة سجوده وملازمته السجادة في الصلاة، توفي سنة (٢٤١) هـ. انظر ترجمته في
((تاريخ بغداد)) ٢٩٥/٧، و((سير أعلام النبلاء)) ٣٩٢/١١.
(٣) في (د) و (ف): (( فمكث)).
(٤) ((حلية الأولياء)) ١٩٦/٩.
(٥ - ٥) ساقط من ( د) .
(٦) في ( ط ) : ((قال )).
(٧) بفتح الميمين وسكون العين المهملة. ((تهذيب التهذيب)) ٢٧٣/١.
٤٢٠

فُضيل بن غزوان ، عن الوليد بن عبد الله بن جُمَيع، عن أَبِي سَلَمَةَ بن
عبد الرحمن بن عوف ، قال: كان مِن أصحاب النبي معَِّ: مَن إِذا أُريد على
شيءٍ من دينهِ رأيتَ حَماليق عَينيه في رأسه تَدور كأَّنه مَجنون(١) .
أخبرنا عبد الملك بن أبي القاسم ، قال : أخبرنا عبد الله بن محمد
الأنصاري ، قال : أخبرنا أبو يعقوب ، قال : أخبرنا الحسين بن محمد بن سعيد
الخَفّاف، قال : سمعتُ ابن أبي أسامة ، يقول: حُكي (٢) لنا: أَن أَحمد بن
حنبل قيل له أيام المحنة : يا أَبا عبد الله ، أَلا تَرى الحقَّ كيف ظَهر عليه الباطل ؟
فقال: كَلّا ، إِن ظهور الباطل على الحق أَن تَنتقل القلوب من الهُدى إِلى
الضَّلالة، وقُلُوبنا بَعدُ لازمةٌ للحق .
أُخبرنا هبة الله بن الحُسين بن الحاسب ، قال : أُخبرنا الحسن بن أحمد بن
البَّا ، قال : أخبرنا أبو الفَتح بن أبي الفَوارس، قال: حدثنا أبو بكر أحمد بن
جعفر بن سَلْم ، قال : حدثنا عمر بن محمد بن عيسى الجَوهري . وأخبرنا ابن
ناصر ، قال : أخبرنا عبد القادر بن محمد ، قال : أخبرنا أبو إسحاق البَرْمَكي،
قال : أخبرنا علي بن مَرْدَك ، قال : حدثنا ابن أبي حاتم قالا(٢) : حدثنا صالح
ابن أحمد ، قال : حُمِل أَبي ومُحمد بن نوح مقَيَّدين ، فصِرنا مَعهما إِلى
الأنبار، فسأَل أَبو بَكر الأَّحولُ أَبي ، فقال: يا أبا عبد الله، إِن ◌ُرِضتَ على
السيف تُجيب ؟ قال: لا . ثم سُيِرا، قال : فسمعتُ أبي يقول: لما صرنا إِلى
الرَّحبة(٤) ورحلنا منها - وذلك في جَوف الليل - عَرض لنا رجل ، فقال : أَيُّكم
(١) ((حلية الأولياء)) ١٩٤/٩.
(٢) في (د) و (ط ): ((يحكى)).
(٣) في (ط): ((قال)).
(٤) تسمى: رحبة طوق، بلدة على الفرات أحدثها مالك بن طوق في خلافة المأمون ((معجم
البلدان)) ٠٣٤/٣
٤٢١
:

أحمد بن حنبل ؟ فقيل له : هذا ، فقال للجمَّال : على رِسْلِك ، ثم قال : يا
هذا ، ما عليكَ أَن تُقتل هاهنا، وتَدخل الجنة هاهنا ، ثم قال : أستودعك الله ،
ومَضى . قال أَبي : فسأَلتُ عنه ، فقيل لي : هذا رجل من العرب من رَبيعة ،
يَعمل الشِّعر في البادية ، يُقال له: جابر بن عامر، يُذْكَر بخير (١).
أخبرنا ابن ناصر ، قال : أخبرنا أبو الحسين بن عبد الجبار ، قال : أخبرنا
محمد بن عبد الواحد بن جعفر ، قال : أخبرنا أبو عُمر بن حَيّويه ، قال : حدثنا
عبد الله بن محمد بن إسحاق المروزي ، قال : حدثنا عبد الله (٢) بن سعيد
المروزي عن صالح بن أحمد في حديث المحنة ، قال : لما رَحلنا(٣) إِلى طَرسوس
للمحنة ، قال أبي: لما نزلنا الرَّحبة ورحلنا(٣) منها في جوف الليل، عَرض لي
رجل ، فقال : أَيْكم أحمد بن حنبل ؟ فقيل له : هذا ، فسلّم علي ، ثم قال : يا
هذا، ما عليك أَن تُقتل هاهنا وتَدخل الجنة ، ثم سلّم وانصرف . فقلت : من
هذا ؟ فقيل لي : رجلٌ من العرب من ربيعة، يقول الشِّعر بالبادية ، يُقال له :
جابر بن عامر .
قال المروزي : وحدثنا المَعْمَري(٤) ، عن أحمد بن أبي الحواري ، قال : حدثنا
إبراهيم بن عبد الله ، قال : قال أحمدُ بن حنبل: ما سمعتُ كلمة منذ وَقعتُ في
الأمر الذي وقعتُ فيه ، أَقوى من كلمةٍ أَعرابي كلَّمني بها في رَحبة طَوق ، قال
لي : يا أُحمد، إِن يَقتلك الحقُّ منَّ شهيدًا، وإن عشتَ عشتَ حميدًا، قال: فَقَوّى
قلبي(٥) .
(١) ((ذكر المحنة)) لحنبل بن إسحاق: ٣٨، و((حلية الأولياء)) ١٩٦/٩.
(٢) في (ف) و (هـ): ((عبيد الله)).
(٣) في (ف ): (( دخلنا)).
(٤) تحرف في (ف ) إلى: (( الغمري)).
(٥) ((سير أعلام النبلاء)) ٢٤١/١١.
٤٢٢

أخبرنا محمد بن أبي منصور ، قال : أخبرنا عبد القادر بن محمد ، قال :
أخبرنا إبراهيم بن عُمر ، قال : أخبرنا علي بن عبد العزيز ، قال : أخبرنا
عبد الرحمن بن أبي حاتم ، قال : حدثنا أُبي ، قال : حدثنا أحمد بن أبي الحَواري
عن بعضٍ أصحابه . قال : قال أحمد بن حنبل : ما سمعتُ كلمةً كانت أَوقعَ في
قلبي من كلمةٍ سمعتها من أَعرابي في رَحِبَةِ طَوق ، قال لي : يا أَحمد ، إِن قَتَلك
الحقُّ متَّ شهيدًا، وإِن عشتَ عشتَ حميدًا . قال ابن أبي حاتم : قال أبي :
فكانَ كما قال؛ لقد رَفع الله عز وجلَّ شأن أحمد بن حنبل بعد ما امتُحِن ،
وعَظُم عند الناس وارتفع أمره جدًّا .
(١ قلتُ: وقد بلغنا عن الشافعي - رضي الله عنه - أنه رأى رسولَ الله
عَّله ، في المنام يُخبره بما سَيلقى أحمد من الامتحان في خلق القرآن، ويأمره أَن
يُعلم أَحمد بذلك ، وسَيأتي هذا مُسندًا في باب المنامات التي رئيت لأحمد بن
حنبل(١) .
أخبرنا محمد بن ناصر، قال: أَنبَنا أُحمد بن أبي سَعد(٢) النَّيسابوري،
قال : سمعتُ عبد الله بن يوسف ، يقول : سمعتُ أَبا العباس الأُصم ، يقول :
سمعتُ العباس بن مُحمد الدُّوري ، يقول : سمعتُ أبا جعفر الأنباري ، يقول :
لما حُمِل أحمدُ بن حنبل إِلى المأمون أُخبِرت ، فعبرتُ الفراتَ فإِذا هو جالسٌ في
الخان ، فسلمتُ عليه ، فقال: يا أبا جَعفر، تعنَّيتَ . فقلتُ: ليسَ هذا(٣)
عناء ، وقلتُ له : يا هذا، أنت اليومَ رأسٌ والناسُ يقتدون بك، فوالله لَئِن
أَجبتَ إِلى خلق القرآن؛ ليُجِيبَنَّ بإجابتك خلقٌ كثير(٤) من خَلق الله ، وإن
(١ - ١) ساقط من ( د) و ( ف) و (هـ )، وانظر الصفحة (٦٠٩) .
(٢) في ( د) و (ف): (( سعيد) .
(٣) ساقطة من (ف)، وفي (هـ ): ((ليس في هذا عناء)).
(٤) ساقطة من ( د) و ( ف) و ( هـ ) .
٤٢٣
:

أَنتَ لم تُجِب ؛ لَيمتنعنَّ خلق من الناس كثير ، ومع هذا فإن الرجل إن لم يقتلك
فإِنك تموت ، ولا بد من الموت ، فاتَّق الله ولا تُجبهم إلى شيءٍ ، فَجعل أُحمدُ
يبكي ويقول : ما شاءَ الله ، ما شاءَ الله ، ثم قال لي أَحمدُ: يا أَبا جَعفر، أُعِد
عليَّ ما قلتَ. فَأَعدتُ عليه، فجعلَ يقول: ما شاءَ الله، ما شاءَ الله(١).
أخبرنا المُحمدان : ابن أبي منصور ، وابن أبي القاسم ، قالا : أخبرنا أبو
الفضل حمد بن أحمد ، قال : أخبرنا أحمد بن عبد الله ، قال : حدثنا محمد
ابن جَعفر ، وعلي بن أحمد، قالا: حدثنا محمد بن إسماعيل بن أحمد . ( ح )
وأخبرنا هبة الله بن الحسين بن الحاسب ، قال : أخبرنا الحسن بن أحمد بن
البَّا ، قال: أخبرنا أبو الفَتح بن أبي الفَوارس ، قال : حدثنا أحمد بن جعفر بن
سَلْم ، قال : حدثنا عمر بن عيسى الجوهري ، قالا(٢) : حدثنا صالح بن أحمد ،
قال : قال أبي : لما صِرنا إِلى أَذَنَة(٣) ورحلنا منها - وذلك في جوف
الليل - وفُتح لنا بابها ، فإِذا رجل قد دخل ، وقال : البُشرى! قد ماتَ
الرجل (٤). قال أبي: وكنتُ أَدعو الله أَن لا أراه(٥).
أخبرنا عبد الملك الكَرُوخي ، قال : أخبرنا عبد الله بن محمد الأنصاري ،
قال : أخبرنا أبو يعقوب ، قال : حدثنا أبو علي بن أبي بكر المروّزي ، قال :
حدثنا أبو عبد الله محمد بن الحسن بن علي البُخاري ، قال : سمعت محمد بن
إبراهيم البُوشَنْجِي ، يقول : سمعتُ أحمدَ بن حنبل ، يقول : دعوتُ ربي ثَلاث
(١) (تهذيب الكمال) ٤٦١/١، و((مختصر تاريخ دمشق)) ٢٥١/٣، و((سير أعلام
التيلاء)» ٢٣٩/١١ .
(٢) في (ط): ((قال)).
(٣) بفتحات: بلد مشهور من الثغور قرب المصيصة ((معجم البلدان)) ١٣٢/١.
(٤) يعني المأمون .
(٥) ((حلية الأولياء)) ١٩٦/٩.
٤٢٤

دَعوات ، فتبَّنتُ الإِجابة في ثنتين ؛ دَعوته أن لا يجمع بيني وبين المأمون ، .
ودَعوته أَن لا أُرى المتوكّل، فلم أَر المأمون(١)، ماتَ بالبَذَتْدُون(٢) - وهو نهر
الروم - وأحمد مَحبوس بالرَّقَة (٣)، حتى بويع المعتصم بالروم ورجع، فردَّ أَحمد إلى
بغداد في سنة ثمان عشرة ومئتين ، والمعتصم امتَحنه ، فأما المتوكل ، فإنه لما أُحضر
أحمدَ (٤) دار الخلافة ليحدّث ولدَه، قَعد له المتوكل في خَوخة(٥) ، حتى نَظر إِلى
أحمد ولم يَره أحمد .
أخبرنا محمد بن أبي منصور ، قال : أخبرنا عبد القادر بن محمد ، قال :
أخبرنا إبراهيم بن عمر ، قال : أخبرنا علي بن عبد العزيز ، قال : حدثنا
عبد الرحمن بن أبي حاتم ، قال : حدثنا صالح بن أحمد ، قال : لما صار أَبي
ومحمد بن نوح إلى طَرسوس ، رُدَّا في أَقيادِهما ، فلما صارا إلى الرقّة حُمِلا في
سَفينة ، فلما وَصلا إلى عانات(٦) توفي مُحمد بن نوح؛ فَأُطلق عنه قيدُه ،
وصَلّى عليه أبي .
أُخبرنا عبد الرحمن بن محمد القزاز ، قال : أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت ،
قال : أخبرنا محمد بن أحمد بن رزق ، قال : حدثنا عثمان بن أحمد الدقّاق ،
قال : حدثنا حنبل بن إسحاق ، قال : سمعتُ أَبا عبد الله أحمد بن حنبل
(١) في (ط ) : (( المتوكل)) وهو خطأ.
(٢) قرية من بلاد الثغر بينها وبين طرسوس يوم ((معجم البلدان)) ٣٦١/١.
(٣) مدينة مشهورة على نهر الفرات من الجانب الشرقي ((معجم البلدان)، ٥٨/٣ .
(٤) ساقطة من ( ط ) .
(٥) مُختَرق ما بين كل دارين لم ينصب عليها باب ((اللسان)).
(٦) بلد مشهور بين الرقة وهيت ، يعد في أعمال الجزيرة ، وهي مشرفة على الفرات وبها قلعة حصينة ،
وتعرف أيضًا باسم: عانة. ((معجم البلدان)) ٧١/٤.
٤٢٥

يقول : ما رأيتُ أَحدًا على حَداثةٍ سنِّه، وقلّة عِلمه، أَقومَ بأمر الله من مُحمد بن
نوح ، وإني لأرجو أن يكونَ الله قد ختم له بخير ، قال لي ذات يوم وأَنا مَعه
◌ِخِلْوَين(١): يا أَبا عبد الله، اللهَ الله، إِنَّك لستَ مثلي، أُنْتَ رجلٌ يُقْتَدَى بك،
وقد مَدّ الخلقُ أعناقهم إِليك لما يكون منك، فاتَّقِ الله واثبت(٢) لأَمرِ الله - أو
نحو هذا من الكلام - فعجبتُ من تَقويته لي ؛ ومَوعظته إِياي؛ فانظُر بما خُتم
له ، مَرض وصار إلى بعض الطريق فَمات، فصليتُ عليه ودَفنته - أظنه قال:
بعانة - قال أحمد بن علي بن ثابت : وكانت وفاته سنة ثمان عشرة ومئتين(٣).
(١) في (ف): ((جلوس)).
(٢) في (د) و (ف): ((فاثبت)).
(٣) ((تاريخ بغداد)) ٣٢٣/٣، و((ذكر المحنة)): ٣٩.
٤٢٦

الباب الثامن والسّتون
في ذكر ما جرى له بعد موت(١) المأمون
قد ذكرنا أنه لما جاءَ الخبر بموت المأمون، رُدّ أَحمد بن حنبل ومحمد بن نوح في
أقيادهما ، فماتَ محمد بن نوح في الطريق، ورُدَّ أَحمد إلى بغداد مقيدًا .
أخبرنا عبد الملك بن أبي القاسم الكَرُوخي(٢)، قال : أخبرنا عبد الله بن
محمد الأنصاري ، قال : أخبرنا أبو يعقوب ، قال : أخبرني جدي ، قال :
أخبرنا محمد بن أبي جعفر المنذري، وأَبو أَحمد بن أبي أُسامة ، قالا : سمعنا محمد
ابن إبراهيم البُوشَنْجي ، يقول: أُخذ أُحمد أيام المأمون ليُحمل إِلى المأمون ببلاد
الروم، فبلغ أَحمدُ الرقّة ، وماتَ المأمون بالبَذَتْدون قبل أن يَلقاه أحمد، وذلك في
سنة ثمان عشرة ومئتين .
فأخبرني أبو العباس الرقي - وكان من حُفاظ أهل الحديث - أنهم دخلوا على
أُحمد بالرقة وهو محبوس ، فجعلوا يذاكرونه(٣) ما يُروى في النَّقِية من الأحاديث ،
فقال أَحمد: وَكَيف تصنعون بحديث خَبّاب: ((إِنَّ مَنْ كانَ قَبَّلِكُم كَانَ يُنْشَر
أَحدُهم بالمِنشارِ ثُمّ لا يَصده ذلِكَ عن دينه))(٤) قال: فيئسنا منه . فقال
أَحمد : لستُ أُبالي بالحبس ، ما هو ومنزلي إلا واحد ، ولا قتلًا بالسيف، إنما (٥)
(١) ساقطة من ( ط ) .
(٢) ساقطة من ( د) و (ف) و (هـ ) .
(٣) في ( هـ ) : « یذکرونه ».
(٤) تقدم تخريجه في الصفحة (١٨٠) .
(٥) في (د) و (ف): ((وإنما)).
٤٢٧