Indexed OCR Text
Pages 321-340
طريقة تربيته، ومنهج دعوته وإرشاده وإصلاحه تُشبه طريقة شيخه ومرشده حكيم الأمة التهانوي رحمه الله، فمن كان يأتيه طالباً للإصلاح، ناوياً في تزكية النفس، ونیل التربية الدینیة واکتساب المنهج الصحيح، کان رحمه الله يصرف عليه كل جهده، ويراقبه مراقبة شديدة ويوصيه بمحاسبة النفس . هذا ولم يكن المستفيدون منه من طبقة خاصة، وجماعة واحدة، وإنما كانوا موزّعين في كل الطوائف والجماعات، كان منهم القضاة والمحامون البارعون، والمهندسون المتقنون، والعلماء الكبار الراسخون، والموسرون والمعسرون، وبالجملة فكان نفعه عاماً في الجميع دون أي تفريق بين شخص وشخص، أو طائفة دون طائفة. كتاباته الدعوية ومؤلفاته الإصلاحية: ومن أجل تحقيق هذا الغرض النبيل، وهذه الغاية المنشودة، قام الشيخ رحمه الله بتأليف عدة مؤلفات ضمّنها فوائد علمية قيّمة نادرة، ونكات دقيقة غالية، وهي هدية مباركة للطّلاّب والباحثين، وشداة العلم والمعرفة، والقائمين بأعمال الإصلاح والتربية والدعوة والإرشاد، وهذه المؤلفات متداولة بين الأوساط العلمية والدعوية، ومنها: ١ - وصيّة السالكين. ٢ - وصيّة الإخلاص. ٣ - وصيّة الأخلاق. ٤ - توقير العلماء. وغيرها من الكتب النافعة، التي خلّفت آثاراً عميقة في قلوب المسترشدين، والسالكين لطريق الحق، وفتحت لهم طرق الخير والصلاح، ومهّدت السبيلَ إلى اقتناء ثمار الدعوة، كانت أوقاته منظّمة مرتبة مضبوطة، فقد خصّ رحمه الله مجلس الصباح بالطلآّب والعلماء يجلسون معه، ويسألونه ويستفيدون ٣٢١ منه، ويناقشونه مسائل دينية وأحكاماً شرعية، أما جلسة الظهر فكانت عامة للجميع، وها هو زميله الشيخ العلامة المفتي محمد شفيع (كبير مفتي باكستان سابقاً)، رحمه الله، يتحدث إلينا حول علاقته الخاصة بحكيم الأمة، رحمه الله فيقول: ((كان الشيخ وصي الله من كبار وأجلّ خلفاء حكيم الأمة الشيخ التهانوي رحمه الله، إذ كان يتمتع بعنايته الخاصة، وكان ملازماً له منذ ١٣٤٦ هـ إلى أن توفّاه الله، وله فضل المشاركة في كل مجالس حكيم الأمة ومحافله العامة والخاصة، ونظراً إلى هذه المكانة العالية التي كان يحتلّها الشيخ وصيّ الله لدى حكيم الأمة، حظي باحترام وتوقير كبيرين في صميم قلوب زملائه وأقرانه، واعترفوا بمكانته العالية ودرجته السّامیة، رحمه الله)). وفاته: بعد عمر حافلٍ بالأعمال الدعوية، وغني بجهود الإصلاح، والتربية والإرشاد، وحثّ على اتباع السنّة، والتحذير من البدع، استأثرت به رحمة الله تعالى ووافته المنية في ٢٥ تشرين الثاني نوفمبر ١٩٦٧ م، وهو على الباخرة في رحلته المباركة للحج، فإنا لله وإنا إليه راجعون (١). (١) أكابر ديوبند؛ وكاروان تهانوي، ص١٤١ - ١٤٣؛ وانظر كذلك: مصابيح المحافل الأشرفية، ص ٦٤؛ وصيّة العرفان للشيخ قمر الزمان؛ وكتاب الشيخ محمد إعجاز الأعظمي، كتابان مستقلآن بترجمته رحمه الله. ٣٢٢ الفصل الثامن الشيخ عبد الحي السهار نفوري ثم الحيدر آبادي هو الشيخ الفاضل عبد الحي بن عبد الرحمن بن أحمد علي بن لطف الله الأنصاري السهار نفوري ثم الحيدر آبادي، أحد العلماء المبرزين في العلوم الأدبية، قرأ العلم على والده وعلى غيره من العلماء بحيدر آباد، ثم قدم لكنو، وأخذ عن الشيخ فاروق بن علي الجرياكوتي، وتطبّب على الحكيم عبد الولي اللكنوي، ثم رجع إلى حيدر آباد، وولّي التدريس بدار العلوم في عام ١٩١٣ م. وبعدما أنشئت الجامعة العثمانية بحيدر آباد ولي تدريس اللغة العربية فيها، وبقي على هذا المنصب إلى آخر حياته. له براعة في الشعر والأدب، واللغة والنحو، شرع في تأليف كتاب كبير في أمثال العرب وتعبيراتهم، سمّاه (معجم الأمثال) طبع منه جزء لطيف، وقد حفظ القرآن الكريم في آخر حياته(١). علاقته بالشيخ أشرف علي التهانوي ومبايعته له: ارتبط مع حكيم الأمة التهانوي رحمه الله بالعلاقة الإصلاحية والتربوية (١) نزهة الخواطر: ٢٣٩/٨. ٣٢٣ في عام ١٩١٨ م أو ١٩١٩ م، وبايعه ونال منه الإجازة، وقد تحدث حكيم الأمة التهانوي رحمه الله بنفسه عن قصة علاقة الشيخ عبد الحيّ به، وذلك في الإفاضات اليومية، فقال: ((لما غادر السيد عبد الحي حيدر آباد، باحثاً عن شيخ يرتبط معه بالإصلاح والتربية أو مرشد يبايعه، كان قد اشترط لذلك شروطاً، فإن وجد أحداً مستوفياً هذه الشروط مضى قُدماً وربط به علاقته الإصلاحية، ومن تلك الشروط : ١ - أن لا تكون البيعة عنده شرطاً للتعليم. ٢ - أن لا يكون المرشد جاهلاً أمّياً. ٣ -أن لا يكون قد أصابه الكبر وبلغ سنّ العجز. وقد وجد هذه الشروط متحققه مستوفاة لدى حكيم الأمة التهانوي في (تهانه بهون) واقتنع بشخصيته رحمه الله، واستعدّ لربط العلاقة به)). وقال حكيم الأمة التهانوي رحمه الله في مناسبة أخرى: ((إن المولوي عبد الحي قد جاء من حيدر آباد، وهو حفيد العالم المحدّث الشيخ أحمد علي السهار نفوري(١)، وأستاذ اللغة العربية في الجامعة العثمانية بحيدر آباد، وقد (١) هو الشيخ العالم الفقيه المحدّث أحمد بن علي بن لطف الله الحنفي السهار نفوري، أحد كبار الفقهاء الحنفية، ولد ونشأ بمدينة (سهارنفور) وقرأ= ٣٢٤ ذكرت له مرة من المرات أني لم أدرس إلا كتب المقرّرات الدراسية، فبدأ يقول لي مستغرباً وفي غاية من الاستعجاب: كنت أظن أنك طالعت آلاف الكتب)). كان رحمه الله مواظباً على زيارة شيخه حكيم الأمة التهانوي كل عام، ومستديم المراسلة معه، شديد الاحترام والتوقير له، حتى إنه كان يخاطب شيخه دائماً بصفات عالية ويلقبه بـ (جامع الكمالات العلمية والعملية). وكان يقول دائماً: ((إن شيخنا حكيم الأمة بمثابة الإمامين الغزالي والرازي في عصرنا هذا)). كما أنه قام بتلخيص وتسهيل كتاب حكيم الأمة (تربية السالك) وجعله في متناول الجميع، سهل الاستفادة. شيئاً نزيراً على أساتذة بلدته، ثم سافر إلى (دهلي) وأخذ عن الشيخ مملوك = علي النانوتوي، وأسند الحديث عن الشيخ وجيه الدين السهار نفوري، ثم سافر إلى مكة المباركة فتشرف بالحج وقرأ الأمهات الست على الشيخ إسحاق بن محمد أفضل الدهلوي المهاجر المكي سبط الشيخ عبد العزيز بن ولي الله، ثم رجع إلى الهند، وتصدّر بها للتدريس مع استرزاقه بالتجارة، وكان عالماً صدوقاً أميناً ذا عناية تامة بالحديث، صرف عمره في تدريس الصحاح الست وتصحيحها، ولاسيما صحيح الإمام البخاري، خدمه عشر سنين فصحّحه وكتب عليه حاشية مبسوطة، توفي بالفالج لستِّ خلونَ من جمادى الأولى سنة سبع وتسعين ومئتين وألف بمدينة سهارنفور، فدفن بها . (نزهة الخواطر: ٤٣/٧). ٣٢٥ وفاته: وقد وافته المنية لليلتين بقيتا من رمضان سنة ثمان وأربعين وثلاث مئة وألف بالطاعون في حيدر آباد، ودفن بها، إنا لله وإنا إليه راجعون(١). (١) كاروان تهانوي، ص ٧٠ - ٧١؛ مصابيح المحافل الأشرفية، ص٢٤٨؛ نزهة الخواطر: ٢٣٩/٨. ٣٢٦ الفصل التاسع الشيخ عبد الغني الفولفوري ١٢٩٣- ١٣٨٢هـ هو الشيخ العالم الربّاني، الزاهد الكبير، عبد الغني الفولفوري رحمه الله، ولد في مدينة (أعظم كره) عام ١٢٩٣ هـ، واشتهر بالفولفوري، لأنه قضی معظم فترة حياته في (فولفور)، قرأ الكتب الابتدائية في مدرسة قريته، ثم أخذ به والده إلى مدينة (جونفور) حيث كان يقيم الشيخ أبو الخير المكي ابن الشيخ سخاوت علي الذي كان من خلفاء المجاهد العلاَّمة السيد أحمد بن عرفان الشهيد رحمه الله، فقرأ عليه واستفاد منه حوالي سنتين. ثم انتقل إلى الشیخ السید أمین الدین النصير آبادي، ودرس علیه بعض الكتب الدينية، ثم ارتحل إلى (كانفور) حيث التحق بمدرسة (جامع العلوم) ودرس هناك كتب الحديث الشريف، وفي أثناء دراسته بجامع العلوم قام حكيم الأمة الشيخ التهانوي رحمه الله بزيارة لمدينة كانفور فتشرف الشيخ عبد الغني بلقائه، وسعد بزيارته، وأعجب به أيما إعجاب، حتى جاش في قلبه شوق اللقاء به، والحنين إلى توثيق الصلة به وتوطيد العلاقة معه. فلما تخرج من مدرسة (جامع العلوم) ازدادت رغبته في لقياه وملازمته، ٣٢٧ وعزم على مبايعته، ولكن لم تتحقق أمنيته هذه في الوقت نفسه، وساقته رغبته الشديدة في تعلّم المعقولات من الفلسفة والمنطق إلى (رامفور) حيث كانت المدرسة العالية، المركز الكبير الخاص بالعلوم العقلية، وبعدما تخرج من هناك ولي التدريس في المدرسة العربية بمدينة (ميتافور) وحاز منصب رئاسة التدريس هناك، وبقي في هذا المنصب لمدة خمس سنوات. ثم سنحت له الفرصة للقاء الشيخ حكيم الأمة التهانوي في إحدى المناسبات بمدينة (أعظم كره) في عام ١٣٣٨ هـ، حيث ألقى فيها حكيم الأمة خطبة عظيمة ملأت القلوب بالمعارف، وأشعلت في النفوس نيران الحب والإخلاص والمودّة لله، والتفاني في سبيل الله، وقد كانت الساعة المباركة، تلك التي كان ينتظرها الشيخ عبد الغني منذ فترة طويلة، وآن الأوان أن يمدّ إلى حكيم الأمة يده للمبايعة، فبايعه حكيم الأمة، ثم واصل الشيخ خدمة الدین، والاشتغال بالدعوة والإرشاد، والأعمال الإصلاحية العظيمة، طوال حياته، عن طريق تأسيس المدارس، وبناء المراكز التعليمية والتربوية . كانت حياته رحمه الله ساذجة بكل ما يحمل من المعاني، زاهداً في الدنيا وزخارفها، لقد أكرمه الله تعالى بنعمة القناعة والصبر والإخلاص، لم يرضَ لنفسه أخذ أي راتب من المدرسة، ولاذاق طعاماً فيها قط، وإذا أراد أن يبقى في المدرسة يوماً كاملاً بغرض النظر في أمورها وتفقّد شؤونها، حمل معه الدقيق والملح. كان رحمه الله قد فُطر على تحمّل المشاق، وتجشّم التعب والنصب، ٣٢٨ فكان يقطع مسافة عشرة أميال مشياً على الأقدام، لابتغاء وجه الله ونیل مرضاته، ولعلَّ هذا هو السبب في أن حكيم الأمة التهانوي رحمه الله كان دائماً یشني علیه ویمدحه، ويقول: ((إن المولوي عبد الغني ما شاء الله عليه، رجل صاحب همة عالية، وجرأة فائقة، ذو استعداد عالٍ، قوي، وقد بلغ ذروة الكمال في العلم والعمل)). ونظراً إلى مكانة (الجهاد) العظيمة في الإسلام، وكونه (ذروة سنام الإسلام)، وانطلاقاً من مبدأ قول رسول الله وَ له: ((المؤمنُ القويُّ خيرٌ وأحَبُّ إلى اللهِ مِنَ المؤمِنِ الضَّعيفِ، وفي كلٌّ خيرٌ))(١)، كان رحمه الله منذ سنه المبكر يحدث نفسه بالجهاد في سبيل الله، ودائماً يدعو الله جلّ وعلا أن يوفقه لتحقيق هذه الأمنية المباركة النبيلة، وإحياء هذه الفريضة الغالية، وقد تعلّم الفنون العسكرية من أجل هذا الغرض والهدف السامي، كما أنه كان يدرّب زملاءه وأصحابه على هذا الفن العظيم، وقام بتوظيف أستاذ في المدرسة يدرّب الطلاب على الشؤون العسكرية . وكان شيخه ومرشده حكيم الأمة التهانوي رحمه الله يشجّعه عليه ويمدحه ويرفع معنوياته، ويسرّ كثيراً إذ يرى ثمار تربيته الرشيدة متحققة أمام (١) رواه الإمام مسلم في صحيحه، كتاب القدر، (٢٦٦٤)؛ وابن ماجه، في سننه كتاب المقدمة، (٧٩)؛ وفي كتاب الزهد، (٤١٦٨)؛ وأحمد في مسنده: ٣٦٦/٢، (٨٧٧٧)، ٣٧٠/٢، (٨٨١٥). ٣٢٩ عينه، وكان الشيخ عبد الغني رحمه الله من شديدي التمسّك بأوامر الله، والاعتصام بحبل الله المتين، وتنفيذ شرائعه، وأحكامه، ولا ترضى نفسه أن يرى أحداً يخالف شريعة الإسلام، ولو رأى أحداً يخالف أمر الله، أو ينتهك حرمات الله، يتغيّر وجهه، ولا يقرّ له قرار ولا يهدأ له بال إلا بعد القيام بإصلاح هذه المخالفة، وقطع جذورها. ونظراً إلى هذه الصفات العالية الرفيعة، والأخلاق الحسنة الطيبة، والفضائل المباركة، كانت له مكانة مرموقة عالية في قلب مرشده حكيم الأمة التهانوي رحمه الله، و کان يسرّ بزيارته ويفرح بقدومه. هذا وقد ألّف رحمه الله بعض الكتب الإصلاحية والدعوية والتربوية، ومنها : ١ - المعرفة الإلهية: وقد ضمّنه فوائد علمية، ونكات دعوية، ودقائق تربوية، كلها منتقاة ومستفادة من أمالي الشيخ التهانوي رحمه الله . ٢ - المعية الإلهية: تحدث فيه الشيخ رحمه الله عن قيمة الصحبة وأهميتها في تكوين الشخصية، وأوضح أن حصول القربة الإلهية، وابتغاء رضوان الله تعالى، لا يمكن بقراءة محضة للكتب العلمية، ودراسة جامدة للمؤلفات الكبيرة، وإنجاز البحوث والدراسات النادرة، وإنما يحتاج المرء لذلك إلى صحبة أولياء الله، وملازمة المتقين والصالحين من عباد الله. ٣ - الصراط المستقيم: كتاب يتحدث عن معرفة الله تعالى وحبّه . ٣٣٠ ٤ - الملفوظات: مجموعة خطبه ومواعظه التي ألقيت ضمن مناسبات وفي مختلف المحافل. ٥ - البراهين القاطعة: يتحدث عن توحيد الباري تعالى، وفيه تقرير للرسالة، والقيامة . وفاته: وبعد عمر حافل بالأعمال الدينية والمجهودات الدعوية والإصلاحية، وعكوف على التدريس والتعليم، استأثرت به رحمة الله تعالى في آب (أغسطس) ١٩٦٢ م، رحمه الله رحمةً واسعةً وأسكنه فسيح جنانه(١). (١) انظر ترجمته في: (كاروان تهانوي)، ص ٨٥؛ ومصابيح المحافل الأشرفية، ص١٠٤. ٣٣١ الفصل العاشر الشيخ العلامة المحدّث محمد يوسف البنوري ١٣٢٦-١٣٩٧ هـ اسمه ونسبه: هو السید محمد يوسف بن محمد زكريا بن ميرمزّ مل شاه البنوري رحمه الله، يصل نسبه الشريف إلى سيّدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه. مولده وموطنه: ولد رحمه الله ليلة الخميس، السادس من شهر ربيع الآخر سنة ألف وثلاثمئة وست وعشرين من الهجرة، الموافق سنة ألف وتسعمئة وثمانية للميلاد، في قرية (مهابت آباد) من أعمال مروان باكستان، وكان جدّه الأعلى السيد آدم رحمه الله أقام في قرية (بنّور) من مديرية (أنباله) (الهند) ولذا تنسب هذه الأسرة الكريمة إلى (بنّور). أسرته: والأسرة البنّورية أسرة جمع الله فيها العلم والعمل، والتقوى والورع، والخير والصلاح، والزهد والقناعة، والإعراض عن الدنيا، والإقبال على الآخرة، كان والده رحمه الله عالماً ورعاً، زاهداً تقياً، عابداً، وورث كلَّ ذلك ابنُه البار الصالح، ورزق مع حسن الخلق حسن الصورة. ٣٣٢ رحلته للعلم: تعلّم القرآن الكريم، والمبادئ على والده السيد محمد زكريا، وخاله الشيخ فضل حمداني البنّوري، وقرأ كتب النحو والصرف على الشيخ عبد الله البشاوري المتوفى سنة ١٣٤٠ هـ، وقرأ الكتب المتوسطة في الفنون المختلفة من الفقه والأصول والمنطق، والمعاني والبديع على علماء بشاور وكابل، ومن أكبر مشايخه في هذه الفنون الشيخ عبد القدير اللمقاني الأفغاني. التحاقه بدار العلوم ديوبند: وحضّه هيمانه بالعلم، وشوقه إلى الاستزادة العلمية إلى السفر إلى الديار الهندية للالتحاق بجامعتها الغرّاء (دار العلوم ديوبند) فالتحق بها سنة ١٣٤٥ هـ، وكمّل فيها دراسته العليا في التفسير والحديث والفقه والأصول، وبقي فيها إلى سنة ١٣٤٧هـ، ومن أكبر مشايخه في الحديث محقق العصر الشيخ شبير أحمد العثماني (صاحب فتح الملهم شرح صحيح مسلم) رحمه الله، وإمام العصر، المحدث الكبير الشيخ محمد أنور شاه الكشميري رحمه الله تعالى. مناصبه ورئاسته للتدريس: ولازم العلاَّمة الكشميري، ورافقه حتى صار أميناً لعلومه، وشارحاً لثروته العلمية، وتراثه الحديثي، واعترافاً بمكانته العلمية، ومواهبه الخاصة في مجال البحث والتحقيق انتخب مدرساً في الجامعة الإسلامية بدابيل في مقاطعة بومباي (الهند) بعد وفاة شيخه رحمه الله، إلى أنْ صار فيها شيخ ٣٣٣ الحديث، ورئيس الأساتذة والمدرّسين. وانتخب عضواً للمجلس العلمي في الجامعة الإسلامية، وقد بعثه المجلس العلمي مندوباً له إلى القاهرة للإشراف على طبع عدة كتب عام ١٩٣٧ م، کما عُيِّن رئيساً لجمعية علماء الهند في بلاد (کجرات) و(بومباي)، وكذلك كان عضواً للمجمع العلمي العربي بدمشق وعضواً لمجمع البحوث الإسلامية بالقاهرة، وقد دعاه العلاَّمة السيد سليمان الندوي إلى الجامعة الأحمدية بولاية (بوفال) الهند لمنصب رئيس قسم الحديث، ولكنه أحبّ البقاء بدابيل حفظاً لأمانة شيخه الكشميري. تأسيس (المدرسة العربية الإسلامية): وبعد هجرته إلى باكستان في يناير كانون الثاني عام ١٩٥١ م أقام حوالي ثلاث سنوات رئيساً لقسم التفسير في دار العلوم الإسلامية، ثم أسس في (نيوتاون) بكراتشي جامعة باسم المدرسة العربية الإسلامية. مؤلفاته: إن مؤلفات الشيخ يوسف رحمه الله كلها باللغة العربية الفصحى، تمتاز بعبارة رائقة، وأسلوب بديع، ومنها: ١ - بغية الأريب في مسائل القبلة والمحاريب. ٢ - نفحة العنبر في حياة إمام العصر الشيخ محمد أنور. ٣ - يتيمة البيان في شيء من علوم القرآن. ٣٣٤ ٤ -معارف السنن شرح سنن الترمذي. علاقته بحكيم الأمة الشيخ أشرف علي التهانوي: كان الشيخ يوسف رحمه الله قد ربط علاقته الروحية مع الشيخ أشرف علي التهانوي رحمه الله، وسعد بالحضور في (تهانه بهون) لأول مرة في سنة ألف وثلاثمئة واثنتين وخمسين من الهجرة، ثم واصل مكاتباته مع الشيخ رحمه الله بعد زيارته الثانية له في عام ١٣٥٤ هـ ليستفيد في مجال التزكية والإحسان، وفي عام ١٣٥٨ هـ أصبح من خلفائه رحمه الله، وقد سبق أنه بايع على يد الشيخ شفيع الدين خليفة الشيخ الحاج إمداد الله المهاجر المكي رحمهم الله . کان من المعجبين بذکاء الشیخ التهانوي، وحسن انتظامه للأمور، واستغلال الوقت وحسن استخدامه، وانتهاز الفرص المتاحة، وكمال التربية والإصلاح، كما أنه كان دائماً يذكره بذوقه الاجتهادي ومكانته العالية وجهوده العظيمة في مجال تجديد التصوّف، وتطهيره من الخرافات والأباطيل(١). وفاته: وقد رحل هذا المجاهد العظيم، والعالم الجهبذ الكبير إلى الدار الآخرة، وكان في سفر إلى إسلام آباد للحضور في المجلس الإسلامي الاستشاري، واستأثرت به رحمة الله إثر نوبة قلبية، وذلك يوم الإثنين الثالث من ذي القعدة (١) انظر: مصابيح المحافل الأشرفية، ص ٣٠ -٣٢؛ كاروان تهانوي، ص١٩٦ . ٣٣٥ عام ١٣٩٧ هـ، الموافق ١٧ تشرين الأول أكتوبر عام ١٩٧٧ م، ونقل جثمانه إلى كراتشي، ودُفن في رحاب جامعته التي هي من أكبر مآثره الخالدة، رحمه الله رحمةً واسعةً وتغمده بعفوه وغفرانه(١). (١) انظر: مقدمة معارف السنن: ٢/١ -٥٤ للشيخ محمد حبيب الله، وانظر كذلك: العدد الممتاز لمجلة (بينات) الصادرة من كراتشي باكستان . ٣٣٦ البَابُ الَّادِسْ للآثار الخالدة لِحَكِيْمِ الأُمّةِ التَّهَانَوَيْ الفصل الأول : كلمة عامة عن مؤلفات التهانوي الفصل الثاني : سرد إجمالي لأشهر مؤلفات التهانوي الفصل الثالث : دراسة موجزة لأهم مؤلفات التهانوي : ١ - تفسير بيان القرآن ٢ - إمداد الفتاوى ٣ -کشف الدجی عن وجه الربا ٤ - استحباب الدعوات عقيب الصلوات ٥ - الحيلة الناجزة للحليلة العاجزة ٦ - حلية أهل الجنة ٧ - تعليم الدين مع تكميل اليقين ٨- المصالح العقلية للأحكام النقلية ٩ - نهاية الإدراك في أقسام الإشراك ١٠ - إصلاح الرسوم ١١ - تمهيد الفرش في تحديد العرش ١٢ - جزاء الأعمال ١٣ - إحياء السنن أو جامع الآثار ١٤ - إعلاء السنن ١٥ - أحكام القرآن ١٦ - مسائل السلوك من كلام ملك الملوك ١٧ - إصلاح انقلاب الأمة الفصل الأول كلمة عامة عن مؤلفاته إنَّ التراث العلمي القيّم الذي خلّفه حكيم الأمة التهانوي رحمه الله لينوء بالأكاديميات الكبرى، والمجامع العلمية الفخمة، فقد أودع الله تعالى فيه قدرة فائقة، وكفاءة كبيرة في البحث والتحقيق، وملكة عالية في الكتابة والتأليف، إلى جانب تربيته وإصلاحه واهتمامه بعدد كبير من أولئك المسترشدين، الذين كانوا يَرِدُون منهله العذب الصافي، بالإضافة إلى أعماله الدينية الأخرى من إرشاد المجتمعات والقيام بزيارات دعوية، وجولات إصلاحية وتربوية في كل أنحاء الهند المترامية الأطراف. لقد قام حكيم الأمة التهانوي رحمه الله بتأليف كتب قيّمة نافعة تتّسم بالأصالة في البحث والتحقيق، والعمق في النظر والتدقيق، وأنجز من الأعمال العلمية الهائلة ما لا تستطيع الأكاديميات الكبيرة إنجازها، وقد صدق سماحة الشيخ أبو الحسن علي الندوي رحمه الله إذ قال كلمته التي تعبّر عن الواقع بكل ما له من معنى، ووصفه بما يأتي: «المصلح الكبير الشيخ أشرف علي التهانوي، الذي هو من كبار علماء هذا العصر الربانيين، وأعظم مؤلف في هذا العصر بالإطلاق)»(١). (١) مقدمة لكتاب (بين التصوّف والحياة)، ص١٢ . ٣٣٩ وقال رحمه الله في موضع آخر، وهو يتحدث عن مؤلفات حكيم الأمة رحمه الله : ((وله مصنّفات كثيرة ممتعة، ما بين صغير وكبير، وجزء لطيف، ومجلدات ضخمة، أحصاها بعض أصحابه فبلغت إلى نحو ثمانمئة، فيها نحو اثني عشر كتاباً بالعربية، منها: (أنوار الوجود في أطوار الشهود)، و(التجلّي العظيم في أحسن تقويم) و(سبق الغايات في نسق الآيات)، وغيرها من مصنفاته في غير العربية (الإكسير في ترجمة التنوير)، و(التأديب لمن ليس له في العلم والأدب نصيب) و(تحذير الإخوان عن تزوير الشيطان) و(القول البديع في اشتراط المصر للتجميع) ... ))(١). وأضاف رحمه الله قائلاً: ((وقد كان من كبار العلماء الربانيين الذي نفع الله بمواعظهم ومؤلفاتهم، وقد بلغ عدد مجالس وعظه التي دُوّنت في الرسائل، وجُمعت في المجاميع إلى أربعمئة مجلس، وقد كان نفع كتبه ومجالس وعظه عظيماً في إصلاح العقيدة والعمل))(٢). ويقول الشيخ محمد تقي العثماني حفظه الله : («كان حكيم الأمة الشيخ التهانوي رحمه الله أكثر الناس تأليفاً في عصره، ولا يوجد في هذا القرن من يجاريه أو يدانيه في كثرة المؤلفات، فإنه قد ترك نزهة الخواطر: ٥٨/٨ -٥٩. (١) (٢) المصدر السابق نفسه. ٣٤٠