Indexed OCR Text

Pages 81-100

حطام الدنيا وكسب المناصب العالية، وتحقيق الأهداف الفانية الزائلة .
· الاهتمام بصفاء المعاملات ونظافتها، أكثر من العبادات.
· لا بد من أخذ الحذر التامّ، والحيطة الكاملة، في بيان الروايات،
وسرد القصص، وقد تغافل الناس كثيراً عن هذا الجانب، سواء في فهمها أو
نقلها للآخرين.
· لا بد من استشارة الطبيب الحاذق وأخصائي الأمراض قبل استخدام
الأدوية وأخذ العلاج.
· حفظ اللسان وكفّه عن كل أنواع المعاصي، والأمور التي لا تعني
الإنسان في دينه ودنياه.
● كُن مُحبّاً للحق وعاملاً به مهما كان، وحيثما كان، ولا تكن مُصرّاً
وجامداً على قول لا يسانده الدليل ولا يوافقه البرهان.
• عدم الإكثار من إيجاد العلاقات، والتدخل في الشؤون الدنيوية
لشخص ما .
٨ - أرجو من جميع الإخوة والزملاء أن يدعوا لي الله بالعفو والمغفرة،
وخاصة بعد قراءة القرآن، وأحذّرهم كل التحذير من إحداث أي أمر لا يمتّ
إلى الإسلام والدين بصلة، أو اختراع أمر مخالف لسنّة المصطفى ◌َل.
٩ - عدم تعليق النفس بالدنيا وزخارفها، قدر المستطاع، وعدم إغفال
فكرة الآخرة، ولو للحظة واحدة، وكذلك إعداد النفس دائماً للقاء الربّ عزَّ
٨١

وجلّ، حتى إذا وافتها المنّة لا تكن أمنيتها ﴿ لَوْلَا أَخَّرْتَبِىّ إلَى أَجَلٍ فَرِيبٍ فَأَصَّدَفََ
وَأَكُنْ مِّنَ الصَّلِحِينَ﴾ [المنافقون: ١٠]، وملازمة الاستغفار والمواظبة عليه
الذنوب النهار قبل دنوِّ الليل، ولذنوب الليل قبل دنوِّ النهار، والقيام بأداء
حقوق العباد بالكليّة وتبرئة الذمة منها قدر المستطاع.
١٠ - المواظبة على الدعاء لحسن الخاتمة، لا سيّما بعد أداء الصلوات
الخمس بغاية من التضرّع، وأقصى درجات الخشوع، لأن من نال حسن الخاتمة
فقد نال الخير كله، وحاز الفضيلة العليا والنعمة الكبرى، والشكر على نعمة
الإسلام كما هو الموعود من خالق السماوات والأرضين ﴿لَيِنِ شَكَرْتُمْ
لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: ٧].
١١ - أُحذِّر إخواني وأحبّائي ببالغ التحذير من التجمّع بغرض الدعاء لي
أو إيصال الثواب إليّ، لا بقصد ولا من دون قصد، حتى لو اجتمعوا بمناسبة
من المناسبات فعليهم أن يتفرّقوا عند تلاوة القرآن، وكل من تحلو له نفسه أن
يدعو لي أو ينفعني بالصدقات والنوافل والقربات الأخرى فليفعل وحده، دون
أن يشاركه أحد في شيء من ذلك، ولا أُجيز لهم أن يتبرّكوا بما أخلّفه من ورائي
من أثاث البيت، أو الأغراض التي كنت أستعملها .
نعم إن يتملّكها أحدهم بطريقة شرعية، ويحتفظ بها بطريقة سريّة فلا بأس
لكن لا ينبغي الاهتمام بإبرازها أمام الآخرين أو إطلاعهم عليها، أو النظر إليها
کشيء يُبَّك به، فأنا بريء من ذلك.
كانت هذه إحدى عشرة وصية، وتشبّه في العدد بأحد عشر كوكباً حرّرتها
٨٢

وسجّلتها لكم لكي يسترشد بها الناس ويعملوا بها .
سائلاً المولى عزَّ وجلّ أن يوفّقنا لكل خير، ويُرينا الحقّ حقّاً ويرزقنا
اتّباعه، ويرينا الباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه، آمين)).
مقتبسات من قصائد قيلت في رثاء الشيخ رحمه الله:
لما مات رحمه الله ارتجَّت الهند بالبكاء، وتأسّف عليه المسلمون أسفاً
شديداً، ورثاه غير واحد من العلماء والشعراء بمئات الأبيات، وفيما يأتي نذكر
مقتبسات من هذه القصائد العربية :
· من قصيدة الشيخ العلامة المفتي محمد شفیع رحمه الله :
والدَّهرُ سَاءَ وأقلَعَتْ حَسَنَاتُهُ
شَمْلُ الهُدى والدِّينِ عَمَّ شَتاتُه
والجَهْلُ شَاعَ وأحْدَقَتْ ظُلُمَاتُهُ
دُرْسٌ تَدُورُ لِمَحْوِهَا نَكَبَاتُهُ
تَبْقَى إلى أمَدِ المَدَى حَسَرَاتُهُ
ظَهَرَتْ عَلَى أُفْقِ العُلَى آيَاتُهُ
تَشْبِيدُ أرْكَانِ الهُدَى مَسْعَاتُه
أفَلَتْ نُجُومٌ للهُدَى وَشُمُوسُهُ
لَمْ يَبْقَ مِنْها اليَوْمَ إلاَّ أَرْسُمٌ
والخَطْبُ طَمَّ ولا تَزَالُ كَمَا تَرَى
بِوَفَاةِ أَشْرَفِهِم مُجَدِّدِ وقْتِه
لِحِمَايَةِ الدِّينِ القَوِيْمِ قِيَاسُهُ
وقال رحمه الله :
مَا مَاتَ مَنْ أبْقَى الخَليفةَ بَعْدَهُ
مَا مَاتَ مَنْ أبْقَى الخَلائِفَ بَعْدَهُ
ما مَاتَ مَنْ أبقَى كَأَلْفِ مُصنَّفٍ
رَوْضاً أريْضاً تُجْتَبَى ثَمَرَاتُهُ
تَبْقَى بِهِم آثَارُه وسِمَاتُه
تَزْهُو عَلَى أُفْقِ العُلَى صَفَحَاتُهُ
٨٣

خَلَدَت إلى خُلْدِ الزَّمَانِ حَيَاتُهُ(١)
في الحَيِّ والقَيّومِ قَامَ مُشَمِّراً
· ومن قصيدة الشيخ جميل أحمد التهانوي :
أَيَكْفي بَعدَ شَيخي أنْ تَقُولُوا
أنسلُوا سَاقياً ما زالَ يَسْقي
كَأنَّ الرَّبَّ لَمْ يَخْلُقْهُ إلاّ
وَمَا هَذَا انْسِجَامُ القَطْرِ إِلّ
رزيّةُ فَقْدِهِ عَنّا رَزَآَيَا
فَأيْنَ طَبِيبُ أرواحِ البَرَايَا
وأينَ حكيمُ أمَّتِنا فإنّا
إذا مَا شُبهةٌ وردتْ بِقَلْبٍ
حَيَارى لا نَرَى للشَّيْخِ مِثْلاً
إِذَا جَازى الإلهُ هُداةَ قَوْمٍ
أيَرْوي غُلَّتِي سَكْبُ الدِّمَاءِ
أيُطفي لَوعَتي دَمْعُ البُكَاءِ
عَزَاءٌ يا كَئِيبُ على العَزَاءِ
ولمْ يكُ مَلَّ قطُّ عَنِ السِّقَاء
لِسَقْي سَقِيْمنا كَأسَ الشِّفَاءِ
بُكاءٌ فِي نُواهِ مِنَ السَّمَاءِ
دَهَتْنا فالذَّهَاءُ عَلى الذَّهاءِ
فَقَدْ أعْيَا الأطبّةَ كُلُّ دَاءِ
نَرى فينَا عُيوبَ الأشْقياءِ
فَمِنْهُ دِفَاعُها مَحْضُ اللِّقَاءِ
ولا لِكُلُومِنَا بَعْضَ الذَّواءِ
جَزَى عَنَّالَهُ خَيْرَ الجَزَاءِ
• ومن قصيدة العلاَّمة الشيخ ظفر أحمد العثماني التهانوي:
وهَلْ بِدُمُوعِها يُشْفَى العَليْلُ
بَكَتْ عَيْنِي وَزَادَ بِيَ العَوِيْلُ
لَقَدْ ضَاقَ الفَضَاءُ بِنَا ومَالتْ
جِبَالُ الأرضِ أو كَادتْ تَزُولُ
يَاباً مَا يُرَى فيها خَلِيْلُ
وأوحَشَتِ البِلادُ بِنا وأمْسَتْ
(١) أشرف السوانح: ١٥٠/٤ _١٥٢ .
٨٤

وأظلمتِ الدِّيارُ ومَا عَليها
تصدَّعتِ القُلوبُ بمَا دَهَاهَا
وقُلْبَتِ الأمُورُ غَدَاةَ ولَّى
مجدِّدُ ملّةِ الإسْلام حقّاً
مفسِّرُ عَصْرِهِ مِنْ غَيرٍ خُلْفٍ
خَبِيرٌ بالحديثِ وكُلِّ عِلْمٍ
تَضلَّعَ بالعُلُومِ فَكَانَ فَرْداً
وليُّ زمانِهِ عَدْلٌ تقيٍّ
رؤوفٌ راحمٌ بَرِّ كريمٌ
لَقَدْ قَطَعَ الحَبائِلَ عن فِئَامِ
يحضّ بنا على طَلَبِ المَعَالي
لَهُ فِینَا صَحائِفُ مُعْلَمَاتٍ
فَهَل لِضِيائِها يَوْماً سَبِيلُ
وجَلّ الخَطْبُ وانْذَهَلَتْ عُقُولُ
حَكِيمُ الأمةِ العَلَمُ الجَليلُ
فَنِعْمَ دَليلُنا ذَاكَ الدَّليلُ
فَقَيْهُ الوَقْتِ ليسَ لهُ عَديلٌ
وبالأسْرَارِ يَنْطِقُ إِذْ يَقُولُ
إليهِ كلُّ مَكْرُمَةٍ تؤولُ
إمامُ الدَّهرِ ليسَ لهُ مثيلٌ
وفي عُنُقِ الهَوى سَيْفٌ صَقِيْلُ
بوادي الهالكين لهم نزولُ
ويَهْدينَا لِمَا قَالَ الرَّسُولُ
كثيرُ ثَنَائِهَا مِنّا قليلٌ
• ومن قصيدة الشیخ المحدّث محمد إدريس الکاندهلوي:
لقد قُبضتْ روحُ العُلى والمكارمِ
وقد قبضت روحُ الفضائلِ والهدى
نقيٌّ تقيٍّ عالمٌ أَيُّ عالمٍ
وَكانَ جنيدَ الوقتِ نُعمانَ عصرِهِ
وكان خَطيباً مصْقَعاً أي مُصْفَعِ
وَقَدْ كَانَ في التَّسيرِ آيَةٌ رَبِّهَ
وأحْيَا عُلومَ الدِّينِ مدَّة عُمْرِهِ
بموتِ حكيمِ الهندِ أشرفَ عالمٍ
بموتِ إمامِ الهندِ رأس الأكارمِ
وموتُه واللهِ موتةٌ عَالَمْ
وفي البحث كالرازيِّ عند التَّخاصُمِ
مواعظُه مشهورةٌ في العَوالم
هَمَى علمُه مثلَ الحيا المتراكِمِ
وما خاف في مولاه لَوْمَةَ لائِمٍ
٨٥

• وقال رحمه الله :
وأيْتَمْتَ أهلَ العلمِ يا عَلَمَ الهُدَى
وأورثْتَنَا عِلْماً وأورَثْتنا الأسَى
عَليكَ سَلامُ اللهِ يا قَبْرَ أشرفٍ
وبَوَأكَ الرَّحمنُ خيرَ مُبوَّأِ
وأُهدِيكَ يا نَجْمَ الهُدَى أحْسَنَ الدُّعا
جَزَاكَ إِلهُ العرشِ خَيْرَ جَزَائِهِ
فَمَن ذَا الذي نَدعو لرغم المخَاصِمِ
ولي مِنْهُما حَظّ نصيبُ المقاسِمِ
ورَحْمَتُهُ تترى كَجُودِ الغَمائمِ
وأرضاكَ رَبُّ العرشِ أرحمُ راحمٍ
وتَسليمَ مُشتاقِ الفُؤادِ وهائِمٍ
فَقَدْ كُنْتَ الإسْلامِ أحْسَنُ خَادِمِ (١)
فضله وثناء العلماء عليه:
يقول الشيخ الإمام محمد زاهد الكوثري رحمه الله (وكيل المشيخة
الإسلامية في الخلافة العثمانية) تحت عنوان: (أحاديث الأحكام وأهم الكتب
المؤلّفة فيها، وتناوب الأقطار في الاضطلاع بأعباء علوم السنّة):
((وكذلك عُني بهذا الأمر العلاَّمة الأوحد والحبر المفرد، شيخ المشايخ
في البلاد الهندية، المُحدّث الكبير، والجهبذ الناقد البصير، مولانا حكيم
الأمة محمد أشرف علي التهانوي، صاحب المؤلّفات الكثيرة البالغ عددها
نحو خمسمئة مؤلّف ما بين كبير وصغير؛ فألّف - طال بقاؤه - كتاب (إحياء
السنن) وكتاب (جامع الآثار) في هذا الباب، ويُغني عن وصفهما ذكر اسم
مؤلّفهما العظيم، وكلاهما مطبوع بالهند، إلا أن الظفر بهما أصبح بمكان من
(١) أشرف السوانح: ١٥٨/٤ - ١٦١.
٨٦

الصعوبة، حيث نفدت نسخهما المطبوعة، لكثرة الراغبين في اقتناء مؤلفات
هذا العالم الرباني، وهو الآن قد ناهز التسعين، أطال الله بقاءه، وهو بركة
البلاد الهندية، وله منزلة سامية عند علماء الهند، حتى لقّبوه (حكيم الأمة)(١).
ويقول الشيخ العلامة السيد سلیمان الندوي رحمه الله :
(حكيم الأمة، مجدّد الطريقة، العالم الربّاني، الشيخ أشرف علي
التهانوي رحمه الله، الذي مزج بقلمه بين الفقه والتصوّف بعد صراع شديد دام
بينهما قروناً طويلةً، وقد نفع الله بتعليمه وتربيته، وتوجيهاته، وإرشاداته
الدعوية الحكيمة، عالماً من بني البشر، إلى حوالي نصف قرن، وكشف النقاب
عن الحقائق الإيمانية، وأزاح الستار عن الدقائق الفقهية، والأسرار السلوكية
والحكم الربّانية، فلقَّبه العالَم بحكيم الأمة، وحُقَّ له أن يُلقَّب بهذا اللقب،
لَعب دوراً بارزاً في مجال تجديد الطريقة والسلوك، والتزكية، فطهّرها من
أرجاس الرسوم، والتقاليد غير الإسلامية، وأخذ بها إلى مكانها اللائق،
وطريقة السلف الصالحين))(٢).
ويقول الشيخ الشريف عبد الحي الحسني رحمه الله :
((الشيخ العالم الفقيه أشرف علي بن عبد الحق الحنفي التهانوي، الواعظ،
المعروف بالفضل والأثر، كانت له اليد الطولى في المعارف الإلهية، ومهارة
(١) مقالات الكوثري، ص٧١ - ٧٦.
(٢) يادر فتكان.
٨٧

جيدة في التصنيف والتذكير، ورزق من حسن القبول ما لم يرزق غيره من
العلماء والمشايخ في العصر الحاضر))(١).
ويقول سماحة العلاَّمة الشيخ أبو الحسن علي الحسني الندوي رحمه الله :
((المصلح الكبير الشيخ أشرف علي التهانوي، الذي هو من كبار علماء
هذا العصر الربَّانيين، وأعظم مؤلّف في هذا العصر بالإطلاق، ومن أعظم من
انتفعت بهم الهند في إصلاح العقيدة، والعمل، والرجوع إلى الله، وإصلاح
النفس، وانتفع الناس بكتبه انتفاعاً لم يعرف لعالم آخر في هذا
الزمان ... ))(٢).
وقال رحمه الله في موضع آخر :
((كان مرجعاً في التربية والإرشاد، وإصلاح النفوس، وتهذيب الأخلاق،
تُشدّ إليه الرحال، ويقصده الراغبون في ذلك من أقاصي البلاد وأدانيها،
وانتهت إليه الرئاسة في تربية المُريدين، وإرشاد الطالبين، والاطلاع على
غوائل النفوس، ومداخل الشيطان، ومعالجة الأدواء الباطنة والأسقام
النفسية))(٣).
ويقول الشيخ العلامة محمد شفيع، المفتي الأعظم في كراتشي باكستان
(١) نزهة الخواطر وبهجة المسامع والنواظر: ٥٦/٨.
مقدمة كتاب (بين التصوف والحياة)، ص١٢ - ١٣ .
(٢)
(٣) من تعليق الشيخ على كتاب (نزهة الخواطر): ٨/ ٥٧ .
٨٨

وكبير علمائها:
((آية من آيات الله، من الذين إذا رُؤُوا ذُكر الله، مجدّد المّة، حكيم
الأمة، سند علماء الدهر، وشيخ مشايخ العصر بالديار الهندية، سيدنا ومولانا
أشرف علي التهانوي، متَّعنا الله تعالى وسائر المسلمين بطول بقائه بالخير))(١).
ويقول العلاَّمة الشيخ المحدّث ظفر أحمد العثماني التهانوي رحمه الله :
((الإمام الهمام، مقدام العلماء الكرام، بهجة الأنام وشيخ الإسلام،
حكيم الأمّة المحمدية، مجدّد الملّة الإسلامية الحنيفية، تاج الملّة، سراج
الأمّة، التقيّ النقيّ، المحدّث المفسّر، الفقيه الوليّ، مولانا الحافظ، الثقة
الثبت، الحجّة، الشيخ أشرف علي التهانوي، قدَّس الله سرّه، ورفع في أعلى
الدارين درجاته))(٢).
وقال في موضع آخر: ((آية من آيات الله، مظهر قوله عليه الصلاة
والسلام: ((الذين إذا رُؤُوا ذُكر الله))، مجدّد الملّة، حكيم الأمة، سند علماء
الدهر، شيخ مشايخ العصر، مسند الوقت، أعظم المفسّرين، سلطان العلم
والعمل، وفي التفسير والحديث والفقه، أمير المؤمنين، مقدام العلماء
الراسخين، أشرف العلماء والأولياء الكاملين سيدنا ومولانا محمد المدعو
بأشرف علي التهانوي متَّعَنا الله تعالى وسائر المسلمين بطول بقائه بالخير
(١) مقدمة كتاب (أحكام القرآن): ١/١ -٢.
(٢) تقريظ لكتاب (قواعد في علوم الحديث)، ص١١، ١٢.
٨٩

والعيش الهنيء))(١).
ويقول الأستاذ الشيخ عبد الباري الندوي:
((استفاد منه ألوف من المسلمين، وكان له فضل كبير في نشر العقيدة
الصحيحة، وإصلاح الأعمال والأخلاق، ومحاربة العوائد والبدع التي تسرّبت
في مجتمعات المسلمين عن طريق المواطنين))(٢).
ويقول الشيخ القاضي العلامة محمد تقي العثماني حفظه الله تعالى
ورعاه:
((كان رحمه الله من العلماء الأفذاذ، والدعاة البررة المخلصين، الذين
أناروا في الهند مصابيح التجديد، الباهرة الشعلة، الساطعة النور، وأخلصوا
حياتهم لإعلاء كلمة الله، وإحياء علوم الدين، مرابطين على ثغور الإسلام،
مثابرين في الدعوة إليه، ومصابرين على ما يصيبهم في هذا السبيل)) (٣).
(١) مقدمة كتاب (أحكام القرآن): ١/١ -٢.
بين التصوف والحياة، ص١٦ .
(٢)
مقدمة التحقيق لكتاب (إعلاء السنن): ١ / ٧.
(٣)
٩٠

الْبَابُ الثَّانِي
الحياة العلميّة لحكيم للأمّة
أَشْرَفْ عَلِىْ التَّهَانَوَيْ
الفصل الأول : التدريس والمحاضرات.
الفصل الثاني : أهم تلاميذه.
الفصل الثالث : الكتابة والتأليف.
الفصل الرابع : المواعظ الحسنة.
الفصل الخامس : مذكراته اليومية ومجالسه.
الفصل السادس: القيام بمهام الإفتاء.
الفصل السابع : آراؤه في المسائل الاعتقادية.
الفصل الثامن: التهانوي والسياسة (آراؤه في السياسة
الشرعية والسياسة المعاصرة).

الفصل الأول
التدريس والمحاضرات
تخرّج العلاَّمة التهانوي من دار العلوم ديوبند سنة ١٣٠٠هـ الموافق
١٨٨٢ م، بعدما كمَّل دراسته العالية تحت إشراف العلماء الربانيين، والشيوخ
الأفاضل، الذين شهد لهم الزمان بالتفوّق العلمي، وذاع صيتهم في الأوساط
العلمية بالتبخّر والنبوغ، فأشاروا عليه بالاشتغال بمهام التدريس في إحدى
المدارس الدينية .
مدرسة الفيض العام:
كان في مدينة (كانفور) (مدينة صناعية كبيرة تقع على مسافة حوالي
(٨٠) كيلو من العاصمة لكنو) مدرسة شهيرة معروفة تسمَّى (الفيض العام)،
وكان يدرّس فيها الشيخ أحمد حسن الأمروهوي(١)، وكان من الأساتذة
(١) هو الشيخ العالم الفقيه أحمد حسن الحنفي الأمروهوي، أحد العلماء
المشهورين بسعة التقرير، والتبخّر في علم الكلام، قرأ على الشيخ محمد قاسم
النانوتوي وغيره من العلماء، وأسند الحديث عن الشيخ أحمد علي بن لطف الله
السهار نفوري والشيخ عبد الرحمن بن محمد الأنصاري والشيخ عبد القيوم
البكري وسافر إلى الحجاز فحج وزار، وأسند الحديث هناك عن الشيخ عبد
الغني الدهلوي، كان حسن الصورة، حلو الكلام، مليح الشمائل، قوي =
٩٣

المعروفين المتفوّقين النابغين في جميع العلوم ولا سيما في العلوم العقلية،
وقد استقال عن التدريس فيها لبعض الأسباب، فطلب المسؤولون من علماء
ديوبند أن يبعثوا إليهم أستاذاً يكون خلفاً للعلامة أحمد حسن، ويسدّ الفراغ
الذي حصل بغيابه، فوقعت أنظارهم على العلاَّمة التهانوي ورشحوه واختاروه
لإنجاز هذه المهمّة، لِمَا رأوا فيه من النباهة والذكاء والمواهب العلمية
والدعوية، بجانب الرسوخ في العلم والتضلّع من الفنون المختلفة، والتفوّق
في مجال التدريس.
وبدأ الشيخ التهانوي حياته العلمية بالقيام بمهام التدريس والإفادة في
مدرسة (الفيض العام) وذلك في صفر ١٣٠١ هـ، وهكذا صارت بداية رحلاته
لإفادة الناس في مطلع القرن الرابع عشر، يقول الشيخ تقي العثماني: ((وبالجملة
فقد اشتغل رحمه الله في (كانفور) بالتدريس والدعوة والإرشاد والتأليف،
وسرعان ما اشتهر فيما بين الطلبة بغزير علمه وحسن تدريسه وقوة خطابه، على
رغم أنه تولّى منصب شيخ محنّك وهو في ريعان شبابه))(١).
وقد كان راتب الشيخ رحمه الله هناك خمساً وعشرين روبية، وبالرغم
من أن هذا الراتب الضئيل كان لا يعادل شيئاً بالمقارنة بما كان يملكه الشيخ
رحمه الله من والده من أموال طائلة وثروات هائلة، لكنّه رحمه الله ارتضاه، بل
العمل، كثير الدروس والإفادة، توفي سنة ١٣٣٠هـ. انظر للتفصيل: نزهة
=
الخواطر : ٨ / ٤١.
(١) مقدمة إعلاء السنن: ١٠/١.
٩٤

اعتبره فوق ما كان يستحقه هو، وكان يقول: إني لا أرى لنفسي أنها تستأهل
هذا الراتب الكبير، لكنه فضل من الله العلي العظيم الذي أكرمني به(١).
مدرسة جامع العلوم:
ثم انتقل الشيخ رحمه الله إلى مدرسة أسّسها في الجامع الكبير وسُمّيت
بـ (جامع العلوم) في نفس المدينة، وقد أعجب أهل المدينة كلهم بالشيخ أيما
إعجاب، ونالت دروسه وخطبه ومحاضراته، ومواعظه الإصلاحية، قبولاً
وشهرةً لدى الخاصة والعامة، وتتلمذ على يديه خلق كثير، واستضاؤوا من
أنوار علمه، واقتبسوا من أشعة معارفه، وقد مكث الشيخ زهاء أربع عشرة
سنة، يفيد الناس بدروسه ومواعظه وتصانيفه، ويحوز ثقة الناس والأساتذة
والطلاب، وقد ألقى الله تعالى في قلوبهم حُبّه واحترامه وتوقيره، فكانوا
ينظرون إليه بغاية من الاحترام والتبجيل، وينزلونه أعلى منزلة وأسمى مكانة،
حتى أولئك الذين يخالفونه في المنهج، والآراء الفقهية والفروع والجزئيات،
لم يلبثوا إلا أن أحبوه واعترفوا له بالفضل وعلوّ الكعب.
وقد استغلّ الشيخ التهانوي هذا الحب، والعلاقة الوطيدة التي كانت
تربطه بأهل المدينة، في تحقيق أهدافه الدعوية والإصلاحية، واغتنم الفرص
المتاحة له في سبيل نشر السنّة وتطهير المجتمع عن أدناس البدع والخرافات،
وحلّ بعض المعضلات العلمية والتاريخية التي كانت قد تسبّبت في تفريق
كلمتهم وتشتيت شملهم، ومن ضمنها ما وقع فيه الناس من سوء الفهم تجاه
(١) أشرف السوانح: ٤٠/١.
٩٥

علاقة الصحابي الجليل سيدنا معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما مع الخليفة
الراشد سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، حيث قام الشيخ التهانوي
رحمه الله بالكشف عن الحقائق التاريخية، وإزالة الأفهام الخاطئة، وذلك
بأسلوب علمي رصين ومنهج دعوي قويم، وبالحكمة والموعظة الحسنة.
منهجه في التدريس:
تتميز طريقة الشيخ التهانوي ومنهجه في التدريس والإفادة بخصائص
ومميزات، قد لا يجدها الطالب عند الآخرين، ومن أهم مزاياه في هذا الباب
هو سلاسة اللسان، وسهولة البيان، وحلّ الغوامض والقضايا الصعبة،
والمعضلات بأسلوب سهل ميسّر رشيق يحتل مكانة مرموقة في قلوب
الدارسين، ويخلّف أثراً عميقاً في أذهان المتعلّمين.
هذا وقد ركّز التهانوي رحمه الله على أصول معيّنة في طريقة التدريس
وهي:
١ - ينبغي للمدرّس أن يقدّم المادة العلمية أمام الطلاب بشكل ميسّر
سهل التناول للجميع، وهذا يتطلَّب منه المطالعة العميقة، والدراسة الوافية
الكافية للموضوع قبل التدريس.
٢ - ينبغي للمدرّس أن يقوم بتفهيم الطالب المسائل الصعبة، والقضايا
الغامضة، دون الإشارة إلى أن المسألة الفلانية من الكتاب من أصعب
المسائل، أو إخبارهم بذلك.
٩٦

٣ - ينبغي للمدرّس أن يقتصر في تقرير المسائل على ما تقتضيه الحاجة،
ويتطلَّبه الدرس، ولا يطوّل فيما لا داعي له، فقط لكي يقال: إنه مدرّس فاضل
عبقري عالي الكعب ورفيع المستوى.
وكان يقول: إذا التزم الطالب بالأصول الآتية، أمكنه إيجاد موهبة علمية
بكل يسر وسهولة إن شاء الله، وهي:
١ - أن يقوم الطالب بمطالعة ما يدرسه لاحقاً، وليس من اللازم أن يحلّ
الدرس بكامله في مطالعته هذه، وإنما المقصود هو أن يميز بين ما يعلمه وما
يجهله، حتى يتسنّی له التركيز على ما يجهله بشكل أكثر .
٢ - أن لا يبدأ في المسألة القادمة قبل أن يُتقن فهم المسألة السابقة.
٣ - أن يعيد تقرير المسائل نفسها التي درسها عند الشيخ.
٤ - أن يراجع ويذاكر ما درسه في السابق.
الحاجة إلى العلماء أو المتصوّفين:
كان رحمه الله يحبّ طُلّب العلم حبّاً جماً، ويعطيهم الكثير الكثير من
اهتمامه، والاعتناء بشؤونهم منذ البداية، ودائماً يسمي نفسه طالب العلم،
وكان يقول: ((أنا لست متصوّفاً، أو ولياً من الأولياء، وإنما طالب علم بسيط
متواضع، وأرجو أن تناقشوني في أمور الكتاب والسنة وأحكامهما، وتسألوني
عن المسائل المستنبطة منهما، ولا أعرف غير القرآن والحديث، وأنا على يقين
قاطع أن معرفة القرآن والحديث هي أعظم الولاية، وأفضل درجات التصوّف)).
٩٧

كما كان يذكّر الناس دائماً ويقول: «إن حاجة العالم اليوم إلى العلماء
المتقنين الربانيين أكثر وأشدّ من حاجته إلى المتصوّفين، لأن العلماء هم ورثة
الأنبياء، وبهم يبقى الدين))(١).
وبسبب هذه المكانة العالية، والدرجة السامية التي كان يحملها الشيخ
التهانوي رحمه الله في قلبه للعلم وأهله، ازدادت رعايته لطلّب العلم،
واهتمامه بشؤونهم، والمساهمة الفعّالة في مدّيد العون والمساعدة لهم، وكان
يفضّلهم على الناس الآخرين في الاحترام والتوقير، ويوصي أصحابه بذلك،
كما أنه كان يبذل قصارى جهوده في صرف ذهن الطالب إلى هدفه الحقيقي
وتذكيره بغايته المنشودة، ومكانته العالية، والمنصب العظيم الذي يحوزه بهذا
العلم، وكان يقول: ((جزى الله خيراً السادة الفقهاء وأجزل مثوبتهم، فهم الذين
خدموا الدين، وبيَّوا للأمة الصراط المستقيم، وكشفوا النقاب عن هذا الدين
القويم، واستنبطوا من كتاب الله وسنة رسول الله و له تلك الأصول والضوابط
التي تكفي البشرية إلى يوم القيامة، وكلما جدّ جديد، أو حدث حادث، فإنه
يمكن معرفة حكمه في ضوء هذه الأصول، بدون أية صعوبة .
فهناك طائفتان جعلهما الله تعالى رحمة للأمة جمعاء: الفقهاء
والمتصوفون، وهم بمثابة الحكماء لهذه الأمة))(٢).
(١) أشرف السوانح: ٥٢/١.
(٢)
المصدر السابق نفسه .
٩٨

الفصل الثاني
أهم تلامذته
سبق أن ذكرنا أنَّ هناك عدداً كبيراً من العِطاش للعلم، والباحثين عن
الحق، وطالبي المعرفة، الذين ارتووا من منهل العلاَّمة التهانوي، العذب
الفيّاض، وذهب ظمؤهم وابتلّت عروقهم بمياه هذا المنبع الصّافي والمنهل
الوافي، وبرزوا أمام مسرح العلم والثقافة نجوماً وكواكب، ساطعين، لا معين،
ولعبوا دوراً بارزاً ملموساً في أداء المسؤوليات التي ألقيت على كواهلهم والتي
ربّاهم عليها مرشدهم ومربّيهم الشيخ التهانوي رحمه الله، فأحسن تربيتهم.
وها نحن الآن نسعد بذكر نبذة من أحوال بعض هؤلاء الثّة الخيّرة الذين
ترعرعوا ونشؤوا تحت إشرافه، وذلك لأنهم جزء أساس من الحياة العلمية
للشيخ التهانوي :
١ - العلاَّمة المحقق البحَاثة المدقق، والثبت الحجة، المفسّر المحدِّث،
الفقيه الأصولي البارع، المؤرِّخ الأديب، الورع الزاهد، ظفر أحمد بن لطيف
العثماني التهانوي، ولد في ١٣ من شهر ربيع الأول سنة ١٣١٠ هـ، بدار آبائه
بقرب دار العلوم في ديوبند، أعظم مراكز العلم في البلاد الهندية، وتوفيت أمه
وهو ابن ثلاث سنين، فربّته جدته أحسن تربية، وكانت امرأة تقيّة صالحة،
فتلقن منها صلاحها وتقواها، ولما تمّ له من العمر خمس سنوات، شرع في
قراءة القرآن الكريم عند كبار حفظته في ديوبند، ولما أتمّ السابعة شرع في قراءة
٩٩

الكتب الأردية والفارسية وكتب الحساب والرياضيات عند الشيخ الجليل
مولانا محمد ياسين، وهو والدكبير علماء باكستان العلامة الشيخ محمد شفيع
الديوبندي، المفتي الأعظم في كراتشي ومؤسس دار العلوم الإسلامية فيها، ثم
انتقل من ديوبند إلى مجلس خاله (الشيخ التهانوي) وشرع في قراءة الكتب
العربية عند العلامة المتمكّن مولانا محمد عبد الله الكنكوهي، وسمع من خاله
شيئاً من علم التجويد، ونبذاً من التلخيصات العشر، وأجزاءً من (المثنوي).
ثم لما اشتغل خاله في تأليف كتابه العظيم (بيان القرآن) بالأردية، ذهب
به إلى (كانفور) وأدخله في مدرسة (جامع العلوم) وفوّض تدريسه وتعليمه
إلى أرشد تلامذته مولانا محمد إسحاق البردواني، ومولانا محمد رشيد
الكانفوري، فقرأ عندهما كتب الحديث المقررة - الكتب الستة - و(مشكاة
المصابيح)، مع ما يعزز دراستها من كتب المصطلح وعلوم الحديث، كما قرأ
عندهما كتب الفقه والتفسير والأدب المقررة بكاملها .
ولما فاز بسند العلوم الشرعية والنقلية، متميزاً بمواهبه وجِدّه على سواه
من الطلبة النابهين، انتقل إلى سهارنفور، وجلس في مدرسة (مظاهر العلوم)
وحضر دروس الحديث الشريف عند العارف بالله، الإمام المحدّث الفقیه مولانا
خليل أحمد السهار نفوري، مؤلف (بذل المجهود في شرح سنن أبي داود)(١).
(١) هو الشيخ العالم الفقيه خليل أحمد السهار نفوري، أحد العلماء الصالحين،
وكبار الفقهاء والمحدِّثين، ولد في أواخر صفر سنة تسع وتسعين ومئتين وألف
في قرية نانوتة من أعمال سهار نفور، وقرأ العلم على خاله الشيخ يعقوب بن
مملوك العلي النانوتوي، والشيخ محمد مظهر النانوتوي وعلى غيره من =
١٠٠