Indexed OCR Text

Pages 61-80

يقول الشيخ عزيز الحسن مجذوب رحمه الله: ((كان قد وهبه الله تعالى
موهبة خاصة وأكرمه بمكانة سامية مرموقة في مجال البحث والتحقيق، هدفه
الأول والآخر، وغايته المنشودة والمتوخّاة هو الحصول على الحق واتباع ما
ثبت بالدليل والسير معه حيثما سار. كان يتمتع بسعة النظر ورحابة الصدر
خاصة في الفروع والجزئيات، وكان لا يدع الاختلاف فيها - بسبب الاختلاف
في الاجتهاد - يتجاوز الحدود الشرعية، وكان دائماً يقول: ((عمري ما حملت
شيئاً في قلبي تجاه أي عالم أو صاحب فضل بسبب الاختلاف في الفروع
الفقهية والمسائل الاجتهادية)»(١).
حلمه وتواضعه:
كانت حياة العلاَّمة التهانوي رحمه الله مثالاً رائعاً للتواضع والحلم،
وتَجدُّد ذكريات حياة السلف الصالح في هذا الباب، وكل من عاشره أو صحبه
في سفره وحلّه وترحاله شاهد ذلك بأم عينه، ومن النماذج على ذلك أنه كُلّما
عرضت عليه مسألة أو وُجّه إليه سؤال حول معضلة علمية أو إشكال علمي
سارع في استشارة تلاميذه، ومناقشتهم في الموضوع، وبعد الدراسة والبحث
والتنقيح وعرض الأدلة كان يختار ما يراه مناسباً، وموافقاً لروح الشريعة
والمصلحة العامة.
كان من عادته رحمه الله أنه كلما احتاج إلى أن يكلّم أحداً أو يأمره بأمر لم
(١) أشرف السوانح: ١٢٨/١.
٦١

يطلبه إليه أبداً، بل مشى إليه بنفسه، سواء كان تلميذه أو مسترشده أو من صغار
أقاربه، وكان يقول: ((ينبغي أن يذهب صاحب الحاجة إلى من يحتاجه لا
العکس، حتى إن الطبيب الذي کان من أصحابه ومحبّه وخُلّص مسترشدیه
وكان يتردّد إليه كثيراً، إذا احتاج إليه الشيخ رحمه الله كان يذهب إليه بنفسه
لكي يصف له الأدوية، ولا يدعه يحضر إليه، ما لم يتعذَّرْ ذلك لمرض، وهكذا
كانت الحال في الخَدَم الذين كانوا في بيته، لا یأمرهم بشيء بأسلوب شديد،
بل يراعي في ذلك احترامهم وأدبهم)) (١).
الاهتمام البالغ بإصلاح الأمة والعناية الفائقة بتربية النفس:
كان إصلاح الأمة والأخذ بها إلى الطريق المستقيم، وإخراجها من
غوائل النفس وسفاسف الأمور إلى معاليها، شغله الشاغل وهمَّه الأول والآخر،
كان توفيق الله عزَّ وجلَّ حليفه دائماً في إنجاز هذه المهمة الصعبة، حتى نفع الله
تعالى به أقواماً، واهتدى بجهوده الدعوية والإيمانية أفواجٌ من الناس.
وكل من اطّلع على نبذة من حياته عرف أنَّ الله سبحانه وتعالى خلقه
لتحقيق هذا الغرض النبيل، وفعلاً قام به الشيخ التهانوي رحمه الله بكل ما أودع
الله تعالى فيه من صلاحيات وما وفّر له من إمكانات، وسخّر كل الوسائل
المتاحة له في هذا السبيل، متخذاً شعاره من الكلام الرباني ﴿إِنْ أُرِيدُ إلَّا
اَلْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِالَهِ﴾ [هود: ٨٨].
(١) أشرف السوائح: ١/ ١٥٧.
٦٢

إن جهوده رحمه الله في هذا الباب تتناول كلا الجانبين، الجانب العلمي
والجانب العملي:
أما من الجانب العلمي فيتجلّى لنا هذا الجانب بكل وضوح وجلاء في
مؤلفاته ومواعظه ومذكّراته اليومية، ولا سيّما كتابه العظيم الذائع الصيت
(إصلاح انقلاب الأمة) الذي ألفه خصّيصاً في هذا الموضوع، ويتحدث فيه
عن أهم الأحداث والمستجدّات التي تواجهها هذه الأمة في دينها وعقيدتها
وشريعتها، وكيف يمكن معالجتها، وما هي الطريقة الصحيحة لمداواة
الأمراض والأسقام المزمنة التي وقعت الأمة فريستها، هذا وسوف نتطرق إن
شاء الله لدراسة الكتاب بالتفصيل في باب (مآثره الخالدة).
أما الجانب العملي فهناك أمور كثيرة اهتم بها الشيخ رحمه الله وركّز
عليها وأولاها عناية بالغة لتحقيق هدف الإصلاح، ومن أهمها :
١ - الدعوة والتبليغ.
٢ - القيام برحلات دعوية إلى مختلف بقاع العالم.
٣ - إحياء فريضة الميراث، وتوزيعه في أصحاب الحقوق، خاصة في
صنف النساء.
٤ -سدّ فتن الارتداد.
٥ - فتح الكتاتيب والمدارس الأهلية لتعليم القرآن والحديث والعقائد
الصحيحة .
٦٣

٦ - صيانة الكتاتيب والمدارس من المقرّرات الدراسية التي تناقض
الشريعة الإسلامية وتنافي تعاليم الدين الحنيف.
٧ - الاهتمام بتعيين القضاة المسلمين لحل نزاعاتهم، والحسم في
قضایاهم.
٨ - الاعتناء البالغ بالدعوة والإرشاد، وردّ البدع والمنكرات الشائعة في
المجتمعات .
غنى النفس:
لم يتطلع الشيخ التهانوي رحمه الله قطّ إلى حبّ المال وجمعه، وبرغم
توفّر كل الأسباب التي تجعل مثله يعيش عيشة هنيئة رغيدة، وفي أنواع من
التنعم والترف والرخاء، كانت حياته رحمه الله حياة زهد وعفاف وقناعة،
استغنى عن الناس فأغناه الله عنهم، ورزقه من حيث لا يحتسب، وأتته الدنيا
وهي راغمة، وقد كان من عادته رحمه الله أن لا يقبل هدايا الولاة والأمراء
والوزراء، وحياته غنية بقصص أولئك الأمراء الذين تقدموا له بالهدايا القيّمة
لكنه رفض أن يقبلها قائلاً: ((إن هذه الأموال ملك لبيت مال المسلمين، ولستُ
ممن يجوزُ له الأخذ من بيت المال)) (١).
أما هدايا عامة الناس فكانت هناك شروط خاصة إذا تحققت وتوفّرت؛
قبلها الشيخ رحمه الله، وإلا فلا، وهذه الشروط كانت من أجل التحقق من صدق
(١) أشرف السوانح: ١/ ١٠٧.
٦٤

الشخص المُهدي وإخلاصه، وللتأكد من أن هذه الهدية لا تتضرر بها المصلحة
الدينية أو الدنيوية، وإذا استوفت الهدية هذه الشروط كانت مقبولة وإلا فلا(١).
حليته وصفاته:
كان الشيخ التهانوي رحمه الله مشكلاً منور الشبيه مكلّلاً بنور الشيب،
أبيض، مُشْرَبَ الحمرة، رَبْعَةً من الرجال، حسن الثياب في غير إسراف
وتجمل، حلو المنطق، لطيف العشرة، فيه دعابة مع مهابة ووقار، وسكينة
ورزانة، كثير المحفوظ، حسن الاستشهاد بالأبيات، كثير الإنشاد لأشعار
المثنوي لمولانا جلال الدين الرومي(٢)، في المواعظ والمجالس في محالها،
شديد العناية، كثير المحاسبة على أداء الحقوق إلى أصحابها، وإصلاح
المعاملات مع الناس، لا يحتمل في ذلك تساهلاً وتغافلاً(٣)، مقلاً من الكلام
(١) أشرف السوانح: ٢٧٩/٢.
(٢) هو الشاعر المعروف، ولد في بلخ سنة ٦٠٤ هـ الموافق ١٢٠٧ م، تلقى العلم
على أبيه ثم على العالم برهان الدين محقق الترمذي، وقد تَحدث المؤرِّخون
عن عظمته كصوفي، وقد وصفه أحد أدباء فارس فقال: إن قلبه الطاهر مخزن
الأسرار الإلهية، ومذهبه يهدي حيارى الجهَّل إلى اليقين، من مؤلفاته (ديوان
شمس تبريز) هو يشتمل على ما نظمه من الشعر الغزلي، وكتاب (المثنوي)
وقد نظمه بعد ذلك، والمثنوي المنظوم يقع في ستة مجلدات وعدد أبياته
(٢٦) ألف بيت، ويشتمل على قصص وحكم وأمثال ومواعظ وتفسير للقرآن
الكريم، توفي رحمه الله سنة ٦٧٢هـ الموافق ١٢٧٣م، (انظر: مناقب
العارفين للأفلاكي).
(٣) نزهة الخواطر: ٥٨/٨ .
٦٥

كثير الصمت، محباً للخلوة، دائم الفكرة، كان شغله الشاغل هو الاهتمام
بإصلاح الأمة، والعناية بها، مديم الاشتغال بالمطالعة والبحث، سيّال القلم
في التأليف والتصنيف، سلس القريحة، خطيباً مصقعاً، وواعظاً جليلاً، كانت
لمواعظه صولة وجولة، وكلمته مسموعة في الخاصة والعامة، واسع الاطلاع،
عالي الكعب في العلوم الشرعية، كثير الاعتناء بأمور العقائد ومحاسن
الأخلاق.
٦٦

الفصل الخامس
استكمال التربية والسلوك
ومبايعته الشيخ إمداد الله المهاجر المكي والاستفادة منه
تمهيد:
شهدت التجربة أنَّ مجرَّد غزارة العلم وسعة المطالعة لا تكفي في تربية
الإنسان تربيةً دينية قويمة، وأنَّ إصلاح النفوس وتزكية القلوب، وتقويم
الملكات، وتعديل الأخلاق لا يكاد يحصل لرجل إلا أن يتأسى في حياته بأسوة
رجل من رجال الله، ويتمتع بملازمته وصحبته، ويستفيد من تعاليمه، ويجلب
إلى نفسه تلك المواهب العالية، وذلك المذاق السليم الذي وُفّق له ذلك
الرجل، ولذلك فسّر الله سبحانه وتعالى (الصراط المستقيم) بقوله: ﴿صِرَاطَ
الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾، إشارة إلى أن الصراط المستقيم: إنما هو صراط مشى
عليه الذين أنعم الله عليهم من النبيّين والصدّيقين والشهداء والصالحين،
وفسّره النبي ◌َّ بقوله: ((ما أنا عليه وأصحابي))(١)، وقال تعالى: ﴿وَأَتَّبِعْ سَبِيلَ
(١) جزء من حديث طويل رواه الترمذي في سننه، باب ما جاء في افتراق هذه
الأمة، رقم (٢٦٤١)، ونحوه رواه الحاكم في المستدرك: ٢١٨/١،
(٤٤٤)، وكذلك المقدسي في الأحاديث المختارة: ٢٧٨/٧، (٢٧٣٣)؛
والطبراني في المعجم الصغير: ٢٩/٢، (٧٢٤)؛ وفي الكبير: ١٥٢/٨،
(٧٦٥٩) .
٦٧

مَنْ أَنَابَ إِلَىَّ﴾ [لقمان: ١٥]، وقال عزَّ وجلَّ: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَتَّقُواْ اللّهَ
وَكُونُواْ مَعَ الصَّدِقِينَ﴾ [التوبة: ١١٩]، دلالة على أن الصراط المستقيم
المطلوب؛ إنّما يهتدي إليه الرجل باتباع من ينيب إلى الله، وملازمة الصادقين
الذين تهذبت نفوسهم، واعتدلت عواطفهم النفسية، ولذلك استمرّت عادة
العلماء منذ عصر الصحابة والتابعين، أنهم لا يكتفون بمجرد مطالعة الكتب
وحفظ الأحاديث، وتلقي الدروس، وإنما يهتمّون كذلك بملازمة رجال الله
والاستفادة من صحبتهم وخدمتهم(١).
قيمة الصحبة وأهميتها:
يقول الأستاذ الفيلسوف عبد الباري: ((لئن كان مجرد العلم يكفي لعلوّ
مكانة الرجل، وتقرّبه إلى الله، ولإصلاح الناس، وإكمال الدين، لما كان
للصحابة رضوان الله عليهم أجمعين مكانٌ سام، ودرجة عالية في الإسلام،
ولما كانت لهم فضيلة بالنسبة إلى من جاؤوا من بعدهم من كبار علماء الأمة،
لكن شتان بينهما، في عُلوّ الدرجات وسموّ المكانة !.
إنَّ فضل الصحابة وجلالة أقدارهم على من أتوا مِن بعدهم حقيقة لا
شبهة فيها، وأمر لا جدال فيه، مهما بلغ المتأخرون من الفضل وغزارة العلم
والشهرة في الفقه والحديث، وإن كانوا أولياء الله، وأقطاب الدين، ليس الفرق
بينهم إلا لأن أولئك الصحابة أفنوا نفوسهم في صحبة أعظم رجل، وأكمل
(١) من مقدمة الشيخ تقي العثماني لكتاب (إعلاء السنن: ١٤/١ _١٥).
٦٨

إنسان في الوجود، فقيل لهم: صحابة الرسول عليه الصلاة والسلام، وهذا سرّ
عظمتهم وسموّهم الذي لا يضاهى))(١).
وانطلاقاً من هذا المبدأ لمّا كمّل الشيخ التهانوي دراسته هاج في قلبه
الحنين إلى لقاء شيخ العرب والعجم العارف بالله الشيخ إمداد الله المهاجر
المكي رحمه الله، فأَرَّقَ جفونه، واستولى عليه الشوق والاضطراب.
التعريف بالشيخ إمداد الله المهاجر المكي:
هذا، وقبل أن نتحدَّث بالتفصيل عن قصة لقائه به، وما تلاه من الأحداث
والوقائع نودّ أن نعرّف بالشيخ إمداد الله المهاجر المكي، ويحسن بنا في هذه
المناسبة أن ننقل ما كتبه العلامة الشيخ عبد الحي الحسني، في ترجمته في كتابه
الشهير (نزهة الخواطر)، فإنه يصدق عليه وصف (ما قلّ ودلّ)، وقد جاء فيه
لُباب كتب التراجم، وعُصارة ما كُتب عنه:
((الشيخ العارف الكبير الأجلّ إمداد الله بن محمد أمين العمري
التهانوي، المهاجر إلى مكة المكرمة المباركة، وكان من الأولياء السالكين
والعارفين، اتفقت الألسن على الثناء عليه، والتعظيم له، وُلد يوم الإثنين
لثمانٍ بقينَ من صفر سنة ثلاث وثلاثين ومئتين بعد الألف (بنانوتة) قرية من
أعمال سهار نفور، وقرأ الرسالة الفارسية على الوجه المرسوم، وقرأ (الحصن
(١) بين التصوّف والحياة، ص٤٣ - ٤٤، تعريب الشيخ الأستاذ محمد الرابع
الحسني الندوي.
٦٩

الحصين) على مولانا قلندر بخش الجلال آبادي، وقرأ المثنوي المعنوي عليه
أيضاً، ثم سافر إلى (دهلي) ولازم الشيخ نصير الدين الشافعي المجاهد، وأخذ
عنه الطريقة، وبعد شهادته رجع إلى (تهانه بهون) فأقام بها زماناً، وفتح الله
سبحانه وتعالى عليه أبواب المعرفة، وجعله من العلماء الراسخين في العلم،
فتصدّر للإرشاد والتلقين بأمر شيخه، وثار المسلمون وأهل البلاد على الحكومة
الإنكليزية سنة أربع وسبعين ومئتين وألف، وقامت جماعة من العلماء والصلحاء
وأهل الغيرة من المسلمين في (سهار نفور) و(مظفر ناكر) فأعلنوا الحرب على
الإنكليز، واختاروا الشيخ إمداد الله أميراً لهم، واشتبك الفريقان في ميدان
(شاملي) قرية من أعمال (مظفر ناكر)، فقتل حافظ محمد ضامن شهيداً،
وانقلبت الدائرة على المسلمين ورسخت أقدام الإنكليز، واشتد بطشهم بكل
من اتُّهم بالمشاركة في هذه الثورة، وضاقت على العلماء العاملين الغيارى
الأرض، وضاق مجال العمل في الهند، وقضى بعض الرفقة مدة في الاختفاء
والانزواء، ولجأ بعضهم إلى الهجرة ومغادرة البلاد.
هجرته إلى مكة المكرمة: وآثر الشيخ إمداد الله الهجرة إلى مكة
المكرمة، ودخل مكة سنة ست وسبعين ومئتين وألف، وألقى رحله بالبلد
الأمين، وكان أول إقامته على (الصفا) ثم انتقل إلى (حارة الباب) حيث قضى
حياته ولقي ربه، وعاش أياماً طويلة في عُسْرٍ شديد، وفقرٍ وفاقة، شأن الأولياء
المتقدمين، وهو صابر محتسب، راضٍ بما قسم الله له من الحال، حتى جاء الله
بالفرج، وأبدل اليسر بالعسر، وجاءته الدنيا راغمة، واشتغل بالمجاهدات
والعبادات، متوجهاً إلى الله بقلبه وقالبه، دائم الذكر والمراقبة، فائق القلب
٧٠

والباطن بالعلوم والأنوار، مع هضم للنفس، واطّراح على عتبة العبودية،
وتواضع للعباد، وعلوِّ همة، وشهامة نفس، وإجلالٍ للعلم والعلماء، وتعظيم
للشريعة والسنّة السنية، حتى غرس الله حبه في قلوب عباده، وعَطَّف قلوب
العلماء الكبار، والمشايخ الأجلاء، إلى الرجوع إليه، والاستفادة منه، وأَمَّه
طُلّب المعرفة واليقين من بلاد بعيدة، وبارك الله في تربيته وطريقته، فانتشرت
أنوارها في الآفاق، ونفع الله به خلائق لا يُحصَون، أجلّهم الشيخ قاسم، والشيخ
رشيد أحمد، ومولانا يعقوب، والمولوي أحمد حسن، والمولوي محمد
حسين، والمولوي أشرف علي، وكلُّهم صاروا شيوخاً، وانتفع بهم خلق كثير.
حليته وصفاته: كان الشيخ إمداد الله مربوع القامة، يميل إلى الطول،
نحيف الجسم، أسمر اللون، كبير الهامة، واسع الجبين، أزجَّ الحاجبين،
واسع العينين، حلو المنطق، ودوداً، بشوشاً، قليل المنام، مُقِلاً من الطعام،
قد أضْناه الحب الإلهي، وأنحفته المجاهدات والرياضات، رحب الأناة،
واسع القلب، جامعاً للأشتات، يلتقي على حبه والاستفادة منه المختلفون في
الأذواق والمشارب، متسامحاً مع الناس، متوسعاً في المسائل الجزئية،
والمذاهب الخلافية، لا يتعصب فيها ولا يتشدّد، مولعاً بالمثنوي المعنوي،
دائم الاشتغال به تأملاً وتدريساً وتذوقاً وتلقيناً، ينصح أصحابه بقراءته والتأمل
فيه .
مؤلفاته: له مصنفات لطيفة، كلها في الحبّ الإلهي، والمعرفة
والتصوّف، منها: (ضياء القلوب) بالفارسية، (إرشاد المرشد)، (حديقة
المعرفة)، (تحفة العشاق)، (الجهاد الأكبر)، (غذاء الروح) كلها باللغة
٧١

الأردية، وأكثرها في الشعر.
وفاته: توفّي رحمه الله يوم الأربعاء ثاني عشر جمادى الآخرة سنة سبع
عشرة وثلاثمئة وألف بمكة المباركة، ودفن بالمعلاة عند الشيخ رحمة الله(١)
الكيرانوي)» (٢).
هذا، وقد قدّر الله سبحانه وتعالى أن يكمّل الشيخ التهانوي رحمه الله في
صحبة هذا الشيخ مسيرة التكميل الباطني، ويستفيد منه في مجال التزكية
(١) هو الشيخ الفاضل العلاّمة رحمة الله بن خليل الله بن نجيب الله العثماني
الكيرانوي، كان من العلماء المبرزين في الكلام والمناظرة، ولد في جمادى
الأولى سنة ثلاث وثلاثين ومئتين وألف، بكيرانه، قرية جامعة من أعمال
(مظفر ناكر)، ونشأ بها، واشتغل بالعلم أياماً في بلدته، ثم سافر إلى (دهلي)،
وقرأ على الشيخ عبد الرحمن الأعمى وشيخه محمد حياة، ولازمهما مدة
طويلة حتى أتقنها، ودرس وأفتى، وله ذكاء مفرط لم يكن في زمانه مثله، وله
المقالات الطويلة التي طال بينه وبين أهل عصره من علماء النصارى البحث
فيها، واضطر بسببه للخروج من الهند، فسار إلى الحجاز وأقام بمكة المكرمة،
حيث صنَّف هناك كتابه الشهير (إظهار الحق) بأمر السيد أحمد زيني دحلان
الشافعي المكي سنة ثمانين ومئتين وألف، وأسس المدرسة الصَّوْلتية هناك
وبارك الله فيها، ونفع بها خلقاً كثيراً، وله مؤلفات أخرى وأشهرها (إزالة
الأوهام) (إزالة الشكوك) (إعجاز عيسوي) (أصح الأحاديث في إبطال التثليث)
توفي لسبع بقينَ من رمضان سنة ثمان وثلاثمئة وألف، فدفن بالمعلاة. (نزهة
الخواطر: ١٤٥/٨، بالاختصار والتعديل اليسير).
(٢) نزهة الخواطر: ٨/ ٧١ -٧٣، باختصار.
٧٢

والإحسان والسلوك، حتى يصل فيه إلى درجة الإمامة والاجتهاد، ويؤدي
دوره الكامل، وبسبب المواهب الإلهية، وما أراد الله تعالى به وقيّضه له من
إصلاح جذري، وانقلاب شامل، وينهض بهذه المهمة العظيمة بكامل العدة
والعتاد، والثقة والاعتماد، ويقوم بالأعمال التجديدية الإصلاحية من نوع
جديد، فيعيد الطريقة إلى نصابها تابعة طيّعة للشريعة، ويربّي الناس ويسمو بهم
إلى المقامات الرفيعة، ومراتب الإحسان العالية، وينقلهم من الوسائل
والأسباب إلى المقاصد والغايات.
المبايعة:
كان الشيخ التهانوي رحمه الله ولوعاً بملازمة مشايخه، حريصاً على
خدمتهم، وبعد الفراغ من دراسته، بايع العارفَ المتبصّر الحاج إمداد الله
المهاجر المكي، بيعة السلوك، ولازمه مدة، واستفاد من صحبته، علماً أن
الشيخ التهانوي سبق وأن حصل له شرف المبايعة من الشيخ إمداد الله
بالمراسلة، وذلك أيام دراسته في جامعة دار العلوم ديوبند في عام ١٢٩٩ هـ،
وكان عمره آنئذٍ تسعة عشر عاماً، فذهب به والده إلى الحجاز للحج والزيارة
سنة ألف وثلاثمئة للهجرة، فارتحل في شوال وحجّ بيت الله، وزار روضة النبي
وَلا ير، ومكث عند شيخه مدة، ثم حجّ مرة ثانية في ١٣١٠ هـ، وبقي عند شيخه
مدة ستة أشهر، ولازمه ملازمة لا تفتر ولا تنقطع، وبقوة استعداده وكمال عناية
الشيخ أصبح في هذه المدة اليسيرة كالمرآة تتجلَّى فيها سيرة شيخه، وتترقرق
فيه أخلاقه، حتى أصبح معروفاً في دياره بعبادته وزهده وورعه وبحسن تعليمه
٧٣

وتربيته، فنظف طريق التصوّف عن الخرافات المحدثة، والبدع الشنيعة،
وجدّده تجديدً (١).
غادر الشيخ مكة المكرمة متوجهاً إلى وطنه الهند، وعاد إلى (كانفور)،
يدرّس ويربّي الطلاب، ويفيد الناس بدروسه ومواعظه وتصانيفه.
ثم استقال عن مدرسة كانفور في صفر ١٣١٥ هـ وخلف فيها تلميذه
مولانا الشيخ محمد إسحاق البردواني ورجع إلى موطنه (تهانه بهون) ولزم
زاوية شيخه ومرشده (الخانقاه الإمدادي) لأن شيخه الحاج إمداد الله المهاجر
المكي كان قد أوصاه بذلك، ثم لم يزل مقيماً بهذه الزاوية إلى أن توفّاه الله
تعالى في سنة ١٣٦٢هـ، وفي هذه الزاوية أظهر الله على يديه تلك الأعمال
الدينية العظام التي تعجز عنها المجمّعات الكبيرة والمجالس العالمية .
وها هو الشيخ العلاَّمة الشريف عبد الحي الحسني رحمه الله يقص علينا
قصة مبايعته فيقول: ((ثم سافر إلى الحجاز فحج وزار، وأخذ الطريقة عن
الشيخ الكبير، إمداد الله التهانوي المهاجر إلى مكة المكرمة، وصحبه زماناً،
ثم رجع إلى الهند، ودرس مدة طويلة في مدرسة جامع العلوم بكانفور، مع
اشتغاله بالأذكار والأشغال، ثم ترك التدريس وسافر إلى أقطار الهند وراح إلى
الحجاز مرة ثانية وصحب شيخه مدة ثم عاد إلى الهند))(٢).
(١) سوف نتحدث بالتفصيل عن جهوده رحمه الله الإصلاحية والتجديدية في
مجال التصوّف في الباب الرابع، ص٢٣٩ .
(٢) نزهة الخواطر: ٨/ ٥٧ .
٧٤

الخانقاه الإمدادي:
كان (الخانقاه الإمدادي) دار تربية فريدة في منهجها في العالم، تُهذَّبُ فيها
الأخلاق، وتُثَقَّف فيها الأفكار، وتُعلَّم فيها آداب الحياة الفردية والاجتماعية،
يجتمع فيها المسلمون من أنحاء الهند وأطرافها، فيهم العلماء والمشايخ الكبار،
وفيهم الأطباء والمهندسون، وفيهم الموظفون والمدرسون، وفيهم أصحاب
الزراعة والصناعة، ورجال من جميع مجالات الحياة، يأتون إليه ويسكنون
عنده فترات طويلة، وربما تكون معهم الزوجات والأولاد، فيُشرف الشيخ على
أحوالهم، ويعلّمهم الدين، ويدرّبهم على الأخلاق الإسلامية، ويصف لهم
طريق الحصول عليها، ويمرّنهم على آداب المعاشرة، ويشرح لهم دقائقها،
ويلفت أنظارهم إلى أمراضهم النفسية، ويبين لهم طريق التخلّص منها.
وكان لهذا الخانقاه نظام محكم في كل شيء، لا يستطيع أحد أن يخالفه،
وكان هذا النظام نفسه مثالاً حيّاً لآداب المعاشرة الإسلامية، يحضّ المرء على
أن ينظّم حياته، ويضبط أوقاته، ويُعنى بأداء الحقوق، والاحتراز عن إيذاء
الآخرين، حتى صارت هذه الزاوية مصنعاً كبيراً يصنع الرجال، وتصاغ فيه
الأخلاق الحسنة، والآداب الصالحة، ولو شرحنا هذه الأخلاق والآداب التي
كان يلتزمها الشيخ ويدرّب عليها غيره لطال بنا الكلام»(١).
(١) مقدمة كتاب (إعلاء السنن) للشيخ تقي العثماني: ١٨/١.
٧٥

الفصل السادس
رحلته إلى الآخرة
يَوْماً عَلى آلَةٍ حَذْبَاءَ مَحْمُولُ
كُلُّ ابن أنثى وإنْ طَالَتْ سَلامَتُهُ
مما لا شكَّ فيه أن البقاء لله الملك الواحد القهار، وهذه هي الحقيقة التي
لا بُدَّ من الاعتراف بها، وكل نفس حية لها بدايتها ونهايتها، إلا ذات الباري
تعالى: ﴿كُلَّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢) وَيَبْقَى وَجْهُ رَيِّكَ ذُو الْجَلِ وَاَلْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٢٦ -
٢٧].
وتصديقاً لهذا الواقع الملموس، الذي كتبه الله سبحانه وتعالی علی کل
إنسان، جاء أوان رحلة هذا العبقري الفذّ، والمصلح الكبير، حكيم الأمة الشيخ
التهانوي رحمه الله إلى ربّه العليّ القدير، في النصف الأول من ليلة الأربعاء،
لستّ عشرة خلون من شهر رجب سنة اثنين وستين وثلاثمئة وألف، الموافق
٢٠ يوليو - تموز عام ١٩٤٣ م، وهكذا أفل ذلك النجم الذي تألَّق، ونوَّر شبه
القارة الهندية بأضواء العلم والمعرفة، وأنوار الزهد والتقوى، والذي كانت
حياته حافلة بالمآثر الخالدة، والخدمات الجليلة، وقد خلّف من ورائه تراثاً
علمياً ثريّاً يجعله حياً إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وكلما يُذكر هذا
العبقري يترحم عليه المسلمون عامة، وطُلاَّب العلم الشرعي، والمُربُّون تحت
إشرافه، وفي ظلّه الوارف خاصة، وبذلك ترتفع درجاته عند الله، وتسمو
مكانته عند الرفيق الأعلى إن شاء الله تعالی .
٧٦

لقد طاب حياً فطاب ميتاً، عاش صالحاً مصلحاً، ومات موتاً مغبوطاً،
عاش محبوباً مقبولاً مَرضياً لدى الخلق، ومات محبوباً، تحنّ إليه الأفئدة،
وتباركه يد الرحمن، وتدعو له الألسنة والقلوب.
مات رحمه الله وترك مسلمي شبه القارة الهندية وشعوبها باكية بدموع
دامية، وخلّف من ورائه ملايين الألسنة تدعو له، وتذكره بالحب والمواساة
والتأسّف، وملايين الأكباد تكاد تتفطر من رحيل هذا المرشد العظيم والمربي
الربّاني الحكيم، الذي وقف حياته كلّها على العمل على استعادة مجد الأمة
الإسلامية الهندية، واسترداد عزّها وكرامتها، وماضيها المُشرق الباهر.
هذا وقد شيّعه جمٌّ غفيرٌ من المحبّين، وكبار العلماء والصالحين،
وصلى عليه ابن أخته العلاّمة المحدّث الكبير الفاضل الشيخ ظفر أحمد
العثماني التهانوي، ودفن في المقبرة التي وقفها الشيخ رحمه الله بنفسه لدفن
موتى المسلمين، في الجانب الشمالي من (الخانقاه الإمدادي) بـ (تهانه
بهون). رحمه الله رحمةً واسعة، ورفع درجاته في أعلى عليّين، آمين.
من وصايا الشيخ رحمه الله:
لقد أوصى رحمه الله قبل رحيله إلى الرفيق الأعلى، وأعلن عن هذه
الوصايا على مرأى ومسمع من الناس، وهي جديرة بأن تُسجَّل بماء من
الذهب، لما تحتوي من معانٍ قيّمة، وتوجيهات رشيدة، ونصائح نافعة لكل
مسلم في الدنيا والآخرة.
وفیما یأتي نصّ هذه الوصايا :
٧٧

١ - ((أرجو من جميع إخواني، وكل المسلمين، أن يستغفروا لي الله
تعالى من جميع المعاصي والخطايا، الصغيرة منها والكبيرة، سواء صدرت
مني عمداً أو خطأً .
٢ - أطلب من جميع المسلمين ممّن قصّرتُ في حقوقهم، أو أصابهم
مني أيّ أذّى بأي شكل من الأشكال، سواء باليد أو باللسان، حاضراً أو غائباً،
أو كنت سبباً في ضياع حقوقهم، عرفوا ذلك أم لم يعرفوه، ألتمس منهم جميعاً،
صغاراً وكباراً، رجالاً ونساءً أن يصفحوا عني، ويسامحوني من صميم القلوب
وأعماق الضمائر، والله تعالى سيجازيهم أحسن ما يجازي به عباده الصالحين،
ويغفر لنا ولهم، ويرزقنا العفو والعافية في الدارين، ويرفع درجاتهم في أعلى
علّيين.
٣ - أما بالنسبة لي فأعلن بكل صراحة أني قد عفوت عن الجميع من
صميم خاطري عن كل ما صدر من أحدٍ في حقي من هذا القبيل، وذلك طلباً
لرضا الله تعالى، ونيل مرضاته، وابتغاء وجهه، وأملاً ورجاءً في العفو عما
صدر مني في حقّهم.
٤ - أوصي كل الإخوان والأحبّاء والزملاء خصوصاً، وسائر المسلمين
عموماً بضرورة الاهتمام بطلب العلم الديني؛ تعلّمه للنفس وتعليمه للأولاد،
فإنه فرض عين على كل مسلم، سواء كان ذلك بالكتاب، أو بملازمة العلماء
وأصحاب المعرفة، وذلك لأنه لا سبيل لتجنّب الفتن - وما أكثرها في أيامنا
هذه - في أمور الدين والشريعة، ولا طريق للابتعاد عنها في أمور الدنيا، إلا بتعلّم
٧٨

الدين، والتسلّح بسلاح المعرفة، والاطلاع على أحكام الشريعة الإسلامية،
وتطبيق ديننا الحنيف في الحياة، واقتفاء سنّة المصطفى ◌َّ في كل شعبة من
شعب الحياة.
٥ - أوصي طلبة العلم وشداة المعرفة والسالكين طريقها أن لا يغترّوا بما
تعلَّموه من الكتب؛ لأن الفائدة الحقيقية لهذا العلم هو العمل به، وتطبيقه في
الحياة، وذلك لا يمكن إلا بملازمة العلماء وأولياء الله الصالحين.
٦ - إن المدرسة الدينية (إمداد العلوم) التي ما زالت مستمرة بحمد الله
وعونه في أداء واجباتها نحو الإصلاح والتربية والدعوة والإرشاد، وتثقيف
الجيل المسلم والنشء الجديد، إنها مدرسة ذات منهج خاص، وأرجو أن
تواصل مسيرتها نحو غايتها الأساسية وهدفها الأصيل إن شاء الله تعالى،
وأتمنى من الذين يتولّون أمورها من بعدي أن لا يغيّروا من منهجها، ويضعوا
الاهتمام بتربية الأخلاق، وإصلاح النفوس وتزكية الباطن، نُصب أعينهم،
أسأل الله العظيم أن يجعلها منبع خير وبركة، ومنهل علم ومعرفة، ومركز تزكية
النفس وإصلاحها، ووسيلة قوية لاستئصال جذور البدع، والقضاء على
الطقوس الجاهلية، والأفكار الزائفة التي لا تمتّ إلى الإسلام بصلة .
٧ - نظراً إلى ما يترتّب من المضارّ في الدين والدنيا بسبب اقتراف بعض
الذنوب، والاجتراء على بعض المعاصي، أوصي إخواني المسلمين جميعاً
بالعمل بما يأتي، والعض عليه بالنواجذ:
· كفّ النفس عن العمل بمقتضيات الشهوة أو ما تهواه النفس ويتطلّبه
دافع الغضب .
٧٩

،إن العجلة من الشيطان، وهي أمر لا تحمد عواقبه.
· الاهتمام بالاستشارة مع أصحاب الشورى قبل الإقدام على شيء.
● تجنّب الغيبة وما يماثلها من الأخلاق السيئة، والعادات القبيحة،
تجنّباً قاطعاً.
،تجنّب كثرة الكلام ولو كان مباحاً، وكذلك الامتناع عن كثرة الاختلاط
بالخلق دون ضرورة قصوى أو حاجة شديدة، أو مصلحة دينية ودعوية، وخاصة
إذا وصل هذا الاختلاط إلى درجة الصداقة، والاعتماد عليهم بالأسرار.
• عدم الأکل دون اشتهاء كامل.
• عدم الاستدانة أو الاستقراض إلّ في حالة الضرورة القصوى.
· عدم الاهتمام بجمع أشياء وأغراض تزيد عن الحاجة، ولا تهمّ
الإنسان في حياته.
· تعويد النفس على فضائل الأخلاق والرفق واللين والحلم، وتجنّب
القسوة والغلظة والشدّة والجفاف، والخلق السيِّئ.
تجنّب الرياء والتكلّف لما لا داعي له، في الأقوال والأفعال،
والمأكل والملبس.
● يجب على الرعايا المعاملة الحسنة والتعامل بالأخلاق الفاضلة مع
أمرائهم، وتقليل التردّد عليهم ومخالطتهم، وعدم اتخاذهم نصب الأعين لنيل
٨٠