Indexed OCR Text
Pages 41-60
هؤلاء الأساتذة وأمثالهم، رحمهم الله، واستفاد من علومهم وخدمتهم وصحبتهم، ولم يكن له طوال دراسته أي شغل غير دراسة كتبه وخدمة أساتذته ومشايخه، وكان له في ديوبند عدة أقارب كثيراً ما كانوا يوجّهون إليه الدعوة لتناول الطعام عندهم، ولكنه كان يعتذر إليهم، بأنه لم يدخل هذه البلدة إلا للتعلّم والدراسة، فلم يذهب إليهم مدة خمس سنوات إلى أن فرغ من دراسته)) (١). (١) مقدمة إعلاء السنن: ٩/١. ٤١ الفصل الثالث تفوقه العلمي ونشاطاته الدعوية أيام الدراسة كان التهانوي رحمه الله قد أكرمه الله تعالى من المواهب والصلاحيات التي جعلته يتفوق على أقرانه وزملائه في كل فن من الفنون، فقد وهبه الله تعالى لساناً طلقاً، وأسلوباً رشيقاً، وملكة قوية، وبراعة منقطعة النظير في مجال الخطابة والمناظرة، وقد أحسن رحمه الله في استخدام هذه المواهب الربّانية في الدفاع عن حياض الشريعة الغرّاء، والذَّبِّ عن شريعة الله الخالدة، ودَخْضٍ قوى الباطل، واستئصال جذور البدع والمنكرات التي سادت المجتمع البشري. فكان من عادته رحمه الله أن يشارك - أيام دراسته في جامعة ديوبند - في المناظرات مع ممثلي المذاهب الأخرى، وكان النصارى واليهود أيام دراسته في ديوبند قد نشروا بعثاتهم التبشيرية في جميع أنحاء الهند، وكانوا يهدّدون المسلمين، ويدعونهم إلى المناظرة والمباهلة، فكان رحمه الله إذا وجد فرصة ذهب إليهم وناظرهم، وتغلَّب عليهم ببالغ حجَّةٍ وناصع بيانٍ، ونُدرةِ استدلالٍ، وقوة برهان، حتى اشتهر بين الطلبة والعامة بقوة المناظرة، وملكة الخطابة، ولكن هذا كله كان زمن دراسته بجامعة ديوبند، وأما بعد أن صار شيخاً محنكاً، فكان أبعد الناس عن المناظرة والجدل، لِما كان يرى أن أمثال هذه المناظرات ٤٢ والمجادلات الكلامية يعوزها الإخلاص، وينقصها الصدق، وقلّما تُجدي في جذب الناس إلى الهداية والرشاد. يقول رحمه الله: ((أنا اليوم أكره هذه المناظرات والمجادلات الكلامية، وأبتعد عنها بقدر ما كنت أحبها وأشتاق لها أيام دراستي، وذلك لما يترتب عليها اليوم من المضارِّ، وتضييع الوقت، والمجادلة بالباطل، والانحياز عن الحق، وعدم الاستسلام له))(١)، كما أنه رحمه الله كان يقارن بين مناظرات اليوم ويبيّن ما فيها من أنواع الفساد، ومناظرات السلف الصالح وما فيها من قصص رائعة من الإذعان للحق والانقياد له، وعدم الانحياز عنه، والإخلاص والصدق والأمانة. المفخرة العلمية: عقدت حفلة تخريج الطلاب، وتوزيع الشهادات والعمائم على الطلاب المتخرجين من دار العلوم ديوبند سنة ألف وثلاثمئة للهجرة الموافق عام ألف وثمانمئة واثنين وثمانين للميلاد، واجتمع فيها كبار الأساتذة لتكريم نخبة ممتازة من العلماء الذين أكملوا دراستهم الدينية والشرعية في هذه الدار المباركة -أكبر مركز للعلوم الدينية وجامعة علمية مكتظّة بأولي العلم وأصحاب الفضل والمعرفة والتقوى، ومَنْهلاً عذباً من مناهل العلم والدين - ولما حان وقت التكريم، إذا بالشيخ التهانوي رحمه الله ومعه بعض أصحابه وعدد من (١) أشرف السوائح: ٣٢/١. ٤٣ زملائه يأتون إلى الشيخ العلامة محمد يعقوب النانوتوي رحمه الله - وكان يومئذ رئيس المدرّسين - ويقولون: ((إننا سمعنا أن المدرسة ستمنحنا شهادة الفراغ من العلوم، وتضع على رؤوسنا العمائم، ولكنّ الحقيقة أننا لا نستطيع أن نحمل أعباء هذه الشهادة، ولا نستحق هذا التكريم، ونخشى أن يكون ذلك سبباً في إساءة الظن بالمدرسة أنها تُخرّج أمثالنا، الذين لا يحملون في جعبتهم الشيء الكثير من العلم والمعرفة والاطلاع)، فلما سمع الشيخ النانوتوي رحمه الله ذلك التفت إليهم قائلاً: ((إنكم تشعرون بهذا الشعور لأنكم تعيشون بين أحضان الأساتذة البارعين الماهرين، حيث لا ترون لأنفسكم أي قيمة، ولا تزنون لها وزناً، وتحسبون أنكم لستم بشيء أمام هؤلاء، ولكنكم إذا خرجتم من رحاب هذه الدار، وواجهتم العالم الخارجي عياناً، فستعرفون قدركم، وستتبين لكم قيمتكم في نظر الآخرين، وأينما كنتم وحيثما ذهبتم ستكون مكانتكم عالية، ودرجتكم سامية، ورايتكم خفاقة، فكونوا - أنتم البارزين على مسرح العلم والثقافة - نجوماً وكواكب إن شاء الله تعالى))(١) . يقول الشيخ تقي العثماني حفظه الله: «وصدق قوله رحمه الله، حتى صار حكيمُ الأمة التهانوي قدّس سرّه، أكبرَ مرجع للعلماء والعامة، وأعظم مركز للعلم والدين، وقد شهد العلماء في ذلك الوقت بأنه وحيد عصره في العلم والتقوى، لا يجارى فيه ولا يُبارى))(٢). (١) أشرف السوانح: ٣٤/١ _٣٥. (٢) مقدمة إعلاء السنن: ٩/١. ٤٤ وفعلاً تمثلت هذه الشهادة فيما قاله سماحة العلامة الشيخ أبو الحسن علي الحسني الندوي: ((وكان لأحد أبناء دار العلوم ديوبند وهو الشيخ أشرف علي التهانوي سَهْمٌ كبير في نشر العقيدة الصحيحة، وإصلاح النفوس، وتهذيب الأخلاق، والدعوة إلى الله، وقد عمل وحده عمل مجمع علمي کبیر، وألّف كتباً، ورسائل تربو على ثمانمئة، وقد انتشرت انتشاراً كبيراً، وأثّرت في المجتمع الهندي الإسلامي تأثيراً عظيماً)(١). احترامه الشيوخ وتوقيره إياهم: لقد أكرم الله تعالى العلاَّمة التهانوي بالشيوخ والأساتذة الذين كان كل واحد منهم مثالاً رائعاً لعلماء السلف في البحث والتحقيق والإتقان والعمق، أمثال الغزالي والرازي، وكان يتمتع بعنايتهم الفائقة، واهتمامهم البالغ، وتوجيهاتهم الرشيدة، وحبّهم الخالص، دون الطلاب الآخرين، وكذلك هو كان يحمل في قلبه أسمى معاني الحب والتقدير، والاحترام لهم، بل كان يعشقهم إذا صحّ التعبير. يقول رحمه الله: ((إنّي لم أبذل جهداً ملموساً في الدراسة والتعلّم، ولم أصرف كبير جهد واجتهاد في هذا المجال، وإن كل ما رزقني الله تعالى وأكرمني به هو من فضله تعالى عليّ، ثم بفضل دعوات هؤلاء الشيوخ الكرام، وحبّهم لي ، وعنايتهم المباركة بي، وحُسن أفضالهم عليّ، والحمد لله أنا (١) الدعوة الإسلامية في الهند وتطوراتها، ص ٣٢. ٤٥ أستطيع أن أقول: إني لم أَغضب أحداً منهم ولو للحظة واحدة، وإن قلبي ما زال ولا يزال عامراً بحبّ هؤلاء السادة الكبار والشيوخ العظام، ويحمل في طيّاته أسمى معاني التقدير والتوقير لهم دائماً وأبداً». وكان من عادته رحمه الله أنه كان دائماً يتحدث أمام تلاميذه عن سير شيوخه وتراجمهم، وروائع القصص عن علومهم، وأحوالهم، والمواقف المشرقة من حياتهم ونماذج حية من تحقيقاتهم العجيبة والنادرة، ودروسهم القيّمة الثمينة . وذلك بأسلوب جذّاب ورشيق، يستلفت نظر المستمعين، ويخلب قلوب الدارسين، ويجدّد أمام أعينهم ذكريات السلف الصالح بكل رقة ولطافة، وغالباً ما كان يتمثل بشعر جرير بعد ذكر مناقبهم وفضائلهم: أولئكَ آبائي فجِثْني بمثلِهِم إذا جَمَعْنا يا جَرِيْرُ المَجَامِعُ ويتبيَّن للمستمع بعد سماع تلك المناقب والفضائل أنَّ الله سبحانه وتعالى قد أودع فيه جميع هذه الصفات والمناقب (١)، كما قال الشاعر: أنْ يَجْمَعَ العَالَمَ في وَاحِدٍ ليسَ على اللهِ بِمُسْتَنكَرٍ (١) أشرف السوانح: ٣٧/١-٣٨. ٤٦ الفصل الرابع خصائصه ومميزاته البارزة الذاكرة القوية النادرة والذكاء الباهر: كان رحمه الله تعالى آية باهرة في الذكاء المتوقّد، والذهن الأخّاذ، والذاكرة القوية النادرة، وقد عُرف رحمه الله بهذه الصفات العظيمة بين زملائه وأقرانه، وكانت المسائل العلمية والآراء الدقيقة منقّحة وواضحة وتامّة لديه، ولذلك نجده سريعاً في الإجابة على الأسئلة التي تُوجَّه إليه، وكانت له ملكة خاصة في التقاط المواد العلمية من الكتب الضخمة والمباحث المعقّدة وترتيبها على أحسن المناهج وأحدث الأساليب، ثم إلقائها بطريقة وافية وشافية دون زيادة أو نقصان. ولمّا عقدت حفلة التخريج بجامعة دار العلوم ديوبند في عام ١٣٠٠ هـ وحضرها العلامة الشيخ رشيد أحمد الكنكوهي (١)، رحمه الله، لتوزيع (١) هو الشيخ الإمام العلامة المحدِّث رشيد أحمد بن هداية أحمد بن بيربَخْش بن غلام حسن الحنفي الكنكوهي، أحد العلماء المحققين، والفضلاء المدققين، لم يكن مثله في زمانه في الصدق والعفاف والتوكل والثقة والشهامة والإقدام على المخاطر، والصلابة في الدين، ولد رحمه الله في ذي العقدة سنة أربع = ٤٧ . = وأربعين ومئتين وألف للهجرة، قبل وقعة (بالاكوت) المشهورة في تاريخ الجهاد الإسلامي بالهند بسنتين، في قرية (كنكوه)، وهي قرية عُرفت منذ قديم بموطن العارفين الكبار، ومولد العظام من رجال التاريخ، ويتصل نسبه بسيدنا أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه، توفّي أبوه وهو صغير لم يتجاوز السابعة من عمره، فتولَّى تربيته وتعليمه جدُّه بيربخش، وأمه المؤمنة، حتى نشأ ولداً نجيباً، مرهف الشعور، ذكي الفؤاد، نافذ البصيرة، قرأ مبادئ اللغة العربية على الشيخ محمد بخش الرامفوري، ثم توجّه إلى دهلي وقرأ الحديث الشريف على الشيخ عبد الغني بن أبي سعيد، فضرب بسهم وافر في هذا الفنّ حتى برع وفاق أقرانه في المعقول والمنقول، والتفّ حوله طلبة العلم ليأخذوا منه هذا العلم، سافر إلى الحجاز فلقي الشيخ إمداد الله المهاجر المكيّ هناك، وحجّ حجة الإسلام، ثم رجع إلى الهند، ثم سافر إلى الحجاز عدة مرات مع نخبة من العلماء والشيوخ، كان آية باهرة في التقوى واتباع السنة النبوية، والعمل بالعزيمة والاستقامة على الشريعة ورفض البدع ومحدثات الأمور، ومحاربتها بكل طريق، وقد رزقه الله من التلاميذ والخلفاء ما يندر وجود أمثالهم في هذا العصر في الاستقامة على الدين واتباع الشريعة الغرّاء، ونشر العلم النافع، وإحياء السنن، وإصلاح المسلمين، له مصنفات قيّمة منها: (تصفية القلوب)، (إمداد السلوك)، (هداية الشيعة)، (زبدة المناسك)، (هداية المعتدي)، (سبيل الرشاد)، وقد جمع تلميذه النجيب الشيخ محمد يحيى بن إسماعيل الكاندهلوي ما أفاد به في درسه لجامع الترمذي وطبع باسم (الكوكب الدرّي) وما أفاده في درس (الجامع الصحيح) للبخاري، ونشره ابنه الشيخ محمد زكريا الكاندهلوي مع تعليقاته، وسمّاه (لا مع الدراري) توفّي رحمه الله يوم الجمعة في جمادى الآخرة سنة ١٣٢٣ هـ (نزهة الخواطر := ٤٨ الشهادات والعمائم بين الطلاب، جاء الشيخ محمود حسن رحمه الله وهو يمدح الشيخ التهانوي، ويذكر ذكاءه وذاكرته ونباهته، فلم يلبث العلاَّمة الكنكوهي إلا أن وجّه بعض الأسئلة الصعبة إلى التهانوي يختبره فيها، فأجاب عليها الشيخ التهانوي بأجوبة مقنعة وبشكل ارتجالي، فَسُرَّ بها الشيخ الكنكوهي رحمه الله كثيراً، وكذلك فعل العلامة الشيخ السيد أحمد الدهلوي رحمه الله، الذي بلغ الذروة في العلوم العقلية، وكان قد نبغ في العلوم الرياضية بمجرد المطالعة والجهد الخاص دون أن يدرسها عند أستاذ، إنه جاء وبدأ يختبر الشيخ التهانوي، وطلب منه أن يوضّح معنى بيت شعر من كتاب (سكندرنامه) فشرحه له الشيخ التهانوي شرحاً مفصّلاً، وذكر له عدة تفسيرات، ففرح به الشيخ الدهلوي فرحاً كثيراً، وأُعجب به، ودعاله بالبركة، وأثنى عليه. وهذا إن دلّ على شيء فإنما يدلّ على ذكائه المفرط، وقريحته الوقّادة، وذهنه الأخّاذ. ضبط الأوقات وحسن توزيعها: انطلاقاً من مبدأ (الوقت هو الحياة فلا تقتلوه) و(الوقت كالسيف إن لم تقطعه يقطعك) مشى العلاَّمة التهانوي رحمه الله في حياته، فكان من الذين يحافظون على كل لحظة من لحظات الحياة وكل ثانية من ثوانيها محافظة دقيقة، لا يغادر منها دقيقة ولا ثانية إلا أحصاها، واستغلّها لصالح الإسلام والمسلمين، وكان رحمه الله مثالاً في ضبط الأوقات وحسن توزيعها بين الله ١٤٨/٨، مقال الدكتور سعيد الأعظمي الندوي في جريدة الداعي عدد = جمادى الأولى ١٤٠٠ هـ). ٤٩ وبين العباد وبين شؤونه الشخصية والعائلية، لا يخلّ بها ولا يستثني منها إلا اضطراراً. يقول الشيخ عزيز الحسن مجذوب رحمه الله (وهو من أهم الملازمين للشيخ وكبار خلفائه): ((إنَّ من أهم خصائص الشيخ التهانوي رحمه الله ومميزاته أنه ما كان يضيّع شيئاً من أوقاته، وإنَّما كان يحاسب كل دقيقة ولحظة من حياته محاسبة دقيقة، ويعتبرها أغلى وأثمن ما رزقه الله تعالى من النعم في هذه الحياة الفانية، وهذه الميزة ما زالت موجودة في حياته منذ صباه إلى الآن، الأمر الذي ساعده في تحقيق المهمّات الصعبة، وإنجاز الأعمال الكبيرة الهامّة في وقت قصير ، وكان بفضل الله تعالى وعونه، ثم بفضل ضبط الأوقات وحُسن استخدامها، استطاع رحمه الله وحده أن يخلّف وراءه مآثر علمية خالدة ومكتبة واسعة كبيرة ثرية، قد لا يسع لمجمّعات علمية أن تقوم بها، إلا أن الله سبحانه وتعالى قد بارك في أوقاته وأعماله حتى أصبح أكثر الناس تأليفاً في عصره. وها هو شيخه وأستاذه العلاَّمة محمود حسن الديوبندي المعروف بشيخ الهند قد زاره مرة من المرات ونزل عنده ضيفاً، فأكرمه الشيخ التهانوي قدر ما يستطيع، ووفّر له كل ما يحتاجه شيخه من وسائل الراحة، ولما حان وقت تأليفه وموعد تصنيفه حسب جدوله الخاص المبرمج في حياته، ذهب إلى شيخه يستأذنه مراعياً في ذلك كل معاني الاحترام وغاية التوقير، وقال: سيّدي وأستاذي! عندي بعض الأعمال العلمية أقوم بها في مثل هذا الوقت فلو أذنت لي؟ فأذن له الأستاذ الكريم بكل سرور ورحابة صدر قائلاً: اغتنم هذه الفرصة التي وهبك الله إياها، فذهب التهانوي رحمه الله لينجز ما كان يريد إنجازه حتى ٥٠ لا يحرم من البركات بسبب الغياب)»(١). وها هو العلاَّمة عبد الحي الحسني(٢) رحمه الله يصوّر لنا كيفية ضبط أوقاته تصويراً دقيقاً ورائعاً، فيقول رحمه الله: ((وكانت أوقاته مضبوطة (١) أشرف السوانح: ٣٠/١ -٣١. (٢) هو الشريف العلاَّمة عبد الحي بن فخر الدين الحسني رحمه الله، والد سماحة العلامة الشيخ أبي الحسن علي الحسني الندوي، ولد لثماني عشرة خلونَ من شهر رمضان سنة ست وثمانين ومئتين وألف في زاوية السيد عَلَم الله، على بُعد ميل من بلدة (راي بريلي) من أعمال لكنو (الهند)، قرأ الكتب الدراسية من الصرف والنحو والفقه والأصول والتفسير والمعقولات على أشهر علماء لكنو، ثم سافر إلى بهوفال وهي إذ ذاك محط رحال العلماء والطلبة، وقرأ الحديث على العلامة المحدث الشيخ حسين بن محسن الأنصاري اليماني، كان رحمه الله حريصاً على إصلاح المسلمين ونفعهم، ناصحاً لهم، وكان يتألم كثيراً مما يرى من اضطراب حَبْل المسلمين، وتَفَرُّق كلمتهم، وانشقاق عصاهم، وذهاب رِيحهم، وكان رحمه الله هو المعتمد في أمور ندوة العلماء من أول الأمر، وعليه المُعوّل فيها، وحاز ثقة أصحابه، فجعلوه ناظماً لها ومديراً لشؤونها، كان متضلعاً من العلوم، راسخ القدم في آداب اللغة العربية والفارسية والأردية، وكان شاعراً مُجيداً. بارعاً في الفقه والحديث والتفسير والسِّير والتاريخ، لم يكن له نظير في العلم بأحوال الهند ورجالها في عهد الدولة الإسلامية، من أهم مؤلفاته (نزهة الخواطر وبهجة المسامع والنواظر) في تراجم أعيان الهند ومآثرهم، (معارف العوارف في أنواع العلوم والمعارف) (جنّة المشرق ومطلع النور المُشرق) في التاريخ الإسلامي، (تلخيص الأخبار) (كتاب الغناء) (القانون في انتفاع المرتهن بالمرهون). مقدمة نزهة الخواطر . ٥١ منظّمة، لا يُخل بها، ولا يستثني فيها، إلا في حالات اضطرارية، وكان إذا انصرف من صلاة الصبح اشتغل بذات نفسه، عاكفاً على الكتابة والتأليف، منفرداً عن الناس، لا يطمع فيه طامع إلى أن يتغذّى ويقيل ويصلّي الظهر، فإذا صلّى الظهر جلس للناس يكتب الردود على الرسائل، ويقرأ بعضها للناس، ويتحدث إليهم، ويُؤَنّسهم بنكته ولطائفه، وكان حديثُهُ نزهةً للأذهان، وفاكهة للجلساء، بحيث لا يملّون ولا يضيقون، فإذا صلّى العصرَ انفرد عن الناس، واشتغل بشؤون بيته إلى أن يصلّي العشاء، فلا يطمع فيه طامع))(١). ويجدر بنا بهذه المناسبة أن نتحف القرّاء الكرام بما شهد به العلاّمة الأديب والمفسّر الأريب عبد الماجد الدريابادي، يقول رحمه الله: ((لقد عايشته (أي: التهانوي) في شتى الظروف، ومختلف الأوضاع، وقرّت عيناي برؤية محيّاه في زمن الصحة والمرض، والقوة والضعف، والفرح والحزن، فأشهد بما رأيته بأم عيني، وشاهدته بقلبي وقالبي، كان رحمه الله منعدم النظير في تنظيم الأوقات، ومحاسبة الدقائق واللحظات، عكس ما نراه ونشاهده في حياة غيره من عباد الله الصالحين وأوليائه المتقين، فنجد معظمهم يقعون فريسة الإفراط والتفريط، نرى فلاناً قد عظم شأنه، وعلت منزلته في الجانب الفلاني وهو مُخِلٌّ ومقصّر في الصفة الأخرى، والجانب الآخر، وهكذا الثاني والثالث، أما الاتزان الكامل والاعتدال المناسب فهو من صفات الأنبياء عليهم السلام، وقد رأينا رؤية العين هذه الصفات العالية في حياة الشيخ التهانوي (١) نزهة الخواطر: ٥٧/٨ -٥٨ . ٥٢ رحمه الله، فكلُّ عمل في وقته وميعاده، كل شيء في مكانه، الأكل والشرب، المشي والوقوف، القيام والجلوس، وكل ذلك مع المراعاة التامة للآداب العالية والضوابط الثابتة، كل حديث له هدفه المتوخّى وغايته المنشودة، كأنه لا يعرف التحدث بدون هدف، لم أرَ له مثيلاً ولا نظيراً في التغلّب على لسانه بين معاصريه وأقرانه وزمرة العلماء الآخرين، كان عديم الاهتمام بتلك الأوراد والوظائف التي تسود زوايا الآخرين، يتجنّبُ الرسوم والعادات الشائعة بين العامة، ويحترزُ عن التكلّفات والمظاهر، لا يهمه إلا شغله، بعيداً كل البعد عن إحراج الآخرين، مسرعاً في خدمة العباد، مبادراً إلى عمل الخيرات باهتمام بالغ واعتناء كبير، هذه هي الصفات العالية، والأخلاق الحسنة، والآداب الفاضلة التي قرّت بها عيني وثلج صدري، وبرد قلبي في المجالس الأشرفية». وأضاف رحمه الله قائلاً: ((لقد رأيت الكثيرين من عباد الله الصالحين والتقيت بهم في حياتي، وسمعت أخبار الكثيرين الآخرين عن كثب، وعرفت أحوالهم بكل تفصيل، فوجدت منهم العُبّاد والزُّهّاد والمتصوّفة والنسّاك، أصحاب الزوايا وأهل الكشوف والكرامات، ومما لا شك فيه أنَّ فيهم من عباد الله الصالحين والمصطفين الأخيار المقرّبين الأبرار، ولكن لم تَرَ عيني مصلحاً ومربياً ومعلّماً كريماً مثل الشيخ التهانوي، ولا سمعت أذناي عمن يعادله في هذه الأوصاف الكريمة))(١). (١) المعاصرون، ص ١٥ - ١٦. ٥٣ حبّه للسنة وكراهيته للبدع: فُطر العلامة التهانوي رحمه الله على حبّ السُّنّة وكراهية البدع، فكان حبّ السنة وأهلها منقوشةً في قلبه، وكراهية البدعة وأهلها متأصلة في نفسه، وذلك منذ نشأته وقراءته لكتب الشريعة ومبادئ الدين، ويتجلى لنا هذا الواقع في ضوء عدد من مؤلفاته رحمه الله التي ألفها خاصة في الرد على البدع والخرافات، ودحض الأباطيل والخرافات، وقمع الطقوس والتقاليد الجاهلية التي ما أنزل الله بها من سلطان، ومن تلك المؤلفات كتابه القيّم المعروف المسمّى بـ (إصلاح الرسوم) وكذلك (تعليم الدين) فقد جمع واستوعب فيهما مثل هذه الأمور، وأرشد الناس فيهما إلى ما هو المحبوب المرضي عند الله تعالى والثابت عن النبي الكريم وَلقر والسلف الصالح، كما أن ردّه العملي على بعض البدع المنتشرة بين الناس خير دليل على ذلك. وإنَّ الكتب المؤلفة في سيرته وترجمته غنية بمثل هذه المواقف المشرقة وروائع القصص الدالة على ردّه العملي على البدع والعادات الجاهلية، ومن ذلك ما حدث للشيخ في زيارته (للبنغال الغربية) حيث بدأ الناس يقبّلون رجله ويمسكونها، فنهى الناس عن ذلك، فلم يمتنعوا، فإذا به يفعل معهم ما كانوا يفعلون معه، فتركوا ذلك، وكفوا عنه خجلين نادمين، ولم يعودوا لذلك مرة ثانية قط، وهكذا حدث في قرية (أعظم كراه)، حيث رأى الناس لا يدعون أحداً يمشي أمامه أو يمرّ قدّامه، ولو تقدّم أحد ومرّ أمامه مصادفةً أو بسبب الزحمة جاء بعض الناس يزحفون وراء الشيخ، فقضى الشيخ على هذه العادة الشائعة الناتجة من الغلوّ في التقديس والتكريم، والإفراط في التوقير والاحترام، ٥٤ ونادى في الناس بصوت عالٍ: إن الطريق ليس ملكي خاصة، وإنما هو ملك الناس عامة، وحق للجميع، فالكل سواسية في استخدامه والمشي عليه. محاسن أخلاقه: كان رحمه الله متحلياً بمحاسن الأخلاق من الرقة واللين، والعفو والحلم، والوقار والرزانة، والتواضع وانكسار النفس، يقول الشيخ عزيز الحسن مجذوب، رحمه الله: ((كل من رآه بعين الإنصاف والعدل تبين له هذا الواقع كالشمس في رابعة النهار، وهو أن ما يتمتع به الشيخ التهانوي رحمه الله من الرقة والليونة والعفو والحلم قلّما يوجد في آخرين، لكن صفاته هذه لا تظهر إلا في مواضع الحاجة، وعند اقتضاء المصلحة الدعوية والإصلاحية لها، وكان يقول: إني حُرّ في طبيعتي ومزاجي، لكني لا أستطيع أن أرى أحداً - ولو كان عدوّي - يصيبه الأذى، أو يعاني من المصيبة، وكلما أرى إنساناً أصابه نوع من الأذى، أو شخصاً يعاني من المصائب والمشاكل أتمنى أن أشق له عن قلبي وأشارکه في همّه وغمه)) . وكان رحمه الله يقول: ((إن رأس الخلق الحسن وأساسه أن يهتمّ الرجل بأن لا يتأذّى منه أحد، وهو الذي علّمنا النبي ◌َّ بقوله الجامع: ((المسلمُ مَن سلمَ المسلمون من لسانِهِ ويدِهِ))(١)، وكل من تسبّب في إيذاء أحد فهو داخل في (١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الإيمان (١٠، ١١) وكتاب الرقاق (٦٤٨٤)؛ ومسلم في صحيحه كتاب الإيمان (٤٠، ٤١، ٤٢)؛ والترمذي في سننه، كتاب صفة القيامة (٢٥٠٤)؛ وكتاب الإيمان (٢٦٢٧)؛ وأبو داود في= ٥٥ سوء الخلق، سواء كانت صورته صورة خدمة أم أدب وتعظيم مما يزعمه الناس حسن الخلق، لأن حقيقة الخلق الحسن هي إراحة الغير، وهي مقدمة على الخدمة، فالخدمة بغير الإراحة قِشر بلالُبّ))(١). وسطيته واعتداله: كان من فضل الله تعالى على الشيخ التهانوي أن أكرمه بنعمة الوسطية والاعتدال، وجنّبه الإفراط والتفريط في كل شأن من شؤونه، وعمل من أعماله، فحياته العامة وحياته العلمية والدعوية والإصلاحية كانت متسمة بالتوازن والوسطية والاعتدال، نراه يضع كل شيء في محله، وينزل كل شيء حسب درجته ومكانته، وقد تجلّت لنا ميزته هذه في طريقة إصلاحه، ومنهج تربيته، ومذهبه الفقهي، وفي العدد الكبير من فتاواه التي تحويها مجلدات كبار، بكل جلاء ووضوح، فنجد أفكاره في غاية من الاتزان منطلقة من المبدأ القرآني والربّاني في اتخاذ الوسطية شعاراً ودثاراً(٢)، يقول الشيخ عزيز الحسن المجذوب رحمه الله: ((كان الشيخ التهانوي رحمه الله ذا إلمام كبير بالعلوم و العقلية، وقد وصل فيها إلى درجة النُّبوغ، ودرس جُلّ ما ألف فيها من سننه، كتاب الجهاد (٢٤٨١)؛ والنسائي في سننه، كتاب الإيمان وشرائعه = (٤٩٩٦)، (٤٩٩٩). مقتبس من كتابه (آداب المعاشرة). (١) (٢) كما في قول الباري سبحانه وتعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَكُمْ أُمَّةٌ وَسَطَّا لِّنَحَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَ النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣]. ٥٦ المؤلفات الكبيرة والصغيرة، إلا أنه رغم ذلك كله كان يُفضّل عليها المنقولات، ويكره الإعراض عن الكتاب والسنّة، والتولّي عن مذهب أهل السنة أشدّ الكراهية، وكان يعتقد أن هذه العلوم العقلية بمثابة خَدَم للكتاب والسنة، وكُلُّ مَن تأمل في أقواله وأفعاله وتصانيفه وأعماله العلمية بعين الإنصاف رأى هذا الواقع بأم عينه، وأيقن أن منهجه في قمع جذور البدع والخرافات، ودحض الأباطيل، وتفنيد شبهات الضالّين، والردّ على الفِرق الضالّة والطوائف المنحرفة كان منهجاً وسطاً، متصفاً بالاتزان والاعتدال، لا إفراط فيه ولا تفريط))(١). ولم يكن فيه تزمُّتٌ فكري أو عصبية مذهبية أو جمود علمي، بل كان واسع النظر، رحب الصدر، مُحباً للوسطية في كل شيء، ولعلّ هذا هو السرّ في أنه كان مُحبوباً لدى كافة الأوساط العلمية، ونال قبول وإعجاب كل الطبقات من البشر. وكان لا يتعرض في مواعظه للمسائل الخلافية فيما بين المسلمين، إلا إذا جاءت مسألة خلافية في أثناء كلامه، فيشرحها شرحاً وافياً برفق ولطف وحكمة ونصيحة، لا يُغلظ فيه الكلام على مخالفيه، ولا يبالغ في التشنيع عليهم، وإنما يتأسَى بالأنبياء عليهم السلام في قول لين وموعظة حسنة والمجادلة بالتي هي أحسن(٢). (١) أشرف السوانح: ٣٣/١ -٣٤. (٢) مقدمة إعلاء السنن، للشيخ تقي العثماني: ١/ ١٤ بتعديل يسير. ٥٧ كان رحمه الله من أولئك الذين انطلقت حياتهم بمبدأ قول الرسول وله : ((الكلمة الحكمةُ ضالةُ المؤمن، أنّى وجدَها فهو أحقُّ بها»، فالبحث عن الحق والمجاهدة في هذا السبيل أنّى كان وحيثما كان دون النظر إلى المصدر والمنبع كان من أوصافه المتميزة، وإن حُبّ العلم والعلماء كان قد رسخ في قلبه وخاطره، وتجشم رحمه الله في هذا السبيل مشاقًّ كثيرةً وقطع مسافات طويلة في الرحلة إلى كبار أصحاب الفن، وها هو العلامة المحدث الشيخ نذير حسين السلفي الدهلوي(١) الذي كان من كبار علماء أهل الحديث في عصره، قد (١) هو الشيخ الإمام العالم الكبير المحدّث العلامة نذير حسين بن جواد علي الدهلوي، المتفَق على جلالته ونبالته في العلم والحديث، ولد سنة عشرین، وقيل: خمس وعشرين ومئتين وألف في (بيهار)، ونشأبها، ثم سافر إلى (عظيم آباد)، وأدرك بها السيد الإمام الشهيد أحمد بن عرفان الحسني البريلوي وصاحبيه الشيخ إسماعيل بن عبد الغني الدهلوي، والشيخ عبد الحي بن هبة الله البرهانوي، فملأ قلبه من الإيمان، وغشيه نور المعرفة، ثم سافر إلى (دهلي)، وقرأ الكتب الدرسية على كبار علماء الفن في عصره، ولازم دروس الشيخ المسند إسحاق بن محمد فضل العمري الدهلوي سبط الشيخ عبد العزيز بن ولي الله، وكان له ذوق عظيم في الفقه الحنفي ثم غلب عليه حب القرآن والحديث فترك اشتغاله بما سواهما إلا الفقه، كان إماماً في الحديث والقرآن، حسن العقيدة، كثير الصلوات والتلاوة والتخشع والبكاء، شديد التعصب على من خالفه، متواضعاً حليماً، ذا جرأة ونجدة، لا يخاف في الله لومة لائم، ولم یکن له کثیر اشتغال بتأليف، وله رسائل عديدة أشهرها (معیار الحق) (واقعة الفتوى ودافعة البلوى) (ثبوت الحق الحقيق) (فلاح الولي باتباع= ٥٨ التقى به الشيخ التهانوي عدة مرات، واستفاد من مجالسه. مذهبه في الفقه: لقد درس العلاَّمة التهانوي الفقه على مذهب الإمام أبي حنيفة رحمه الله، درس كتاب (الهداية شرح بداية المبتدي) للمرغيناني(١) على شيخ الهند العلامة محمود حسن الديوبندي، إلا أن ميزته في هذا الجانب أنه لم يتشدّد تشدّد المتأخرين، ولم يقع فريسة التقليد الأعمى الجامد، حتى لا ينحاز إلى مذهب معين أو رأي محدّد، فَيْدَ شبر، بل كان يختار من الأقوال ما يدعمه الدليل، سواء كان في المذهب الحنفي أو في غيره، واعتناؤه بالدليل، وتعويله النبي) (رسالة في إبطال عمل المولد)، وأما الفتاوى التي شاعت في البلاد فلا = تكاد تحصر، توفي رحمه الله يوم الإثنين لعشر ليالٍ مضينَ من شهر رجب سنة عشرين وثلاثمئة وألف. (نزهة الخواطر: ٨/ ٤٩٧). (١) هو علي بن أبي بكر عبد الجليل الفرغاني المرغيناني صاحب (الهداية)، كان إماماً فقيهاً حافظاً محدِّثاً مفسّراً جامعاً للعلوم، ضابطاً للفنون، متقناً محققاً نظاراً مدققاً زاهداً ورعاً بارعاً أصولياً أديباً شاعراً، لم ترَ العيون مثله في العلم والأدب، وله اليد الطولى في الخلاف، والباع الممتد في المذهب، من تصانيفه: (كتاب المنتقى) في الفروع، و(نشر المذهب)، و(التجنيس والمزيد) و(مناسك الحج) و(مختارات النوازل) و(كتاب في الفرائض) و(الهداية في شرح بداية المبتدي)، توفي سنة ثلاث وتسعين وخمسمئة. (انظر: الفوائد البهية، ص ٢٣٠؛ مفتاح السعادة: ٢٦٣/٢؛ تاج التراجم، ص ١٦٤؛ كشف الظنون: ٢٢٧/١؛ الأعلام: ٢٦٦/٤). ٥٩ على الحجج والبراهين معلوم ومعروف لدى الجميع، وخير دليل على ذلك كتاب (إعلاء السنن) الذي ألفه الشيخ المحدّث الفقيه ظفر أحمد التهانوي رحمه الله على ضوء ما أفاده العلاَّمة التهانوي رحمه الله، وهو كتاب فريد من نوعه، وسوف نتحدث عنه بالتفصيل إن شاء الله في باب (مآثره الخالدة). يقول الشيخ ظفر أحمد رحمه الله: ((يمتاز الشيخ التهانوي بوسطيته واعتداله في هذا الجانب، واختيار التوسّع، وعدم التضييق في المسائل الخلافية))(١). كما روي واشتهر عنه الإذن بالإفتاء وفق مذهب أحدٍ من الأئمة الأربعة في مسائل العقود والمعاملات، التي يوجد فيها عموم البلوى، ونوع سعة في بعض المذاهب، لئلا تضيق صدور عامّة المسلمين بها، فيتركوا الشريعة رأساً(٢). ومن أراد التحقيق والتفصيل فليراجع فتاواه وشروحه للحديث، وما كتب وألف في الفقه، وخير مثال على هذا الباب كتابه (الحيلة الناجزة للحليلة العاجزة) فقد ألفه رحمه الله في شرح وبيان مسألة (زوجة المفقود) واختار فيها قول الإمام مالك رحمه الله ورجّحه، نظراً لما فيه من السعة والرخصة للمرأة، خلافاً لما ذهب إليه الأحناف وغيرهم، وما اشترطوا فيه من الشروط الصعبة التي تؤدي إلى إيقاعها في الضيق والعسر. (١) انظر: تذكرة الظفر، ص ١٧٢ . (٢) آداب الإفتاء والاستفتاء، ص٢٣ - ٢٥، لمؤلفه محمد زيد المظاهري الندوي، ط : إفادات أشرفية باندة، الهند، ١٤١١ هـ. ٦٠