Indexed OCR Text

Pages 301-320

هجوم على المتشابه بالتفسير، ولا الثابت من صفات الله
تعالى بالتأويل، وليس فيها تعقيد أهل المنطق ولا محاورات
أهل الفلسفة. (١).
قال رحمه الله تعالى :
أصل التوحيد وما يصح الاعتقاد عليه: يجب أن يقول:
آمنت بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت، وبالقدر
خيره وشره من الله تعالى، والحساب والميزان، والجنة
والنار، حقٌّ كله. والله تعالى واحد لا من طريق العدد
ولكن من طريق أنه لا شريك له، لم يلد ولم يولد، ولم
يكن له كفواً أحد. لا يشبه شيئاً من الأشياء من خلقه ولا
يشبهه شيء من خلقه لم يزل ولا يزال بأسمائه
وصفاته الذاتية والفعلية. أما الذاتية(٢): فالحياة والقدرة
والعلم والكلام والسمع والبصر والإِرادة. وأما الفعلية (٣).
(١) توجد من الفقه الأكبر نسخة جيدة في مكتبة شيخ الإِسلام عارف
حكمت بالمدينة المنوّرة رواية علي بن أحمد الفارسي، عن
نصر بن يحيى، عن أبي مقاتل، عن عصام بن يوسف، عن حماد بن
أبي حنيفة والنسخة ضمن المجموعة رقم /٢٢٦/، وهذا يؤكد
نسبة الفقه الأكبر إلى الإِمام: رحمه الله تعالى.
(٢) الصفة الذاتية: هي كل ما وصف الله تعالى به ولا يجوز أن يوصف
بضده، وهي قديمة بالاتفاق.
(٣) الصفة الفعلية: هي كل ما يجوز أن يوصف الله تعالى به وبضده،
كالرحمة والغضب، قالت الماتريدية: إنها قديمة كالصفات الذاتية، =
٣٠١

فالتخليق والترزيق والإِنشاء والإِبداع والصنع، وغير ذلك من
صفات الفعل. لم يزل ولا يزال بصفاته وأسمائه لم يحدث له
صفة ولا اسم، لم يزل عالماً بعلمه والعلم صفةٌ في الأزل،
وقادراً بقدرته والقدرة صفةٌ في الأزل، ومتكلماً بكلامه،
والكلام صفةٌ في الأزل، وخالقاً بتخليقه والتخليق صفة في
الأزل(١)، وفاعلاً بفعله والفعل صفةً في الأزل، والفاعل هو
الله تعالى، والفعل صفةٌ في الأزل، والمفعول مخلوق وفعل
الله غير مخلوق(٢). وصفاته تعالى في الأزل غير محدثة ولا
مخلوقة، فمن قال إنها مخلوقة أو محدثة أو وقف أو شك فيها
فهو كافر بالله تعالى. والقرآن كلام الله تعالى في المصاحف
مكتوب، وفي القلوب محفوظ، وعلى الألسن مقروء، وعلى
النبي ◌َّ منَزَّل، ولفظنا بالقرآن مخلوق(٣)، وكتابتنا له
مخلوقة، وقراءتنا له مخلوقة، والقرآن غير مخلوق(٤).
= وقالت الأشاعرة: إنها حادثة، والنزاع لفظي عند أرباب التحقيق،
انظر القاري على الفقه الأكبر.
(١) قال الطحاوي في عقيدته: ليس بعد الخلق استفاد اسم الخالق ولا
بإحداثه البرية استفاد اسم الباري .
(٢) ليس بحادث بل هو قديم كفاعله، إذ لا يلزم من كون المفعول
مخلوقاً كون الفعل مخلوقاً ((القاري)).
(٣) لأنها كلها من أفعال المخلوق وفعل المخلوق مخلوق.
(٤) لأنه كلام الله تعالى وكلامه من صفاته القديمة مثل الحياة والسمع
والبصر والإِرادة والقدرة. والله أعلم.
٣٠٢

وما ذكره الله تعالى في القرآن حكاية عن موسى وغيره من
الأنبياء صلوات الله على نبينا وعليهم أجمعين، وعن فرعون
وإبليس؛ فإن ذلك كله كلام الله تعالى إخباراً عنهم وكلام الله
تعالى غير مخلوق، وكلام موسى وغيره من المخلوقين
مخلوق، والقرآن كلام الله تعالى فهو قديم لا كلامهم، وسمع
موسى عليه السلام كلام الله كما في قوله تعالى: ﴿وكلم الله
موسى تكليماً﴾ وقد كان الله تعالى متكلماً ولم يكن كلّم
موسی .
وقد كان الله تعالى خالقاً في الأزل ولم يخلق الخلق
﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾ فلما كلم الله موسى
كلمه بكلامه الذي هو له صفة في الأزل. وصفاته كلها في
الأزل بخلاف صفات المخلوقين، يعلم لا كعلمنا، ويقدر لا
كقدرتنا، ويرى لا كرؤيتنا، ويتكلم لا ككلامنا، ويسمع لا
كسمعنا، ونحن نتكلم بالآلات والحروف، والله تعالى
يتكلم بلا آلة ولا حروف، والحروف مخلوقة وكلام الله تعالى
غير مخلوق.
وهو شيء لا كالأشياء، ومعنى الشيء إثباته بلا جسم ولا
جوهر ولا عَرَض (١) ولا حدّ له ولا ضدَّ له ولا ندّ ولا مثل
(١) الشيء هو الموجود ثم استدرك بأنه ليس كسائر الموجودات،
محدوداً أو محتاجاً، وليس مماثلاً لغيره ﴿ليس كمثله شيء وهو
السميع البصير﴾.
٣٠٣

له (١)، وله يد ووجه ونفس، فما ذكره الله تعالى في القرآن
من ذكر الوجه واليد والنفس فهو له صفات بلا كيف(٢)، ولا
يقال إن يده قدرته أو نعمته؛ لأن فيه إبطال الصفة وهو قول
أهل القدر والاعتزال، ولكن يده صفته بلا كيف(٣)، وغضبه
ورضاؤه صفتان من صفاته تعالى بلا كيف. خلق الله الأشياء
لا من شيء(٤)، وكان الله تعالى عالماً في الأزل بالأشياء قبل
كونها، وهو الذي قدَّر الأشياء وقضاها(٥)، ولا يكون في
الدنيا ولا الآخرة شيء إلّ بمشيئته وعلمه وقضائه وقدره،
(١) لأن الحد من طول وقصر واحتواء وجهة من خواص الأجسام، لا
ضد له تعالى أي لا منازع له سبحانه في ملكه، ولا شبيه ولا كفؤ
له ومماثل ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾.
(٢) بلا كيف أي مجهول الكيفيات كما قال مالك رضي الله عنه وقد
سئل عن قوله تعالى: ﴿الرحمن على العرش استوى) فقال:
الاستواء معلوم - لأنه مذكور في القرآن الكريم - والكيف مجهول،
والسؤال عنه بدعة .
(٣) بلا كيف: بلا معرفة كيفية لعجزنا عن معرفة كنه بقية صفاته، فضلاً
عن معرفة كنه ذاته .
(٤) خلق الأشياء من ذوات والحالات من السكون والحركات لا من
مادة سابقة على المخلوقات، لذا لا يقال: إن الإِنسان يخلق شيئاً،
ولكنه يجمع لأن الخلق الإِيجاد من العدم وذلك من الله تعالى،
وأنى للإِنسان ذلك ولو كفاً من تراب.
(٥) قدر الأشياء على طبق إرادته، وحكم وفق حكمته في الأشياء ..
٣٠٤

وكتبه في اللوح المحفوظ، ولكن كتبه بالوصف لا
بالحكم(١).
والقضاء والقدر والمشيئة صفاته في الأزل بلا كيف، يعلم
الله المعدوم في حال عدمه معدوماً، ویعلم أنه کیف یکون إذا
أوجده، ويعلم الله الموجود في حال وجوده موجوداً، ويعلم أنه
كيف يكون فناؤه، ويعلم الله القائم في حال قيامه قائماً، وإذا
قعد علمه قاعداً في حال قعوده، من غير أن يتغير علمه أو
يحدث له علم، ولكن التغير واختلاف الأحوال يحدث في
المخلوقين. خلق الخلق سليماً من الكفر والإِيمان(٢)، ثم
خاطبهم وأمرهم ونهاهم، فكفر من كفر بفعله، وإنكاره
وجحوده الحقّ بخذلان الله تعالى إياه، وآمن من آمن بفعله
وإقراره وتصديقه بتوفيق الله تعالى إياه ونصرته له.
أخرج ذرية آدم من صلبه على صور الذر(٣)، فجعل لهم
(١) أي قبل ظهور أمره، أي كتب بأن سيكون كذا وكذا وليس فليكن
كذا وكذا.
(٢) أي سالماً من آثار الكفر وأنوار الإِيمان، بأن جعلهم قابلين لأن يقع
منهم العصيان أو الإِحسان كما قال تعالى: ﴿هو الذي خلقكم
فمنكم كافر، ومنكم مؤمن﴾ أي في عالم الظهور والبيان.
(٣) من صلبه أولاً، ثم من أصلاب أبنائه وترائب بناته على صور
الذر، بعضها بيض وبعضها سود، وانتشروا إلى يمين آدم عليه
السلام ويساره، فخاطبهم حين أشهدهم على أنفسهم: ﴿أُلست
بربكم، قالوا: بلى﴾ وأمرهم بالإِيمان والإِحسان، ونهاهم عن =
٣٠٥

عقلاً فخاطبهم وأمرهم بالإِيمان ونهاهم عن الكفر، فأقروا له
بالربوبية، فكان ذلك منهم إيماناً، فهم يولدون على تلك
الفطرة، ومن كفر بعد ذلك فقد بدّل وغيّر، ومن آمن وصدّق
فقد ثبت عليه وداوم. ولم يجبر أحداً من خلقه على الكفر
وعلى الإِيمان، ولا خلقهم مؤمناً ولا كافراً؛ ولكن خلقهم
أشخاصاً، والإِيمان والكفر فعل العباد، يعلم الله تعالى من
يكفر في حال كفره كافراً، فإذا آمن بعد ذلك علمه مؤمناً في
حال إيمانه، من غير أن يتغير علمه وصفته.
وجميع أفعال العباد من الحركة والسكون كسبهم على
الحقيقة(١) والله تعالى خالقها، وهي كلها بمشيئته وعلمه
وقضائه وقدره(٢). والطاعات كلها ما كانت واجبة بأمر الله
تعالى وبمحبته وبرضائه وعلمه ومشيئته وقضائه وتقديره.
= الكفر، فأقروا له بالربوبية ولأنفسهم بالعبودية، إيماناً حقيقياً أو
حكمياً، فهم يولدون على تلك الفطرة، كما قال تعالى: ﴿فطرة الله
التي فطر الناس عليها﴾ وكما قال ◌َ: ((كل مولود يولد على
الفطرة، فأبواه يهودانه، أو يمجسانه، أو ينصرانه)) رواه البخاري
وغيره.
(١) أفعال العباد الاختيارية - لا الطبيعية والاضطرارية - هي كسبهم، لا
يشعرون أنهم مجبورون على الكلام أو السكوت، أو الأكل
والشرب، بل يرون أنهم يفعلون ذلك بمطلق إرادتهم، ويخلق الله
الشيء عند اتجاه إرادة العبد إلى فعله، قال تعالى: ﴿ والله خلقكم
وما تعملون ﴾.
(٢) من دلائل انفراده سبحانه بالخلق والملك أن لا يقع في ملكه
٣٠٦

والمعاصي كلها بعلمه وقضائه وتقديره ومشيئته لا بمحبته ولا
برضائه ولا بأمره (١). والأنبياء عليهم الصلاة والسلام كلهم
منزَّهون عن الصغائر والكبائر والكفر والقبائح(٢) وقد كانت
منهم زلات وخطيئات.
ومحمد وَّله نبيه وعبده ورسوله وصفيُّه، ولم يعبد الصنم،
ولم يشرك بالله تعالى طرفة عين قط، ولم يرتكب صغيرة ولا
كبيرة قط .
وأفضل الناس بعد رسول الله وم أبو بكر الصديق، ثم
عمر بن الخطاب، ثم عثمان بن عفان، ثم علي بن أبي
= شيء، إلّ بإذنه وإرادته، قال تعالى: ﴿وما.كان لنفس أن تؤمن إلّ
بإذن الله ... وما تشاؤون إلّ أن يشاء الله ﴾
(١) طاعات العباد تقع بأمر الله تعالى وإرادته ورضائه، لأنه يحب من
عباده أن يطيعوه، ومعاصي العباد تقع بإرادة الله تعالى لا بأمره ورضائه،
وقال تعالى: ﴿قل: إن الله لا يأمر بالفحشاء ... ولا يرضى لعباده
الكفر ﴾.
(٢) انظر ((النبوة والأنبياء)) للشيخ محمد علي الصابوني. فتبصر بيان
أهل السنة لما يوهم من ذنوب وقبائح وقع فيها آدم ونوح وإبراهيم
وموسى ومحمد رَّ*، وزلاتهم لا تقدح في عصمتهم وكونهم قدوة
دائمة للبشر إلى الخير. ﴿أولئك الذين هدى الله، فبهداهم اقتداه﴾
ومعنى قول الله تعالى لنبيه محمد چل: ﴿ووجدك ضالاً فهدى ﴾
أي وجدك غير مستدل إلى الإِيمان والإِسلام، حتى دلّك المولى
عليه كما قال سبحانه: ﴿ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإِيمان﴾.
٣٠٧

طالب رضي الله عنهم أجمعين، غابرين(١) على الحق، ومع
الحق، نتولاهم جميعاً(٢)، ولا نذكر أحداً من أصحاب رسول
الله الَلَّ إلّ بخير(٣).
ولا نكفّر مسلماً بذنب من الذنوب وإن كانت كبيرة إذا لم
يستحلها، ولا نزيل عنه اسم الإِيمان، ونسميه مؤمنا
حقيقة (٤)، ويجوز أن يكون مؤمناً فاسقاً غير كافر. والمسح
على الخفين سنة، والتراويح في شهر رمضان سنة، والصلاة
خلف كل بر وفاجر من المؤمنين جائزة(٥). ولا نقول: إن
(١) غابرين: باقين ودائمين.
(٢) نتولاهم جميعاً ونحبهم كما نتولى سائر المؤمنين دون الكافرين
والمنحرفين، قال تعالى: ﴿ إنما وليكم الله ورسوله والذين
آمنوا .. ﴾.
(٣) حين سئل الحسن البصري رأس التابعين عن النزاع الذي وقع بين
الصحابة رضوان الله تعالى عليهم قال: ((تلك دماء طهر الله تعالى
سيوفنا منها، فلا نخوض فيها بألسنتنا)) وفضل الصحبة فضل عظيم
لا يغمص منه إلّ منافق لئيم. وأوصي الأخ القارئ بمطالعة قسم
((العواصم من القواصم)» الذي حققه محب الدين الخطيب
رحمه الله تعالى، ليقف على فضائل الصحابة، وعلو مراتبهم،
ويدفع تهم سوء ألحقت بهم رحمهم الله تعالى ورضي عنهم.
(٤) ضلت الخوارج حين أزالوا اسم الإِيمان عن العاصي وجعلوه مع
الكفار، وضلت المعتزلة حين جعلوه في منزلة بين الإِيمان والكفر.
(٥) صلى كرام الصحابة والتابعين وراء الأمراء الظلمة من المسلمين،
وقد صلى عبد الله بن عمر وراء الظالم الحجاج بن يوسف.
٣٠٨

المؤمن لا تضره الذنوب وإنه لا يدخل النار، ولا إنه يخلد
فيها وإن كان فاسقاً(١) بعد أن يخرج من الدنيا مؤمناً. ولا
نقول: إن حسناتنا مقبولة وسيئاتنا مغفورة كقول المرجئة (٢)،
ولكن نقول المسألة مبينة مفصلة: من عمل حسنة بشرائطها
خالية عن العيوب المفسدة والمعاني المبطلة، ولم يبطلها
حتى خرج من الدنيا مؤمناً، فإن الله لا يضيعها، بل يقبلها منه
ويثيبه عليها. وما كان من السيئات - دون الشرك والكفر - ولم
يتب عنها حتى مات مؤمناً؛ فإنه في مشيئة الله تعالى: إن شاء
عذبه، وإن شاء عفا عنه(٣) ولم يعذبه بالنار أبداً.
والرياء إذا وقع في عمل من الأعمال فإنه يبطل أجره وكذا
العُجب.
والآيات للأنبياء والكرامات الأولياء حق(٤)، وأما التي
(١) الخلود في النار لمن خرج من الدنيا مشركاً بالله تعالى كافراً، ولن
يكون مثله مؤمن مات فاسقاً، لذا قلنا بعدم خلود الفاسق في النار.
(٢) من ضلال كفار المرجئة زعمهم: إرجاء أمر المؤمنين والكافرين
إلى الله، وقولهم: الأمر فيهم موكول إلى الله يغفر لمن يشاء من
المؤمنين والكافرين ويعذب من يشاء، قال الله تعالى: ﴿ أم نجعل
الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض؟! أم نجعل
﴾.
المتقين كالفجار؟!
(٣) قال تعالى: ﴿ إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن
يشاء ﴾ .
(٤) معجزات الأنبياء وكرامات الأولياء ثابتة بالقرآن والسنة. انظر مثلاً -
٣٠٩

تكون لأعدائه مثل إبليس وفرعون والدَّجال، مما روي في
الأخبار أنه كان لهم، فلا نسميها آيات ولا كرامات، ولكن
نسميها قضاء حاجات لهم؛ وذلك لأن الله تعالى يقضي
حاجات أعدائه استدراجاً، فيغترُّون به ويزدادون عصياناً
وكفراً، وذلك كله جائز وممكن(١).
وكان الله تعالى خالقاً قبل أن يخلق، ورازقاً قبل أن
یرزق(٢).
والله يُرى في الآخرة، ويراه المؤمنون وهم في الجنة(٣)
بأعين رؤوسهم، بلا تشبيه ولا كيفية ولا كمية، ولا يكون بينه
وبين خلقه مسافة.
والإِيمان هو الإِقرار والتصديق، وإيمان أهل السماء
= الخصائص الكبرى للإِمام السيوطي، والحجج البينات في إثبات
الكرامات للشيخ عبد الله الصديق الغماري .
(١) قال تعالى: ﴿ سنستدرجھم من حیث لا يعلمون
(٢) لما سبق أن الله تعالى لم تحدث له صفة.
(٣) عن صهيب رضي الله عنه أن رسول الله وَل ◌َل قال: (إذا دخل أهل
الجنة الجنة قال: يقول الله تعالى: تريدون شيئاً أزيدكم؟
فيقولون: ألم تبيض وجوهنا، ألم تدخلنا الجنة؟ وتنجِّنا من النار،
قال: فيكشف الحجاب، فما أعطوا شيئاً أحب إليهم من النظر إلى
ربهم، وهي الزيادة) ثم تلا هذه الآية: ﴿للذين أحسنوا الحسنى
وزيادة ﴾. رواه مسلم .
٣١٠

والأرض لا يزيد ولا ينقص من جهة المؤمَن به (١)، والمؤمنون
مستوون في الإِيمان والتوحيد(٢) متفاضلون في الأعمال.
والإِسلام هو التسليم والانقياد لأوامر الله تعالى، فمن طريق
اللغة فرق بين الإِيمان والإِسلام ولكن لا يكون إيمان بلا
إسلام، ولا إسلام بلا إيمان(٣)، فهما كالظهر مع البطن،
والدين اسم واقع على الإِيمان والإِسلام والشرائع كلها.
(١) أي من جهة التصديق نفسه. لأن التصديق إذا لم يكن على وجه
التحقيق يكون في مرتبة الظن والترديد، والظن غير مفيد في باب
الاعتقاد عند أرباب التأييد، فالإِيمان - كما قال الإِمام الرازي - لا
يقبل الزيادة ولا النقصان من حيثية أصل التصديق، لا من جهة
اليقين، فإن مراتب أهله مختلفة في كمال الإيمان، ولا شك أن
أهل السماء والأنبياء عليهم الصلاة والسلام لا يساويهم في قوة
اليقين وانشراح الصدر بالإِيمان سواهم، ثم المؤمنون في هذا على
مراتب تسمو بهم وتسمو بالطاعات والتعرض للنفحات.
(٢) متساوون في أصل الإِيمان والتوحيد لأن الجميع آمنوا بالله تعالى وما
جاء من عند الله تعالى، وقال الإِمام محمد: أكره أن يقول: إيماني
كإيمان جبريل، بل يقول: آمنت بما آمن به جبريل عليه السلام
وذلك لتفاوت اليقين، والأعمال عند أهل السنّة ليست جزءاً من الإِيمان
وركناً، بل هي غيره، لذا لا يكفرون المسلم بذنب لا يستحله.
(٣) لأن الإِيمان في اللغة التصديق، والإِسلام هو الاستسلام والانقياد،
ولا بد من تصديق القلب وإقرار اللسان معاً، كي يخرج المنافق
المقر باللسان والجاحد بالجنان، فلا يقبل، ويخرج المضطر يقر
بكلمة الكفر باللسان وقلبه مطمئن بالإِيمان، فلا يطرد.
٣١١

نعرف الله تعالى حق معرفته كما وصف نفسه بجميع
صفاته، وليس يقدر أحد أن يعبد الله حق عبادته كما هو له
أهل، ولكن يعبده بأمره كما أمر.
ويستوي المؤمنون كلهم في المعرفة واليقين، والتوكل
والمحبة والرضاء والخوف والرجاء والإِيمان، ويتفاوتون فيما
دون الإِيمان في ذلك كله.
والله تعالى متفضّل على عباده(١) عادل، قد يعطي من
الثواب أضعاف ما يستوجبه العبد تفضّلاً منه، وقد يعاقب
على الذنب عدلاً منه، وقد يعفو فضلاً منه.
وشفاعة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام حق، وشفاعة
نبينا ◌َر للمؤمنين المذنبين ولأهل الكبائر منهم المستوجبين
للعقاب حق ثابت(٢)، ووزن الأعمال بالميزان يوم القيامة
(١) ليس للعباد حق على الله تعالى في شيء، فمن فضله وهب الإِيمان
ويضاعف الأجور ويدخل الجنة من شاء سبحانه، في الصحيح أنه
﴿﴿ قال: (ألا لن يدخل أحدكم الجنة بعمله، قالوا: ولا
أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلّ أن يتغمدني الله برحمته). لكن
من آمن وأطاع ومات على ذلك، فقد وعده الله الخير ولا يخلف
الله وعده: ﴿وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة
وأجراً عظيماً ﴾ آخر سورة الفتح.
(٢) روى أحمد وأبو داود والترمذي وابن حبان وغيرهم عن أنس رضي
الله تعالى عنه أن رسول الله وَ لتر قال: (شفاعتي لأهل الكبائر من =
٣١٢

حق. وحوض نبينا ◌َ حق (١). والقصاص فيما بين الخصوم
بالحسنات يوم القيامة حق (٢)، وإن لم تكن لهم الحسنات
فَطْحُ السيئات عليهم جائز وحق(٣). والجنة والنار مخلوقتان
اليوم لا تفنيان أبداً (٤)، ولا يموت الحور العين أبداً ولا يفنى
= أمتي) قال الإِمام رحمه الله في كتابه (الوصية): وشفاعة محمد دوله
حق لكل من هو من أهل الجنة وإن كان صاحب كبيرة. اهـ.
(١) قال الله تعالى: ﴿إنا أعطيناك الكوثر .. ﴾ فسره الجمهور أنه حوضه
أو نهر الكوثر ولا تنافي بينهما، لأن نهره في الجنة وحوضه في
موقف القيامة .
(٢) روى البخاري عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله وَله
قال: (من كانت له مظلمة لأخيه من عرضه أو شيء؛ فليتحلله اليوم
قبل أن لا يكون دينار ولا درهم. إن كان له عمل صالح أخذ منه
بندر مظلمته، وإن لم یکن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فحمل
عليه).
(٣) روى مسلم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله وَال
قال: ((أتدرون من المفلس؟ قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا
متاع، فقال: إن المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة
وصيام وزكاة، ويأتي قد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا،
وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيعطى هذا من حسناته وهذا من
حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يُقضى ما عليه أخذ خطاياهم
فطرحت عليه، ثم طرح في النار)).
(٤) لقوله تعالى في حق الجنة: ﴿أعدت للمتقين) وقوله سبحانه في
الحديث القدسي: ((أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا
أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر» رواه البخاري.
٣١٣

عقاب الله تعالى، وثوابه سرمداً(١).
والله يهدي من يشاء فضلاً منه، ويضل من يشاء عدلاً
منه، وإضلاله خذلانه، وتفسير الخذلان: أن لا يوفق العبد
إلى ما يرضاه منه، وهو عدل منه(٢) وكذا عقوبة المخذول
على المعصية. ولا نقول: إن الشيطان يسلب الإِيمان من
عبده المؤمن قهراً وجبراً، ولكن نقول: العبد يدع الإِيمان،
فإذا تركه فحينئذٍ يسلبه منه الشيطان .
وسؤال منكر ونكير في القبر حق، وإعادة الروح إلى العبد
في قبره حق، وضغطة القبر حق وعذابه حق للكفار كلهم
ولبعض المسلمين(٣).
وكل شيء ذكره العلماء بالفارسية من صفات الله تعالى
- عزَّت أسماؤه وتعالت صفاته - جائز القول به؛ سوى اليد
بالفارسية. ويجوز أن يقال: (بَرْوى خدا)(٤) بلا تشبيه ولا
كيفية، وليس قرب الله تعالى ولا بعده من طريق طول
(١) عقيدة أهل السنة بقاء الجنة وأهلها أبداً وبقاء أهل النار من الكفار
أبداً. انظر الاعتبار ببقاء الجنة والنار للتقي السبكي، ورفع الأستار
لإبطال أدلة القائلين بفناء النار لمحمد بن إسماعيل الأمير، وفرقان
القرآن للشيخ العزامي .
(٢) لتصرفه في ملكه ولا يسأل فيه عما يفعل.
(٣) قال تعالى في حق الكفار: ﴿ النار يعرضون عليها غدواً وعشياً ﴾
وحديث مروره # على قبرين يعذب صاحباهما بمعاصٍ، ثابت
في الصحيحين.
(٤) يروى خدا: وجه الله سبحانه.
٣١٤

المسافة وقصرها(١)، ولا على معنى الكرامة والهوان. ولكن
المطيع قريب منه بلا كيف، والعاصي بعيد منه بلا كيف.
والقُرب والبعد والإِقبال يقع على المناجي، وكذا جواره في
الجنة، والوقوف بين يديه بلا كيف. والقرآن منزَّل على
رسول الله وير، وهو في المصحف مكتوب وآيات القرآن كلها
- في معنى الكلام - مستوية في الفضيلة والعظمة، إلّ أن
لبعضها فضيلة الذكر وفضيلة المذكور، مثل آية الكرسي ؛ لأن
المذكور فيها جلال الله وعظمته وصفاته، فاجتمعت فيه
فضيلتان: فضيلة الذكر، وفضيلة المذكور، وفي صفة الكفار
فضيلة الذكر فحسب (٢)، وليس في المذكور وهم الكفار
فضيلة. وكذلك الأسماء والصفات كلها مستوية في الفضيلة
والعظمة لا تفاوت بينهما.
(٣)
ووالدا رسول الله وَ الير ماتا على الفطرة، وأبو طالب عمه
مات كافراً.
(١) لأن ذلك يقتضي أن يكون الله تعالى مثل عباده له جسم وحدود وهو
القائل: ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾ قال الله تعالى:
ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون ﴾.
(٢) لأنه كلام الله تعالى وتلاوته ذكر وليس في فرعون الذي قال الله
فيه: ﴿إن فرعون علا في الأرض ﴾ أية فضيلة. روى مسلم عن
ابن عباس رضي الله عنهما قال: (بيننا رسول الله وَلخير جالس إذ أتاه
ملك فقال: أبشر بنورين أوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك: فاتحة
الكتاب، وخواتيم سورة البقرة، لن تقرأ حرفاً منها إلّ أُعطيته).
(٣) الذي رأيته في نسخة جيدة مخطوطة في مكتبة شيخ الإِسلام عارف
٣١٥

---
وقاسم وطاهر وإبراهيم كانوا بَني رسول الله وَالر، وفاطمة
ورقية وزينب وأم كلثوم كنَّ جميعاً بنات رسول الله (قَالّ ورضي
الله عنهن.
وإذا أشكل على الإِنسان شيء من دقائق علم التوحيد(١)
فينبغي له أن يعتقد ما هو الصواب عند الله تعالى، إلى أن
يجد عالماً فيسأله، ولا يسعه تأخير الطلب، ولا يعذر بالوقف
= حكمت ((ما ماتا على الكفر)» والمعنى قريب فإنهما ماتا قبل بعثة
رسول الله ـ، وأهل الفترة عند أهل السنة ناجون لقوله تعالى:
وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً ﴾ قال الله تعالى: ﴿لتنذر قوماً
ما أنذر آباؤهم ... لتنذر قوماً ما أتاهم من نذير من قبلك ﴾ والله
أعلم. والأدب مع رسول الله وَالر واجب، وترك إيذائه واجب
كذلك. انظر إن شئت ((سبل السلام)) للشيخ عمر بالي - ورسالة
الفرح والسرور في والدي الرسول وَ ر للشيخ محمد مرعشلي
المعروف بـ: ساجقلي زاده، ومجموعة رسائل السيوطي في نجاة
والدي المصطفى لتر.
(١) هذا فيما هو داخل في أمور الإِيمان بالله تعالى وصفاته وأفعاله، وما
ورد يقيناً متواتراً في الدين من أمور الآخرة، وليس فيما دون ذلك،
من كيفية عذاب القبر، ووزن أعمال العباد يوم القيامة. وكيفية
الورود على النار وغير ذلك مما لم ينقل يقيناً متواتراً إلينا، والله
أعلم، ولا بد من الوصول إلى الحق بالسؤال أو الوسائل في علم
التوحيد، ولا عذر فيه للمجتهد المخطىء، كما لا عذر للمتوقف،
قال الشيخ علي القاري: الاختلاف في علم الأحكام - أي الفقه -
رحمة. والاختلاف في علم التوحيد والإِسلام ضلالة وبدعة، =
٣١٦

فيه، ويكفر إن وقف. وخبر المعراج حق فمن رده فهو ضال
مبتدع(١).
· وخروج الدجال، ويأجوج ومأجوج، وطلوع الشمس من
مغربها، ونزول عيسى عليه السلام من السماء، وسائر
علامات يوم القيامة - على ما وردت به الأخبار الصحيحة -
حق كائن (٢)، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم
اهـ.
= والخطأ في علم الأحكام مغفور بل وصاحبه فيه مأجور، بخلاف
الخطأ في علم الكلام فإنه كفر وزور وصاحبه مأزور اهـ.
(١) ثبت في الصحاح والسنن أن رسول الله وَلقر عرج بجسده الشريف
يقظة إلى السماء، ثم إلى ما شاء الله من المقامات العلى.
(٢) قال الله تعالى: ﴿حتى إذا خرجت يأجوج ومأجوج وهم من كل
حدب ينسلون ﴾ ويأجوج ومأجوج من نسل نوح عليه السلام، فهم
من البشر، والله أعلم بمواضعم وأعيانهم، قال الله تعالى: ﴿ يوم
يأتي بعض آيات ربك. لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من
قبل ﴾ قال أهل التفسير: تلك الآية طلوع الشمس من مغربها في
علامات أخرى. وقال تعالى: ﴿وإنه لعلم للساعة﴾ وفي قراءة
عكرمة وأبي نضر، ﴿وإنه لعلم (بفتحتين) للساعة﴾ أي نزول عيسى
عليه السلام علامة على الساعة. انظر لزاماً ((التصريح بما تواتر في
نزول المسيح)) للشيخ عبد الحي اللكنوي تحقيق ونشر الشيخ عبد
الفتاح أبو غدة، ولا تغتر بمن يستخف بالمتواتر حين لا يوافق عقله
الذي خالطه هوى، روى مسلم أن رسول الله وَ القر قال: ( لا تقوم
الساعة حتى تروا عشر آيات: طلوع الشمس من مغربها، والدخان، =
٣١٧

= والدابة، وخروج يأجوج ومأجوج، وخروج عيسى ابن مريم،
والدجال، وثلاثة خسوف: خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب،
وخسف بجزيرة العرب، ونار تخرج من قعر عدن تسوق الناس - أو
تحشر الناس - تبيت معهم حيث باتوا وتقيل معهم حيث قالوا).
ملاحظة: جل ما علقت هنا على الفقه الأكبر مأخوذ من شرح
الشيخ علي القاري رحمه الله تعالى.
٣١٨

الفصل الثامن
تربية الإمَام وتعليمه
٣١٩