Indexed OCR Text

Pages 281-300

بدخول العمل في حقيقته كثير، وليس هو بطعن على ما لا
يخفى على مهرة الشريعة، فإن النزاع في ذلك لفظي، كما
حققه المحققون من الأولين والآخرين.
قال الحافظ الذهبي في الميزان: [الإِرجاء مذهب لعدة
من جلّة العلماء لا ينبغي التحامل على قائله] / ٤ - ٩٩/
وقال الإِمام الكشميري في فيض الباري على صحيح
البخاري / ١ - ٥٣ - ٥٤ / الإِيمان عند السلف عبارة عن،
ثلاثة أشياء: اعتقاد وقول وعمل، وقد مرّ الكلام على الأولين
أي التصديق والإِقرار، بقي العمل هل هو جزء للإِيمان أم لا؟
فالمذاهب فيه أربعة: قالت الخوارج والمعتزلة: إن الأعمال
أجزاء للإِيمان، فالتارك للعمل خارج عن الإِيمان عندهما،
ثم اختلفوا فالخوارج أخرجوه عن الإِيمان وأدخلوه في الكفر،
والمعتزلة لم يدخلوه في الكفر بل قالوا بالمنزلة بين
المنزلتين. الثالث مذهب المرجئة فقالوا: لا حاجة إلى
العمل، ومدار النجاة هو التصديق فقط، فصار الأولون
والمرجئة على طرفي نقيض.
والرابع مذهب أهل السنة والجماعة، وهم بين بين فقالوا:
إن الأعمال أيضاً لا بدّ منها، لكن تاركها مُفَسَّق لا
مكفّر، فلم يشددوا فيها كالخوارج والمعتزلة، ولم يهوّنوا أمرها
کالمرجئة .
ثم هؤلاء ((أهل السنة)) افترقوا فرقتين، فأكثر المحدثين إلى
٢٨١

أن الإِيمان مركب من الأعمال وإمامنا الأعظم رحمه الله تعالى
وأكثر الفقهاء والمتكلمين إلى أن الأعمال غير داخلة في
الإِيمان - مع اتفاقهم جميعاً على أن فاقد التصديق كافر،
وفاقد العمل فاسق، فلم يبق الخلاف إلاّ في التعبير، فإن
السلف وإن جعلوا الأعمال أجزاء لكن لا بحيث ينعدم الكل
بانعدامها، بل يبقى الإِيمان مع انتفائها .
وإمامنا أبو حنيفة ((وإن لم يجعل الأعمال جزءاً لكنه اهتمّ
بها، وحرّض عليها وجعلها أسباباً سارية في نماء الإِيمان،
فلم يهدرها هدر المرجئة، إلّ أن تعبير المحدثين القائلين
بجزئية الأعمال لما كان أبعد من المرجئة المنكرين جزئية الأعمال
بخلاف تعبير إمامنا الأعظم رحمه الله تعالى، فإنه كان أقرب
إليهم من حيث نفي جزئية الأعمال، رُمي الحنفية بالإِرجاء.
وهذا كما ترى جَوْر علينا، فالله المستعان.
ولو كان الاشتراك مع المرجئة ((بوجه من وجوه التعبير كافياً
لنسبة الإِرجاء إلينا، لزم نسبة الاعتزال إليهم)) ((أي إلى
المحدثين)) فإنهم ((أي المعتزلة)) قائلون بجزئية الأعمال
أيضاً كالمحدثين، ولكن حاشاهم من الاعتزال، وعفا الله
عمن تعصب ونسب إلينا الإِرجاء، فإن الدين كله نصح، لا
مراماةٌ ومنابزة بالألقاب، ولا حول ولا قوة إلّ بالله العلي
العظيم اهـ.
وقد بين الإِمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى عقيدته في
٢٨٢

٨٠
الأعمال في رسالته إلى عالم البصرة عثمان البَتّ الذي كان
كتب إلى الإِمام رحمه الله تعالى يقول له: إنه بلغه أنه من
المرجئة. فقال رحمه الله تعالى .
واعلم أني أقول أهل القبلة مؤمنون لست أخرجهم من
الإِيمان بتضييع شيء من الفرائض، فمن أطاع الله تعالى في
الفرائض كلها مع الإِيمان كان من أهل الجنة عندنا، ومن
ترك الإِيمان والعمل كان كافراً من أهل النار، ومن أصاب
الإِيمان وضيع شيئاً من الفرائض كان مؤمناً مذنباً، وكان لِلّه
تعالى فيه المشيئة إن شاء عذّبه وإن شاء غفر له، فإن
عذّبه على تضييعه فعلى ذنب يعذبه وإن غفر له فذنبا يغفر.
وأما ما ذكرت من اسم المرجئة فما ذنب قوم تكلموا
بالعدل وسماهم أهل البدع بهذا الاسم؛ ولكنهم أهل العدل
وأهل السنة، وإنما هذا اسم سماهم به أهل شنآن اهـ كما
في الرسالة المذكورة ص ٣٧ - ٣٨(١).
ونختم هذه المقولة التي أطلنا فيها الكلام قصداً إحقاقاً
للحق، وتبرئة للإِمام والأئمة العظام، وصيانة للألسنة عن سوء
(١) عن قواعد في علوم الحديث للشيخ المحدث الفقيه ظفر أحمد
العثماني وتعليق الشيخ المحقق عبد الفتاح أبو غدة ملتقطاً من
ص ١٤١ - ١٤٥ - وتمام الكلامَ في كتاب ((الرفع والتكميل)) للإِمام
عبد الحيّ اللكنوي تحقيق ونشر الشيخ عبد الفتاح من ص ٢١٦ -٢٥٢،
وتأنيب الخطيب ص ٤٤ - ٤٥.
٢٨٣

القول، والأفكار عن سوء الظن، فذلك مهلكة معاذ الله.
بنصيحة من إمامين :
أ - قال الشيخ ابن عبد البر في / جامع العلم/: لقد تُكلم
في أئمة عظام لم يقبل العلماء كلامهم، وعدوه من كلام
الأقران في أمثالهم، فهذا يحيى بن معين قال في عبد
الملك بن مروان: إنه أبخر الفم وكان رجل سوء، وقال في
الزهري: إنه ولي الخراج لبعض بني أمية، وإنه فقد مالاً
فاتهم به غلاماً له، فضربه فمات من ضربه. وقال في
الشافعي: ليس ثقة. وتكلم ابن أبي ذئب في مالك بن أنس
بكلام فيه جفاء وخشونة. وتكلم سعيد بن المسيّب في عكرمة
والشّعبي والنخعي، وتكلم البخاري في أبي حنيفة(١)، ثم
قال: فمن أراد أن يقبل قول العلماء الثقات الأئمة الأثبات
بعضهم في بعض، فليقبل قول من ذكرنا قوله من الصحابة
رضوان الله عليهم أجمعين بعضهم في بعض .. فإن فعل
ذلك ضلّ ضلالاً بعيداً وخسر خسراناً مبيناً، وكذلك إن قبل
في سعيد بن المسيب قول عكرمة، وفي الشعبي والنخعي وأهل
الحجاز وأهل مكة وأهل الشام على الجملة، وفي مالك
والشافعي وسائر من ذكرنا في هذا الباب ما ذكرنا عن بعضهم
في بعض، فإن لم يفعل - ولن يفعل إلّ إن هداه الله وألهمه
(١) قلت: وتكلم ابن أبي حاتم في البخاري والكرابيسي في أحمد بن
حنبل .
٢٨٤

رشده - ليقفْ عند ما شرطنا في أن لا يقبل فيمن صحت
عدالته وعلمت بالعلم عنايته، وسلم من الكبائر ولزم المروءة
والتعاون، وكان خيره غالباً وشره أقل عمله، فهذا لا يقبل فيه
قائل لا برهان له به، فهذا هو الحق الذي لا يصح غيره إن
شاء الله تعالى.
والذين أثنوا على سعيد بن المسيب وعلى سائر التابعين
وأئمة المسلمين أكثر من أن يحصوا، وقد جمع الناس
فضائلهم وعنوا بسيرهم وأخبارهم، فمن قرأ فضائل مالك،
وفضائل الشافعي، وفضائل أبي حنيفة، بعد فضائل الصحابة
والتابعين وعني بها، ووقف على كريم سيرهم وهديهم، كان
ذلك له عملاً زاكياً. نفعنا الله بحب جميعهم.
قال الثوري: (عند ذكر الصالحين تنزل الرحمة) ومن لم
يحفظ من أخبارهم إلا ما بدر من بعضهم في بعض - على
الحسد والهفوات والغضب والشهوات - دون أن يُعنى
بفضائلهم حُرم التوفيق، ودخل في الغيبة، وحاد
عن الطريق. جعلنا الله وإياك ممن يستمع القول فيتبع
أحسنه. وقد افتتحنا هذا الباب بقوله وَله: ((دب إليكم داء
الأمم من قبلكم: الحسد، والبغضاء)) رواه الترمذي وأحمد
والضياء المقدسي اهـ(١).
ب - وقال فقيه الشام في عصره تاج الدين أبو النصر عبد
(١) جامع بيان العلم وفضله /٢: ١٦٢ - ١٦٣ /.
٢٨٥

الوهاب بن تقي الدين السبكي في ((طبقات الشافعية)).
ينبغي لك أيها المسترشد أن تسلك سبيل الأدب مع الأئمة
الماضين، وأن لا تنظر إلى كلام بعضهم في بعض إلّ إذا
أتى ببرهان واضح، ثم إن قدرت على التأويل وتحسين
الظن فدونك، وإلّ فاضرب صفحاً عما جرى بينهم.
فإنك لم تخلق لهذا، فاشتغل بما يعنيك ودع ما لا
ے
يعنيك، ولا يزال طالب العلم نبيلاً حتى يخوض فيما جرى
بين السلف الماضين، ويقضي لبعضهم على بعض، فإياك
ثم إياك أن تصغي إلى ما اتفق بين أبي حنيفة وسفيان
الثوري، أو بين مالك وابن أبي ذئب، أو بين أحمد بن صالح
والنسائي، أو بين أحمد بن حنبل والحارث المحاسبي وهلم
جراً، إلى العزبن عبد السلام والتقيَّ بن الصلاح، فإنك إذا
اشتغلت بذلك خفتُ عليك الهلاك، فالقوم أعلام ولأقوالهم
محامل، وربما لم نفهم بعضها، فليس لنا إلّ الترضي
عنهم، والسكوت عما جرى بينهم؛ كما نفعل فيما جرى بين
الصحابة رضي الله تعالى عنهم. اهـ.
٢٨٦

الفصل السّاوس
مؤلفات الإمام
٢٨٧

مؤلفات الإمام
لم يكن عصر الإِمام رحمه الله تعالى عصرَ تأليف وتدوين
بالمعنى الذي عرفناه فيما بعد، أن يخلو العالم إلى نفسه
فيكتب أو يملي الأشياء الكثيرة، لم يكن الإِمام ذلك العالم
الذي فرَّغ نفسه للتأليف والإِملاء، فهو يقوم الليل حتى
يصبح، فإذا أصبح صلّى الصبح ثم جلس يعلم الناس حتى
يضحي، ثم ذهب إلى بيته لحاجاته، ثم يخرج إلى السوق
لينظر في شؤون تجارته ودنياه، ويعود مريضاً، أو يشيِّع ميتاً،
أو يزور صديقاً، وينام بين الظهر والعصر، ثم يجلس بعد
العصر لتعليم الناس والإِجابة على أسئلتهم إلى الليل،
وهكذا. والتدريس شغله عن التأليف، وهو فوق ذلك مرجع
طلاب العلم وشداته، يقصدونه من الكوفة والبصرة وداني
البلاد وقاصیھا .
٠۶
٢٨٩

لذا لم تكن للإِمام رحمه الله تعالى تآليف كثيرة تتناسب
مع مكانته العلمية العظيمة.
أ - لقد ثبت أنه رحمه الله تعالى ألف في علم الكلام الفقه
الأكبر والفقه الأوسط، وكتاب العالم والمتعلم، وكتاب
الرسالة إلى مقاتل بن سليمان صاحب التفسير، وكتاب
الرسالة إلى عثمان البتي فقيه البصرة، وكتاب الوصية وهي
وصايا عدة لأصحابه رحمهم الله تعالى(١).
قال العلامة كمال الدين أحمد بن سنان الدين البياضي
الرومي الحنفي قاضي عسكر، في مبدأ كتابه ((إشارات المرام
من عبارات الإِمام)): الإِمام أبو حنيفة - رحمه الله تعالى - هو
أول من دوّن العلوم الدينية، وأتقنها بقواطع البراهين اليقينية
في مبادىء أمره بُعيد رأس المائة الأولى، وإنما كانت رسائل من
تقدمه في رد الخوارج والقدرية. ففى التبصرة البغدادية أن أول
متكلمي أهل السنة من الفقهاء أبو حنيفة، ألف فيه الفقه الأكبر
والرسالة في نصرة أهل السنة، وقد ناظر فرق الخوارج
والشيعة والقدرية والدهرية، وكان دعاتهم بالبصرة، فسافر
إليها نفياً وعشرين مرة، وقصمهم بالأدلة الباهرة، وبلغ في
الكلام إلى أن كان المشار إليه بين الأنام، واقتفى به تلامذته
(١) انظر مقدمة التعليم للشيخ مسعود بن شيبة، مع تعليق الناشر الشيخ
المحقق عبد الرشيد النعماني ص ١٨١ .
٢٩٠

الأعلام. وفي المناقب الكردرية وغيرها عن الإِمام خالد بن
زيد العمري قال: كان الإمام أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد
وزفر وحماد بن أبي حنيفة قد خصموا بالكلام الناس - أي
ألزموا المخالفين - وهم أئمة العلم. وقال الإِمام أبو عبد الله
الصيمري: كان الإِمام أولَ متكلم في هذه الأمة في زمانه
وفقيههم في الحلال والحرام. وقال ابن النديم في
((الفهرست)): وللإِمام رحمه الله تعالى الفقه الأكبر، وكتاب
رسالة البتي، وكتاب العالم والمتعلم رواه عنه أبو مقاتل،
وكتاب الرد على القدرية. والعلم براً وبحراً، وشرقاً وغرباً،
وقرباً وبعداً، تدوينه رضي الله عنه.
ب - وأملی وکتب أحاديث رسول الله ێ، حتى جمع منها
صناديق ما حدَّث منها إلاّ بما حاجة الناس إليه، وانتخب آثاره
من أربعين ألف حديث، وقد سبق ذكر مسانيده السبعة عشر
أثناء الكلام على حديث الإِمام رحمه الله تعالى(١)، وقد أملى
- من كتب الحديث - كتاب الآثار المنسوب إلى الإِمام
محمد بن الحسن رحمه الله تعالى، ويشرحه الآن الشيخ
المحقق الفقيه أبو الوفاء الأفغاني، وقد أصدر مجلده الأول
أعانه الله تعالى على إتمامه. وقد قال حفظه الله في مقدمة
شرحه: وإن أول كتاب ألف في الحديث النبوي وآثاره
وأخباره وأقوال أصحابه وأتباعهم، وأحسنه ترتيباً وانتخاباً مرتباً
(١) ص ١٦٦.
٢٩١

على الأبواب ((كتاب الآثار)) الإِمام الأئمة الإِمام الأعظم رحمه .
الله تعالى(١).
وقال ابن حجر رحمه الله تعالى في ((تعجيل المنفعة)):
والموجود من حديث أبي حنيفة مفرداً إنما هو كتاب ((الآثار))
التي رواها محمد بن الحسن عنه، ويوجد في تصانيف
محمد بن الحسن وأبي يوسف قبله من حديث أبي حنيفة
أشياء أخرى(٢).
ج - كما أملى وألف في الفقه وأصوله سابقاً بذلك سواه من
كرام العلماء. قال القاضي أبو بكر عتيق بن داود اليماني
في رسالته التي صنفها في فضل أبي حنيفة: وأبو حنيفة أول
من دَوَّن علوم هذه الشريعة، لم يسبقه أحد من قبله، لأن
الصحابة والتابعين رضي الله تعالى عنهم، لم يضعوا في علم
الشريعة أبواباً مبوبة، ولا كتباً مرتبة، وإنما كانوا يعتمدون
على قوة فهمهم، وجعلوا قلوبهم صناديق علمهم، فنشأ أبو
حنيفة، فرأى العلم منتشراً فخاف عليه الخلف السوء، ولقد
قال ◌َله: ((إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من العباد
ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يُبق عالماً
(١) ص ١ وانظر ص ٣ لترى أن كتاب ((آثار الإِمام أبي يوسف)) ومثله
للإِمام زفر هي من أمالي الإِمام.
(٢) ص ٢ وانظر ما تمس إليه الحاجة.
٢٩٢

اتخذ الناس رؤساء جهالاً، فسئلوا، فأفتوا بغير علم، فضلّوا
وأضلُّوا))(١).
فلذلك دوَّنه أبو حنيفة، فجعله أبواباً مبوبة وكتباً مرتبة، فبدأ
بالطهارة ثم بالصلاة ثم سائر العبادات، وإنما ابتدأ بالطهارة
ثم بالصلاة لأن المكلف بعد صحة الاعتقاد أول ما يخاطب
يخاطب بالصلاة لأنها أخص العبادات وأعم وجوباً، وأخر
المعاملات لأن الأصل عدمها وبراءة الذمة منها، وختمه
بالوصايا والمواريث لأنها آخر أحوال الإِنسان. فما أحسن ما
ابتدأ به وختم، وما أحذقه وما أفهمه وأفقهه وأمهره وأعلمه
وأبصره.
ثم جاء الأئمة من بعده، فاقتبسوا من علمه، واقتدوا به،
وفرَّعوا كتبهم على كتبه. فإذا كان الله تعالى قد ضمن لنبيه
وَالر حفظ الشريعة، وكان الإِمام أبو حنيفة أول من دونها،
فيبعد أن يكون الله قد ضمنها ثم يكون أول من دونها على
خطأ .
وهو رحمه الله تعالى أول من وضع كتاباً في الفرائض،
وقد قال النبي وَّر: «تعلموا الفرائض فإنها من دينكم، وإنها
نصف العلم))(٢). وأول من وضع كتاباً في الشروط، وقد قال
الله تعالى: ﴿ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله﴾ فأخبر
(١) رواه البخاري ومسلم والترمذي وأحمد.
(٢) رواه ابن ماجه والحاكم بلفظ مقارب.
٢٩٣

سبحانه أنه هو المعلم للشروط، والشروط لا يستطيع أن
يضعها إلا من تناهى في العلم، وعرف مذاهب العلماء
ومقالاتهم، لأن الشروط تتفرع على جميع كتب الفقه،
ويتحرز بها من كل المذاهب لئلا يتعقبها حاكم بنقض أو
نسخ؛ وليس العجب ممن جاء فتعلمها وهي موضوعة؛ وإنما
العجب ممن ابتدأها ووضعها، فإن باهت أحد وادّعى أن أبا
حنيفة قد سُبق إلى تدوينها فقل له: أرنا كتاباً ممن تقدمه
من الصحابة والتابعين فيما ذكرناه؛ فإنه يبقى مبهوتاً.
وقد سبق في فصل الكلام على فقه الإِمام رحمه الله
تعالى (١) أنه كان يملي مسائل الفقه - المقررة مع أصحابه -
وكان يكتبها الإِمام أبو يوسف وسواه، وقد بلغت تلك المسائل
المدونة على قولٍ خمسمائة ألف مسألة، وقال الإِمام
الكوثري: وأقل ما يقال في مسائله أنها تبليغ ثمانين ألفاً(٢)،
والله أعلم.
وقد صنف الإِمام محمد بن الحسن رحمه الله تعالى
مسائل الإِمام رحمه الله تعالى الفقهية وأصحابه في كتبه
الفقهية العديدة من كتب ظاهر الرواية، وهي: كتب محمد
الستة: المبسوط، والزيادات، والجامع الصغير، والسير
الصغير، والجامع الكبير، والسير الكبير، وقد جمع الإِمام
(١) ص ١٣٧ .
(٢) فقه أهل العراق وحديثهم ص ٥٩.
٢٩٤

الحاكم الشهيد مسائل الأصول هذه ونظمها وحذف المكرر
منها، وقد شرحه العلامة شمس الأئمة السرخسي في ثلاثين
مجلداً، وقد أملى قسماً كبيراً منه من البئر الذي حبسه فيه
أمير زمانه لمخالفته له في مسألة.
وقال ابن عابدين: اعلم أن مسائل أصحابنا الحنفية على
ثلاث طبقات: الأولى: مسائل الأصول وتسمى ظاهرة الرواية
أيضاً، وهي مسائل مروية عن أصحاب المذهب، وهم: أبو
حنيفة، وأبو يوسف ومحمد، ويلحق بهم: زفر، والحسن بن
زياد وغيرهما ممن أخذ عن الإِمام، لكن الغالب الشائع في
ظاهر الرواية أن يكون قول الثلاثة(١).
قال الشيخ المحدِّث الفقيه عبد الرشيد النعماني في تعليقه
على كتاب ((التعليم)): وقد أشبع الكلام على تصانيف الإِمام
الأعظم شيخنا الإِمام العلامة محمود حسن خان الطونكي في
معجم المصنفين(٢) وأنا أنقله برمته.
وهي : كتاب الصلاة - المناسك - الرهن - الشروط -
الفرائض - العالم والمتعلم - الآثار - الرسالة - كتاب الإِرجاء
- كتاب الوصية - كتاب الرد على الأوزاعي. وقال الشيخ
(١) انظر رد المحتار على الدر المختار ((حاشية ابن عابدين)) /١ -
٦٤ /٠
(٢) يقع هذا المعجم في ستين مجلداً ويحتوي على عشرين ألف ورقة
طبع منه ثلاثة أجزاء فقط لحكومة حيدر آباد منذ سنين.
٢٩٥

الكوثري في بلوغ الأماني(١): ومما يذكر في مؤلفات
الأقدمين من كتب أبي حنيفة رحمه الله تعالى ((كتاب الرأي))
ذكره ابن أبي العوام وكتاب ((اختلاف الصحابة)) ذكره أبو
عاصم العامري، ومسعود بن شيبة، و ((كتاب الجامع)) ذكره
العباس بن مصعب في ((تاريخ مرو)) و((كتاب السِّير)» و
((الكتاب الأوسط)) و((الفقه الأكبر)) و((الفقه الأبسط)) و((كتاب
العالم والمتعلم)) و ((كتاب الرد على القدرية))، وله رسالة إلى
عثمان البتي في الإِرجاء، وعدة وصايا كتبها لعدة من أصحابه،
وهذه الكتب مشهورة اهـ.
(١) في سيرة الإمام محمد بن الحسن الشيباني (١٨ - ١٩)).
٢٩٦

الفصل السّائع
عقيدة الإمام
٢٩٧

عقيدة الإمام
الإِمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى إمام من أئمة السلف
المقدَّمين في العقيدة، وقد رأينا كيف اشتغل زماناً بالرد على
الروافض وغلاة الشيعة والخوارج والمعتزلة، ثم وفقه الله
تعالى فتحول إلى الفقه، وانفرد به حتى فاق الناس وأضحوا
عليه عالة فيما بعد كما قال الإِمام الشافعي رحمه الله تعالى .
كان الإِمام أول من ردّ على الفرق المنحرفة عن الجادة،
قال الإِمام عبد القاهر البغدادي في ((أصول الدين)): وأول
متكلميهم من الفقهاء وأرباب المذاهب أبو حنيفة والشافعي،
فإن أبا حنيفة ألف كتاباً في الردّ على القدرية سماه / الفقه
الأكبر / (١)
(١) أصول الدين ص ٣٠٨.
٢٩٩

وقال الإِمام الأصولي أبو المظفر الإِسفرايني الشافعي في
((التبصير في الدين)) كتاب ((العالم والمتعلم)) لأبي حنيفة فيه
الحجج القاهرة على أهل الإلحاد والبدعة، وكتاب ((الفقه
الأكبر)) الذي أخبرنا به الثقة بطريق معتمد وإسناد صحيح،
عن مضر بن يحيى عن أبي حنيفة، وما جمعه أبو حنيفة في
((الوصية)) التي كتبها إلى عمرو بن عثمان البتي، ردّ فيها
على المبتدعين، ومن نظر فيها وفيما صنفه الشافعي لم يجد
بين مذهبيهما تبايناً بحال. وكل ما حكي عنهم خلاف ما
ذكرناه من مذاهبهم، فإنما هو كذب يرتكبه مبتدع ترويجاً
لبدعته(١) اهـ.
ورسالة الإِمام أبي جعفر الطحاوي الحنفي المجمع على
إمامته في الفقه، والحديث ((بيان عقيدة فقهاء الملّة أبي حنيفة
وأبي يوسف ومحمد رحمهم الله تعالى)) وهي رسالة عظيمة،
تقرر عقيدة السلف التي لا خلاف فيها بين أهل السنة كعقيدة
لهم جميعاً وقد شرحت كثيراً، وبعض شروحها مطبوع
متداول .
وقد رأينا أن نسجل هنا / الفقه الأكبر / تأليف الإِمام رحمه
الله تعالى، لنتعرف بذلك على أصول عقيدته، ونرى كيف
كانت بحوث علم التوحيد عندهم سهلة سلسلة، ليس فيها
(١) التبصير في الدين ص ١١٣، وفيه عرض جيد لعقيدة أهل السنة
يجدر الانتفاع به .
٣٠٠