Indexed OCR Text

Pages 201-220

الفصل الخامس
دفع شبهات بحقائق
٢٠١

دفع شبهات بحقائق
تمهيد :
أرى قبل أن أعرض لما قيل في الإِمام رحمه الله تعالى من
شبهات وأقوال أن أقدم بما يلي:
١ - كانت سنة السلف الصالح عدم التعرض للعلماء
المشهود لهم بالخير والبر والتقوى بظنون وأوهام وجهالات،
فإن لحوم العلماء مسمومة، ويخشى على صاحبها - كما
قيل - من سوء الخاتمة؛ ولعمر الله إِن الإِمام أبا حنيفة وأئمة
المذاهب المعتبرة من السلف الصالح، الذي اختار الله تعالى
بقاء ذكرهم الجميل، وأن يجعل مذاهبهم مذاهب الأمة في
التقرب إليه سبحانه بالعبادات وسائر الطاعات.
٢٠٣

قال الإِمام النووي رحمه الله تعالى(١): (فصل) في النهي
الأكيد والوعيد الشديد لمن يؤذي أو ينتقص الفقهاء
والمتفقهين، والحث على إكرامهم وتعظيم حرماتهم. ثم
قال: قال الله تعالى: ﴿ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى
القلوب ... والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما
اكتسبوا، فقد احتملوا بهتاناً وإثماً مبيناً﴾. وثبت في صحيح
البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله وَله أنه قال:
((إن الله عزّ وجل قال: من آذى ولياً فقد آذنته بالحرب) وروى
الخطيب البغدادي عن الشافعي وأبي حنيفة رضي الله عنهما،
أنهما قالا: ((إن لم تكن الفقهاء أولياء الله فليس لله ولي)) وفي
كلام الشافعي: ((الفقهاء العاملون)). وعن ابن عباس رضي
الله تعالى عنهما: ((من آذى فقيهاً فقد آذى رسول الله وَلانه،
ومن آذى رسول الله ﴿﴿ فقد آذى الله عزّ وجل)). وفي
الصحيح عنه وَلر: ((من صلى الصبح فهو في ذمة الله، فلا
يطلبنكم الله بشيء من ذمته)). وفي رواية: ((فلا تخفروا الله
في ذمته)) وقال الإِمام الحافظ أبو القاسم ابن عساكر رحمه
الله: اعلم يا أخي - وفقني الله وإياك لمرضاته، وجعلنا ممن
يخشاه ويتقيه حق تقاته - أن لحوم العلماء مسمومة، وعادة
الله في هتك أستار منتقصيهم معلومة، وأن من أطلق لسانه
في العلماء بالثلب بلاه الله قبل موته بموت القلب؛ ﴿فليحذر
الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة، أو يصيبهم عذاب
(١) المجموع / ١: ٤٠ - ٤١ /.
٢٠٤

أليم﴾. اهـ.
٢ - قال الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا، اجتنبوا كثيراً
من الظن، إن بعض الظن إِثم ﴾ قال أهل التفسير: الظن
الذي نهينا عنه هو: ظن السوء بأهل الخير والصلاح، ولا
ريب أن الإِمام أبا حنيفة وباقي أئمة المذاهب المعتبرة في
أعلى درجات الخير والصلاح.
وإنما أورد هذه الشبه والأقوال مضطراً - فما أحب بطبعي
الخلاف والقيل والقال - لأدفع سوء ظن، أو جهلاً من بعض
الناس في الإِمام الأعظم رحمه الله تعالى. وأرى أنه لا ضير
عليّ في هذا بل فيه خير بإذنه تعالى، فقد أورد الله تعالى
- وله المثل الأعلى - في القرآن العظيم شبه الكافرين فيه
سبحانه، وفي علمه وقدرته بإيجاز شديد ثم كذّبها، وأورد
شبه الكافرين في نبيِّه وَ ل بإيجاز كذلك وردها بما هو مقنع
لكل من ألقى السمع وهو شهيد.
وأسأل الله تعالى الخير والرشاد والسداد لي وللقراء
الكرام. وأن يرزقنا جميعاً صدق النية وحسن الظن بأهل
العلم والتقوى في هذه الأمة.
٣ - إن الإِمام أبا حنيفة رحمه الله تعالى ورضي عنه قد
تجاوز القنطرة، وهو من كبار الأئمة المشهود لهم بالعدالة
والضبط، فلا يضره قول القائلين فيه، ولا تؤثر عليه شبهات
المشتبهين، لقد أجمع السلف من التابعين، ومن بعدهم من
٢٠٥

قادة المتكلمين في الرجال وكبار النقاد فيه، وأمراء المؤمنين
في الحديث، على الثناء عليه في الفقه والزهد وخوف الله
تعالى، والصدق الحفظ والنصح لهذه الأمة، فقد أثنى عليه.
شيوخ البخاري وشيوخ شيوخه، مثل علي بن المديني،
ويحيى بن معين، ويحيى بن سعيد القطان، ومكي بن
إبراهيم، ووكيع بن الجراح، وشعبة بن الحجاج، والفضل
بن دُكين، وسفيان الثوري، ومالك، والشافعي، وأحمد بن
حنبل، وجعفر الصادق، وعبد الله بن المبارك، في خلق كثير
لا يحصون بسهولة.
ثم أقول :
١ - شبهة. قال بعضهم: إن الإِمام أبا حنيفة رحمه الله
تعالى لم يخرِّج له البخاري ومسلم وباقي الستة(١)، فهذا
دليل على عدم اعتبارهم له، أو كونه ليس من علماء
الحديث .
حقيقة: علماء الحديث قد خرجوا لمن خشوا فوات حديثه
إذا تركوا روايته، ولم يروا أو لم يكثروا عمن له تلامذة
يروون حديثه ويتناقلونه، ثم إن الإِمام كما سبق كان جلّ
انصرافه لفهم الحديث ومعرفة دلالته، ومعرفة ناسخه
ومنسوخه ومطلقه ومقيده وعامه ومخصوصه؛ لا إلى رواية
(١) بل روى له الترمذي في كتاب / العلل / وكذا النسائي روى حديثاً
بسند فيه الإِمام، وغيره، كما سيأتي بإذن الله تعالى.
٢٠٦

الحديث والتحديث به فقط. قال الإِمام الكوثري رحمه الله
تعالى (١): ومما يلفت إليه النظر أن الشيخين لم يخرجا
شيئاً من حديث الإِمام أبي حنيفة، مع أنهما أدركا صغار
أصحابه وأخذا عنهم، ولم يخرِّجا أيضاً من
حديث الإِمام الشافعي، مع أنهما لقيا بعض أصحابه، ولا
أخرج البخاري من حديث أحمد إلّ حديثين: أحدهما
تعليقاً، والآخر بواسطة؛ مع أنه أدركه ولازمه ولا أخرج مسلم
في صحيحه عن البخاري شيئاً مع أنه لازمه ونسج على
منواله، ولا عن أحمد إلّ قدر ثلاثين حديثاً، ولا أخرج أحمد
في مسنده عن مالك عن نافع بطريق الشافعي - وهو أصح
الطرق، أو من أصحها - إلّ أربعة أحاديث، وما رواه عن
الشافعي بغير هذا الطريق لا يبلغ عشرين حديثاً، مع أنه
جالس الشافعي وسمع موطأ مالك منه. وعُدَّ من رواة القديم.
والظاهر من دينهم وأمانتهم أن ذلك من جهة أنهم كانوا
يرون أحاديث هؤلاء في مأمن من الضياع، لكثرة أصحابهم
القائمين بروايتها شرقاً وغرباً، وجل عناية أصحاب الدواوين
بأناس من الرواة ربما كانت تضيع أحاديثهم لولا عنايتهم بها،
لأنه لا يستغني من بعدهم عن دواوينهم في أحاديث هؤلاء
دون هؤلاء.
(١) في تعليقه على كتاب / شروط الأئمة الخمسة / للحافظ أبي بكر
محمد بن موسى الحازمي /ص ٦٠ وما بعد / .
٢٠٧

ومن ظن أن ذلك كان لتحاميهم عن أحاديثهم، أو لبعض
ما في كتب الجرح من الكلام في هؤلاء الأئمة؛ كقول
الثوري في أبي حنيفة، وقول ابن معين في الشافعي، وقول
الكرابيسي في أحمد، وقول الذهلي في البخاري ونحوها،
فقد حمَّلهم شططاً. وهذا البخاري لولا إبراهيم بن معقل
النسفي وحماد بن شاكر الحنفيان لكاد ينفرد الفربري عنه في
جميع الصحيح سماعاً، كما كاد أن ينفرد إبراهيم بن محمد بن
سفيان الحنفي عن مسلم سماعاً، بالنظر إلى طرق سماع
الكتابين من عصور، دون طرق الإِجازات، فإنها متواترة إليهما
عند من يعتد بالإِجازة، كما لا يخفى على من عني بهذا
الشأن .
وما قاله العلامة ابن خلدون في مقدمة تاريخه من أن أبا
حنيفة لتشدده في شروط الصحة، لم يصح عنده إلّ سبعة
عشر حديثاً فهفوة مكشوفة، لا يجوز لأحد أن يغترّ بها، لأن
رواياته على تشدده في الصحة لم تكن سبعة عشر حديثاً
فحسب، بل أحاديثه في سبعة عشر سفراً، يسمى كل منها
بمسند أبي حنيفة، خرجها جماعة من الحفاظ وأهل العلم
بالحديث بأسانيدهم إليه، ما بين مقل منهم ومكثر، حسبما
بلغهم من أحاديثه. وقلما يوجد بين تلك الأسفار سفر أصغر
من سنن الشافعي رواية الطحاوي، ولا من مسند الشافعي
برواية أبي العباس الأصم اللذين عليهما مدار أحاديث الشافعي .
٢٠٨

وقد خدم أهل العلم تلك المسانيد جمعاً وتلخيصاً
وتخريجاً وقراءة وسماعاً ورواية، فهذا الشيخ محدِّث الديار
المصرية، الحافظ محمد بن يوسف الصالحي صاحب الكتب
الممتعة في السيرة وغيرها يروي تلك المسانيد السبعة عشر
عن شيوخ له، ما بين قراءة وسماع ومشافهة وكتابة بأسانيدهم
إلى مخرجيها في كتبهم، في كتابه (عقود الجمان). وكذا
يرويها بطرقٍ محدِّث البلاد الشامية الحافظ شمس الدين بن
طولون في (الفهرست الأوسط) عن شيوخ له، سماعاً وقراءة
ومشافهة وكتابة بأسانيدهم كذلك إلى مخرجيها، وهما كانا
زيني القطرين في القرن العاشر، وكذلك حملة الرواية إلى
قرننا هذا ممن لهم عناية بالسنة.
ولإشباع ذلك كله مقام آخر، إنما ذكرنا هذا عرضاً إزالة
لما عسى أن يعلق بأذهان بعضهم من كلام ابن خلدون، وما
تلك الأسانيد والكتب عن متناول أهل العلم ببعيد، وإن كنا
في عصر تقاصرت فيه الهمم عن التوسع في علم الرواية،
وكتاب (عقود الجواهر المنيفة) للحافظ المرتضى الزبيدي
شذرة من أحاديث الإِمام. وللحافظ محمد بن عابد السندي
كتاب (المواهب اللطيفة على مسند أبي حنيفة) في أربع
مجلدات أكثر فيه جداً من ذكر المتابعات والشواهد، ورفع
المرسل ووصل المنقطع، وبيان مخرِّجي الأحاديث، والكلام
في مسائل الخلاف. ومن ظن أن ثقات الرواة هم رواة الستة
فقط فقد ظن باطلًا! وقد جمع الحافظ العلامة قاسم بن
٢٠٩

قُطْلُوبُغا الثقات من غير رجال الستة في مؤلف حافل يبلغ أربع
مجلدات، وهو ممن أقرّ له الحافظ ابن حجر وغيره بالحفظ
والإِتقان، والله أعلم.
ومما ينبغي أن يعلم أنه ليس كل مشتغل بالحديث أهلاً
للكلام في الرجال، فإن فيهم حملة لألفاظ الحديث الشريف
دون تحقيق معانيه ومعرفة دلالاته ومراميه، وأمثال هؤلاء لا
ییالی بمدحهم ولا بقدحهم.
قال الحافظ الذهبي في رسالته (بيان زغل العلم): وأما
المحدثون فغالبهم لا يفهمون، ولا همة لهم في معرفة
الحديث ولا في التدين به، بل الصحيح والموضوع عندهم
بنسبة، وإنما همتهم في السماع على جهلة الشيوخ، وتكثير
العدد من الأجزاء والرواية، فأيّ شيء ينفع السماع على
جهلة المشيخة، الذين ينامون والصبيان يلعبون، والشبيبة
يتحدثون ويمزحون، وكثير منهم ينعسون ويكابرون،
والقارىء يصحّف وإتقانه في تكثير (أو كما قال)، والرضع
يتصاعقون، بالله خلونا ضحكة لأولي العقول. اهـ.
وقال ابن الجوزي في كتابه (تلبيس إبليس): واعلم أن
عموم المحدِّثين حملوا ما يتعلق بصفات الباري سبحانه على
مقتضى الحس، فشبهوا لأنهم لم يخالطوا الفقهاء، فيعرفوا
حمل المتشابه على مقتضى المحكم، وقد رأينا في زماننا من
يجمع الكتب منهم، ويكثر السماع ولا يفهم ما حصّل،
٢١٠

ومنهم من لا يحفظ القرآن ولا يعرف أركان الصلاة، فتشاغل
هؤلاء على زعمهم بفروض الكفاية عن فروض الأعيان،
وإيثار ما ليس بمهم على المهم(١).
وقال الخطيب البغدادي في كتابه (الفقيه والمتفقه)(٢):
وأكثر كتبة الحديث في هذا الزمان بعيد عن حفظه، خال عن
معرفة فقهه، لا يفرقون بين معلّل وصحيح، ولا يميزون بين
معدل من الرواة ومجروح، ولا يسألون عن لفظ أشكل عليهم
رسمه، ولا يبحثون عن معنى خفي عنهم علمه، مع أنهم قد
أذهبوا في كتبه أعمارهم، وبعدت في الرحلة لسماعه
أسفارهم، كل ذلك لقلّة بصيرة أهل زماننا بما جمعوه، وعدم
فقههم بما كتبوه وسمعوه، ومنعهم نفوسهم عن محاضرة
الفقهاء، وذمهم مستعملي القياس من العلماء، لسماعهم
الأحاديث التي تعلّق بها أهل الظاهر في ذم الرأي والنهي عنه
والتحذير منه، وأنهم لم يميزوا بين محمود الرأي ومذمومه،
بل سبق إلى نفوسهم محظور على عمومه، ثم قلدوا
مستعملي الرأي في نوازلهم، وعولوا فيها على أقوالهم
ومذاهبهم، فنقضوا بذلك ما أصَّلوه، واستحلوا ما كانوا
حرموه. وحق لمن كانت هذه حاله أن يطلق فيه لقول،
ويشنع عليه بضروب التشنيع. اهـ.
(١) تلبيس إبليس ص ١١١ - ١١٣.
(٢) الفقيه والمتفقه /٢: ٨١ - ٨٤ / وانظر (صفعات البرهان على
صفحات العدوان) للكوثري رحمه الله تعالى.
٢١١

٢ - شبهة: ذكر بعضهم أن البخاري قال في (تاريخه):
أبو حنيفة ضعيف ترکوا حديثه .
كشفها: سبق ذكر ثناء بعض شيوخ البخاري الكبار (١)
على الإِمام أبي حنيفة رحمه الله تعالى، وهم معاصرون له
ومقاربون، والبخاري عالم محدث مجتهد فقيه، له آراء
واجتهادات. بثها في أبواب كتابه الصحيح، وقد تلمذ لأبي
حفص الكبير الحنفي فقيه بخارى، ثم خرج في طلب
الحديث مع ابنه أبي حفص الصغير، وقد رجع أبو حفص
هذا إلى بلده واستمر البخاري في رحلته، حتى رفعه الله
تعالى إلى ما رفعه من درجات وأعطاه من فضل ما أعطاه.
١ - لقد صحب الإِمام البخاري رحمه الله تعالى بعض
المتحاملين على الإِمام أبي حنيفة رحمه الله تعالى، كالحميدي
وإسماعيل بن عرعرة وغيرهما، وتأثر بأقوالهم فيه، ودَوَّن في
تاريخه ما سمعه من هؤلاء المجازفين (٢). وقد لا يصح أن أبا
(١) ص ١٨٢. وقد ذكر هذا عن الإِمام البخاري من يعدون أئمة في
معرفة الرجال وفيهم المتشددون.
(٢) قال المحدث الفقيه الشيخ عبد الرشيد النعماني: حكي عن
الحافظ زين الدين العراقي أن ابن أبي حاتم جمع في كتاب أوهام
البخاري في التاريخ. وقال السخاوي ولابن أبي حاتم جزء كبير
انتقد فيه على الإِمام البخاري، انظر (ما تمس إليه الحاجة). وانظر
مقدمة (لامع الدراري على البخاري) للشيخ المحدث محمد زكريا
الكاندهلوي وأبو حنيفة وأصحابه المحدثون في الإِجابة على =
٢١٢

حفص الكبير حين منع البخاري من الإِفتاء في بلده قد
أغضب البخاري ذلك، فأخذ يتحامل على الإِمام أبي حنيفة
رحمه الله تعالى؛ ذلك لأن البخاري أرفع من ذلك وإن كان
بشراً غير معصوم.
٢ - كان الإِمام البخاري يرى أن الإِيمان يزيد وينقص، مع
العلم أنه لم يصحح حديثاً في ذلك، لأنه ليس فيه حديث
صحيح، وكان الإِمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى يرى: أن
الإِيمان عقيدة يمتلىء بها القلب فلا يتصور فيه زيادة، لأنه لا
زيادة فوق اليقين ولا نقصان، لأنه إذا نقص فلا يبقى
يقيناً(١).
وكان الإِمام البخاري رحمه الله تعالى يقول: إنه لم يخرج
في صحيحه لمن لا يقول بزيادة الإِيمان ونقصه، مع أنه كان
يروي عن بعض غلاة الخوارج، مثل عمران بن حِطان الخارجي
الذي أيد الظالم عبد الرحمن بن ملجم في قتل أمير
المؤمنين، باب مدينة العلم وصهر النبي ◌َّ على ابنته
فاطمة، علي رضي الله عنهما، فقال:
يا ضربة من تقي ما أراد بها
إلّ ليبلغ عند الله رضواناً
الحميدي ص ٢٧٥ وقد كذب محمد بن عبد الله بن الحكم
=
الحميديَّ في كلامه في الناس. انظر طبقات السبكي ٢٢٤/١.
(١) وقد يأتي لهذا زيادة بيان إن شاء الله عند الكلام على عقيدة الإمام
رحمه الله تعالى.
٢١٣

ومعاذ الله أن يتقرب إلى الله تعالى بقتل ابن عم رسول الله
وَله، وأول صغير دخل في الإِسلام، وأخيه وَلّ في الهجرة،
رضي الله تعالى عنه وكرّم وجهه. وقد روى الإِمام البخاري
عن واحد وثمانين راوٍ من أهل الفرق المنحرفة، كما ذكرهم
بأسمائهم الحافظ ابن حجر في (هدي الساري) والسيوطي في
(تدريب الراوي).
٣ - كان الإِمام البخاري يرى أن الأعمال جزء من
الإِيمان، ويرى الإِمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى أن الإِيمان
هو عقد القلب على التصديق بالله تعالى والنطق بالشهادتين،
أما الأعمال فليست جزءاً من الإِيمان.
٤ - كان الإِمام البخاري رحمه الله تعالى يرى أن تارك
العبادات يعذب بالنار في الآخرة؛ على حين يرى الإِمام
رحمه الله تعالى أن من سلم له الإِيمان وفعل المعاصي
المختلفة ومات دون توبة، فإن أمره مؤخر إلى الله تعالى، إن
شاء عذبه بها بعدله، وإن شاء عفا عنه فيها بفضله، كما قال
تعالى: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن
يشاء﴾. لذا نرى البخاري يقول في الإِمام رحمه الله تعالى:
رُمي بالإِرجاء. فإن كان قصد الإِمام البخاري به الإِرجاء
الذي هو إرجاء أمر المؤمنين إلى الله تعالى يقضي فيه بما
يشاء، فذلك صحيح لأنه عقيدة أهل السنة، وإن كان يقصد
به الإِرجاء الذي يُعنى به أنه لا تضر معصية مع الإِيمان بحال
٢١٤

- كما هو رأي الجهمية ومن وافقهم - فهذا مردود على قائله
أياً كان، فإن حياة الإِمام رحمه الله تعالى من عبادة الله تعالى
وخوف منه وزهد وورع وحرص على مرضاة الله تعالى، ورسائله
المدونة فيها عقيدة الإِمام من الفقه الأكبر والفقه الأبسط، تردّ
هذه الدعوة على الإِمام وترفض قبولها عنه.
قال الإِمام الكوثري رحمه الله تعالى: كان في زمن أبي
حنيفة وبعده أناس صالحون، يعتقدون أن الإِيمان قول
وعمل، يزيد وينقص، ويرمون بالإِرجاء من يرى الإِيمان:
العقد والكلمة، مع أنه الحق الصراح بالنظر إلى حجج
الشرع، قال الله تعالى: ﴿ولما يدخل الإِيمان في قلوبكم)
وقال النبي ◌َّ: ((الإِيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه
ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره)) أخرجه مسلم
عن عمر بن الخطاب، وعليه جمهور أهل السنة(١). قال
الآمدي: إن المعتزلة كانوا في الصدر الأول يلقبون من
خالفهم في القدر مرجئة.
وروي عن عثمان البتي أنه كتب إلى الإِمام رحمه الله
تعالى وقال: أنتم مرجئة، فأجابه: بأن المرجئة على ضربين:
مرجئة ملعونة وأنا منهم بريء، ومرجئة مرحومة وأنا منهم،
وكتب فيه بأن الأنبياء كانوا كذلك، ألا ترى إلى قول عيسى
(١) تأنيب الخطيب ص ٤٤ والرفع والتكميل للشيخ عبد الحي اللكنوي
بتحقيق المحدث الفقيه الشيخ عبد الفتاح أبو غدة ص ٢٣٠ .
٢١٥

عليه السلام: ﴿إن تعذبهم فإنهم عبادك، وإن تغفر لهم فإنك
أنت العزيز الحكيم﴾. وقال عبد الشكور السالمي في
((التمهيد)): ثم المرجئة على نوعين: مرجئة مرحومة وهم
أصحاب النبي وَلّ، ومرجئة ملعونة وهم الذين يقولون بأن
المعصية لا تضر والعاصي لا يعاقب. قال الذهبي في ميزان
الاعتدال(١) في ترجمة مسعر بن كدام - بعد ذكر وثاقته -: ولا
عبرة بقول السليماني: كان من المرجئة: مسعر وحماد بن أبي
سليمان والنعمان وعمرو بن مرة وعبد العزيز بن أبي رَوّاد،
وأبو معاوية، وعمر بن ذر، وسرد جماعة قلت - الذهبي -:
الإِرجاء مذهب لعدة من أجلة العلماء ولا ينبغي التحامل على
قائله. وهذا الإِرجاء معناه تأخير أمر المؤمن المذنب إلى الله
تعالى في الآخرة إن شاء عذبه وإن شاء غفر له. فكلام
البخاري في هذا الجانب إنما هو من قبل المذهب الذي مال
إليه كل منهما، ولا مجال للرد بمخالفة المذهب فلكل وجهة
هو موليها(٢). والله أعلم.
٥ - قال البخاري رحمه الله تعالى في حق الإِمام رحمه الله
تعالى: تركوا حديثه، وأضاف: روى عنه عباد بن العوام وابن
المبارك وهُشيم ووكيع ومسلم بن خالد ومعاوية والمقرىء
اهـ. إنَّ رجلاً روى عنه هؤلاء وأمثالهم، لا يقال فيه تركوا
(١) ميزان الاعتدال /٣: ١٦٣/.
(٢) سيأتي لهذا البحث زيادة بيان إن شاء الله تعالى في الكلام على
عقيدة الإِمام رحمه الله تعالى.
٢١٦

حديثه، ولا ينبغي ذلك !! وقد سبق لنا أن ذكرنا رواية سفيان
الثوري وحماد بن زيد وكثيرين عنه. فانظره هناك.
هذا ما اجتمع لي من أسباب في كلام البخاري في الإِمام
رحمهما الله تعالى، وقد يكون معها اتهام بعض الجهال
الإِمام بالقول بالرأي في مقابل النصوص معاذ الله.
ومن هذا يظهر أن كلام البخاري في الإِمام رحمهما الله
تعالى إنما وقع بسبب الخلاف المذهبي لا غير، وذلك لا يعدّ
قدحاً، ولا يجعل الإِمام موضع اتهام بحال. قال المحدث
الفقيه تاج الدين السبكي(١): ومما ينبغي أن يُتفقد عند
الجرح حالُ العقائد واختلافها بالنسبة إلى الجارح
والمجروح، فربما خالف الجارح المجروح في العقيدة
فجرحه لذلك. وقد أشار شيخ الإِسلام وسيد المتأخرين تقي
الدين بن دقيق العيد في كتابه ((الاقتراح)) إلى هذا، وقال:
أعراض المسلمين حفرة من حفر النار، وقف على شفيرها
طائفتان من الناس: المحدثون والحكّام. قلت: ومن أمثلة ما
قدّمنا قول بعضهم في البخاري: تركه أبو زرعة وأبو حاتم من
أجل مسألة اللفظ. اهـ.
قال الشيخ عبد الرشيد النعماني في رسالته النافعة ((ما
تمس إليه الحاجة من سنن ابن ماجه)): إن صنيع الإِمام
البخاري مع الإِمام الأعظم يشبه صنيعه مع الإِمام جعفر
(١) قاعدة في الجرح والتعديل ص ١٢ وقد أخرجها الشيخ عبد الفتاح
أبو غدة في رسالة مستقلة بتحقيقه وعنايته.
٢١٧

الصادق. قال الذهبي في تذكرة الحفاظ في ترجمة الإِمام
جعفر: لم يحتج به البخاري واحتج به سائر الأئمة.
٣ - شبهة: قيل: إن الخطيب البغدادي ذكر أقوال كثيرين
قدحوا في الإِمام رحمه الله تعالى بأسانيد إلى قائليها .
كشفها: انظر ((تأنيب الخطيب على ما ساقه في ترجمة أبي
حنيفة من الأكاذيب)) فسترى تلك الأسانيد ظالمة كاذبة، أو
مخطئة، أو جاهلة وحاسدة، وحاشى أن يتكلم سفيان الثوري
وشعبة بن الحجاج وأمثالهما من الشيوخ؛ فضلاً عن أبي
يوسف ومحمد وأمثالهما من تلاميذ الإِمام فيه رحمه الله
تعالى، فإن لهم جميعاً أقوالاً معروفة محفوظة صحيحة النسبة
إليهم في الثناء على الإِمام وذكر فضله رحمه الله تعالى.
وأقول: شأن أكثر المتقدمين من المؤلفين أن يوردوا الخبر
بسنده صحيحاً كان أو غير صحيح، ويرون أنهم يخرجون من
العهدة ولا يقعون في الإِثم إذا ذكروا سنده، لذا نجد في
تفسير الطبري آثاراً لا تصح، بل أحاديث لا تصح، ونجد في
تاريخه كذلك أخباراً غير صحيحة، ويرون أنهم إذا ذكروا
الأسانيد فقد استغنوا عن الحكم على الخبر؛ لأن رجال
الأسانيد معروفون عند المشتغلين بعلم الرجال، وذكر السند
- أي سند - لا يدل على صحة الخبر، فهناك أحاديث
موضوعة مفتراة على رسول الله و الله قد لفقت لها أسانيد،
وربما جمعوا فيها رجالاً ثقات كذباً وافتراء.
٢١٨

قال الإِمام أحمد بن حجر المكي(١): الفصل التاسع
والثلاثون في ردِّ ما نقله الخطيب في تاريخه عن القادحين فيه
- في الإِمام رحمه الله تعالى -: اعلم أنه لم يقصد بذلك إلّ
جمع ما قيل في الرجل على عادة المؤرخين، ولم يقصد
بذلك انتقاصه ولا حط مرتبته، بدليل أنه قدم ذكر كلام
المادحين وأكثر منه، ومن نقل مآثره، ثم عقّبه بذكر كلام
القادحين فيه (٢). ومما يدل على ذلك أيضاً أن الأسانيد التي
ذكرها للقدح لا يخلو غالبها من متكلم فيه أو مجهول، ولا
يجوز إجماعاً ثلم عرض المسلم بمثل ذلك، فكيف بإمام من
أئمة المسلمين؟! وبفرض صحة ما ذكره الخطيب من القدح
عن قائله لا يعتد به، فإنه إن كان من غير أقران الإِمام فهو
مقلد لما قاله أو كتبه أعداؤه، أو من أقرانه فكذلك، لما مر
أن قول الأقران بعضهم في بعض غير مقبول، وقد صرح
الحافظان الذهبي وابن حجر بذلك.
وقال يوسف بن حسن بن أحمد بن عبد الهادي الحنبلي
(١) الخيرات الحسان ص ٧٦ .
(٢) قال الشيخ عبد الفتاح أبو غدة في تعليقه على (الرفع والتكميل)
ص ٢٧٥: إن الخطيب قد أفصح عن طريقته في كتابه، فقال:
كلما ذكرت في التاريخ رجلاً اختلفت فيه أقاويل الناس في الجرح
والتعديل فالتعويل على ما أخرت منه وختمت به الترجمة.
اهـ. فالاعتذار عنه بأنه قدم كلام المادحين لا يتفق مع تصريحه
بما التزمه .
٢١٩

في كتابه (تنوير الصحيفة بمناقب الإِمام أبي حنيفة) - وهو في
مجلد كبير -: لا تغترّ بكلام الخطيب، فإن عنده العصبية
الزائدة على جماعة من العلماء: كأبي حنيفة، وأحمد وبعض
أصحابه، وتحامل عليهم بكل وجه، وصنف فيه بعضهم(١):
(السهم المصيب في كبد الخطيب)، وأما ابن الجوزي فقد
تابع الخطيب، وقد عجب سبطه منه حيث قال في (مرآة
الزمان): وليس العجب من الخطيب فإنه طعن في جماعة من
العلماء، وإنما العجب من الجد كيف سلك أسلوبه هذا؟
وجاء بما هو أعظم؟! ثم قال الشيخ عبد الحي: قلت:
(١) هو الملك المعظم أبو المظفر عيسى بن الملك العادل سيف الدين
أبي بكر بن أيوب الحنفي المولود سنة ٥٧٨ والمتوفى سنة ٦٢٤،
وكتابه هذا طبع في مصر سنة ١٣٥١ في نحو مائتي صحيفة. وقد
صنف في الرد على الخطيب سوى الملك المعظم غير واحد من
العلماء، منهم ابن الجوزي وسماه (السهم المصيب في الرد على
الخطيب) وسبط ابن الجوزي وسماه (الانتصار لإِمام أئمة الأمصار)
في مجلدين كبيرين: وأبو المؤيد الخوارزمي في مقدمة كتابه (جامع
مسانيد الإِمام الأعظم) / ١ - ٣٨ - ٦٩/ والسيوطي وسماه (السهم
المصيب في نحر الخطيب) وشيخنا الأستاذ محمد زاهد الكوثري
رحمه الله تعالى وسماه (تأنيب الخطيب على ما ساقه في ترجمة
أبي حنيفة من الأكاذيب) وهو كتاب كبير جامع واف في نحو مائتي
صحيفة من القطع الكبير. طبع بمصر سنة ١٣٦١ .
من تعليق الشيخ عبد الفتاح أبو غدة على الرفع والتكميل
/ ص ٦٢ - ٦٣ /.
٢٢٠