Indexed OCR Text

Pages 181-200

عمرو بن دينار، فاجتمعوا عليّ فحدثتهم. وقال أبو حنيفة:
لعن الله عمروبن عُبيد - المعتزلي - فإنه فتح للناس باباً إلى
علم الكلام. وقال أبو حنيفة: قاتل الله جَهْم بن صفوان
ومُقاتل بن سليمان، هذا أفرط في النفي - نفي صفات الله
تعالى - وهذا أفرط في التشبيه - تشبيه الله بخلقه كما هو شأن
المجسمة -. قال أبو يوسف: قال أبو حنيفة: لا ينبغي للرجل
أن يحدِّث الحديث إلّ ما حفظه من يوم سمعه إلى يوم
يحدِّث به. قال الشيخ مسعود: ولهذا قلّت رواية أبي حنيفة
لهذه العلة، لا لعلة أخرى زعمها المتحاملون عليه. وقال أبو
عاصم: سمعت أبا حنيفة يقول: القراءة جائزة على المحدث
- يعني عرض الكتب -. قال: وسمعت مالك بن أنس وسفيان
وسألت أبا حنيفة عن الرجل يقرأ عليه الحديث يقول: أخبرنا
أو كلاماً هذا معناه فقالوا: لا بأس(١).
أقوال الأعلام المحدّثين فيه
ألف الإِمام الحافظ أبو عبد الله الذهبي كتاباً في طبقات
الحفاظ، وجعل فيه ترجمة محدودة للإِمام وصاحبيه(٢)، مما
يدل على أن الإِمام الذهبي يعدّ الإِمام أبا حنيفة رحمه الله
(١) كتاب التعليم. وقد طبع قريباً في باكستان بتحقيق المحدث الفقيه
الشيخ عبد الرشيد النعماني دام في عافية .
(٢) أشار فيها إلى ترجمة مستقلة للإِمام وصاحبيه، وقد طبعت بتحقيق
الشيخ أبي الوفاء الأفغاني .
١٨١

تعالى من الحفاظ. قال الذهبي في مقدمة طبقاته: هذه تذكرة
بأسماء معدّلي حملة العلم النبوي، ومن يُرجع إلى اجتهادهم
في التوثيق والتصحيح والتزييف اهـ. فهذه شهادة من الإِمام
الذهبي على أن الإِمام رحمه الله حافظ مجتهد في الحديث
معدِّل حامل للعلم النبوي .
وقال علي بن المديني: أبو حنيفة روى عنه الثوري وابن
المبارك وحماد بن زيد وهشيم ووكيع بن الجراح وعباد بن
العوام وجعفر بن عون، وهو ثقة لا بأس به (١).
وقال أبو داود السجستاني صاحب السنن: إن أبا حنيفة
كان إماماً، وإن مالكاً كان إماماً، وإن الشافعي كان إماماً.
وقال ابن عبد البر: سئل يحيى بن معين وعبد الله بن أحمد
الدورقي أيسمع من أبي حنيفة؟ فقال يحيى بن معين: هو
فقيه، ما سمعت أحداً ضعَّفه، هذا شعبة بن الحجاج يكتب
إليه أن يحدث بأمره، وشعبة شعبة (٢) !!
وقيل ليحيى بن معين: يا أبا زكريا، أبو حنيفة كان يصدق
في الحديث؟ فقال: نعم صدوق(٣).
قال يزيد بن هارون: أدركت ألف رجل وكتبت عن
(١) جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر النمري القرطبي .
(٢) الانتقاء لابن عبد البر وفيه أقوال كثيرة لأئمة في الثناء على الإِمام
رحمه الله تعالى .
(٣) الانتقاء لابن عبد البر.
١٨٢

أكثرهم، فما رأيت فيهم أفقه ولا أورع ولا أعلم من خمسة:
أولهم أبو حنيفة(١). وقال مكي بن إبراهيم - أحد شيوخ
البخاري -: كان أبو حنيفة يصدق في قوله وفعله(٢). وسئل
يحيى بن معين هل حدَّث شعبة عن أبي حنيفة؟ قال: نعم.
كان أبو حنيفة صدوقاً في الحديث والفقه، مأموناً على دين
الله، وأثنى عليه(٣). وذكر الحافظ ابن حجر في تهذيب
التهذيب: قال محمد بن سعد العوفي: سمعت ابن معين
يقول: كان أبو حنيفة ثقة لا يحدِّث إلّ بما يحفظه ولا يحدث
بما لا يحفظ (٤).
وذكر الموفق في مناقبه بسنده إلى يحيى بن معين قال:
سمعت يحيى القطان يقول: جالسنا والله أبا حنيفة، وسمعنا
منه، وكنت والله إذا نظرت إليه عرفت في وجهه أنه يتقي الله
عز وجل(٥). وقال إمام الجرح والتعديل يحيى بن سعيد
القطان: إنه والله لأعلم هذه الأمة بما جاء عن الله
ورسوله(٦). وقال مكي بن إبراهيم: كان أبو حنيفة زاهداً
(١) الانتقاء لابن عبد البر.
(٢) مناقب الموفق المكي .
(٣) قلائد عقود العقيان (ق: ٧١).
(٤) تهذيب التهذيب / ١٠: ٤٥/ وانظر الخيرات الحسان، وإنجاء
الوطن .
(٥) مناقب الموفق / ١: ١٦١/.
(٦) مقدمة التعليم.
١٨٣

عالماً، راغباً في الآخرة، صدوق اللسان، أحفظ أهل
زمانه(١). وقال الإِمام أبو جعفر الطحاوي في ((مغاني الأخيار
من رجال الآثار)): أبو حنيفة الإِمام الأعظم ثقة ثبت فقيه
مشهور. وقال الثوري رحمه الله تعالى: إن الذي يخالف أبا
حنيفة يحتاج إلى أن يكون أعلى منه قدراً وأوفر علماً، وبعيد
ما يوجد ذلك. وقال مكي بن إبراهيم - شيخ البخاري وأكثر
ثلاثيات البخاري منه -: كان أعلم أهل زمانه(٢).
قال الذهبي في تذكرة الحفاظ: المنطق والجدل وحكمة
الأوائل لم يكن والله من علم الصحابة ولا التابعين ولا
الأوزاعي والثوري ومالك وأبي حنيفة، بل كانت علومهم
القرآن والحديث وشبيه ذلك(٣).
قال الذهبي في ترجمة الإِمام رحمهما الله تعالى: أبو
حنيفة الإِمام الأعظم، فقيه العراق، النعمان بن ثابت بن زوطى
التيمي مولاهم الكوفي (٤). ولد عام ثمانين، رأى أنس بن مالك
غير مرة لما قدم عليه الكوفة، رواه سيف بن سعد عن سيف بن
جابر أنه سمع أبا حنيفة يقوله. وحدث عن عطاء ونافع وعبد
(١) مناقب الموفق / ١ : ٢١٣/.
(٢) إنجاء الوطن .
(٣) تذكرة الحفاظ ملخصاً / ١: ١٩٢/.
(٤) مر في أول الكتاب قول حفيده ما وقع علينا رق قط والحفيد أدرى
والله أعلم.
١٨٤

الرحمن بن هرمز الأعرج وعدي بن ثابت وسلمة بن كهيل
وأبي جعفر محمد بن علي وقتادة وعمروبن دينار وأبي
إسحاق وخلق كثير(١).
أصوله في العمل بالنصوص
كان الإِمام رحمه الله تعالى فقيهاً مجتهداً، حافظاً لكتاب
الله تعالى وسنة رسوله وَّله وفتاوى الصحابة وأقوالهم وأقوال
التابيعن لهم بإحسان، ولم يكن مجرد راوية للحديث ووعاء
له، لذا فقد أثر عنه قواعد هامة، تبعه عليها كثيرون في قبول
النصوص وترتيبها عند تعارضها وتقديم بعضها على بعض
عند التعارض وغير ذلك، مما كتب عنه بعدُ علماء الأصول
تحت عنوان ترتيب الأدلة وما يماثله.
ولم يكن في ذلك مبتدعاً - معاذ الله إذ هو من التابعين -
ولا صاحب هوى وغرض، وإنما كان سنده أقوال الصحابة
وفتاويهم، وأقوال التابعين لهم بإحسان وفتاويهم، وأقوال أهل
اللغة .
١ - هذا علي بن أبي طالب رضي الله عنه وكرّم الله
وجهه، يقدِّم القياس على خبر الواحد في المسألة التالية:
سئل ابن مسعود رضي الله عنه عن امرأة مات زوجها ولم
(١) الرد المحكم ص ٨.
١٨٥

يفرض لها صداقاً، فقال: لم أر رسول الله وَّير يقضي في
ذلك، فاختلفوا إليه شهراً وألحوا، فاجتهد برأيه وقضى بأن
لها مهر نسائها لا وكس ولا شطط وعليها العدة ولها الميراث،
فقدم معقل بن يسار فشهد بأنه وسا قضى بمثل ذلك،
ففرح ابن مسعود فرحة لم يفرحها قط. وكان سيدنا علي
رضي الله عنه يخالفه في الصداق ويقول: لا صداق لها، ولا
نقبل قول أعرابي من أشجع على كتاب الله تعالى، قال الله
تعالى: ﴿لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو
تفرضوا لهن فريضة﴾ لكن الآية في الطلاق فقاس عليه
الموت، فقدَّم القياس على خبر الواحد(١).
٢ - وهذا عمر بن الخطاب يردّ حديثاً بظاهر آية، لقد
شهدت فاطمة بنت قيس عند عمر رضي الله عنه: أنها كانت
مطلقة الثلاث، فلم يجعل لها رسول الله وَالله نفقة ولا
سكنى، فردّ عمر شهادتها، وقال: لا نترك كتاب الله - عَنَى
قوله تعالى: ﴿لا تخرجوهن من بيوتهن﴾- لقول امرأة لا ندري
أحفظت أم نسيت، لها النفقة والسكنى(٢).
٣ - وهذا عمر رضي الله عنه استشار أصحابه في حد
الخمر - والخبر رواه أصحاب الأصول - فقال عبد الرحمن بن
(١) رواه مسلم والترمذي. انظر الفكر السامي في تاريخ الفقه الإِسلامي
للشيخ محمد بن الحسن الحجوي /٢ : ٤٢ /.
(٢) المصدر نفسه.
١٨٦

عوف: أرى أن تجعله كأخفّ الحدود - يعني ثمانين - وفي
الموطأ أن علياً رضي الله عنه رأى ذلك قائلاً: ((من سكر
هذى، ومن هذى افترى)). ففي هذه القصة جاء الأخذ بقياس
حدِّ الخمر على أخف الحدود الذي هو القذف وصيرورته
ثمانين، وتقديمه على السنة التي كانت في زمنه عليه الصلاة
والسلام، المقدرة في زمن أبي بكر رضي الله عنه بأربعين
الثابتة في الصحيح(١).
٤ - وهؤلاء أصحاب رسول الله - يختلفون في التمسك
بظواهر النصوص أو المعنى المقصود من التشريع الحكيم،
فقد أخذ ابن عباس بالأول حيث قال: إذا هلكت هالكة عن زوج
وأبوين فللزوج نصف التركة وللأم ثلثها وللأب ما بقي،
تمسكاً بظاهر قوله تعالى: ﴿فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه
فلأمه الثلث﴾. وقال زيد وبقية أعلام الصحابة. لها ثلث ما
بقي عن الزوج نظراً للمعنى، لأنها هي والأب ذكر وأنثى ورثا
بجهة واحدة، فللذكر مثل حظ الأنثيين كالأولاد(٢).
قال الإِمام الكوثري رحمه الله تعالى: ومن ظن بأبي حنيفة
أنه قليل الحديث أو كثير الأخذ بالأحاديث الضعيفة جهل
ذلك كله، وجهل شروط قبول الأخبار عند الأئمة، ووزن
علوم أئمة الاجتهاد بميزانه الخاص الذي ربما يكون مختل
(١) الفكر السامي / ٢: ١٣٦/.
(٢) المصدر نفسه /٢ : ٦١ /.
١٨٧

العيار. وللإِمام أصول ناضجة في باب استنباط الأحكام ربما
يرميه بكل ما تقدم من جهل ذلك ..
ومن تلك الأصول قبول مرسلات الثقات: إذا لم يعارضها ما
هو أقوى منها، والاحتجاج بالمرسل كان سنة متوارثة جرت
عليه الأمة في القرون الفاضلة، حتى قال ابن جرير: رد المرسل
مطلقاً بدعة حدثت في رأس المائتين اهـ. كما ذكره الباجي
في أصوله وابن عبد البر في التمهيد وابن رجب في شرح علل
الترمذي. بل ترى البخاري يحتج في صحيحه بمراسيل كما
يحتج بها في جزء القراءة خلف الإِمام وغيره، بل عند مسلم
في صحيحه مراسيل كما تجد بيان ذلك في ((فتح الملهم
شرح صحيح مسلم لمولانا المحدث النعماني)) ومن ضعف
بالإِرسال نبذ شطر السنة المعمول بها.
ومن أصول أبي حنيفة عرض أخبار الآحاد على الأصول
المجتمعة عنده بعد استقرائه مواد الشرع، فإذا خالف خبر
الآحاد تلك الأصول يأخذ بالأصل عملاً بأقوى الدليلين،
ويعدّ الخبر المخالف له شاذاً. ولذلك نماذج كثيرة في
((معاني الآثار)) للطحاوي، وليس في ذلك مخالفة للخبر
الصحيح وإنما فيه مخالفة لخبر بدت علة فيه للمجتهد. وصحة
الخبر فرع خلوه من العلل القادحة عند المجتهد.
ومن أصوله أيضاً: عرض أخبار الآحاد على عمومات
الكتاب وظواهره، فإذا خالف عاماً أو ظاهراً في الكتاب،
١٨٨

أخذ بالكتاب وترك الخبر عملاً بأقوى الدليلين أيضاً، لأن الكتاب
قطعي الثبوت وظواهره وعموماته قطعية الدلالة عنده، لأدلة
ناهضة مشروحة في مفصلات كتب الأصول كفصول أبي بكر
الرازي، وشامل الإِتقاني، وأما إذا لم يخالف عاماً أو ظاهراً
في الكتاب، بل كان بياناً لمجمل فيه، فيأخذ به حيث لا
دلالة فيه بدون بيان، ولا يدخل هذا في باب الزيادة على
الكتاب بخبر الآحاد، وإن توهم ذلك بعض من تعوَّد
التشغيب .
ومن أصوله أيضاً في الأخذ بخبر الآحاد أن لا يخالف
السنة المشهورة، سواء كانت سنة فعلية أو قولية عملاً بأقوى
الدليلين أيضاً.
ومن أصوله أيضاً في الأخذ بذلك أن لا يعارض خبراً
مثله، وعند التعارض يرجّح أحد الخبرين على الآخر بوجوه
ترجيح تختلف أنظار المجتهدين فيها، ككون أحد الراويين
فقيهاً أو أفقه بخلاف الآخر.
ومن أصوله أيضاً: أن لا يعمل الراوي بخلاف خبره
كحديث أبي هريرة في غسل الإِناء من ولوغ الكلب سبعاً،
فإنه مخالف لفتيا أبي هريرة، فترك أبو حنيفة العمل به لتلك
العلة، ومعه في الإِعلال بمثل ذلك كثير من السلف، كما
نجد نماذج من ذلك في ((شرح علل الترمذي)) لابن رجب،
١٨٩

وإن ارتأى خلاف ذلك أناس ممن فقههم أقرب إلى
الظاهرية .
ومن أصوله أيضاً: رد الزائد متناً كان أو سنداً إلى
الناقص، احتياطاً في دين الله كما ذكره ابن رجب، وإغفال
هذا الأصل عند بعض متأخري أصحابنا في مناقشتهم مع
المخالفين من قبل إلزام الخصم بما يراه هو.
ومن أصوله أيضاً: عدم الأخذ بخبر الآحاد فيما تعم به
البلوى، فلا يكون طريق ثبوت ذلك غير الشهرة والتواتر،
ويدخل في ذلك الحدود والكفارات التي تدرأ بالشبهة.
ومن أصوله: أن لا يترك المختلفين في الحكم من
الصحابة الاحتجاجَ بالخبر الذي رواه أحدهم.
ومن أصوله أيضاً في خبر الآحاد: أن لا يسبق طعن من
السلف عليه .
ومنها: الأخذ بأخف ما ورد في الحدود والعقوبات عند
اختلاف الروايات.
ومنها: استمرار حفظ الراوي لمرويه من آن التحمل إلى
الأداء من غير تخلل نسيان.
ومنها: عدم تعويل الراوي على خطه ما لم يذكر مرويه.
ومنها: الأخذ بالأحوط عند اختلاف الروايات التي في
الحدود التي تدرأ بالشبهات، كأخذه برواية قطع السارق بما
١٩٠

ثمنه عشرة دراهم، دون رواية ربع دينار من حيث إنه ثلاثة
دراهم، فتكون رواية عشرة دراهم أحوط وأجدر بالثقة، حيث
لم يعلم المتقدم من المتأخر حتى يحكم بالنسخ لأحدهما.
ومنها: الأخذ بخبر تكون الآثار أكثر في جانبه.
ومنها: عدم مخالفة الخبر للعمل المتوارث بين الصحابة
والتابعين في أيّ بلد نزله هؤلاء، دون اختصاص بمصر دون
مصر. كما أشار إلى ذلك الليث بن سعد فيما كتب إلى
مالك.
وله أصول أخرى من أمثال ما سبق، تحمله على
الإِعراض عن كثير من الروايات عملاً بالأقوى(١).
وقال الإِمام محمد بن يوسف الصالحي الشافعي - تلميذ
الإِمام السيوطي ومؤلف السيرة المعروفة بالسيرة الشامية - في
كتابه النافع ((عقد الجمان في مناقب أبي حنيفة النعمان)) في
الفصل الثالث، منه ما نصه :
قال ابن عبد البر في كتاب الكنى: كان مذهب الإِمام أبي
حنيفة في أخبار الآحاد أن لا يقبل ما خالف الأصول المجمع
عليها، فأنكر عليه أصحاب الحديث وأفرطوا(٢). وقال في
(١) تأنيب الخطيب ص ٢٢٢ - ٢٢٥.
(٢) لفظه في الانتقاء هكذا: كان يذهب أبو حنيفة إلى عرض أخبار
الآحاد على ما اجتمع عليه من الأحاديث ومعاني القرآن، فما شذ
عن ذلك رده وسماه شاذاً.
١٩١

كتاب - ((العلم)) الذي لم يصنف في بابه مثله -:
ليس أحد من علماء الأمة يثبت حديثاً عن رسول الله وجل اله
ثم يرده، دون ادّعاء نسخ ذلك بأثر مثله أو بإجماع أو بعمل
متوارث، يجب على أصله الانقياد إليه أو طعن في سنده،
ولو فعل ذلك أحد لسقطت عدالته فضلاً عن أن يُتخذ إماماً،
ولزمه اسم الفسق، ولقد عافاهم الله تعالى من ذلك اهـ.
وقال غيره: ترك الإِمام أبو حنيفة رحمه الله العمل بحديث
آحاد، وقدَّم القياس عليها(١).
واعتذر عنه بأمور.
الأول: عدم اطلاعه على بعضها وفيه بُعد.
الثاني: أن يكون خبر الآحاد مخالفاً لعموم الكتاب أو
ظاهره، وهو لا يرى تخصيص عموم القرآن أو نسخه بخبر
الواحد، لأن عمومات الكتاب وظواهره حيث أفادت اليقين
- عنده - كالنصوص لا يجوز تخصيصها ومعارضتها، لأن فيه
ترك العمل بالأقوى من الدليل بما هو أضعف منه، وذلك
لا يجوز. مثال ذلك: ((الحرم لا يعيذ فاراً))(٢) يخالف عموم قوله
(١) تقديم القياس على الخبر ليس مما يقول به أبو حنيفة، بل بموافقة
القياس يرجح خبراً على خبر؛ وهذا غير ذلك، وسيأتي من
الصالحي نفسه الرد على هذا الفرية.
(٢) حديث ((إن الله حرم مكة)) أخرجه الستة، وفي آخره قول عمرو بن
سعيد - قائد الجيش إلى مكة ضد ابن الزبير -: (الحرم لا يعيذ
عاصياً ولا فاراً بدم) فلا يكون حديثاً.
١٩٢

تعالى: ﴿ومن دخله كان آمناً﴾، وقوله وَ له: ((لا صلاة لمن لم
يقرأ بفاتحة الكتاب)) (١) يخالف عموم قوله تعالى: ﴿فاقرؤوا ما
تيسر من القرآن﴾، وحديث التسمية في الوضوء - على فرض
صحته - يخالف قوله تعالى ﴿إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا
وجوهكم﴾ فلا يترك العمل بالكتاب بهذه الأحاديث.
الثالث: أن يكون مخالفاً للسنة المشهورة، لأن الخبر
المشهور فوق خبر الواحد، حتى جازت الزيادة به على
الكتاب، ولم تجز بخبر الواحد؛ فلا يجوز ترك الأقوى
بالأضعف فإنه ورد مخالفاً للحديث المشهور أن النبي
صَلَايّ
قال: ((البينة على المدّعي واليمين على من أنكر))(٢). وبيان
المخالفة من وجهين :
أحدهما: أن الشرع جعل الإِيمان في جانب المنكر دون
المدَّعي، لأن اللام تستدعي استغراق الجنس، فمن جعل
يمين المدَّعي حجة، فقد خالف النص المشهور ولم يعمل
بمقتضاه وهو الاستغراق.
والثاني: أن الشرع جعل الخصوم قسمين: قسماً مدعياً
وقسماً منكراً، والحجة قسمين: قسماً بينة، وقسماً يميناً،
وحصر جنس اليمين على من أنكر، وجنس البينة على
(١) أخرجه الستة وأحمد.
(٢) أخرجه البيهقي عن ابن عباس مرفوعاً، وأخرج الشيخان وغيرهما
بمعناه بطرق كثيرة .
١٩٣

المدَّعي، وهذا يقتضي قطع الشركة والجمع بين البينة
واليمين في جانب، والعمل بالشاهد واليمين يوجب ترك
العمل بموجب الخبر المشهور فيكون مردوداً.
هذا ما قرره الإِمام عبد العزيز (البخاري) في (التحقيق)،
وعبر غيره عن هذا الحكم بأن يكون في أحاديث الآحاد زيادة
على القرآن، فالقرآن يقول: ﴿واستشهدوا شهيدين من
رجالكم، فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون
من الشهداء﴾ فيكون الشاهد واليمين زيادة على الكتاب.
الرابع: كون راوي الحديث غير فقيه، وهذا مذهب عيسى
ابن أبان(١) وتابعه كثير من المتأخرين، وردوا بذلك حديث أبي
هريرة في المصرّاة (٢)، وقال أبو الحسن الكرخي ومن تابعه:
ليس فقه الراوي شرطاً لتقديم الخبر على القياس، بل يقبل
خبر كل عدل ضابط إذا لم يكن مخالفاً للكتاب أو السنة
المشهورة، ويقدم على القياس. قال صدر الإِسلام أبو
اليسر: وإليه مال أكثر العلماء، وبسط الكلام في تقوية ذلك
هو وصاحب (التحقيق) بما يراجع من كلاميهما. قال صاحب
(١) إنما يؤثر كون الراوي فقيهاً حين ترجيح روايته على رواية غيره،
وقبول روايته بالمعنى، بخلاف الراوي غير الفقيه فإنه مظنة غلط في
الموضعين .
(٢) تقدم طريق تقديم حديث ((الخراج بالضمان)) على حديث المصراة
من عشرة أوجه ص ١٤٥ .
١٩٤

(التحقيق): وقد عمل أصحابنا بحديث أبي هريرة فيمن أكل
أو شرب ناسياً(١) وإن كان مخالفاً للقياس، حتى قال أبو
حنيفة: لولا الرواية لقلت بالقياس.
وقد ثبت عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى أنه قال: ما جاءنا
عن الله عز وجل وعن رسول الله وَ ◌ّ فعلى الرأس والعين.
ولم ينقل عن أحد من السلف اشتراط فقه الراوي، فثبت أنه
قول محدث. قال الإِمام عبد العزيز في (التحقيق): كان أبو
هريرة فقيهاً ولم ينقص شيئاً من أسباب الاجتهاد، فقد كان
يفتي في زمن الصحابة، وما كان يفتي في ذلك الزمان إلّ من
كان فقيهاً مجتهداً. وقال محيي الدين القرشي في آخر
طبقاته: أبو هريرة رضي الله عنه من فقهاء الصحابة، وذكره
ابن حزم في الفقهاء من الصحابة. وقد جمع شيخنا شيخ الإِسلام
تقي الدين السبكي جزءاً في فتاوى أبي هريرة سمعته منه
اهـ.
وأجابوا عن حديث المصراة بأشياء أخر، ذكر بعضها
القرشي في آخر طبقاته.
(١) أخرجه الستة عن أبي هريرة رضي الله عنه بلفظ: جاء رجل إلى
النبي ◌َ* فقال: إني أكلت وشربت ناسياً وأنا صائم، فقال رسول
الله وَله: ((الله أطعمك وسقاك)) وهذا لفظ أبي داود ولفظ الباقين:
(من نسي وهو صائم فأكل وشرب، فليتم صومه، فإنما أطعمه الله
وسقاه).
١٩٥

الخامس: عمل الراوي بعدما روى حديثاً بخلاف ما
رواه، لأن الراوي إذا عمل بخلاف ما روى، فالعبرة عندهم
بما رأى لا بما روى(١). لأن الراوي المؤتمن العدل إذا روى
حديثاً عن رسول الله وَليه وعمل بخلافه؛ دل على شيء ثبت
عنده: إما نسخ، وإمّا معارضة، وإما تخصيص وغير ذلك من
الأسباب. مثال ذلك ما روى الشيخان عن أبي هريرة مرفوعاً
من حديث غسل الإِناء من ولوغ الكلب سبعاً إحداهن
بالتراب، وأبو هريرة من مذهبه غسل الإِناء من ولوغ الكلب
ثلاثاً. قال الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد: هو الصحيح عن
أبي هريرة من قوله، وقد روى الشيخان أيضاً من حديث ابن
عباس مرفوعاً: ((من بدَّل دينه فاقتلوه)) وصح من قوله: ((إن
المرأة لا تقتل إذا ارتدت)).
السادس: كونه خبر واحد فيما تعم به البلوى(٢) ويحتاج
كل واحد إلى معرفته، لأن العادة تقتضي استفاضة نقل ما
(١) تفصيل ذلك في شرح المازري على البرهان. راجع عمدة القاري
شرح البخاري / ١ : ١٥٤ /.
(٢) وعموم البلوى لا يتحقق إلّ فيما لا تبرأ الذمة إلّ بمعرفته، فلا
يجري في مثل رفع اليدين عند الركوع، ولفظ الإقامة ونحو ذلك، مما
اختلف فيه الأئمة من المسائل التي لا وجوب فيها، فإن الأدلة تفيد
التخيير بين الأخذ بهذا والأخذ بذاك، فيكون الخلاف في تعيين
الأفضل، كما نص على ذلك الجصاص في أحكام القرآن، فلا
یکون مما يشمله عموم البلوى.
١٩٦

تعم به البلوى. لأن النبي وَل لا يقتصر فيما تعم به البلوى
على مخاطبة واحد؛ بل يلقيه إلى عدد يحصل به التواتر
والشهرة مبالغةً في إشاعته لحاجة الخلق إليه. مثاله حديث
الجهر بالبسملة وهو مما رواه أبو هريرة أن النبي اوَلة: ((كان
يجهر بالبسملة)) فإنه لما شذّ مع لزوم اشتهار الحادثة لم يعمل
به(١). وحديث مسّ الذكر الذي روته بُسر فإنه شاذ لانفرادها
بروايته مع عموم الحاجة إلى معرفته، وأحاديث غيرها
مضطربة، فدل ذلك على ضعفه، إذ القول بأن النبي
خصها بتعليم هذا الحكم ولم يعلم سائر الصحابة مع شدّة
الحاجة شبه المحال. نقله في (التحقيق) عن شمس الأئمة.
السابع: كونه ورد في الحدود والكفارات، لأنها تسقط
بالشبهة ويحتمل أن راويه كذب أو سها أو أخطأ إذا انفرد،
فكان ذلك شبهة في درء الحد، هذا مذهب الإِمام الكرخي
(لكنه غير مرضي).
الثامن: كونه خالف القياس الجلي(٢).
التاسع: معارضة حديث آخر ثابت عنده يؤيده القياس.
(١) على أكبر تنزل فإن حديث نعيم بن المجمر عن أبي هريرة أمثل ما
ورد في الجهر بالبسملة، ومع ذلك هو معلول بما في نصب الراية
/١: ٣٣٦/ والموقوف هو الثابت.
(٢) هذا قول مالك وأبي الحسين البصري لا قول أبي حنيفة، والتفصيل
في (تحرير) ابن الهمام.
١٩٧

العاشر: طعن بعض السلف فيه.
الحادي عشر: أن لا يكون متروك المحاجة به عند ظهور
الاختلاف فيما بينهم، فيكون مردوداً عند بعض الحنفية
المتقدمين وعامة المتأخرين، لأن الصحابة هم الأصول في
نقل الدين، لم يتهموا بترك الاحتجاج بما هو حجة،
والاشتغال بما ليس حجة، مع أن عنايتهم بالحجج أقوى من
عناية غيرهم، فترك المحاجة والعمل به عند ظهور الاختلاف
فيهم دليل ظاهر على سهو من رواه بعدهم، أو أنه منسوخ.
ومثاله ما روي عن زيد بن ثابت عن النبي وَلّ أنه قال:
((الطلاق بالرجال)) مع أن الصحابة اختلفوا في هذه المسألة:
فذهب عمر وعثمان وزيد وعائشة إلى أن الطلاق معتبر بحال
الرجل في الرق والحرية كما هو مذهب الشافعي، ومذهب
علي وابن مسعود إلى أنه معتبر بحال المرأة كما هو مذهب
الحنفية، وعن ابن عمر أنه يعتبر بمن رق منهما، حتى لا
يملك عليها ثلاث طلقات إلاّ إذا كانا حرين. وأنهم تكلموا
في هذه المسألة بالرأي، وأعرضوا عن الاحتجاج بهذا
الحديث، مع أن راويه - وهو زيد - منهم، فدل ذلك على أنه
غير ثابت أو منسوخ، ولئن ثبت فهو مؤول بأن: إيقاع الطلاق
إلى الرجال.
فبمقتضى هذه القواعد ترك الإِمام أبو حنيفة رحمه الله
تعالى العمل بأحاديث كثيرة من الآحاد، وأبى الله تعالى إلّ
١٩٨

عصمته مما قال فيه أعداؤه وتنزيهه عما نسبوه إليه. والحق أنه
لم يخالف الأحاديث عناداً بل خالفها اجتهاداً لحجج واضحة
ودلائل صالحة، وله بتقدير الخطأ أجر وبتقدير الإِصابة
أجران. والطاعنون إما حساد أو جهال بمواقع الاجتهاد. قال
أبو محمد بن حزم: جميع الحنفية مجمعون على أن مذهب
أبي حنيفة أن ضعيف الحديث عنده أولى من الرأي. ومما
يدل على اعتنائه بالأحاديث، أنه قدَّم العمل بالأحاديث
المرسلة على العمل بالرأي، فأوجب الوضوء من القهقهة،
والقهقهةُ ليست بحدث في القياس، وإنما ترك القياس
للخبر، ولم يوجبه في صلاة الجنازة وسجود التلاوة، لأن
النص لم يرد إلّ في صلاة ذات ركوع وسجود فاقتصر على
مورد النص.
ومن هذا الباب أنه إذا أكل الصائم أو شرب أو جامع ناسياً
لم يفطر، والقياس الفطر لوجود ما يضاد الصوم - وهو قول
مالك - وترك أبو حنيفة هذا القياس لحديث ((تم على
صومك))(١) وقدَّم قول الصحابي على الرأي لاحتمال سماعه
عن النبي وَله .
ولا يجوز الاعتقاد أنه يقدِّم الرأي والقياس على الأحاديث
الصحيحة بلا حجة واضحة. قال المحققون: لا يستقيم
الحديث إلّ باستعمال الرأي فيه، بأن يدرك معانيه الشرعية
(١) في المغرب: تم صومك: أمضه.
١٩٩

التي هي مناط الأحكام، ولا يستقيم العمل بالرأي إلّ
بانضمام الحدیث إليه. اهـ.
قال الكوثري رحمه الله تعالى: انتهى ما نقلناه من كلام
الحافظ محمد بن يوسف الصالحي الشافعي في (عقود
الجمان في مناقب أبي حنيفة النعمان) قلت: والتعليقات التي
قيدناها - أثناء هذه المقولة - هي تعليقات المحقق الفقيه
الكوثري رحمه الله تعالى(١).
(١) النكت الطريفة في التحدث عن ردود ابن أبي شيبة على أبي حنيفة
ص ٢٦٠ - ٢٦٥.
٢٠٠