Indexed OCR Text

Pages 81-100

الله مالاً فليرَ أثر نعمة الله عليك وكرامته))(١).
وقال النضر بن محمد: كان أبو حنيفة جميل الوجه، سريّ
الثوب، عطراً، أتيته في حاجة، فصليت معه الصبح وعليّ
كساء، فأمر بإسراج بغلته، وقال: أعطني كساءك وخذ كسائي
ففعلت. فلما رجع قال لي: يا نضر أخجلتني بكسائك،
قلت: وما أنكرت منه؟ قال: هو غليظ، قال النضر: وكنت
اشتريته بخمسة دنانير وأنا به معجب، ثم رأيته بعد ذلك
وعليه كساء، فقومته بثلاثين ديناراً.
وعن أبي مطيع قال: رأيت على أبي حنيفة يوم جمعة برداً
وقميصاً، فقومتهما بأربعمائة درهم.
وكان يلبس الصوف أحياناً رحمه الله تعالى. قال أبو هند
الوراق: رأيت أبا حنيفة وعليه ثياب من صوف(٢).
أخلاقه العامة :
شأن الأخلاق عادة أنها من ثمرات الإِيمان، فهي تنبىء
عما يعمر قلبَ صاحبها من إيمان وتقوى وبر، وكلما قوي
الإِيمان، واستولى على القلب، واستمكن منه، و ملأه بنوره؛
ارتفعت أخلاق صاحبها واتسعت، وعمت ما تعمّ من جوانب
الحياة، فكل إناء بالذي فيه ينضح.
(١) رواه النسائي .
(٢) انظر أبو حنيفة للسيد عفيفي ٧٥ - ٧٦.
٨١

وأبو حنيفة رحمه الله تعالى من علماء القرون الثلاثة
المشهود لها بالخير على لسان رسول الله وَل9؛ إذ هو من
التابعين، رآى ستة أو سبعة من الصحابة رضوان الله عليهم،
وتلقى العلم عن ثلاثة وتسعين تابعياً، واستفاد علماً من أربعة
آلاف شيخ، وكان مرضياً، فلا عجب أن نجد أخلاقه أخلاق
خيار السلف الصالح مع الله تعالى، ومع نفسه، ومع الناس.
ذكر الذهبي بسنده إلى مجالد قال: كنت عند الرشيد إذ
دخل عليه أبو يوسف، فقال له هارون: صف لي أخلاق أبي
حنيفة، قال: كان والله شديد الذب عن حرمات الله، مجانباً
لأهل الدنيا، طويل الصمت، دائم الفكر، لم يكن مهذاراً ولا
ثرثاراً، إن سئل عن مسألة كان عنده بها علم أجاب فيها، وما
علمته يا أمير المؤمنين إلّ صائناً لنفسه ودينه [مشتغلاً بنفسه
عن الناس] لا يذكر أحداً إلّ بخير، فقال الرشيد: هذه
أخلاق الصالحين(١).
وأرى أن استخرج صوراً معدودة مما ذكر في أخلاقه
العظيمة، ومن خلال تلك الصور نتمثل أخلاقه أو نبرز صورته
الأخلاقية .
(١) جزء الإمام الذهبي في فضائل أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد، وقد
طبع بتحقيق المحدث الفقيه الشيخ أبي الوفاء الأفغاني، وطبع
بمصر بتحقيق المحدث الفقيه العلامة الشيخ محمد زاهد الكوثري
رحمه الله تعالى.
٨٢

وسأقسم هذه الصورة الممثلة إلى :
١ - أخلاق في السلوك مع الله تعالى: من عبادة الله
تعالى، وخوفه من الله تعالى، وورعه. ٢ - أخلاق في السلوك
مع الناس: من جوده، وسخائه، ونصحه للناس وبره بهم،
وصبره وحلمه عليهم.
أخلاقه في السّلوك مع اللّه تعالى
١ - عبادته :
روى الموفق المكي بسنده إلى حفص بن عبد الرحمن
قال: كان أبو حنيفة يحفظ القرآن، فيختمه في الشهر ثلاثين
مرة، وروى بسنده إليه أيضاً أنه قال: كنت شريك أبي حنيفة
ثلاثين سنة، فكان يختم القرآن في ثلاثة أيام ولياليها، وكان
یتصدق کل یوم بصدقة.
وقد جمع الموفق بين القولين فقال: إن ختم القرآن في
اليوم الواحد كان أولاً، ثم حين اشتغل بالأصول واستنباط
المسائل واجتمع عنده الأصحاب أخذ يختمه في ثلاث.
وروى الموفق كذلك بسنده إلى بكير بن معروف قال:
كنت بطانة أبي حنيفة في السفر والحضر، وأشهده في الليالي
في منزله، وكان قلّ ما يستتر عليّ أمر من أموره، فما رأيت
أحداً أكثر اجتهاداً منه !! صائماً بالنهار، قائماً بالليل، تالياً
لبيان الله، خاشعاً، دائباً في طاعة الله، محتسباً في التعليم
٨٣

وفي تنوير ما يشكل على الناس من المعاني، لا أقدر أن
أصفه كنه صفته - أي حقيقة ذلك - فرحمه الله رحمة واسعة.
وبه إلى ابنه حماد رحمهما الله تعالى قال: إنهم أحصَوا على
أبي حنيفة سنين كثيرة، يصلي صلاة الغداة بوضوء الليل. وبه
إلى محمد بن الحسن قال: صلّى أبو حنيفة ثلاثين سنة
صلاة الفجر بوضوء العتمة. وروى الموفق بسنده إلى إمام
أهل بلخ سالم بن سالم بمكة المكرمة بعد كلام: ولقد
حدثني من أثق به من أهل مكة، الذي كان ينزل عليه أبو
حنيفة إذا قدم مكة، قال: أقام عندي في قدمة قدمها ستة
أشهر ما وضع جنبه ولا نام، ما رأيته إلّ في صلاة أو
طواف !!.
وبه مرّ مسعربن كدام الزاهد بأبي حنيفة وأصحابه،
فوجدهم قد ارتفعت أصواتهم، فأقام ملياً، ثم قال: هؤلاء
أفضل من الشهداء والعبّاد والمتهجدين، هؤلاء يجاهدون في
إحياء سنة محمد وَالر، ويجتهدون في إخراج الجهّال من
جهلهم، هؤلاء أفضل الناس !! ثم قرب الحلقة فقال
لأصحابه: یا هؤلاء، ارفقوا بالشيخ، فإنه ۔ مع ما هو فيه - قد
أحيى عشر ليالٍ متواليات، شهدته الليلة التي مضت منها.
وروى كذلك بسنده إلى يحيى بن آدم قال: حج أبو حنيفة
رحمه الله تعالى خمساً وخمسين حجة(١).
(١) مناقب الموفق المكي جزء ٢ مفرقاً.
٨٤

هذا هو الإِمام أبو حنيفة العابد القانت لله تعالى، يقرأ
القرآن الكريم ويجعله ديدنه وأنيسه، فربما قرأه في ركعة،
وربما قرأه في ليلة، وربما في ثلاث، يقوم به الليل لله تعالى
خائفاً وجلاً، يتخفى بذلك كيلا يراه الناس، ويصوم الأيام
الكثيرة، والصوم لا مثل له كما قال يلر، ويحج كل عام منذ
حج مع والده حجة الإِسلام، ويتصدق كل يوم بصدقة .
فلا عجب أن تنطلق ألسنة العلماء بمدحه والثناء عليه.
قال الفضل بن سويد - الذي قدم الكوفة وسئل بعدُ عن أبي
حنيفة -: صحبناه كثيراً فما عرفناه إلّا صوَّاماً قوَّاماً.
وقال أبو مقاتل: صحبت أبا حنيفة الصحبة الطويلة في
حضره وأسفاره، فما رأيت أحداً أكثر صلاة منه، ولا أعبد ولا
أورع منه، وأما الفقه فلم أر أحداً يتقدمه.
وقال عطاء بن جبلة: لم أر أحداً من العلماء يختلف أنَّ أبا
حنيفة كان أفقه القوم، وأروع القوم، وأكثرهم صلاة
وعبادة(١).
هذا الإِمام الذي جعل ليله للعبادة، ونهاره للعلم والإِفادة
متى كان ينام؟ !.
قال مسعر بن كدام: رأيته - الإِمام رحمه الله تعالى -
يصلي الغداة (أي الفجر) ثم يجلس للعلم إلى أن يصلي
(١) المصدر السابق.
٨٥

الظهر، ثم يجلس إلى العصر، ثم إلى قريب المغرب، ثم
إلى العشاء، فقلت في نفسي: متى يتفرغ للعبادة؟ لأتعاهدنّه
فلما هدأ الناس خرج إلى المسجد - وكان بيته بجوار المسجد
الذي يؤم فيه حسبة لله تعالى - متطهراً فانتصب للصلاة إلى
الفجر، ثم دخل فلبس ثيابه - كانت له ثياب خاصة يلبسها
لقيام الليل - وخرج لصلاة الصبح ففعل كما فعل، ثم
تعاهدته على هذه الحالة فما رأيته مفطراً ولا بالليل نائماً.
وكان يغفو قبل الظهر إغفاءة خفيفة، وقرأ ليلة حتى وصل قوله
تعالى: ﴿ فمنّ الله علينا ووقانا عذاب السَّموم ﴾ فما زال
يرددها حتى أذن للفجر، وردد قوله تعالى: ﴿بل الساعة
موعدهم، والساعة أدهى وأمر ﴾ ليلة كاملة في صلاة. وقالت
أم ولده: ما توسد فراشاً بلیل منذ عرفته، وإنما كان نومه بين
الظهر والعصر في الصيف، وأول الليل بمسجده في
الشتاء(١).
٢ - خوفه من الله تعالى:
روى الكردري بسنده إلى يحيى بن سعيد القطان(٢)، قال:
جالسنا أبا حنيفة وسمعنا منه، وكنت والله إذا نظرت إليه
عرفت في وجهه أنه يتقي الله عز وجل.
(١) مقدمة إشارات المرام من عبارات الإمام، للقاضي كمال الدين
أحمد البياضي، من عمل الشيخ عبد الرزاق المشهدي ص ١٥ .
(٢) يحيى بن سعيد القطان الحافظ الحجة، أحد أئمة الجرح
والتعديل. قال أحمد: ما رأت عيناي مثله. الخلاصة ص ٤٢٣.
٨٦

وروى بسنده إلى ابن المبارك(١) قال: دخلت الكوفة،
فسألت عن أفقه أهلها، فقيل لي: أبو حنيفة، وسألت عن
أزهد أهلها، فقيل لي: أبو حنيفة، وسألت عن أورع أهلها،
فقيل لي : أبو حنيفة(٢).
وروى مسعود بن شيبة بسنده إلى الحسن بن صالح قال:
كان أبو حنيفة شديد الورع، مجانباً للحرام، تاركاً لكثير من
الحلال مخافة الشبهة، ما رأيت فقيهاً قط أشد صيانة منه
لنفسه وعلمه، وكان جهازه إلى قبره(٣). وروى بسنده إلى
عبد الله بن المبارك، قال - وذكر أبا حنيفة -: وما يقدرون أن
يقولوا في رجل عرضت عليه الدنيا بحذافيرها فنبذها وراء
ظهره، فضرب بالسياط وقيل له: خذ الدنيا فصبر على السراء
والضراء، ولم يدخل فيما كان غيره يطلبه ويتمناه، والله لقد
كان على خلاف من أدركناه، يطلبون الدنيا والدنيا تهرب
منهم، وتأتيه الدنيا فيهرب منها.
وروى بسنده إلى محمد بن الحسن قال: كان أبو حنيفة
رحمه الله تعالى واحد زمانه، ولو انشقت عنه الأرض لانشقت
عن جبل من الجبال، في العلم والكرم، والمواساة والورع،
(١) عبد الله بن المبارك قال فيه ابن عيينة: عالم المشرق والمغرب وما
بينهما، الخلاصة ٢١١ .
(٢) مناقب الكردري ١٩١/١.
(٣) كتاب مقدمة التعليم - مخطوط.
٨٧

والإِيثار الله تعالى مع الفقه والعلم(١).
وروى الموفق بسنده إلى عبد الله بن أحمد بن حنبل قال:
ذكر أبو حنيفة عند أحمد بن حنبل، فقال: رحمه الله، كان
ورعاً، ضرب على القضاء إحدى وعشرين سوطاً فأبى (٢).
وقائع :
روى الموفق بسنده إلى مِسْعر بن كدام قال: كنت أمشي
مع أبي حنيفة فوطى على رجل صبي لم يره، فقال الصبي :
لأبي حنيفة: يا شيخ، ألا تخاف القصاص يوم القيامة؟ فغشي
على أبي حنيفة، فأقمت عليه حتى أفاق، فقلت له: يا أبا
حنيفة، ما أشد ما أخذ قلبك قول هذا الصبي؟ فقال: أخاف
أنه لُفِّن.
وروى الموفق بسنده إلى ابن المبارك قال: قلت لسفيان
الثوري: ما أبعد أبا حنيفة عن الغيبة، ما سمعته يغتاب عدواً
له، قال: والله هو أعقل من أن يسلط على حسناته ما يذهب
بها(٣).
وروى بسنده إلى عبد الرزاق قال: كنت إذا رأيت أبا
(١) المصدر السابق.
(٢) مناقب الموفق المكي ١٤٨/٢.
(٣) مناقب الموفق المكي ١٩٠/١.
٨٨

حنيفة رأيت آثار البكاء في عينيه وخديه(١).
وروى الموفق بسنده إلى ضرار بن صُرَد قال: سمعت
یزید بن الكميت - وكان من خيار الناس - يقول: كان أبو
حنيفة شديد الخوف من الله تعالى، فقرأ بنا علي بن الحسن
المؤذن ليلة من العشاء الآخرة: ﴿إذا زلزلت ... ﴾ وأبو حنيفة
خلفه، فلما قضينا الصلاة وخرج الناس؛ نظرت إلى أبي
حنيفة وهو جالس يفكر ويتنفس، فقلت: أقوم لا يشتغل قلبه،
فلما خرجت تركت القنديل ولم يكن فيه إلّ زيت قليل،
فجئت وقد طلع الفجر وهو قائم قد أخذ بلحية نفسه ويقول:
يا من يجزي بمثقال ذرّة خير خيراً، ويا من يجزي بمثقال ذرّة
شر شراً، أجر النعمان عبدك من النار، وما يقرب منها من
سوء، وأدخله في سَعَة رحمتك. قال فأذنت فإذا القنديل يزهر
وهو قائم، فلما دخلت قال لي: أتريد أن تأخذ القنديل؟
قال: قلت: أذنت لصلاة الغداة، قال: اكتم ما رأيت، وركع
ركعتي الفجر وجلس حتى أقمت الصلاة وصلى معنا الغداة
على وضوء أول الليل(٢).
ماذا يقال في رجل جهازه إلى القبر؟ يقوم الليل كله صلاة
وبكاء ودعاء، لا يتوسد برأسه فراشه أربعين سنة، ويصوم
ثلاثين سنة كما قال ذلك له الحسن بن عُمارة حين صلى على
(١) المصدر السابق ٢١٤/١ .
(٢) مناقب الموفق ٢٣٨/١.
٨٩

جنازته. ماذا يقال في إمام يذكّر بالله تعالى فيخاف حتى
يغشى عليه؟! ليس عجباً على هذا أن نجد العلماء يذكرونه
بالخير ويرونه فيذكرون الله عند رؤيته، لما يبصرون فيه من
علائم خشية الله تعالى والخوف منه.
٢ - ورعه وزهده رحمه الله تعالى:
روى الموفق بسنده إلى الفيض بن محمد الرقي قال:
لقيت أبا حنيفة ببغداد وأنا أريد الكوفة، فقال لي: الق
حماداً - ابنه - وقل له: قد علمت أن قوتي في الشهر درهمان
من سويق وقد حبسته فعجله. قال الموفق ولعل هذا في
الأيام التي حبس ببغداد لأجل القضاء، فما كان يأكل من
طعام الخليفة لورعه الصادق، ولكنه كان يستدعي بالسويق
من الكوفة ليقنع به(١).
وقائع: روى الموفق بسنده إلى حفص بن عبد الرحمن
- شريك أبي حنيفة - وكان أبو حنيفة يجهز عليه، فبعث إليه
في رفقة بمتاع وأعلمه أن في ثوب كذا وكذا عيباً، فإذا بعته
فبيّن، فباع حفص المتاع ونسي أن يبين، ولم يعلم من باعه
- أي باع له - فلما علم أبو حنيفة تصدق بالمتاع كله. وكان
ثمنه ثلاثين ألفاً(٢).
(١) مناقب الموفق المكي ١٩٨/١.
(٢) ذكر هذه الواقعة الشيخ المحقق أبو الوفاء في مقدمة شرح كتاب
الآثار للإمام محمد ٦٠/١.
٩٠

وروى بسنده إلى الحميري عن أبيه قال: لما أشخص
المنصور أبا حنيفة من الكوفة إلى بغداد، شخصت معه،
فقدم بغداد، وحضر الدار، فدعا به المنصور، فخرج إليّ
وهو ملتمع اللون فسألته عن ذلك فقال: المنزلَ المنزلَ،
فمضيت معه، فقال: إن هذا دعاني للقضاء فأعلمته أني لا
أصلح، وإنني لأعلم أن البينة على المدعي واليمين على من
أنكر، ولكنه لا يصلح للقضاء إلّ رجل يكون له نفس يحكم
بها عليك وعلى ولدك وقوادك، وليس تلك النفس لي، وإنك
لتدعوني فما ترجع إليّ نفسي حتى أفارقك، قال: فلم لا
تقبل صلتي؟ فقلت ما وصلني أمير المؤمنين من ماله بشيء
فرددته، ولو وصلني بذلك لقبلته، إنما وصلني أمير المؤمنين
من بيت مال المسلمين؛ ولا حق لي في بيت مالهم، إني
لست ممن يقاتل من ورائهم فآخذ ما يأخذ المقاتل، ولست
من ولدانهم فآخذ ما يأخذ الولدان، ولست من فقرائهم
فآخذ ما يأخذ الفقراء. قال: فأقم تأتيك القضاة فيما لعلهم
يحتاجون إليك(١).
قلت: وقد ثبت أن الإِمام لم يرض أن يكون مرجع القضاة
ورئيسهم، بل آثر العافية من ذلك مع علمه بما سيجر عليه
هذا الرفض، وقد كان.
وروى الموفق بسنده إليه رحمه الله أنه قال: ما ملكت أکثر
(١) انظر مقدمة الأفغاني على شرح الآثار /١ - ٦٥/.
٩١

من أربعة آلاف درهم منذ أكثر من أربعين سنة إلّ أخرجتها،
وإنما أمسكها لقول علي رضي الله عنه أربعة آلاف درهم وما
دونها نفقة، ولولا أني أخاف أن ألتجىء إلى هؤلاء ما تركت
منها درهماً واحداً.
قال الشيخ منصور بن شيبة: ومن مناقبه رضي الله عنه أنه
مات أبوه ثابت وخلّف له مائتي ألف درهم، ما عدا الأملاك،
فأنفقها في طلب العلم وطلبته، حتى صيّر قوته في الشهر
درهمین(١). وروی بسنده إلى سهل بن مزاحم قال: كنا ندخل
على أبي حنيفة فلا نرى في بيته شيئاً إلّ البواري(٢).
ما أعظم هذا الرجل: يتورع عن طعام أمير المؤمنين وقد
حبسه عنده بغير حق، ويتصدق بمال حلال خالطه حرام
دون علمه ولو بلغ ثلاثين ألف درهم، ويأبى بعزة أن يأخذ هدية
الحاكم حين يرى أنه إنما يعطي من مال الجماعة - الأمة -
ومصارفها معروفة.
ما شاء الله كان! يستن بأهل الخير حتى في جمع المال،
ومع أنه كانت له تجارة كبيرة، وله كلاء هنا وهناك؛ إلّ أنه
كان لا يزيد ماله على أربعة آلاف درهم. ويعد ذلك المبلغ
نفقة له ولأهله، ولولا أنه يخشى أن يحتاج - ولو إلى أمير
المؤمنين وهو على تلك الحال يأخذ حقه - لما أبقى لنفسه
(١) مقدمة التعليم.
(٢) المصدر السابق والبواري: جمع بوري نوع من الحصير.
٩٢

من المال شيئاً، وإنما ينفقه هكذا وهكذا في سبيل الله.
هذا الخلق العظيم هو الذي أطلق ألسنة معاصريه من
الأكابر مدحاً فيه وثناء عليه لائقين به رحمه الله تعالى. روى
الموفق بسنده إلى عاصم بن علي قال: سمعت قيس بن
الربيع يقول: كان أبو حنيفة رجلاً ورعاً، محسوداً، وكان كثير
البر والصلة لكل من لجأ إليه، كثير الأفضال على إخوانه.
وروى بسنده إلى يزيد بن هارون قال: كتبت عن ألف شيخ
حملت عنهم العلم؛ فما رأيت والله أشدّ ورعاً من أبي
حنيفة، ولا أحفظ للسانه. وروى بسنده إلى سفيان بن
عيينة(١) قال: لم يكن في زمان أبي حنيفة أفضل منه ولا
أورع ولا أفقه منه.
وقال حفص بن عبد الرحمن: جالست أنواع الناس من
العلماء والفقهاء والزهاد والنسَّاك وأهل الورع؛ فلم أر أحداً
فيهم أجمع لهذه الخصال من أبي حنيفة. وقال أيضاً - وقد سبق
أنه كان شريكه في التجارة -: في طول ما صحبت أبا حنيفة
وخالطته لم أره يعلن بخلاف ما يسرّ، ولم أر أحداً يتوقى
مما لا خطر له مثل ما كان يتوقاه، وكان إذا دخلت عليه شبهة
من أي شيء أخرج من قلبه ذلك ولو بجميع ماله(٢).
(١) سفيان بن عيينة أحد شيوخ الشافعي، وقد قال فيه: لولا مالك وابن
عيينة لذهب علم الحجاز. انظر مناقب الموفق ١ / ٦٠ - ٦١،
٢٦/٢.
(٢) مناقب الموفق ٦٢/١.
٩٣

وقال النضر بن محمد: ما رأيت أشد ورعاً من أبي حنيفة،
ما كان يحسن الهزل، ولا يتكلم به، ولا رأيته مستجمعاً
ضحكاً، ولكنه يبتسم(١).
أخلاقه في السّلوك مع النّاس
١ - جوده وسخاؤه رحمه الله تعالى.
ذكر الإِمام الحلبي وأحمد العسكري والصيمري (٢) عن
مِسْعَر قال: كان أبو حنيفة رحمه الله تعالى إذا اشترى لعياله
شيئاً، أو جاءت له الباكورة من الفواكه؛ اشترى الشيوخ
المحدِّثين أجود مما اشترى لعياله ولنفسه، وأنفق عليهم أكثر
مما أنفق على عياله، وكان يسامح في المبايعة والمعاملة.
وذكر العسكري بسنده عن شريك بن عبد الله: أن أبا
حنيفة رحمه الله تعالى كان كثير التفكر، دقيق النظر، لطيف
الاستخراج في العلم والعمل والبحث والصبر مع المتعلم،
إذا كان فقيراً أغناه وأجرى عليه رزقاً وعلى عياله، وإذا تعلم
قال له: وصلت إلى الغنى الأكبر بعلم الحلال والحرام، كثير
العقل، قليل المجادلة مع الناس. وذكر الحافظ السلامي
بسنده: أن أبا حنيفة رحمه الله تعالى كان يبضع الأمتعة،
(١) المصدر السابق / ١ - ٦٣ /.
(٢) كتب في مناقب الإِمام نقل عنها الموفق في مناقبه جزء ١ مفرقاً.
٩٤

ويجمع الأرباح من سنته، ويشتري بها حوائج المحدِّثين، ثم
يدفع باقي الدراهم إليهم، ويقول للفقراء: احمدوا الله
تعالى، فإنه من ماله تعالى آتاكم إياه، هذه أرباح بضاعتكم
يجريه الله تعالى على يديّ لكم.
وروى الموفق بسنده إلى إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة
قال: لما حذق أبي - حماد - قراءة الفاتحة أعطى أبو حنيفة
المعلم خمسمائة درهم.
كان الإِمام رحمه الله تعالى مؤمناً حقاً وعالماً حقاً، ومن
صفات المؤمن الجودُ والسخاء، ومن صفات العالم التقي
الجود والسخاء كذلك، فلا غرابة أن نرى كرام العلماء وقد
أطلقت ألسنتها بالثناء على كرم الإِمام رحمه الله تعالى
وجوده. روى الموفق بسنده إلى حفص بن حمزة القرشي
قال: كان أبو حنيفة ربما مرَّ به رجل فيجلس إليه بغير قصد
ولا مجالسة، فإذا قام سأل عنه، فإن كانت به فاقة وصله،
وإن مرض عاده، حتی یجتّه إلى مواصلته، وکان أکرم الناس
مجالسة(١).
وروى الكردري بسنده إلى عبد الله بن الدوسي قال: كان
الإِمام رحمه الله تعالى يأمر حماداً أن يشتري له كل يوم
بعشرة دراهم خبزاً، ويتصدق به على جيرانه الفقراء وكل من
يختلف إلى الباب.
(١) مناقب الموفق / ١ - ٢٥٧/.
٩٥

وروى الموفق بسنده إلى أبي إسرائيل قال: كان أبو حنيفة
جواداً يواسي أصحابه ويبرهم في الأعياد، ويرسل إلى كل
واحد منهم على قدر منزلته، ويزوج من احتاج إليه، وينفق
من عند نفسه، ويقوم في حوائجهم، وكان ورعاً زاهداً،
صواماً، تالياً لكتاب الله تعالى، عالماً بما فيه، غاية في الفقه
لم يسمع بمثله في فنه. وعن أبي يوسف رحمه الله تعالى
قال: ما رأيت أجود من أبي حنيفة، فكنت أقول له: ما رأيت
أجود منك، فيقول: كيف لو رأيت حماداً؟! قال: وكان أبو
حنيفة يعولني وعيالي عشر سنين، وما رأيت أحداً أجمع
للخصال المحمودة منه .
وروى الموفق بسنده إلى الحسن بن سليمان قال: كان
جواداً ما رأيت مثله، كان أجرى على أصحابه وظيفة كل
شهر، ومع ذلك كان يواسيهم في عامة الأيام(١).
إن أجلى مظاهر الجود والسخاء، إنما هي في الإِنفاق
- والإِنفاق الدائم خاصة - على من لا يرجو المنفق عنده
عوضاً ولا جاهاً، لأنه فقير مستور، وكذلك كان إنفاق الإِمام
رحمه الله تعالى.
إن مزلة الأقدام لكثير من الكرماء أنهم يأخذون من مال
الحاكم هدية أو من مال الدولة صلة، أو يصلون إلى المال
(١) مقدمة شرح الآثار للأفغاني نقلاً عن مناقب الموفق ٢٨/١ - ٢٩،
٢٥٩/١.
٩٦

بطرق فيها شبهة، ثم يصلون بذلك المال الناس، ولقد ثبّت
الله تعالى قدم الإِمام رحمه الله تعالى في هذا الميدان، فما
قبل هدية من أمير قط، ولا أكل طعامه، ولا أخذ من مال
الدولة شيئاً، وكان أعفّ الناس في تجارته، بل لقد رفض
الدنيا حين أقبلت عليه في صورة رئاسة القضاة والقرب من
أمير المؤمنين .. وما أدراك ما يجلب ذلك من هدايا
وصلات ! .
٢ - نصحه للناس وبره بهم:
النصح إرادة الخير للآخرين، وقد كانت حياة الإِمام رحمه
الله كلها نصحاً وإرادة خير لعامة الناس وخاصتهم. وقد مرّت
بنا صور من بره لطلابه الفقراء وكيف كان يتعهدهم بالنفقة
سنين، وما كان يكرم به شيوخه والمحدثين منهم، ويطلب
منهم أن يشكروا الله تعالى لأنه رزق الله ساقه إليهم على
يديه، ومرّ بنا كيف كانت مجالسه كلها مجالس عبادة وعلم
ومذاكرة، فما يذكر أحداً بسوء ولا يقصده بأذى، ولو في
مقابل مقالة قيلت فيه.
١
فلا عجب أن نجد خيار العلماء يثنون على الإِمام رحمه
الله في نصحه وإرادته الخير للناس، ويصفونه بما يندر من
صفات الخير والبر، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.
روى الموفق بسنده إلى زفر بن الهذيل رحمه الله تعالى
٩٧

قال: جالست أبا حنيفة أكثر من عشرين سنة؛ فلم أر أحداً
أنصح للناس منه، ولا أشفق عليهم منه، وكان يذل نفسه لله
تعالى، أما عامة النهار فهو مشتغل في العلم وفي المسائل
وتعليمها، وفيما يسأل من النوازل وجواباتها، وإذا قام من
المجلس عاد مريضاً، أو شيَّع جنازة، أو واسى فقيراً، أو
وصل له رحماً أو سعى في حاجة، فإذا كان الليل خلا للعبادة
والصلاة وقراءة القرآن، فكان هذا سبيله حتى توفي رحمه الله
تعالى(١).
وروى الموفق بسنده إلى بكير بن معروف قال: ما رأيت
أحسن سيرة في أمة محمد صل من أبي حنيفة، وقال: قلت
لأبي حنيفة: الناس يتكلمون فيك ولا تتكلم أنت في أحد؟!
فقال: هو فضل الله يؤتيه من يشاء (٢).
وروى بسنده إلى عبد الله بن المبارك قال: ذكر أبو حنيفة
رحمه الله عند داود الطائي، فقال: ذاك نجم يهتدي به
الساري، وعلم تقبله قلوب المؤمنين، فكل عالم ليس من
علمہ یُعلم - من حیث کونه یعمل به - فهو بلاء على حامله،
والله هو أعلم بالحلال والحرام والنجاة من عذاب الجبار؛ مع
ورع مستكن وخدمة دائمة(٣).
(١) مناقب الموفق / ١ - ١٥٢ /.
(٢) مناقب الموفق / ١ - ١٥٥/.
(٣) المصدر نفسه /٢ - ٦٣ /.
٩٨

وروى بسنده إلى يحيى بن آدم قال: اجتهد أبو حنيفة في
الفقه اجتهاداً لم يسبقه إليه أحد، فهداه الله سبيله وسهل له
طريقه، وانتفع الخاص والعام بعلمه(١).
وروى بسنده إلى إبراهيم بن رستم يقول: سمعت خارجة
يقول: لقيت ألف عالم أو أكثر لم يكن واحد منهم يشبه أبا
حنيفة في البصر والعلم والعقل، ونعم كدُخداي العلم - خادم
العلم - كان لأمة محمد دَله .
وروى بسنده إلى سعدان بن سعيد قال: كان أبو حنيفة
طبيب هذه الأمة؛ لأن الجهل هو الداء الذي لا غاية بعده،
والعلم هو الدواء الذي لا غاية بعده، ففسر هذا العلم أبو
حنيفة تفسيراً شافياً انتفى به الجهل.
وروى بسنده إلى وكيع قال: أتى أبا حنيفة رجلٌ بكتاب
شفاعة ليحدثه، فقال: ما هكذا يُطلب العلم، قد أخذ الله
الميثاق على العلماء لتُبِّننّه ولا تكتمونه، ولا يكون العالم
يكون له خواص وعوام ولكن يعلم الناس ويريد الله بتعليمه.
وروى بسنده إلى عاصم النبيل قال: إني لأرجو أن يرفع
كل يوم لأبي حنيفة عمل صِدِّيق، قلت: لمه؟ قال: لانتفاع
الناس منه وبأقاويله (٢).
(١) انظر شرح الآثار للأفغاني / ١ - ٥٢/.
(٢) شرح الآثار للأفغاني مفرقاً.
٩٩

٣ - صبره وحلمه :
الصبر حبس النفس على ما تكره، وكم صبّر الإِمام رحمه
الله تعالى نفسه على ما تكره في سبيل إيصال العلم والهدى
إلى الناس.
روى الموفق بسنده إلى وكيع - شيخ الشافعي والبخاري
رحمهم الله تعالى - قال: إنه كان عند زفر، فذكر عنده سفيان
وأبو حنيفة، فقال زفر: كان أبو حنيفة إذا تكلم في الحلال
والحرام همت سفيان نفسه، ومن كان أنبل من أبي حنيفة؟!
وكان من الورع وترك الغيبة على شيء أعجز عنه الخلق،
وكان حمولاً صبوراً، رحمه الله تعالى .
وروى الذهبي في جزئه الخاص بالإِمام رحمه الله تعالى
بسنده إلى عبد الرزاق قال: ما رأيت أحداً أحلم من أبي
حنيفة، كنا جلوساً معه في مسجد الخَيْف؛ فسأله رجل عن
مسألة فأفتاه، فقال الرجل: قال الحسن البصري: كذا وكذا،
فقال أبو حنيفة: أخطأ الحسن، فجاء رجل أحمر الوجه،
فقال: يا ابن الفاعلة تقول أخطأ الحسن؟! فهمّ الناس به،
قال أبو حنيفة: أقول: أخطأ الحسن وأصاب ابن مسعود.
وقال محمد بن سليم عن وكيع أخبرنا يزيد بن كميت،
سمعت أبا حنيفة - وشتمه رجل واستطال عليه وقال له: يا
كافر يا زنديق - فقال أبو حنيفة: غفر الله لك، هو يعلم مني
خلاف ما تقول.
١٠٠