Indexed OCR Text

Pages 81-100

تحفَة الكرام
في مناقب سيدي أبي بكربن قوام
لحفيدُ الشّيخ محمّد بن عمر بنُ أبي بكرُ بُّ قُوامٌ
المتوفى ٨ ٧١ هنة
تحقيق
أحمد فروحيد المزيدي

:

منّاقِب سيدي أبي العَّاسِ السَّيْتِىّ
تحققن
أحمد فريد المزيدي

25
...

الروضة الرّيَّا
فيمن دُفن بداريًا
لِلإِمَامِ عَبْدُ الرحمن ◌ِّ محمّ العُمَادِيُ
المتوفى ٠٥١اهنة
تحقيقن
أحمد فريد المزيدي

ترجمة مختصرة للمؤلف
هو العلاَّمة الفقيه، المفتي المفسِّر المؤرِّخ الصوفي: عبد الرحمن بن محمد عماد
الدين بن محمد بن محمد بن محمد بن عماد الدين الحنفي الدمشقي.
وُلِدَ رحمه الله في ليلة الثلاثاء ١٤ من شهر ربيع الآخر عام ٩٧٨ هـ بدمشق.
من مصنفاته :
١ - الروضة الريا فمن دُفن بداريا .
٢ - الفتاوى العمادية، بحوزتي نسخة مصورة منه .
٣ - المستطاع من الزاد في المناسك. طبع.
٤ - ري الصادي من فتاوى العمادي.
٥ - تحرير التأويل على الكشاف للزمخشري .
٦ - رسالة في طائفة من الفرق الإسلامية.
٧ - إصلاح العالم بإفتاء العالم. طبع.
٨ - هداية ابن العماد لعبّاد العباد.
توفي رحمه الله في ليلة الأحد ١٧ جمادى الأولى سنة ١٠٥١ هـ، عن عمر يزيد
على سبعين سنة، ودُفن في مقبرة باب الصغير في دمشق بجوار والده رحمهما الله
تعالى .
انظر في ترجمته :
١ - خلاصة الأثر للمحبي (٢/ ٣٨٠، ٣٨٩).
٢ - منتخبات التواريخ للحضي (ص ٦٠٤).
٣ - معجم المؤلفين لكحالة (١٩١/٥).
٤ - الأعلام للزركلي (٣٣٢/٣).
١٤٥

٠٠

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد من الذى نوع طوف لامة اسبابالجيزة
ووسع لم ابواب المثوبات والبركات.
والصلاة والسلاء على بيه الذى بين
للمؤمنين سيل الطاعات، وس
زيارة الصالحين في الحياة وبعد المات
وعلى صحابة والتابعين لهم بإحساب
على مراد فور وكر الازمان وبود، فيقول
الفقير إلى لطف وبد الخضر وبره الوفى
عبد الرحمن النادى الخنفى الن زيارة
العالمين من أقرب القربات وهي
لاستمطار سحائبالبركات من الأموى
1.4
الی
الجریل
صورة أول الكتاب
١٤٧

١٤٨
الروضة الرَّيًّا فيمن دُفِنَ بِدَارَيًّا
زينب انهلك وفينا الصالحون قال
نعم إذا كثر الخبث الحديث الذرية السابع
مهوى المسند ابن البقامهوز هاد بقرة.
داريا عند ضريح إلى مسلم بـ٨٠, الى
عائشة رضى ممن عنها قالتبمست
رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول يحاً
ان روح القدس لا يزال بين المدوانا في حي له
وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم والجن.
سائلا واخراً ونظاه!
وباطنا ولاحراً:؟
صورة آخر الكتاب

بسم الله الرحيز اتيم
الحمد لله الذي نوَّع لهذه الأمة أسباب الخيراتِ، ووسَّع لهم أبواب المثُوبات
والبركات، والصلاةُ والسلام على نبيِّه، الذي بيَّن للمؤمنين سُبُل الطاعات، وحسَّن
زيارة الصالحين في الحياة وبعد الممات، وعلى صحابته والتابعين لهم بإحسان على مرِّ
الدهور وكرّ الأزمان. وبعد :
فيقول العبد الفقير إلى لُطْفِ ربِّه الخفيِّ، وبرِّهِ الوفي، عبد الرحمن العِمادي،
الحنفي :
إنَّ زيارة الصالحين من أقرب القُرُبات، وهي لاستمطارِ سحائِبِ البركات، من
الأمور المُجرَّبات، وقد أَمرنا بالتعرُّض للنفحاتِ، ولا شك أنَّ مواطنهم من أكبر
مظنَّات إجابة الدعوات(١).
ثم لمَّا كان من أعظم مزاراتِ الشام الموصوفة، مزارات داريًّا الكبرى، القرية
المعروفة، جمَعْتُ هذه النُّبذة في شأنها، تعريفاً بعِظَم قَدْرِ سُكانها، وتشريفاً للأسماع
بِذِكْرٍ مَن دُفن بمكانها، وسميتها: ((الرَّوْضةُ الرَّيًّا، فَيمن دُفِنَ بدارَيًّا)) عسى أن أُمنح
بلمحةٍ من سنا أنوار لمحاتهم، وأنفح بنفحةٍ من شذَى أسرار نفحاتهم، وما ذلك على
الله بعزيز، وهو حسبي ونعم الوكيل.
فأقول وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواءِ الطريق: قال القاضي ابن خلكان في
وفيات الأعيان في ترجمة الشيخ أبي سليمان(٢):
«دارَيًّا: ياؤُها مشذَّدة، والنسبة إليها دارانِيُّ، من شواذُ النَّسَب، وهي قرية في
ناحية يقال لها: وادي العَجَم، من نواحي دمشق)). انتهى.
(١) وقد عُلم عن الإمام شمس الدين الذهبي في سير أعلام النبلاء قوله: والدعاء عند قبور الصالحين
مستجاب.
(٢) هو الشيخ عبد الرحمن بن أحمد بن عطية العنسي الداراني، من كبار الزهاد في عصره. وانظر:
وفيات الأعيان (١٣١/٣)، وسير أعلام النبلاء (١٠/ ١٨٢).
١٤٩

١٥٠
الروضة الرَّيًّا فيمن دُفِنَ بدَارَيًّا
قلت: إنما كان من شواذُ النَّسبِ، لأنها على غير قياس، إذ القياس أن تُحذف
الألف الأخيرةُ لوقوعها سادِسةً، كما قالوا: قَبَعْثَرِيُّ نسبة إلى قَبَعْثَرى، ثم تُحذف الياء
الأولى وتُقلب الثانية واواً، كما قالوا: قُصَوِيّ نسبة إلى قُصَيّ، فكان القياسُ أن يقال
في النسبة إليها : دَارَوِيُّ .
ودَاريًا: وزنها فعليًا، ومثلها من الصِّيغ المسموعة مَرَحَيًا، وبَرَدَيًّا. حكاهما
سيبويه(١).
وهي مشتقّة من الدَّار، والياءُ للتأنيث، وإنما زِيْدت هذه الزوائد دلالة على
التكثير. وزيادة المبنى تدلُّ على زيادة المعنى.
وذلك كما قيل: إنها كانت في الأصل مجمعاً لدُوْرِ ((آلٍ جَفْئَة)) الغسانيين
ومنازلهم.
قلت: وآلُ غسَّانَ: هم ملوك الشام، الذين يقول فيهم حسان بن ثابتٍ رضي الله
عنه من جملة ما له فيهم من المدائح الحِسانِ (٢):
أولادُ جَفْئَةَ حولَ قبرٍ أبيهمُ قبرِ ابن مارِيَة الكريم المُفْضِلِ
لا يسألونَ عنِ السَّوادِ المُقْبِلِ
يُغْشِونَ حتى ما تَهِرُّ كِلابُهُم
شُُّ الأنُوفِ، من الطّرازِ الأوَّلِ
بِيْضُ الوجوهِ، كريمَةٌ أحسابُهُم
(بردى) يُصَفَّقُ بالرَّحِيقِ السَّلْسَلِ
يَسْقونَ من ورَدَ (البَريصَ) عليهم
ومنهم جبلةُ بنُ الأيْهَم، الذي وفَدَ نهر دمشق مُسْلِماً على عُمر رضي الله عنه في
خلافته بخمس مئة فارس، عليهم الدِّيباج، والذهبُ، وعلى رأسه التاجُ، وقُرْطَا مارية
المشهوران، ثم وَطِىءَ الَفَزاريُّ إزَارَهُ في الطّوافِ فلطَمَهُ.
فقال له عمر رضي الله عنه: إمَّا أن تُرْضِهِ، أو تُقِيْدَهُ، فلم يَرْضَ الفزاريُّ إلاَّ أن
يقيْدَهُ بِلَطْمَةٍ مثلها .
فقال: أتقيْدُ مِنِّي وأنا مَلِكٌ؟
فقال عمر رضي الله عنه: أنتما في حُكُم الإسلامِ سَوَاء .
فقال: أمهلني ثلاثة أيام، فأمهله، فخرج ليلاً إلى قيصر، فمَلَّكَهُ في بلاده،
وتنصَّرَ .
-
-
(١) انظر: الكتاب له (٢ /٤٢٤).
(٢) الأبيات في ديوانه (ص ١٨٣)، والأغاني (١٥/ ١٦٧).

١٥١
الروضة الرَّيًّا فيمن دُفِنَ بِدَارَيًّا
ثم إنَّ عمر رضي الله عنه أرسل صحابياً إلى قيصر فاجتمع بجَبَلَة فرأى عنده من
الخَدَمِ والحشم والجواهِرِ وأواني الذهب والفضة ما أذهله، فسأل عن عمر، وعن تلك
الدِّيارِ، ثم تأوََّ، وأنشد(أ):
وما كان فيها لو صَبَرْتُ لها ضَرَرْ
ـة
تَنَصَّرَتِ الأشرافُ من أجل لظْمَـ
وبِعْتُ بها العينَ الصحيحةَ بالعَوَرْ
تكَنَّفنِي فيها لجاجٌ ونخوةٌ
رجعْتُ إلى القولِ الذي قالَهُ عُمَرْ
فيا ليْتَ أمي لم تَلِذْني وليتني
ويا ليتني أرْعى المَخَاضَ بقَفْرَةٍ وكنتُ أسيراً في ربِيْعَةَ أوْ مُضَرْ
ثم قال جَبَلةُ للرسولِ: إن ضمِنْت لي على عمر ثلاثة أشياءِ رجعتُ إلى الإسلام:
أن يَغفر لي ما سلَفَ، وأن يزوِّجني بنته، وأن يجعلني وليَّ عهده من بعده.
فقال له: أمَّا الثّْتانِ: فنعَمْ، وأما الثالثة: فلا.
فرجع الرسول، وأخبر عمر رضي الله عنه، فقال له: ليتَكَ ضمِنْتَ الثالثة ﴿وَاللَّهُ
يُؤْتِ مُلْكَهُ مَن يَشَآءُ﴾ [البَقَرَة: الآية ٢٤٧]. وقصته مشهورة، وهي بطولها في الكتب
مسطورة(٢).
وقال الإمام النووي رحمه الله تعالى في تهذيب الأسماء واللغات(٣): ((دَارَيًّا:
القرية المشهورة، تحت دمشق، على دونِ ثلاثة أميالٍ. هي بفتح الرَّاءِ، وتشديدِ الياءِ،
كان فُضلاءُ السلفِ يسكنونها، وممَّن سكنها من الصحابة رضي الله عنهم: بلالٌ المؤذِّنُ
رضي الله عنه .
وبها قبران، مشهوران، يُقْصدان للزيارة، لسيدين جليلين: أبي مسلم الخولانيِّ،
وأبي سليمان الدارانيّ، رضي الله عنهما)) انتهى.
ولنبدأُ بذكر مناقِبِ الإمام الشريف الذَّات، صاحب المناقِبِ والكرامات، التابعيِّ
الجليل، أبي مُسْلم الخولاني رضي الله عنه.
فنقول: قال الحافظ الكبيرُ، المُفسِّرُ، الإمام ابن كثير (٤): نزل أبو مسلم
الخولانيّ بدارَيًّا، من غربيٍّ دمشق بعد أن ارتحل من اليمن إلى المدينة، فوجد النبيَّ بَّه
(١) انظر: الأغاني (١٦٧/١٥).
(٢) انظرها في: البداية والنهاية (٦٤/٨)، والأغاني (١٦٢/١٥).
(٣) في (١٠٨/٣).
(٤) في البداية والنهاية (٢٨٨/٦).

١٥٢
الروضة الرَّيًّا فيمن دُفِنَ بِدَارَيًّا
قد قُبِضَ ذلك العام، فرأى أبا بكر وعمر رضي الله عنهما وغيرهما من الصحابة رضي
الله عنهم. وكان لا يسبِقُهُ أحد إلى المسجد الجامع بدمشق، من دارَيًّا، في أوقات
الصلواتِ الخمسِ، ولا سيما وقت الصبح.
وكان مُلازماً للجهاد في كلِّ سنة، يغزو بلاد الرُّومِ، مع أصحاب له خاصة.
وله أحوالٌ، وكراماتٌ كثيرةٌ، وقبرُهُ مشهورٌ بدارَيًّا .
وكان مقامُهُ بها إذا قفَلَ من غزوِ الرُّومِ (١).
روى الحافظ ابن عساكرٍ عنه أمراً غريباً، وشأناً عجيباً، بسنده، من طريق
إسحاق بن نجيح الملطيِّ، عن الإمام المجتهِدِ الأوزاعي، التابعيّ الجليل رضي الله عنه
قال: أتى أبا مسلم الخولاني نفرٌ منَ قومه - يعني الخولانِيِّين - من اليمن فقالوا: يا أبا
مسلم أما تشتاقَ إلى الحجِّ؟ فقال: بلى، لو أصَبْتُ لي أصحاباً. فقالوا: نحن
أصحابُكَ. فقال: لستم لي بأصحابٍ. إنما أصحابي قومٌ لا يريدون الزَّاد ولا المزادَ.
فقالوا: سبحان الله! كيف يسافر قومٌ بلا زادٍ ولا مزادٍ؟ فقال لهم: ألا ترون إلى الطَّيْرِ،
تَغْدُو تروح بلا زادٍ ولا مزادٍ، والله يرزقها؟ قال: فقالوا: إنَّا نسافِرُ معك. قال: تهيَّؤُوا
على بركة الله تعالى. قال: فغَدَوا من دمشق ليس معهم زادٌ ولا مزادٌ، فلما أتوا إلى
المنزل فقالوا: يا أبا مسلم، طعام لنا وعلفٌ لدوابنا، قال: فقال لهم: نعم.
فتنحى غير بعيدٍ فتيمَّم مسجد أحجار، فصلَّى ركعتين في ذلك المسجد، ثم جثًا
على رُكْبتيه، فقال: إلهي، قد تعلمُ ما أخرجني من منزلي، وإنما خرجتُ إيثاراً لك
على من سواك، وقد رأيتُ البخيل من ولد آدم تنزِلُ به العصابةُ من الناس فيُوسِعهم
قِرَى، وأنت الكريم، الغنيُّ، اللطيفُ، الرزّاقُ، وَإِنَّا أضيافُك، وزُوَّارُكَ، فَأَطِعِمْنا،
واسْقِنا، واعلف دوابنا.
قال: فأُتي بسُفْرةٍ فَمُدَّت بين أيديهم، وجيء بجَفْنَةٍ من ثريدٍ تِبْخَرُ، وجيءَ بِقُلَّتين
من ماء وجيءَ بالعلفِ لا يُذْرَى من يأتي بذلك، فلم تزل تلك حالُهُم منذ خرجوا من
عند أهلهم حتى رجَعُوا لا يتكلَّفُون زاداً ولا مزاداً(٢).
قال ابن كثير: فهذه حالُ وليٍّ من أولياء الله تعالى، من هذه الأمة، تُنزَّل عليه
وعلى أصحابه كل يوم مائدةٌ مرتين، مع ما يُضاف إليها من الماء، والعلف لدواب
أصحابه. وهذا اعتناءٌ عظيم بهذا الرجل، الكبير القدر، وقد شُبِّهَ في تلك المائدة
(١) انظره في شمائل الرسول بم طر للحافظ ابن كثير (ص ٥١٧)، وتاريخ دمشق (ص ٤٩٢، ٤٩٩).
(٢) انظر: تاريخ دمشق (ص ٥٠٩، ٥١٠)، وشمائل الرسول ◌َّ لابن كثير (ص ٥٧٢).

١٥٣
الروضة الرَّيَّا فیمن دُفِنَ بِدَارَيًّا
بعيسى عليه الصلاة والسلام كما شُبِّهَ في كرامةٍ أُخرى بإبراهيم الخليل وفي كرامَةٍ أخرى
بنُوح، وموسى، عليهم الصلاة والسلام(١).
وكم له كرامةٍ عظيمة، وبرَكَّةٍ جسيمةٍ، وإنما نال ذلك ببركة مُتابعته لنبيِّنا الكريم
عليه أفضل الصلاة والسلام.
روى البيهقي بسنده من طريق أبي النّصْرِ، عن سليمان بن المُغِيْرةِ: أنَّ أبا مُسلم
الخولاني جاء إلى دجْلَةَ، وهي تزْمِي بالخشب لشدَّةٍ مرّها فمشى على الماء وتبِعَهُ
أصحابه، ثم التفت إلى أصحابه وقال: هل تفقدون من متاعِكُم شيئاً، فندعو الله أن
يرُدَّهُ؟ قال البيهقي: هذا إسناد صحيح.
وفي رواية ابن عساكر: أنَّه غَزَا أرض الروم، فمرُّوا بنهرٍ وقال لأصحابه: أجِيزُوا
بسم الله، ومرَّ بين أيديهم فمرُّوا خلْقَهُ على الماءِ، فلم يَبْلُغْ من الدَّواب إلاَّ إلى الرُّكَبٍ(٢).
قال: فلما جازوا قال للناس: من ذهب له شيء فأنا ضامن له. قال: فألقى
بعضهم مخلاةً عمداً، فلما جازوا قال الرجل: مخلاتي يا أبا مسلم وقعت في النهر،
فقال له: اتبعني، فإذا المخلاةُ تعلَّقت ببعض أشجار النهر، قال: خذها. ورواه أبو
داود من طريق أخرى (٣).
ولابن عساكر، عن حميد بن هلالٍ العدويِّ، قال: حدثني ابن عمي قال: خرجت
مع أبي مسلم الخولاني في جيشٍ، فأتينا على نهرٍ عجَّاج، مُنْكَرٍ، فقلنا لأهل القرية: أين
المخاضة؟ فقالوا: ما كانت لههنا مخاضة قط ولكن المخاضة أسفل منكم على ليلتين.
فقال أبو مسلم: اللهمَّ أجزْتَ بني إسرائيل البحر، وإنّا عبادُك في سبيلك، فأجزنا
هذا النهر اليوم، ثم قال: اعبروا بسم الله. قال ابن عمي: وأنا على فرسٍ، فقلت:
لأقذفنَّه أول الناس، خلف أبي مسلم، قال: فوالله ما بلغ الماء بطون الخيل حتى عبر
الناس كلهم .
ثم وقف فقال: يا معشر المسلمين هل ذهب لأحدكم شيء فأدعو الله تعالى
يردُّهُ(٤)؟ .
(١) انظر: شمائل الرسول وَ﴾ لابن كثير (ص ٥٧٣).
(٢) رواه ابن عساكر في تاريخ دمشق (ص ٥٠٣).
(٣) رواه أبو داود (١٧٨/٣).
(٤) رواه ابن عساكر في تاريخ دمشق (ص ٥٠٤).

١٥٤
الروضة الرَّيًّا فيمن دُفِنَ بِدَارَيًّا
قال ابن كثير: ((وهذه مشابهة لمعجزة نوح عليه السلام، في مسيره من فوق
السفينة، وبمعجزة موسى عليه السلام في فَلْقِ البحر، وهذه فيها ما هو أعجب من جهة
مسيرهم على متن الماء، من غير حائلٍ، ومن جهة أنه ماء جارٍ فالمسير عليه أعجب
من السير على الماءِ القارّ، فهذا خارق، والخارق لا فرق بين أن يكون في بحر أو نهر
بل كونه في نهر عجَّاج كالبرق الخاطف، ولم يصل إلى بطونِ الخيل أعظم
وأعجب))(١).
ولا شك أن كرامات الأولياء من جنس معجزات أنبيائهم، فمن طعن على
الكرامات، فقد طعن على المعجزات(٢).
وروى الحافظ أبو نعيم في ((الحِلْيَة)) والحافظ ابن عساكر والإمام ابن الزملكاني
والحافظ ابن كثيرٍ، وغيرهم، عن إسماعيل بن عياش، قال: حدثني شُرَحبيل بن مسلم
الخولاني، أن الأسود العنسي الكذَّاب تنبّأ باليمن فأرسل إلى أبي مسلم الخولانيِّ،
فأتى به، فلما جاء قال: أتشهد أني رسول الله؟ قال: ما أسمع. قال: أتشهد أن محمداً
رسول الله؟ قال: نعم. فردَّد عليه ذلك مراراً، وهو يجيبه بما ذُكر، ثم أمر بنارٍ عظيمة
فَأُجِّجَت وأُلقي فيها أبو مسلم، فلم تضُرَّهُ فقيل للأسود: انْفِهِ من بلادك وإلاَّ أفسد
عليك من اتَّبَعك، فأمره بالخروج من بلاده فارتحل أبو مسلم فأتى المدينة وقد قُبِض
رسول الله ◌َّر فأناخ أبو مسلم راحلته ثم دخل المسجد وقام يُصلي إلى ساريةٍ من
سواري المسجد، فبَصُرَ به عمر بن الخطاب رضي الله عنه فأتاه فقال: ممَّنِ الرَّجل؟
فقال: من أهل اليمن. فقال: ما فعل الرجل الذي أحرقَهُ الكذَّابُ بالنار؟ قال: ذلك
عبد الله بن ثوابٍ. قال: أنشُدُكَ الله، أنتَ هو؟ قال: اللهمَّ نعم. فاعتنقه ثم بكى
وذهب به حتى أجلسه بينه وبين أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وقال: الحمد لله الذي
لم يُمِتني حتى أراني في أمَّة محمد من فُعل به كما فُعِل بإبراهيم خليل الرحمن (٣).
قال إسماعيل بن عياش: وأنا أدركت رجالاً من اليمن خولانيين، يجتمعون مع
العنسيين، فقال الخولانيون للعنسيين: صاحبكم الكذاب أحرق صاحبنا بالنار فلم
تضرّهُ .
(١) انظر: شمائل الرسول وَل ◌َوّ (ص ٥٠٦).
(٢) كرامات أولياء الله الصالحين، الربّانيين، أهل الشريعة والحقيقة، ثابتة لا شك فيها، وهي مشاهدة
بأمر الله وكثير منهم يخفيها، حفاظاً على حالهم وسرهم.
(٣) رواها الحافظ أبو نعيم في حلية الأولياء (١٢٨/٢، ١٢٩)، وابن عساكر في تاريخ دمشق
(ص ٤٩٣، ٤٩٥).

١٥٥
الروضة الرَّيًّا فيمن دُفِنَ بِدَارَيًّا
وروى ابن عساكر من غير وجه بسنده إلى أبي بشر، جعفر بن أبي وحشيَّة: أن
رجلاً من خولان أسلم فأراده قومه على الكفر فأبى، فألقوه في النار فلم يحترق منه إلاَّ
الأُثُمُلة، لم يكن يصيبها الوضوء، فقدِمَ على أبي بكر الصديق رضي الله عنه فقال له:
استغفر لي. فقال أبو بكر: أنت أحقّ أنت ألقيت في النار فلم تحترق فاستغفر له. ثم
خرج إلى الشام، وكانوا يشَبِّهونه بإبراهيم الخليل عليه السلام، وهذا الرجل هو أبو
مسلم الخولاني.
وهذه الرواية تُحقّق أنه إنما نال ذلك ببركة متابعته الشريعة المحمدية، كما جاء
في حديث الشفاعة: ((حرَّم الله على النار أن تأكل مواضِعَ السجود))(١).
قال ابن كثير: وقد وقع لأحمد بن أبي الحواريّ، مع شيخه، أبي سليمان
الداراني رضي الله عنهما، الآتي ذكرهما قريباً، قصة تشبه هذه وكلاهما ساكن دارَيًّا،
كما رواه ابن عساكر في ترجمة أحمد بن أبي الحواريّ، بسنده من غير وجه.
أنه جاء إلى أستاذه أبي سليمان الداراني يُعلمه أنَّ التَّنُور قد سَجَرُوهُ، وأهله
ينتظرون ما يأمرهم به، فوجده يُكلِّم الناس، وهم حوله، فأعلمه بذلك فلم يلتفت إليه
واشتغل عنه بالناس، ثم أعلمه ثانياً فلم يلتفت إليه، ثم أعلمه ثالثاً، فقال له أبو
سليمان: اذهب واجلس فيه. واشتغل أبو سليمان بالناس. فذهب أحمد إلى التنور،
وهو يضطرم ناراً، فجلس فيه، فكان عليه برداً وسلاماً، وما زال جالساً حتى فرَغَ أبو
سليمان من كلامه، فقال لمن حوله: قوموا بنا إلى أحمد، فإني أظنه قد ذهب إلى
التَّنُّور، فجلس فيه، امتثالاً لما أمرته به. فذهبوا فوجدوه جالساً فيه فأخذه أبو سليمان
بيده وأخرجه رضي الله عنهما (٢).
وأما الشيخ المذكور الإمام قدوة السادات الصوفية، صاحب الكمالات السَّنِيَّة
والمقامات العلِيَّة، أبو سليمان عبد الرحمن بن أحمد بن عطية الدارانيُّ نفعنا الله تعالى
به .
فقد كان الشيخ المذكور عنسِيَّ القبيلة، وكانت وفاته سنة خمس عشرة ومئتين من
الهجرة رضي الله عنه، وكان كبير الشأن بين مشايخ الطريقة، آية في علوم التصوُّف
والحقيقة .
(١) رواه البخاري (٨٠٦)، (٦٥٧٣)، ومسلم (١٨٢)، وأبو داود (٤٧٣٠)، والترمذي (٢٥٥٧)،
والنسائي (٢٢٩/٢)، وابن ماجه (٤٣٢٦).
(٢) انظر: البداية والنهاية للحافظ ابن كثير (٢٦٨/٦، ٣٤٨).

١٥٦
الروضة الرَّيًّا فيمن دُفِنَ بِدَارَيًّا
قال الإمام، حجَّة الإسلام، الغزاليُّ في ((الإحياء)) عند ذكر كلام أبي سليمان على
معنى بعض المقامات: لله دَرُّ هذا الإمام الكبير الشأن، ما تكلّم على حالٍ أو مقام إلاَّ
كان كلامه من بين أقرانِهِ أنفس الكلام موفياً بنهاية المرام.
ولنذكر حصَّةً رائعة من كلماته الفائقة.
قال رحمه الله تعالى: من لطائف المعاريض قوله تعالى: ﴿أَلَا لِلَّهِ الذِينُ الْخَالِصَُّ﴾
[الزُّمَر: الآية ٣] تهديدٌ بلطفٍ، يعني أنه تعالى لا يقبلُ إلاَّ الخالِص، وما ليس بخالصٍ
فهو ليس له، كما يشير إليه الحديث القدسي: ((أنا أغْنَى الشريكين))(١).
وسبب توبته أنه قال رضي الله عنه: اختلفت في أول أمري إلى مجلس قاصٌ،
فأثّر كلامه في قلبي، فلما فارقته لم يبق في قلبي شيء من كلامه، فعدت ثانياً إليه،
فسمعت كلامه فبقي كلامه في قلبي إلى بعض الطريق ثم زال عني، ثم عدت إليه ثالثاً،
فبقي أثرُ كلامه في قلبي حتى رجعت إلى منزلي وكسرت الآت المخالفات ولزمت
الطريق))(٢).
قال الغزالي في ((الإحياء)): قيل: حُكِيت هذه لمالك بن دينار فقال: عصفور
صاد بازِياً.
وسأله رجل عن أقرب ما يتقرَّب به العبد إلى ربِّه، فقال: أن يطَّلع على قلبك
وأنت لا تريد في الدنيا والآخرة غيره(٣).
وقال رحمه الله تعالى: كل ما يشغلك عن الله تعالى من أهل أو مال أو ولد فهو
عليك مشؤوم (٤).
وقال: من أحسن في ليله كُوفىء في نهاره، ومن أحسن في نهاره كوفىء في
ليله(٥) .
وقال: اختلف المشايخ في حقيقة الزُّهد، وأنا أقول: إنَّ الزُّهد ترك ما يشغلك
عن الله تعالى(٦).
(١) رواه مسلم (٢٩٨٥)، وأحمد في المسند (٣٠١/٢)، (٤٦٦/٣).
(٢) يعني طريق القوم، طريق الله رب العالمين.
(٣) انظر: حلية الأولياء (٢٥٦/٩)، والبداية والنهاية (٢٥٥/١٠).
(٤) انظر: إحياء علوم الدين لحجة الإسلام (١٠١/٣).
(٥) انظر: حلية الأولياء (٢٥٥/٩).
(٦) انظر: حلية الأولياء (٢٥٥/٩).

١٥٧
الروضة الرَّيًّا فيمن دُفِنَ بدَارَيًّا
وقال تلميذه أحمد بن أبي الحواريّ، المقدَّم ذِكْرُهُ: دخلت يوماً على أستاذي،
أبي سليمان الداراني، وهو يبكي، فقلت له: ما يُبكيك؟ فقال لي: يا أحمد، لِمَ لا
أبكي إذا جنَّ الليل وخلا كل حبيبٍ بحَبيبه، وافترش أهل المحبة أقدامهم، وجرت
دموعهم على خدودهم، وأشرف الجليل سبحانه وتعالى فنادى: يا جبريل، بعَيْني من
تلذَّذ بكلامي، واستراح إلى ذِكْري، وإني المُطَّلِع عليهم في خلواتهم أسمع أنينهم
وأرى بكاءهم فلم لا تنادي فيهم يا جبرائيل: ما هذا البكاء؟ هل رأيتم حبيباً يُعذّب
أحبَّاءه؟ أم كيف يجمل بي أن آخذ قوماً إذا جنَّهم الليل تملَّقُوني فبِيَ حَلَفْتُ، إذا وردُوا
على القيامة لأكشفنَّ لهم عن وجهي حتى ينظروا إليَّ وأنظر إليهم))(١).
وقال: لو لم يَبْكِ العاقل فيما بقي من عمره إلاَّ على ما فاته من لذّةِ الطاعة في
عمره، لكان يكفيه أن يُنْكِيه ذلك حتى يخرج من الدنيا (٢).
وقال: من خطرت منه الدنيا وأهلها على بالٍ، اضطربت عليه الأحوال، ومن
ترك الدنيا للآخرة ربحهما، ومن ترك الآخرة للدنيا خسرهما.
وقال: الدنيا تطلُبُ الهارب منها، وتهرب من الطالب لها، فإن أدركت الهارب
منها جرحته، وإن أدركها الطالب لها قتلته(٣).
وقال: عَوِّدوا عيونكم البكاء، وقلوبكم التفكّر، وعلّموا النفوس الرضا بمجاري
المقدورة، فنِعْمَ الوسيلة هو إلى درجات المعرفة(٤).
وقال: لو أنَّ المعرفة نُقِشت على شيء لكان كل من نظر إليها مات من حُسنها
وجمالها ولأظْلَمَ كل ضوءٍ في ضوئها.
وقال: لا يجيءُ الوسواسُ إلَّ في كل قلبٍ عامٍ. أرأيت السارق قطُ يأتي خرِبَةً
يَنْقُبُها إنما يأتي إلى بيت فيه رزم(٥).
قال الإمام النووي رحمه الله في الأذكار(٦) ما نصه: قال السيد الجليل أحمد بن
أبي الحواري بفتح الحاءِ وكسرِها: شكوت إلى أبي سليمان الدَّاراني الوسواس فقال:
إذا أردت أن ينقطع عنك فأيَّ وقتٍ أحسست به فافرح فإنك إذا فرحت به انقطع عنك،
(١) انظر: حلية الأولياء (١٦/١٠).
(٢) انظر: حلية الأولياء (٢٧٥/٩).
(٣) انظر: حلية الأولياء (٢٥٨/٩).
(٤) انظر: حلية الأولياء (٩ /٢٧٤).
(٥) انظر: الحلية (٢٥٧/٩).
(٦) (ص ١٢٥).