Indexed OCR Text

Pages 61-80

٦٠
المنهل العذب الرَّوي في ترجمة قطب الأولياء النووي
بعض النساخ، ووجدت في نسخة وقفت عليها ما يستأنس به لذلك، وظاهر صنيع
الذهبي في تاريخه مشعر بكون التي وقف عليها فيها لم يستوف المراثي فيها، وقد
وقفت على نسخة بجميع المراثي بخط تلميذه شيخ شيوخنا المسند شهاب الدين
أحمد بن البدر حسن، لأبيه وهو أبو عبد الله محمد بن الواعظ أبي عبد الله محمد بن
زكريا بن يحيى بن مسعود بن غنيمة السويداوي عرف هو وأبوه بالقدسي، كتبها
بالخانقاه السميساطية بدمشق وهي بسماعه على مؤلفها بقراءة المحدث ناصر الدين أبي
عبد الله محمد بن طغر بك بن الصيرفي سوى ورقتين فبقراءة السويداوي، وذلك في
ثلاث مجالس آخرها يوم الأربعاء سادس عشر ربيع الآخر سنة أربع وعشرين وسبعمائة
بمنزل المؤلف بدار الحديث النووية بدمشق وصحح بخطه .
وكتب السويداوي أن المصنف ابتدأ في تصنيفها منتصف شعبان سنة ثمان
وسبعمائة ودعا له بقوله: عافاه الله وأحسن عقباه، وسبب ذلك أنه كان أصيب بالفالج
من قبيل سنين. ويحتمل أن يكون تصنيفاً آخر وهو بعيد، لكن يستأنس له بما وجدته
في كلام الذهبي مدرجاً في كلام ابن العطار مما لم أقف عليه في النسختين. على أن
ابن العطار قال ما نصه: ورأيت منه أموراً تحتمل مجلدات. وذكر ابن العطار مما
يرغب في مناقب العلماء قول سفيان بن عيينة: عند ذكر الصالحين تنزل الرحمة. وقول
محمد بن يونس: ما رأيت للقلب أنفع من ذكر الصالحين، وأنه دونها لتكون سبباً
للترحم عليه والدعاء له لما له عليه من الحقوق المتكاثرة التي لا يطيق حصرها .
ووصفه بشيخي وقدوتي، الإمام ذي التصانيف المفيدة، والمؤلفات الحميدة،
أوحد دهره، وفريد عصره، الصوام القوام الزاهد في الدنيا، الراغب في الآخرة
صاحب الأخلاق الرضية، والمحاسن السنية، العالم الرباني المتفق على علمه وإمامته،
وجلالته وزهده، وورعه وعبادته، وصيانته في أقواله وأفعاله وحالاته، له الكرامات
الطافحة، والمكرمات الواضحة، والمؤثر بنفسه وماله للمسلمين والعالم بحقوقهم،
وحقوق ولاة أمورهم، بالنصح والدعاء في العالمين مع ما هو عليه من المجاهدة
لنفسه، والعمل بدقائق الفقه والاجتهاد عن الخروج من خلاف العلماء ولو كان بعيداً،
والمراقبة لأعمال القلوب وتصفيتها من الشوائب. يحاسب نفسه على الخطرة بعد
الخطرة، وكان محققاً في علمه وفنونه، مدققاً في علمه وكل شؤونه، حافظاً لحديث
رسول الله وَ ر، عارفاً بأنواعه كلها من صحيحه وسقيمه، وغريب ألفاظه وصحيح
معانيه، واستنباط فقهه، حافظاً لمذهب الشافعي وقواعده وأصوله وفروعه، ومذاهب
الصحابة والتابعين، واختلاف العلماء ووفاقهم وإجماعهم، وما اشتهر من جميع ذلك،
وما هجر سالكاً في كل ما ذكر طريق السلف، قد صرف أوقاته كلها في أنواع العلم

٦١
المنهل العذب الرَّوي في ترجمة قطب الأولياء النووي
والعمل، فبعضها للتصنيف وبعضها للتعليم وبعضها للصلاة وبعضها للتلاوة بالتدبر
والذكر الله تعالى، وبعضها للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وكذا أفردها التقي محمد بن الحسن اللخمي في أربعة أوراق وقال: إنه كان
عالماً بالفقه وفروعه من أقوال الشافعي رحمه الله وأوجه أصحابه، مكث نحو عشرين
سنة يفتي ويعلِّم الناس العلم والفقه والحديث والأدب والزهد وكان ليس في عصره في
بلاد المسلمين مثله محققاً حافظاً متقناً، ورعاً مدققاً في الحديث، عالماً بصحيحه
وحسنه، وسقيمه وغريبه وأحكامه، عارفاً بلغته وأسماء رجاله، وضبطهم وجرحهم
وتعديلهم ومواليدهم ووفياتهم، محققاً في الألفاظ المشكلة، له في متونه يد طولى كثير
النقل جداً مداوماً للمطالعة والتأليف، عارفاً بفن التصريف وفن العربية واللغة، كثير
النقل فيهما عارفاً بالأصلين معرفة جيدة وبالقراءات السبع وغيرها، كثير الخبرة بمذاهب
العلماء المشهورة والمهجورة، ليِّن القلب سالكاً طريق السلف في الزهد في الدنيا
والمبالغة في الخشوع والورع، غزير الدمعة، كثير الصمت حافظاً للسانه أشد الحفظ،
غاضّاً للطرف، طويل الفكر، حسن الأخلاق جداً، إذا آذاه أحد يقول له: يا مبارك
الحال، مثابراً على الصوم والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في أشد المواطن
وأصعبها، محاسباً لنفسه حافظاً لأوقاته قد جزء كل وقت منها لنوع من العمل، فغالبها
للاشتغال بالعلم وبعضها للتعليم والعبادة كالصلاة بالليل والتسبيح والقراءة بالتدبر.
أثنى عليه الأئمة الصلحاء العلماء العارفون، وتأسف المسلمون عليه بعد مماته أسفاً
بليغاً، وجزعوا عليه جزءاً شديداً الخاص منهم والعام، والمادح في حيال حياته والذام.
وأفردها أيضاً من مدة العلامة الرباني كمال الدين إمام الكاملية وشيخها في جزء
سماه (بغية الراوي في ترجمة النواوي)) رحمه الله، وقرأها على ما بلغني، العلامة أبو
الفضل النويري خطيب مكة شرّفها الله عند ضريح الشيخ نفعنا الله ببركاتهم، وقد
أخذها بعض الجماعة فقال: إنه رتبها وزاد عليها لكونه استحسن جمعها وما رضي
وضعها، وسماها ((تحفة الطالب والمنتهي في ترجمة الإمام النووي))، ومن نفس
التسمية يعلم المقصود.
ولو فرض على سبيل التنزل أن صاحب التحفة لم تكثر أوهامه وكان ما زعمه،
والعياذ بالله، صحيحاً ما كان يجمل به هذا القول، بل اللائق الأدب مع أهل العلم
والولايات وإنزالهم منزلتهم في البدايات والنهايات، ومن لم يجعل الله له نوراً فما له
من نور، وكأني به ألهمنا الله رشدنا قد أخذ ما وقع لي من الزوائد الفرائد التي لا أعلم
من سبقني إليها من غير عزو، غافلاً عن قول القائل: ((شكر العلم عزوه لقائله))، ولا
حول ولا قوة إلاَّ بالله .

٦٢
المنهل العذب الرَّوي في ترجمة قطب الأولياء النووي
وممن علمته الآن ترجم الشيخ سوى من تقدم، الشيخ شمس الدين محمد بن
الفخر عبد الرحمن بن يوسف البعلي، قال فيه: كان إماماً بارعاً حافظاً مفتياً أتقن علوماً
شتى وصنّف التصانيف الجمة مع شدّة الورع والزهد، وكان أماراً بالمعروف ناهياً عن
المنكر على الأمراء والملوك والناس عامة، فنسأل الله أن يرضى عنه وأن يرضى عنا به.
والشيخ قطب الدين موسى اليونيني الحنبلي قال في ذيله على المرآة لسبط ابن
الجوزي المحدث الزاهد العابد الورع المفتخر في العلوم، صاحب التصانيف المفيدة:
كان أوحد زمانه في الورع والعبادة والتقلل من الدنيا والإكباب على الإفادة والتصنيف
مع شدة التواضع وخشونة الملبس والمأكل والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفي
ترجمته له فوائد فرقتها في محالها .
والتاج الفاكهاني المالكي وصفه في خطبة شرح الأربعين بالشيخ الإمام العلامة
الزاهد محيى الدين رحمه الله تعالى.
والحافظ العلم البرزالي وصفه في تاريخه المسمى المصفى لتاريخ أبي شامة الذي
افتتحه من أول سنة خمس وستين بـ: الشيخ الإمام الحافظ الزاهد. قال: وكان ورعاً
متعبداً متقللاً من الدنيا يصوم الدهر.
والكمال جعفر الأدفوي وصفه في كتابه ((البدر السافر)) بـ: الزاهد الورع، وقال:
إنه صنّف تصانيف مفيدة حصل النفع بها ودارت عليه الفتوى بدمشق ومآثره عزيزة
غزيرة ومضى على جميل وسداد اهـ.
وقضى وما لينت عليه خطته
من يوم حل بساحة التكليف
قال: وكان فقده من أعظم المصائب وعدمه بلية رمت العباد بسهم من البلاء
صائب، رحمه الله ونفعنا ببرکته وحشرنا معه في آخرته في دار كرامته .
والحافظ الشمس الذهبي قال في ((سير النبلاء)): الشيخ الإمام القدوة الحافظ
الزاهد العابد الفقيه المجتهد الرباني شيخ الإسلام حسنة الأنام محيي الدين صاحب
التصانيف التي سارت بها الركبان واشتهرت بأقاصي البلدان، إلى أن قال: لازم
الاشتغال والتصنيف محتسباً في ذلك، مبتغياً وجه الله مع التعبد والصوم والتهجد
والذكر والأوراد وحفظ الجوارح وذم النفس والصبر على العيش الخشن ملازمة كلية لا
مزيد عليها، وكان مع ملازمته التامة للعلم ومواظبته لدقائق العمل وتزكية النفس من
شوائب الهوى وسيء الأخلاق ومحقها من أغراضها عارفاً بالحديث قائماً على أكثر
فنونه عارفاً برجاله رأساً في نقل المذهب متضلعاً من علوم الإسلام.
وقال في تاريخ الإسلام: مفتي الأمة، شيخ الإسلام، الحافظ النبيه، الزاهد أحد
الأعلام، علم الأولياء.

٦٣
المنهل العذب الرَّوي في ترجمة قطب الأولياء النووي
وقال في طبقات الحفاظ في الطبقة الحادية والعشرين منها: شيخ الإسلام،
محيي الدين، هو سيد أهل هذه الطبقة، وإنما ذكرته في الطبقة العشرين لتقدم موته
رحمة الله تعالى عليه.
والعلامة الدين أبو حفص بن الوردي قال في تاريخه: شيخ الإسلام، العالم
الرباني، الزاهد، إلى أن قال: وله سيرة مفردة في علومه وتصانيفه ودينه وتقيته وورعه
وزهده وقناعته وتعبده وتهجده وخوفه من الله تعالى، إلى أن قال: وقبره طاهر يزار
بنوى، وقد قلت :
لقيت خيراً يانوى وحرست من ألم النوى
في العلم أخلص ما نوى
فلقدنشأ بك زاهد
فضل الحبوب على النوى
وعلى عداه فضله
والصلاح خليل بن أيبك الصفدي وصفه في تاريخه المسمى بالوافي
بالوفيات(١): بمفتي الأمة شيخ الإسلام، الحافظ الفقيه الزاهد أحد الأعلام، ولم يأت
في ترجمته بفائدة زائدة. وولي الله تعالى العفيف اليافعي قال في تاريخه: شيخ
الإسلام، مفتي الأنام المحدث المتقن المحقق المدقق النجيب الحبر، المفيد القريب
والبعيد، محرر المذهب وضابطه ومرتبه، أحد العباد الورعين الزهاد، العالم العامل،
المحقق الفاضل، الولي الكبير، السيد الشهير، ذو المحاسن العديدة، والسير الحميدة،
والتصانيف المفيدة، الذي فاق جميع الأقران وسارت بمحاسنه الركبان، واشتهرت
فضائله في سائر البلدان، وشوهدت له الكرامات وارتقى في أعلى المقامات، ناصر
السنة ومعتمد الفتاوى، ذو الورع الذي لم يبلغنا مثله عن أحد في زمانه ولا قبله، ولقد
بلغني أنه كان يجري دمعه في الليل ويقول :
(لئن كان هذا الدمع يجري صبابة على غير ليلى فهو دمع مضيع)
وقد رأيت له منامات تدل على عظم شأنه، ودوام ذكره الله تعالى، وحضوره
وعمارة أوقاته، وشدّة هيبته، وتعظيم وعده ووعيده، وحياته بعد موته، وكلمني ودعا
لي وغير ذلك مما لا تضبطه العبارة مما تميز به عن العلماء والعباد.
وقال في الإرشاد: رأيته في النوم وعليه هيبة عظيمة تزلزل الجبال كأنما القيامة
قامت، وهو يذكر الله ويمجده ويعظم وعده ووعيده، ثم دعا لي وقال: ثبتك الله
بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة.
(١) طبعت منه أغلب أجزاءه، وهو يكمل إن شاء الله على خير بدار الكتب العلمية - بيروت.

٦٤
المنهل العذب الرَّوي في ترجمة قطب الأولياء النووي
وقال التاج أبو نصر السبكي: مما أنبأني العز أبو محمد عبد الرحيم بن الفرات
الحنفي عنه في طبقات الشافعية الكبرى له الشيخ الإمام العلامة محيى الدين أبو زكريا
شيخ الإسلام أستاذ المتأخرين، وحجة الله على اللاحقين، والداعي إلى سبيل
السالفين، كان يحيى رحمه الله سيداً وحصوراً وليناً على النفس هصوراً، وزاهداً لم
يبال بخراب الدنيا إذ صير دينه ربعاً معموراً له الزهد والقناعة ومتابعة السالفين من أهل
السنة والجماعة، والمصابرة على أنواع الخير، لا يصرف ساعة في غير طاعة، هذا مع
اليقين في أصناف العلوم فقهاً ومتون أحاديث وأسماء رجال ولغة وتصوفاً وغير ذلك،
وأنا إذا أردت أن أجمل تفاصيل فضله، وأدل الخلق على مبلغ مقداره، بمختصر القول
وفصله، لم أزد على بيتين أنشدنيهما من لفظه الشيخ الإمام، يعني والده، وكان من
حديثهما أنه، أعني الوالد رحمه الله، لما سكن في قاعة دار الحديث الأشرفية في سنة
اثنتين وأربعين وسبعمائة، كان يخرج في الليل إلى أبوابها ليتهجد تجاه الأثر الشريف
ويمرِّغ وجهه على البساط، وهذا البساط من زمن الأشرف الواقف وعليه اسمه، وكان
النووي يجلس عليه وقت الدرس، فأنشدني الوالد لنفسه :
على بسط بها أصبو وآوي
وفي دار الحديث لطيف معنى
عسى أني أمس بحر وجهي مكاناً مسّه قدم النواوي
وأشار في التوشيح أيضاً إلى هذا الصنيع، بل حكى عن والده أيضاً أنه رافق في
مسيره وهو راكب بغلته، شيخاً ماشياً فتحادثا فكان في كلام ذاك الشيخ: أنه رأى
النواوي قال: ففي الحال نزل الوالد عن بغلته وقبّل يد ذاك الشيخ وهو عامي جلف
وسأله الدعاء ثم دعاه حتى أردفه معه وقال: لا أركب وعين رأت وجه النواوي تمشي
بين يدي أبداً، وقال: وما زال، يعني الوالد رحمه الله، كثير الأدب معه، يعني
النواوي، والمحبة له والاعتقاد فيه .
قلت: وكلامه في تكملة شرح المهذب كما أسلفته يشهد لذلك.
وقال في ((الطبقات الوسطى)): الشيخ الإمام، شيخ الإسلام، أستاذ المتأخرين،
حجة الله على اللاحقين، ما رأت الأعين أزهد منه في يقظة ومنام، ولا عاينت أكثر
اتباعاً منه لطرق السالفين من أمة محمد عليه أفضل الصلاة والسلام، له التصانيف
المفيدة والمناقب الحميدة والخصائل التي جمعت طارف كل فضل وتليدة، والورع
الذي خرب به دنياه وجعل دينه معموراً والزهد الذي كان يحيى به سيداً وحصوراً، هذا
إلى قدر في العلم لو أطل على المجرة لما ارتضى سرياً في أعطانها، أو جاور الجوزاء
لما استطاب مقاماً في أوطانها، أو حلّ في دارة الشمس لأنف من مجاورة سلطانها،
وطال ما فاه بالحق لا تأخذه لومة لائم، ونادى بحضرة الأسود الضراغم، وصدع بدين

٦٥
المنهل العذب الرَّوي في ترجمة قطب الأولياء النووي
الله بمقال ذي سريرة يخاف يوم تبلى السرائر، ونطق معتصماً بالباطن الظاهر، غير
ملتفت إلى الملك الظاهر، وقبض على دينه والجمر يلتهب، وصمم على مقاله
والصارم للأرواح ينتهب، لم يزل طول عمره على طريقة أهل السنة والجماعة، مواظباً
على الخير لا يصرف منه ساعة في غير طاعة، إلى أن قال: فكان قطب زمانه، وسيد
وقته، وسر الله بين خلقه، والتطويل بذكر كراماته تطويل في مشهور، وإسهاب في
معروف، وقد سافرت لزيارة قبره بنوى وزرته أعاد الله علينا وعلى المسلمين من
بر کاته .
وقال في الصغرى: الشيخ محيى الدين أبو زكريا، أستاذ المتأخرين، الجامع بين
العلم والدين، والسالك سبيل الأقدمين، ذو التصانيف المشهورة.
وقال الجمال الإسنوي في الطبقات: هو محرر المذهب ومهذبه، ومنقحه
ومرتبه، سار في الآفاق ذكره، وعلا في العالم محله وقدره، صاحب التصانيف
المشهورة المباركة النافعة. وقال نحوه في المهمات وفي شرحه على المنهاج.
وقال الحافظ العماد بن كثير في تاريخه: الشيخ الإمام العالم العلامة، شيخ
المذهب وكبير الفقهاء في زمانه ومن حاز قصب السبق دون أقرانه. كان من الزهادة
والعبادة والتحري والورع والانجماع عن الناس والتخلي لطلب العلم والتحلي به على
جانب لا يقدر عليه غيره، لا يضيع شيئاً من أوقاته.
وقال في طبقات الشافعية: الشيخ الإمام العلامة الحافظ الفقيه النبيل محرر
المذهب ومهذبه وضابطه ومرتبه، أحد العباد والعلماء الزهاد، وكان على جانب كبير
من العلم والعمل والزهد والتقشف والاقتصاد في العيش والصبر على خشونته، والتورع
الذي لم يبلغنا عن أحد في زمانه ولا قبله بدهر طويل.
وقال قاضي صفد محمد بن عبد الرحمن العثماني في ترجمته من الطبقات
الكبرى: شيخ الإسلام، بركة الطائفة الشافعية، محيي المذهب ومنقحه ومن استقر
العمل بين الفقهاء فيه على ما يرجحه، ولي الله العارف القطب الزاهد والمتقشف الورع
المتعفف المعرض عن الدنيا ولذاتها وأهلها وزينتها، الباذل نفسه في نصرة دين الله،
المجانب للهوى، أحد العلماء العارفين وعباد الله الصالحين، الجامعين بين العلم
والعبادة، والعمل والزهادة، صاحب التصانيف العظيمة، الشائعة الرائعة المباركة
النافعة، المتفق عليها بين جميع الموافقين والمخالفين من أئمة الدين.
قال: وهو أحد مشايخ المذهب وأئمته وتصانيفه العمدة فيه، واتفق على زهده
وورعه وأنه من الأولياء، قال: ورأيته بمنامي كرتين، إحداهما قرأت عليه في المنهاج،

٦٦
المنهل العذب الرَّوي في ترجمة قطب الأولياء النووي
والثانية مشيت خلفه زماناً فالتفت فرآني فأكرمني، إلى أن قال: وكان من التقلل والورع
على أكمل الأحوال.
وقال في ((الطبقات الصغرى)): شيخ الإسلام المجمع على إمامته وولايته واستقر
العمل في المذهب علی ما یرجحه.
وقال السراج أبو حفص ابن الملقن في ((العمدة شرح المنهاج)): هو الشيخ الإمام
العالم المحقق المدقق المتقن ذو الفنون من العلوم المتكاثرات والتصانيف النافعة
المستجادات، الزاهد العابد الورع المعرض عن الدنيا، المقبل بقلبه على الآخرة الباذل
نفسه في نصرة دين الله، المجانب للهوى، أحد العلماء الصالحين، وعباد الله العارفين
الجامعين بين العبادة والورع والزهادة، المواظبين على وظائف الدين، واتباع هدى سيد
المرسلين، محيي السنة والدين.
ووصفه في أول شرح الأربعين بالعلامة الحافظ أبي زكريا قدس الله روحه، ونوّر
ضريحه .
وأما في ((الطبقات)) فلم يذكر شيئاً بل قال: ذكرت أحواله موضحة في شرح
المنهاج.
وقال الكمال الدميري في شرحه للمنهاج: الحبر الإمام العلامة شيخ الإسلام
قطب دائرة العلماء الأعلام محرر المذهب المتفق على إمامته وديانته، وسؤدده وسيادته
وورعه وزهادته، كان ذا كرامات ظاهرة، وآيات باهرة، وسطوات قاهرة، فلذلك أحيى
الله ذكره بعد مماته، واعترف أهل العلم بعظيم بركاته، ونفع الله بتصانيفه في حياته
وبعد وفاته، فلا يكاد يستغني عنها أحد من أصحاب المذاهب المختلفة، ولا تزال
القلوب على محبة ما ألفه مؤتلفة، إلى أن قال: حتى فاق على أهل زمانه ودعى الله في
سره وإعلانه، وكان يديم الصيام ولا تزال مقلته ساهرة، ولا يأكل من فواكه دمشق لما
في ضمانها من الشبه الظاهرة، ولا يدخل الحمام تنعماً، وانخرط في سلك ﴿إِنَّمَا يَخْشَى
اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَؤُأَ﴾ [فَاطِر: الآية ٢٨] وكان يقتات مما يأتيه من قبل أبويه كفافاً ويؤثر
على نفسه الذين لا يسألون الناس إلحافاً، ولذلك لم يتزوج إلى أن خرج من الدنيا
معافاً، وحج حجتين مبرورتين لا رياء فيهما ولا سمعة، وطهر الله من الفواحش قلبه
ولسانه وسمعه .
وقال المؤرخ صارم الدين إبراهيم بن دقماق الحنفي في تاريخه «نزهة الأنام)):
الشيخ الإمام القدوة العلامة الزاهد العابد الناسك الخاشع شيخ الوقت فريد العصر بركة
الزمان، لم يكن في زمانه مثله في دينه وعمله وعلمه وزهده وورعه وكانت مقاصده
جميلة وأفعاله لله تعالى.

٦٧
المنهل العذب الرَّوي في ترجمة قطب الأولياء النووي
وقال الشهاب أبو العباس ابن الهائم في ((البحر العجاج شرح المنهاج)): الشيخ
الإمام العلامة، الحافظ الفقيه النبيل، محرر المذهب ومهذبه، وضابطه ومرتبه أستاذ
المتأخرين، الجامع بين العلم والدين، والسالك سبيل الأقدمين في العبادة والورع
والزهادة والاقتداء بسيد المرسلين، ذو التصانيف الجامعة المباركة النافعة.
وقال التقي أبو بكر الحصني في شرحه للمنهاج: الإمام العلامة محرر المذهب
وضابطه أستاذ المتأخرين الجامع بين العلم والدين، سلك سبيل الأولين في الزهد
والعبادة، تصانيفه تذهب دنس القلب وعناده، إلى أن قال: وعليه سكينة ووقار وهيبة
من العليم الجبار، الذي اصطفاه وجعله من الخيار، إلى أن قال: وناهيك به أنه قطب
الوقت .
وقال الحافظ الشمس بن ناصر الدين الدمشقي في ((التبيان لبديعة الزمان)) له:
الحافظ القدوة الإمام شيخ الإسلام صاحب التصانيف السديدة والمؤلفات النافعة
المفيدة، كان فقيه الأمة وعلم الأئمة وأوحد زمانه تبحراً في علوم جمة مع شدة الورع
والزهادة وكثرة الصلاح والعبادة والقناعة بالعيش الأخشن واللباس الأدثر والقيام بالأمر
بالمعروف والنهي عن المنكر، وكانت عليه هيبة ووقار باهر حتى كان يخاف منه الملك
بيبرس الظاهر .
وقال التقي بن قاضي شهبة في ((طبقات الشافعية)) له: الفقيه الحافظ الزاهد أحد
الأعلام شيخ الإسلام محيي الدين أبو زكريا، ولخص ترجمته من ابن العطار وزاد
يسيراً.
وقال في الألقاب، منها: عمدة المتأخرين واستيفاء الكلام في هذا المعنى يعسر،
فلنذكر سلسلة الفقه التي أوردها العلاء بن العطار في ترجمته تبعاً للشيخ، فإنه ذكرها
في تهذيب الأسماء واللغات وقال أنها من المطلوبات المهمات والنفائس الجليلات
التي ينبغي للمتفقه والفقيه معرفتها ويقبح به جهالتها، فإن شيوخه في العلم آباء له في
الدين ووصلة بينه وبين رب العالمين، وكيف لا يقبح جهله الأنساب والوصلة بين العبد
وبين ربه الكريم الوهاب مع أنه مأمور بالدعاء لهم وبرّهم وذكر مآثرهم والثناء عليهم
وشكرهم !!.
ونقل ابن العطار عن يحيى بن معاذ الرازي أنه قال: العلماء أرأف بأمة محمد والخ.
من آبائهم وأمهاتهم، لأنهم يحفظونهم من نار الآخرة وأهوالها وآباؤهم وأمهاتهم .
يحفظونهم من الدنيا وآفاتها، يعني إذا كانوا علماء فإن الجهال لا يحفظونهم لا في
الدنيا ولا في الآخرة، فأقول: قد تقدم شيوخه الذين تفقه عليهم فنقول: تفقه الثلاثة،

٦٨
المنهل العذب الرَّوي في ترجمة قطب الأولياء النووي
الأولون منهم وهم المغربي وابن نوح وابن أبي غالب، وكذا ابن رزين بأبي عمر
وعثمان بن عبد الرحمن بن عثمان بن الصلاح، وهو بأبيه وهو في طريق العراقيين بأبي
سعد عبد الله بن محمد بن هبة الله بن علي بن أبي عصرون الموصلي، وهو بالقاضي
أبي الحسن علي بن إبراهيم الفارقي وهو بأبي إسحاق إبراهيم بن علي بن يوسف
الشيرازي، وهو بالقاضي أبي الطيب طاهر بن عبد الله الطبري، وهو بأبي الحسن
محمد بن علي بن سهل بن مصلح الماسرجسي (ح) وتفقه شيخه سلار على جماعة
منهم الإمام أبو بكر الماهاني وهو ووالد ابن الصلاح أيضاً في طريق الخراسانيين بأبي
القاسم البرزي عن أبي الحسن علي بن محمد بن عبيد الكياء الهراسي، عن أبي
المعالي عبد الملك بن أبي محمد عبد الله بن يوسف إمام الحرمين عن أبيه عن أبي بكر
عبد الله بن أحمد القفال المروزي الصغير إمام طريق خراسان، عن أبي زيد محمد بن
أحمد بن عبد الله بن محمد المروزي وهو والماسرجسي ممن تفقه بأبي إسحاق
إبراهيم بن محمد المروزي وهو بأبي العباس أحمد بن عمر بن شريح وهو بأبي القاسم
عثمان بن بشار الأنماطي، وهو بأبي إبراهيم إسماعيل بن يحيى المزني، وهو بأبي عبد
الله محمد بن إدريس الشافعي، وهو بجماعات منهم أبو عبد الله مالك بن أنس إمام دار
الهجرة وسفيان بن عيينة وأبو خالد مسلم بن خالد مفتي مكة وإمام أهلها، فأما مالك
فتفقه بربيعة عن أنس وبنافع عن ابن عمر، وأما ابن عيينة فبعمرو بن دينار عن ابن عمر
وابن عباس، وأما مسلم فبأبي الوليد عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج وهو بأبي
محمد عطاء بن أبي رباح أسلم، وهو بابن عباس وكل من ابن عباس وابن عمر وأنس
برسول الله ◌َ#، وكذا أخذ ابن عباس عن عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب
وزيد بن ثابت وجماعة من الصحابة الذين أخذوا عنه وَلّ تسليماً .
قال الشيخ: ومعلوم أن كل واحد من هؤلاء أخذ عن جماعة، بل جماعات،
لكن أردت الاختصار وبيان واحد من شيوخ كل واحد هو أجلهم وأشهرهم.
قلت: وقد كان في مدونات كل من شيخنا العلامة المحدث الشمس أبي عبد الله
محمد بن الجمال الرشيدي الشافعي الخطيب، والبرهان إبراهيم بن صدقة الصالحي
الحنبلي رحمهما الله تعالى من تصانيف الشيخ عدة سمعناها على المقرىء الشمس
محمد بن أحمد بن عبد الرحمن الحجازي عرف بالرفاء وهي كتاب الأربعين بإشاراتها
والأذكار والرياض والتبيان، زاد الرشيدي الترخيص بالقيام، وأنه سمع وحده على
التقي أبي الفتح محمد بن أحمد بن حاتم الخطيب مواضع من الأذكار وذلك من باب:
((ما يقول إذا دخل في الصلاة))، إلى باب: ((كراهة النوم))، ومن: ((الأذكار في صلوات
مخصوصة))، إلى ((المدح))، ومن ((النهي عن الكذب)) إلى آخر الكتاب، وأجازه بسائره

٦٩
المنهل العذب الرَّوي في ترجمة قطب الأولياء النووي
وزاد الصالحي التقريب، وأنه سمع وحده على الزين أبي الفرج عبد الرحمن بن
أحمد بن المبارك الغزي ابن الشيخة، منها الرياض فقط بسماع الرفاء للأربعين مع
الإشارة على القاضي علم الدين أبي الربيع سليمان بن سالم بن عبد الناصر العزي
والمحب أبي العباس أحمد بن يوسف الحلاطي والبدر أبي محمد الحسن بن عبد
العزيز بن عبد الكريم الأنصاري اللخمي، قال الأولان: أنابها العلامة أبو الحسن
علي بن إبراهيم بن داود بن العطار، وقال الثابت أنابها القاضي الجمال سليمان بن عمر
الزرعي الشافعي قالا أنابها مؤلفها وبقراءته أعني الرفاء للأذكار على أبي الربيع الغزي
والبدر اللخمي المذكورين .
قال أولهما: أنا ابن العطار، وقال ثانيهما: أنا الزرعي، قالا: أنا مؤلفه، وبرواية
ابن حاتم له غالباً من الشرف أبي بكر بن قاسم بن أبي بكر الرحبي وناصر الدين
محمد بن السنفدي الصيرفي، وسيف الدين أبي بكر بن محمد بن يحيى بن سنقر
المعالي سماعاً بإجازتهم من مؤلفه وبسماعه، أعني الرفاء للرياض على أبي الربيع،
والخلاطي المذكور قالا: أنا ابن العطار وبرواية ابن الشيخة له أعلا من هذا عن
القاضي البدر أبي عبد الله محمد بن إبراهيم بن جماعة، إذناً عاماً كلاهما عن مؤلفه
وبسماع الرفاء للتبيان والتقريب معاً على القاضي العز أبي عمر عبد العزيز بن البدر
محمد بن إبراهيم بن جماعة، قال: أنابهما والدي سماعاً، أنابهما المؤلف وبسماعه
للترخيص على العز ابن جماعة وأبي الربيع الغزي قال الأول: أنا والدي البدر، وقال
الثاني: أنا ابن العطار. قالا: أنا المؤلف.
وفي مرويات شيخنا الشرف أبي الفتح محمد بن الزين أبي بكر بن الحسين
المراغي الشافعي، منها تصحيح التنبيه وتحرير ألفاظه والمنهاج والأذكار، فأما ما عدا
المنهاج فتناولها من والده وأجاز له روايتها عنه بإجازته من الحافظ أبي الحجاج المزي
وأبي الفرج عبد الرحمن بن محمد بن عبد الهادي والصدر أبي الفتح الميدومي كلهم
من مؤلفها .
وأما المنهاج فعرض مواضع منه على الحافظ الزين أبي الفضل عبد الرحيم بن
الحسين العراقي وأجازه بسائره عن أبي عبد الله محمد بن أبي بكر بن أبي البركات
النعماني عن مؤلفه، وفي مرويات أستاذي شيخ مشايخ الإسلام رحمه الله، الرياض
والأذكار والمنهاج كلها عن العلامة البرهاني أبي إسحق إبراهيم بن أحمد بن عبد
الواحد التنوخي سماعاً عليه لمعظم الرياض ولجميع المنهاج وقراءة عليه لبعض
الأذكار .
وكذا كان شيخنا الزين عبد الغني بن محمد بن محمد السمنودي، سمع المنهاج

٧٠
المنهل العذب الرَّوي في ترجمة قطب الأولياء النوري
والتقريب كلاهما على التنوخي برواية التنوخي للرياض والأذكار عن العلاء بن العطار،
أنابهما المؤلف وللتقريب عن البدر بن جماعة وابن العطار بسماعهما له على مؤلفه،
وللمنهاج عن الشمس محمد بن أحمد بن إبراهيم بن حيدرة بن علي القرشي الشافعي
عرف بابن القماح، وإجازته المكاتبة من العلاء أبي الحسن العطار في سنة ست عشرة
وسبعمائة، والمشافهة من الشرف أبي محمد هبة الله بن عبد الرحيم بن إبراهيم ابن
البارزي القاضي، والشمس محمد بن أبي بكر بن إبراهيم النقيب الحلبي في سنة إحدى
وثلاثين وسبعمائة، ومن البدر محمد بن إبراهيم بن سعد الله بن جماعة القاضي،
والحافظ الجمال أبي الحجاج يوسف بن الزكي عبد الرحمن بن يوسف المزي، وأبي
الفرج عبد الرحمن بن محمد بن عبد الحميد بن عبد البارىء المقدسي، والصدر أبي
الفتح محمد بن محمد بن إبراهيم بن أبي القاسم الميدومي، وأبي نعيم أحمد المدعو
بكار بن التقي عبيد بن عباس بن محمد بن بكار الأشعروي، وأبي العباس أحمد بن
كشتقدي الصرفي مشافهة ومكاتبة بإجازة ابن القماح إن لم يكن خاصاً فعاماً، وسماع
الخمسة بعده وإجازة الباقين من مؤلفه .
قلت: وممن أجاز التنوخي ممن أخذ عن النووي علي بن أيوب بن منصور
المقدسي، ولذا كان في مرويات المجد محمد بن محمد بن علي الحريري الحنفي إمام
الصرعمشية الأربعين مع ما بآخرها، سمعها على النجم محمد بن علي النابلسي
بسماعه لها على ابن عبد الهادي، أنابها مؤلفها، وفي قيد الحياة الآن من يرويها سماعاً
على الشرف أبي الطاهر محمد بن محمد بن عبد اللطيف بن اللوبك عن المزي وابن
عبد الهادي كلاهما عنه، كما أن الشيخ الجلال أبا المعالي القمصي الشافعي نفع الله
ببركته في مروياته الأذكار سمع من أوله إلى («الأذكار في الدعوات))، ومن أذكار
((الجهاد إلى آداب ومسائل من السلام)) على الشهاب أحمد بن حسن البطائحي الشافعي
والشرف أبي الطاهر بن الكوبك، وأجازاه بسائره وسمعه عليهما بتمامه الرضا محمد بن
محمد الأوجافي، وهو الآن في الإحياء أيضاً بسماع البطائحي لجميعه على أبي الربيع
العزي بقراءته له على ابن العطار وبإجازة ابن الكوبك من المزي قالا: أنا به المؤلف،
قال الأول: قراءة، والثاني: إذناً.
و((المنهاج)) عرض القمصي مواضع منه على حافظ العصر الزين العراقي وأجازه
بسائره عن النعماني، وكذا في الموجودين في مسندة الدنيا الآن أم الفضل عزيزة
المدعوة هاجر ابنة الشرف القدسي، سمعت الرياض على التنوخي بسنده، ثم إنها
انتقلت بالوفاة، وبعدهما القمصي كلاهما إلى رحمة الله تعالى.
وأما أنا فسمعت بعضاً من جملة من تصانيفه على بعض من تقدم، والرياض

٧١
المنهل العذب الرَّوي في ترجمة قطب الأولياء النووي
بتمامه على غير المذكورة، وأروي جميع تصانيفه وسائر ما أثبتته في هذا التصنيف من
كلامه، عن الشيخ أبي هريرة عبد الرحمن بن عمر القباني إجازة مكاتبة عن الصدر
الميدومي وأبي عبد الله بن الخباز كلاهما عن مؤلفها، وهذا لا يوجد الآن أقل عدداً
منه، فلنورد به أحاديث من طريقه :
الحديث الأول: أنبأني أبو هريرة عن المذكورين أنبأنا القطب شيخ الإسلام أبو
زكريا النووي رحمه الله أنا شيخنا الإمام الحافظ أبو البقاء خالد بن يوسف بن سعد بن
الحسن بن المفرج بن بكار المقدسي النابلسي ثم الدمشقي، أنا أبو اليمن الكندي أنا
محمد بن عبد الباقي الأنصاري أنا أبو محمد الحسن بن علي الجوهري أنا أبو الحسين
محمد بن المظفر الحافظ أنا أبو بكر محمد بن محمد بن سليمان الواسطي، نبأ أبو
نعيم عبيد بن هشام الحلبي نبأ ابن المبارك عن يحيى بن سعيد هو الأنصاري، عن
محمد بن إبراهيم التيمي عن علقمة بن وقاص الليثي عن عمر بن الخطاب رضي الله
عنه قال: قال رسول الله وَ له: ((إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن
كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا
يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه))(١).
وأخبرنيه عالياً متصلاً من غير طريق الشيخ خاتمة مسندي مصر أم محمد سارة
ابنة السراج أبي حفص عمر بن العز عبد العزيز بن البدر بن جماعة قراءة عليها، وأنا
أسمع بمنزلها بالقاهرة عن الصلاح أبي عبد الله محمد بن أحمد بن إبراهيم بن أبي
عمراناً الفخر أبو الحسن علي بن أحمد بن عبد الواحد المقدسي، أنا أبو حفص عمر بن
محمد بن معمر البغدادي، أنا أبو القاسم هبة الله بن محمد السنبائي، أنا أبو طالب
محمد بن محمد بن غيلان، أنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن إبراهيم الشافعي، حدثنا
محمد بن ربح وعبد الله بن روح قالا: نبأ يزيد بن هارون نبأ يحيى بن سعيد بإسناده
نحوه وهو حديث صحيح جليل القدر عظيم الموقع، أجمع أهل النقل على صحته
وثبوته، اتفق الشيخان على تخريجه من طريق يحيى، لكن طريق ابن المبارك
بخصوصها التي أوردها الشيخ منها انفرد بها مسلم ووافقه على تخريجها من أصحاب
السنن النسائي، كما أن طريق يزيد التي أوردتها انفرد بها مسلم أيضاً ووافقه على
تخريجها منهم كذلك ابن ماجه.
فأما الأول فرواه مسلم عن أبي كريب والنسائي عن سليمان بن منصور كلاهما
عن ابن المبارك. وأما الثاني فرواه مسلم أيضاً عن محمد بن عبد الله بن نمير وابن
(١) رواه البخاري (٣/١)، ومسلم (١٥١٥/٣).

٧٢
المنهل العذب الرَّوي في ترجمة قطب الأولياء النووي
ماجه عن أبي بكر بن أبي شيبة كلاهما عن يزيد بن هارون، وهو عند أحمد في مسنده
عن يزيد، فوافقناه فيه بعلو ووقع لنا بدلاً للآخرين مع العلو أيضاً على طريقي مسلم
وابن ماجه الثابتة والله الموفق اهـ.
الحديث الثاني: وبه إلى النووي رحمه الله تعالى قال: أنا شيخنا الحافظ أبو
البقاء خالد بن يوسف النابلسي ثم الدمشقي رحمه الله، أنا أبو طالب عبد الله وأبو
منصور يونس وأبو القاسم حسين بن هبة الله بن صصرى وأبو يعلى حمزة وأبو الطاهر
إسماعيل قالوا: أنا الحافظ أبو القاسم علي بن الحسن هو ابن عساكر، أنا الزين أبو
القاسم علي بن إبراهيم بن العباس الحسيني خطيب دمشق بها، أنا أبو عبد الله محمد بن
علي بن يحيى بن سلوان، أنا أبو القاسم الفضل بن جعفر، أنا أبو بكر عبد الرحمن بن
القاسم بن الفرج الهاشمي، نبأ أبو مشهر عبد الأعلى بن مشهر نبأ سعيد بن عبد العزيز
عن ربيعة بن يزيد عن أبي إدريس الخولاني عن أبي ذر رضي الله عنه عن رسول الله وَله
عن جبريل عليه السلام عن الله تبارك وتعالى أنه قال: ((يا عبادي إني حرمت الظلم على
نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا، يا عبادي إنكم الذين تخطئون بالليل والنهار
وأنا الذي أغفر الذنوب ولا أبالي فاستغفروني أغفر لكم، يا عبادي كلكم جائع إلاَّ من
أطعمته فاستطعموني أطعمكم، يا عبادي كلكم عار إلاَّ من كسوته فاستكسوني أکسکم،
يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل منكم لم
ينقص ذلك من ملكي شيئاً، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على
أتقى قلب رجل منكم لم يزد ذلك في ملكي شيئاً، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم
وإنسكم وجنكم كانوا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل إنسان منهم ما سأل لم
ينقص ذلك من ملكي شيئاً إلاَّ كما ينقص البحر أن يغمس المخيط فيه غمسة واحدة، يا
عبادي إنما هي أعمالكم أحفظها عليكم فمن وجد خيراً فليحمد الله عز وجل، ومن
وجد غير ذلك فلا يلومن إلاَّ نفسه))(١).
قال أبو مشهر: قال سعيد بن عبد العزيز: كان أبو إدريس إذا حدّث بهذا
الحديث جثا على ركبتيه، وأخبرنيه عالياً متصلاً أبو المعالي بن أحمد الدمشقي
بالقاهرة، قال: أنا أبو هريرة بن الحافظ أبي عبد الله الذهبي الدمشقي قال: أنا إليها أبو
(١) رواه مسلم (١٩٩٤/٤)، والطيالسي في مسنده (١ /٦٢)، والبزار في مسنده (٤٤١/٩)، والطبراني
في مسند الشاميين (١٩٢/١)، ومعمر في جامعه (١٩٢/١١)، وابن حبان (٣٨٥/٢)، والبيهقي
في الكبرى (٩٣/٦)، والبخاري في الأدب المفرد (ص ١٧٢)، والديلمي في الفردوس (٣/
١٨٢)، وانظر: جامع العلوم والحكم لابن رجب (ص ٢٢٣، ٣٣٣)، وتهذيب الأسماء واللغات
(٨٧/٣).

٧٣
المنهل العذب الرَّوي في ترجمة قطب الأولياء النووي
محمد القاسم بن المظفر بن محمود بن عساكر الدمشقي، أنا عم أبي العز النسابة أبو
عبد الله محمد بن تاج الأمناء أبي الفضل أحمد بن محمد بن الحسن بن عساكر
الدمشقي، أنا عم أبي الحافظ أبو القاسم بن عساكر الدمشقي، أنا أبو طالب الخضر بن
هبة الله بن طاوس سماعاً قالا: أنا الشريف أبو القاسم به مثله وهو حديث صحيح عالٍ
جليل الإسناد عظيم الموقع حسن التسلسل بالدمشقيين الثقات، فإن كلهم من أهلها إلاَّ
الصحابي رضي الله عنه وقد دخلها وكذا دخلتها. أخرجه مسلم في صحيحه منفرداً به
عن محمد بن إسحاق الصاغاني، ورواه الطبراني عن أبي زرعة الدمشقي كلاهما عن
أبي مشهر، فوقع لنا بدلاً لهما عالياً بدر حنين وقد جرد أبو مشهر إسناده ولكن خولف
فيه كما بين في غير هذا الموضع.
ووقع في تخريج أربعي الشيخ لشيخنا ما نصه: وقد رواه الإمام أبو زكريا النووي
في آخر كتاب الأذكار له من هذا الوجه، فكان بينه وبين ابن الموازيني المذكور في
روايتنا ثلاثة أنفس اهـ.
ولم يخرجه النووي كما رأيت من طريق ابن الموازيني، إنما أورده من طريق
الشريف أبي القاسم وهو رفيق ابن الموازيني في الرواية له عن ابن سلوان، وكذا رواه
في آخر الإرشاد وكأن شيخنا رحمه الله أراد أن يقول: الشريف، فسبق القلم، ويؤيده
أنه أورده في ((الأربعين)) التي خرجها لشيخه البلقيني على الصواب حيث قال: وقد رواه
الشيخ الإمام العلامة محيى الدين النووي في آخر كتاب ((الأذكار)) له عن شيخه خالد
النابلسي، عن أبي القاسم بن صصرى وغيره عن أبي القاسم ابن عساكر عن أبي القاسم
الخطيب عن ابن سلوان، قال الشيخ رحمه الله عقب إيراده في ((الإرشاد)): ورجال
إسناده مني إلى أبي ذر كلهم دمشقيون وقد دخل أبو ذر دمشق فاجتمع في هذا الحديث
جمل من الفوائد، منها صحة إسناده ومتنه وعلوه وتسلسله بالدمشقيين رضي الله عنهم
وبارك فيهم، وهذا في غاية الندرة والحسن، وحصل تعريف أوطان رواته بكلمة
واحدة: دمشقيون. ومنها ما اشتمل عليه من البيان لقواعد عظيمة في أصول الدين
وفروعه والآداب وغيرها ولله الحمد.
وروينا عن الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله قال: ليس لأهل الشام حديث أشرف
من هذا ولله الحمد.
الحديث الثالث: وبه إلى النووي رحمه الله قال: أنا خالد بن يوسف بن سعد
النابلسي الحافظ، أنا زيد بن الحسن هو الكندي، أنا المبارك بن الحسين، يعني
الواسطي، أنا علي بن أحمد هو ابن البشري، أنا محمد بن عبد الرحمن هو أبو طاهر
المخلص، نبأ عبد الله هو البغوي نبأ سفيان نبأ حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس رضي
الله عنه قال: قال رسول الله وَله: ((من طلب الشهادة صادقاً من قلبه أعطها ولو لم

٧٤
المنهل العذب الرَّوي في ترجمة قطب الأولياء النووي
تصبه)) وأخبرنيه غير واحد عن أبي إسحاق التنوخي عن العلاء بن العطار قال: أنبأ ست
العرب ابنة يحيى قالت: أنا الكندي به وأخبرني به عالياً العز أبو محمد الحنفي عن أم
محمد ابنة محمد بن الفخر قالت: أنا جدي الفخر بن البخاري قراءة عليه وأنا شاهدة
في الثالثة، أنا أبو اليمن زيد بن الحسن فذكره، وهو حديث صحيح أيضاً انفرد به
مسلم فرواه في الجهاد من صحيحه.
وكذا أخرجه أبو يعلى في مسنده كلاهما عن شيبان فوافقناهما فيه بعلو، ورواه
أبو عوانة في صحيحه المستخرج على مسلم عن أبي بكر أحمد بن علي بن سعيد
البغدادي وأخي خطاب كلاهما عن شيبان فوقع لنا بدلاً له عالياً، وكذا رواه غير
المذكورين عن شيبان، بل رواه مؤمل أيضاً عن حماد وزاد فيه: ((وإن مات على
فراشه))، وقد عزى صاحب مسند الفردوس هذا الحديث لابن ماجه، والذي فيه حديث
سهل بن حنيف الذي أخرجه مسلم أيضاً لا أنس، والله الموفق اهـ.
وفي الإرشاد للشيخ حديث عبد الله بن حوالة مرفوعاً: ((إنكم ستجندون
أجنادً»(١) أورده أيضاً من نسخة أبي مشهر بإسناده وتكلم عليه، لكننا اقتصرنا هنا على
إيراد ثلاثة أحاديث والله المستعان، انتهى.
وبه إلى النووي بإسناده الماضي في الحديث الثالث إلى الحافظ أبي القاسم بن
عساكر أنه أنشدهم لنفسه:
واجهد على تصحيحه في كتبه
واظب على جمع الحديث وكتبه
سمعوه من أشياخهم تسعد به
واسمعه من أربابه نقلاً كما
كيما تميز صدقه من كذبه
واعرف ثقات رواته من غيرهم
فهو المفسر للكتاب وإنما
وتفهم الأخبار تعرف حلّه
وهو المبين للعباد بشرحه
وتتبع العالي الصحيح فإنه
وتجنب التصحيف فيه فربما
واترك مقالة من لحاك بجهله
نطق النبي لنا به عن ربّه
من حرمه مع فرضه من ندبه
سنن النبي المصطفى مع صحبه
قرب إلى الرحمن تحظ بقربه
أدى إلى تحريفه بل قلبه
عن كتبه أو بدعة في قلبه
ويعد من أهل الحديث وحزبه
فكفى المحدث رفعة أن يرتضي
(١) رواه البزار والطبراني كما في مجمع الزوائد للهيثمي (٥٨/١٠).

٧٥
المنهل العذب الرَّوي في ترجمة قطب الأولياء النووي
روى هذا الشعر الشيخ في الإرشاد وأورده أبو القاسم النجيبي عن أبي عثمان بن
زيدون عن أبي العباس بن فرج قال: أنشدنا النووي به، فمن حيث العدد تساويت فيه
مع النجيبي وكأني وإياه في طبقة واحدة، بل وقع لي أعلا بدرجة أخرى لكن من غير
طريق الشيخ.
أخبرني أستاذي أبو الفضل العسقلاني رحمه الله: أنا أبو الحسن الخطيب عن أبي
محمد بن عساكر، أنا عم ابن أبي عبد الله النسابة، أنا عم أبي الحافظ أبو القاسم
فذكرها فكأني رويته عن أصحاب الشيخ وكان النجيبي سمعه مني وابنه الفضل، وبه
إلى النووي.
قال في تهذيب الأسماء واللغات: أخبرني أبو محمد الأنباري، أنا الحرستاني أنا
أبو الفتح نصر المقدسي، أنا أبو الفضل أحمد بن محمد الفراتي، سمعت جدي أنا
عمرو الفراتي يقول: سمعت أبا منصور محمد بن أحمد بن حمشاد يقول: سمعت
الأستاذ أبا الوليد حسان بن محمد القرشي يقول: سمعت أبا الفضل البلعمي يقول:
دخل محمد بن نصر المروزي رحمه الله على إسماعيل بن أحمد والي خراسان فقام له
ويجله وأبلغ في تعظيمه وإجلاله، فلما خرج عاتبه أخوه إسحاق بن أحمد على ذلك،
فقال له إسماعيل: إنما قمت إجلالاً لأخبار رسول الله وَله. ثم إن إسماعيل رأى رسول
اللّهِ وَّر في النوم فقال له: قمت لمحمد بن نصر إجلالاً لأخباري لأحرم بيت ملكك
وملك بنيك لإجلالك له وذهب ملك أخيك إسحاق وملك بنيه لاستخفافه لمحمد بن
نصر. قال: فبقي ملك إسماعيل وبنيه أكثر من مائة وعشرين سنة، انتهى.
ومما وقع لمحمد بن نصر أيضاً كما رويناه في المستجاد من تاريخ بغداد
للخطيب من طريق أبي العباس البكري قال: جمعت الرحلة بين محمد بن جرير
ومحمد بن إسحاق بن خزيمة ومحمد بن نصر المروزي ومحمد بن هارون الروياني
بمصر رضي الله عنهم، فأملقوا ولم يبق عندهم ما يقوتهم وأضرهم الجوع، فأجمعوا
الليلة في منزل كانوا يأوون إليه، فاتفق رأيهم على أن يسهموا ويضربوا القرعة فمن
خرجت عليه القرعة سأل لأصحابه الطعام، فخرجت القرعة على ابن خزيمة فقال
لأصحابه: أمهلوني حتى أتوضأ وأصلي صلاة الخيرة، قال: فاندفع في الصلاة فإذا هم
بالشموع وخصي من قبل والي مصر يدق الباب ففتحوا له ونزل عن دابته وقال: أيكم
محمد بن نصر؟ فقيل: هو هذا، فأخرج صرة فيها خمسون ديناراً فدفعها إليه ثم قال :
أيكم محمد بن جرير؟ فقالوا: هذا، فأخرج صرة فيها خمسون ديناراً فدفعها إليه، ثم
قال: أيكم محمد بن هارون؟ فقالوا: هو هذا، فأخرج صرة فيها خمسون ديناراً فدفعها
إليه، ثم قال: أيكم محمد بن إسحاق بن خزيمة؟ فقالوا: هو هذا يصلي، فلما فرغ

٧٦
=
المنهل العذب الرَّوي في ترجمة قطب الأولياء النووي
دفع إليه الصرة وفيها خمسون ديناراً، ثم قال: إن الأمير كان مائلاً بالأمس فرأى في
المنام خيالاً قال: إن المحمدين مذ طووا كشحهم جياعاً، فأنفذ إليكم هذه الصرار
وأقسم عليكم إذا نفدت فابعثوا إليّ أمدكم.
ووجد بخطه رحمه الله ما نصه: دعاء جمعه شيخنا الإمام العالم الجليل تقي
الدين أبو محمد بن إبراهيم بن أبي اليسر أملاه علينا يوم الخميس العشرين من ذي
القعدة سنة ثلاث وستين وستمائة: ((إلهي إن حسناتي لا تنفعك وسيئاتي لا تضرك
وأنت الغني عني وأنا الفقير إليك والفقر إليك موجب الغنى بك، إذ في تأميلك بلوغ
المأمول وفي قصدك نيل السول، فتقبل مني ما لا ينفعك، واغفر لي ما لا يضرك،
وارحم فاقتي وفقري وضعفي وضري فإني أستحي أن أسألك الجنة بحسناتي وأنا لا
أرضاها وأنت أولى بالمغفرة بحبك العفو عن سيئات أخشاها، فالسيئات منى موجبة
لعفوك عني يا من وسعت رحمته كل شيء وغمرت نعمته كل حي لقد ربح عبد في
معاملته لمن يقول كل يعمل على شاكلته، فشاكلتي ما تعلم وشاكلتك أن تعفو وترحم،
يا من سنّ الفضل والجميل أنت حسبي ونعم الوكيل)».
ووجد بخط الشيخ أبي الخير محمد بن أحمد بن يوسف الزرندي المدني قال:
وجدت بخط قاضي المسلمين العز أبي عمر عبد العزيز بن محمد بن جماعة قال:
وجدت بخط الشيخ محيى الدين النووي حكاية عن بعض الصالحين، أنه ما دعا الله
أحد بهذا المنظوم إلاَّ استجيب له، قلت: وذكر ما أخبرني به العز أبو محمد القاضي
عن أبي عبد الله الخزرجي، أنبأنا أبو الفضل بن عساكر عن أبي الخطاب عمر بن
الحسن دحية (ج) وأخبرني به شيخي إمام الأئمة أبو الفضل العسقلاني وغيره عن أبي
الفرج الغزي سماعاً، أنا أبو النور الدابوس عن أبي محمد عبد المنعم بن مفاد كلاهما
عن الإمام أبي زيد السهيلي قال عبد المنعم إجازة، وقال ابن جحية، فيما أنشدنيه
لنفسه وذكر أنه ما سأل الله تعالى أحد به شيئاً إلاَّ أعطاه إياه:
أنت المعد لكل ما يتوقع
يا من يرى ما في الضمير ويسمع
يا من يرجى للشدائد كلها
يا من حزائن رزقه في قول كن
ما لي سوى فقري إليك وسيلة
ما لي سوى قرعي لبابك حيلة
ومن الذي أدعو وأهتف باسمه
حاشا لجودك أن يقنط عاصياً
يا من إليه المشتكى والمفزع
امنن فإن الخير عندك أجمع
وبالافتقار إليك فقري أدفع
فلئن رددت فأي باب أقرع
إن كان فضلك عن فقيرك يمنع
الفضل أجزل والمواهب أوسع

٧٧
المنهل العذب الرَّوي في ترجمة قطب الأولياء النووي
غير أن البيت السادس لم يوجد بخط النووي.
انتهى. مات رحمه الله بنوى في الثلث الأخير من الليل ليلة الأربعاء أربع عشري
رجب سنة ست وسبعين وستمائة، ودفن بها من الغد بعد أن امتثل أمر بعض الصالحين
في واقعة جرت بزيارة بيت المقدس والخليل عليه السلام، فإنه قال لي: قد أذن لي في
السفر، فقلت: كيف ذلك؟ قال: بينا أنا جالس هنا، وأشار إلى بيته بالرواحية وتجاهه
طاقة مشرفة عليها، مستقبل القبلة إذ مر عليّ شخص في الهوى من هنا ومر كذا يسيراً
من غرب المدرسة إلى شرقها، وقال: قم سافر لزيارة القدس.
قال العلماء: وكنت حملت كلام الشيخ على ظاهره ثم تبين لي أنه إنما عنى
السفر الحقيقي، ولما انتهى من حكاية ذلك قال لي: قم حتى نودع أصحابنا وأحبابنا،
قال: فخرجت معه إلى المقبرة التي بها بعض شيوخه فزار وقرأ شيئاً ودعى وبكى، ثم
زار أصحابه الأحياء كالشيخ يوسف البقاعي والشيخ محمد الأخميمي والشيخ شمس
الدين بن أبي عمر، وسافر صبيحة ذلك اليوم إلى نوى، ثم زار القدس والخليل عليه
السلام ثم عاد إلى نوى ومرض عقب زيارته بها وهو في بيت والده، فبلغني مرضه
فتوجهت من دمشق لعيادته فسر بذلك ثم أمرني بالرجوع إلى أهلي، فودعته بعد أن
أشرف على العافية في يوم السبت العشرين من رجب وانصرفت، فتوفي بعد أيام كما
سبق .
وكان قبل قوله أذن لي في السفر بأيام يسيرة أرسل إليه فقير إبريقاً فقبله وقال: قد
أرسل إليّ فقير آخر زريولاً وهذا إبريق وذلك آلة السفر، كما تقدمت الحكاية، واتفق
أنه بينا أنا نائم ليلة وفاته رأيت كأن منادياً ينادي عليّ بيده جامع دمشق يوم جمعة:
الصلاة على الشيخ ركن الدين الموقع، وصاح الناس لذلك النداء واستيقظت فقلت:
﴿إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَجِعُونَ﴾ [البَقَرَة: الآية ١٥٦] فلم نلبث أن جاء الخبر لدمشق في ليلة
الجمعة بوفاته ونودي عقب صلاة الجمعة بجامع دمشق بذلك، وصلينا عليه هناك صلاة
الغائب وتأسف المسلمون عليه تأسفاً بليغاً، الخاص والعام والمادح والذام.
قلت: وأفاد التاج السبكي في الطبقات الوسطى: إنه قبل ظهوره إلى نوى رد
الكتب المستعارة عنده من الأوقاف جميعها .
وقال اللخمي في ترجمته المفردة حكاية عن غير واحد من العلماء بدمشق: أنه
لما خرج منها إلى نوى خرج معه جماعة من العلماء وغيرهم لظاهر دمشق وسألوه متى
الاجتماع؟ فقال: بعد مائتي سنة، فعلموا أنه عنى القيامة، وسافر إلى أبويه ثم مرض .
قال: ولما مات بنوى ارتجت دمشق وما حولها بالبكاء وتأسف عليه المسلمون أسفاً

٧٨
المنهل العذب الرَّوي في ترجمة قطب الأولياء النووي
شديداً وأحيوا ليالي كثيرة لسنته .
قال القطب اليونيني: ولما وصل الخبر بوفاته لدمشق توجه قاضي القضاة عز
الدين محمد بن الصائغ وجماعة من أصحابه إلى نوى للصلاة على قبره، قال: وكان
يسأل أن يموت بأرض فلسطين، فاستجاب الله تعالى منه، وكذا قال ابن العطار، سرت
إلى نوى صحبة قاضي القضاة أبي المفاخر محمد بن عبد القادر الأنصاري لتعزية والده
وأقاربه وأقمت عندهم أياماً.
قال الذهبي: ورثاه غير واحد يبلغون عشرين نفساً بأكثر من ستمائة بيت منهم
مجد الدين بن الظهير وقاضي القضاة نجم الدين بن صصرى، ومجد الدين بن المهيار،
وعلاء الدين الكندي، والعفيف التلمساني الشاعر أورد الكثير من ذلك ابن العطار،
انتهى كلام الذهبي.
ومجموع من أوردهم ابن العطار أبو العباس أحمد بن إبراهيم بن مصعب،
والنجم أبو العباس أحمد بن محمد بن سالم بن الحسن بن صصرى الشافعي قال:
وعتبه بعض مشايخه على ذلك فقال له: أدامت رتبتك بأحسن منها، وأبو العباس أحمد
الواسطي الضرير ويلقب بالجلال، وأبو محمد إسماعيل البسطي وكانت وفاته بعد
الشيخ بأربعة وعشرين يوماً، والتقى الحسيني بن صدقة بن بدران الموصلي وسلطان
إمام الروحانية والعفيف أبو محمد سليمان بن علي التلمساني وأبو محمد عبد الله
الأندلسي، والعلاء أبو الحسن علي بن المظفر بن إبراهيم الكندي الوداعي، والمجد
أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عمر بن أحمد بن أبي شاكر الإربلي الحنفي مدرس
العمارية بدمشق، عرف بابن الظهير، وأبو عبد الله محمد المنيحي الدمشقي أحد فقهاء
المدرسة الناصرية بدمشق شاعر أديب مغلق، وأظنه البدر بن عمر بن أحمد المهذب بن
عمرو بن علي الزرعي، والمجد أبو الفضل يوسف بن محمد بن عبد الله المصري ثم
الدمشقي الكاتب، عرف بابن المهيار.
فهؤلاء ثلاثة عشر نفساً وجماعة سبعة أيضاً لم يسمهم بل وصف اثنين منهم
ببعض الإخوان وواحد ببعض المدرسين بالباذرانية وآخر ببعض الفقهاء المحبين وآخر
ببعض فضلاء الحنفية، وباقيهم وهم أربعة ببعض المحبين، وقال إنه سمع من لفظ
الأول بدار الحديث النورية قصيدته وهي هائية، وبمجلسه بدار الحديث النورية أيضاً
بقراءة قارىء الحديث بها على الثاني قصيدته وهي لامية، وسمعها جماعة وذلك بعد
مدة من وفاة الشيخ حين ولاية ناظمها للقضاء سنة اثنين وسبعمائة، وقرأ على عاشرهم
في العشر الأول من شعبان سنة ست وسبعين وستمائة قصيدته، وهي لامية تزيد على

٧٩
المنهل العذب الرَّوي في ترجمة قطب الأولياء النووي
ثلاثين بيتاً، وأردفها بأخرى دونها عينية وهي في سباق جميع القصائد طول وعدة أبيات
جميعها ستمائة وثلاثون بيتاً.
وأوهم كلام الذهبي أن مجموع ذلك لم يورده ابن العطار بل أكثره، وكأنه لم
تقع له النسخة الموفية.
وعاش والد الشيخ بعده نحو عشر سنين، فإنه مات في سنة خمس وثمانين.
واختلف قول الذهبي في تعيين الشهر، فمرة قال صفر، ومرة قال رجب، وقد جاوز
السبعين وصُلي عليه بدمشق صلاة الغائب، قال: وكان رجلاً مباركاً. انتهى.
ورام أقارب الشيخ ونحوهم أن يبنوا عليه قبة، فرأته عمته أو غيرها في النوم فقال
لها: قولي لأخي أو للجماعة لا تفعلوا هذا الذي قد عزموا عليه من البنيان فإنهم كلما
بنوا شيئاً تهدم عليهم. فانتبهت منزعجة وحدثتهم بالرؤيا فرجعوا وحوطوا على قبره
حجارة ترد الدواب، فرحم الله ثراه وبرّد مضجعه ورضي عنه وجزاه عن المسلمين
أفضل الجزاء وحشرنا معه مع من اصطفاه، ونفعنا به إنه على كل شيء قدير.
وهذا آخر ترجمة شيخ الإسلام، بركة الأنام، القطب الرباني أبي زكريا النووي.
الشافعي، رحمه الله ونفعنا ببركته وبركة علومه.
قال مؤلفه حفظه الله تعالى وأبقاه في خير وعافية: وكان جمعي لها في جمادى
الأولى سنة ثلاث وسبعين وثمانمائة، وصلى الله على سيدنا محمد وسلم تسليماً كثيراً،
آمین.