Indexed OCR Text

Pages 21-40

٢٠
المنهل العذب الرَّوي في ترجمة قطب الأولياء النووي
ذلك اهـ، و((رياض الصالحين))(١)، و((الأذكار))(٢)، قلت: وهما جليلان لا يستغنى
عنهما، وكان فراغه من ((الأذكار)) كما رأيته بنسخة مقروءة عليه في المحرم سنة سبع
وستين وستمائة، قال: سوى أحرف ألحقها قال: وأجزت روايته لجميع المسلمين اهـ.
والأربعين(٣)، قلت: وفي آخرها الإشارة إلى فوائد فيها اهـ.
و ((التبيان في آداب حملة القرآن)»، قلت: وهو نفيس لا يستغنى عنه خصوصاً
القارىء والمقرىء انتهى (٤) .
ومختصره(٥) والترخيص في الإكرام والقيام، قلت: لأهل الفضل ونحوهم،
انتھی .
و ((الإرشاد في علوم الحديث)) (٦)، اختصر فيه كتاب ابن الصلاح ومختصره
((التقريب والتبشير في معرفة سنن البشير النذير))(٧).
وطبقات الفقهاء، قلت: اختصر فيها كتاب أبي عمرو بن الصلاح أيضاً في ذلك
وزاد عليه أسماء نبه عليها في ذيل كتابه. قال العماد ابن كثير: مع أنهما لم يستوعبا
أسماء الأصحاب ولا النصف من ذلك، وهذا هو الذي حدا بي على جمع هذا الديوان -
يعني طبقاته - وفات ابن كثير أيضاً كثير، والعذر عن النووي رحمه الله في ذلك أنه
مات عنه مسودة، وبيّضه الحافظ الجمال المزي تلميذه اهـ.
وقطعة كبيرة من تهذيب الأسماء واللغات(٨)، قلت: الواقعة في ((المختصر))
للمزني و((الوسيط)) و((الوجيز)) و((التنبيه)) و((المهذب)) و ((الروضة))، مات عنه مسودة
فبيّضه المزي أيضاً، انتهى.
و ((التحرير في ألفاظ التنبيه))(٩)، قلت: قال ابن الملقن: وما أكثر فوائده على
(١) طبعاته لا تُحصى، وقد اختصره السيوطي والدمياطي وغيرهما، وشرحه ابن علامة وغيره.
(٢) كسابقه، وقد اختصر كثيراً كالقسطلاني، يسر الله لنا تحقيقه، وغيرها، وشرحها الشيخ علوان.
(٣) من أجمل الأربعينات الحديثية، وقد شرح كثيراً كابن رجب.
(٤) التبيان كتاب عظيم، طبع بمصر وبيروت والسعودية.
(٥) ويعرف بالبيان.
(٦) طبع.
طبع عدة طبعات، وعليها حواشي وشروح.
(٧)
(٨)
طبع بمصر في مجلدين، وكذلك طبع ببيروت .
(٩) طبع بيروت - دار الفكر.

٢١
المنهل العذب الرَّوي في ترجمة قطب الأولياء النووي
إعواز بيّنه في جزء، وقال قاضي صفد: وما أكثر فوائده وما أعم نفعه لا يستغني طالب
علم عنه، انتهى.
و ((دقائق المنهاج)» (١)، و((الروضة)) مختصر الشرح للرافعي، قلت: وقد زاد فيها
تصحيحات واختيارات حسان كما صرح به العماد ابن كثير وكان فراغه من تأليفها كما
قرأته بخطه في آخر نسخته الموقوفة بالمدرسة المحمودية وهي في أربعة أجزاء، في
يوم الأحد خامس عشر ربيع الأول سنة تسع وستين وستمائة، هي كاسمها فيما قاله ابن
الملقن، بل سيأتي ذلك في منام عن سيد المرسلين عرض فيها أحكام المذهب، كما
قاله الأسنوي، انتهى (٢) .
و ((المنهاج مختصر المحرر))، للرافعي أيضاً، قلت: وهو عظيم النفع كما صرح
به قاضي صفد وله فيه أيضاً تصحيحات واختيارات، وكان فراغه من تأليفه كما رأيته في
النسخة التي بخطه في المحمودية أيضاً يوم الخميس تاسع عشر رمضان من السنة،
انتھی .
و ((المجموع في شرح المهذب))، وصل فيه إلى المصراة، قلت: بل إلى أثناء
باب الربا، انتهى (٣). ودفع لي ورقة بتعيين مواده في تصنيفه وقال لي: إذا انتقلت
بالوفاة إلى رحمة الله تعالى فأتممه منها، فلم يقدر لي ذلك. قلت: وليته ذكر أسماءها
لمن بعده وإن كان يعلم تعينها من الشرح لكن كان ذاك أسهل وأضبط. وقد سرد
السبكي الكتب التي استمد هو منها في تكملته أهـ.
و ((العمدة)) في تصحيح التنبيه، قلت: قال ابن الملقن: وما أحسنه لكنه أهمل
قدره أو أكثر فألحقه من كلامه الأسنوي في التنقيح والتذكرة. وقال غيره: إنه من قديم
ما صنّف فلا يعتمد على ما فيه مخالفاً لحديث كتبه، وللقطب محمد بن عبد الصمد
السنباطي عليه استدراكات أيضاً، انتهى.
والإيضاح في المناسك(٤)، والإيجاز فيها أيضاً، ومنسك ثالث ورابع وخامس
وسادس، قلت: وأحدها خاص بالنسوان(٥) اهـ.
(١) طبع بتحقيقنا - العلمية - بيروت.
(٢) طبعت روضة الطالبين في المكتب الإسلامي، ثم محققة بدار الكتب العلمية - بيروت.
(٣)
طبع بدار الكتب العلمية، بيروت، بتكملة ابن السبكي والماراني، وعلي معوض، وقد طبع من
قبل بمكتبة الإرشاد جدة، بتكملة الشيخ المطيعي، رحمه الله.
(٤) طبع، وشرحه ابن حجر الهيثمي وغيره.
(٥) بحوزتي مخطوطات مصورة لمناسك الحج، ومناسك المرأة للنووي.

٢٢
المنهل العذب الرَّوي في ترجمة قطب الأولياء النووي
ومسألة تخميس الغنائم، قلت: وكان سبب تصنيفها ما أسلفته عن القطب
اليونيني، انتهى.
والفتاوى، وقد رتّبها، وقطعة من شرح التنبيه، قلت: وصل فيها إلى أثناء باب
الحيض سماه تحفة الطالب النبيه، وهو غير النبذ الذي رأيته في مجلد، فإنه قد شرح
فيه مواضع من جميع الكتاب، وهو من أوائل ما صنّف، اهـ.
ومن شرح ((الوسيط)) قطعة جيدة، قلت: وقد قال ابن الرفعة في المطلب الذي
شرح به الوسيط: أنه شرع فيه من أول ربع البيع وأنه جعل ذلك تتميماً لمن سبقه وأنه
إذا انتهى من الكتاب استأنف الربع الأول.
قال: فإن حصل المطلوب فبفضل الله ومنِّه، وإن عاق عنه عائق فيغنى عنه إن
شاء الله ما تقدمت الإشارة إليه من كلام الغير فإنه قريب منه أو موافق وكأنه رحمه الله
عنى الشيخ نفعنا الله ببركته وهي في جزئين كما قال ابن الملقن، وقال: قد رأيتها ببيت
المقدس وبمصر أيضاً وهي الآن موجودة في [ ...... ](١) وسمى ابن الملقن في
تصنيفه أيضاً ((التنقيح في شرح الوسيط))، وقال: إنه وصل فيه إلى أثناء كتاب الصلاة
حسبما وقف عليه بخطه ولا أدري أهو الذي قبله أو غيره. وذكر بعضهم عن التنقيح أنه
وصل فيه إلى شروط الصلاة، قال: وهو كتاب جليل من أواخر ما صنّف جعله مشتملاً
على أنواع متعلقة بكلام الوسيط ضرورية كافية لمن يريد المسائل الموجودة والمرور
على الفقه كله في زمن قليل، ولتصحيح مسائله وتوضيح أدلته وذكر أغاليطه وحل
إشكاله وتخريج أحاديثه وذكر شيء من أحوال الفقهاء المذكورين فيه إلى غير ذلك من
الأنواع التي التزمها، ولم يتعرض فيه لفروع غير فروع الوسيط وهي طريقة تعسر معها
تدريس الوسيط كل عام مرة، وقد كان بعض الأشياخ يفعل ذلك ولا يتعرض لفرع
زائد، ويقول: إنه يقبح لمن يتصدى للإفتاء والتدريس أن يكون عهده بباب من أبواب
الفقه أكثر من عام، انتهى.
والتحقيق في الفقه وصل فيه إلى أثناء باب صلاة المسافر، قلت: هو كما قال
ابن الملقن: نفيس، قال: وكأنه مختصر شرح المهذب الماضي، وقال غيره: إنه ذكر
فيه مسائل كثيرة محضة وقواعد وضوابط لم يذكرها في الروضة، وقال في مقدمته:
حصل عندي نحو مائة مصنف من كتب أصحابنا، اهـ إلى غير ذلك من المسودات .
ولقد أمرني مرة ببيع نحو من ألف كراس بخطه، وأمرني بالوقوف على غسلها
(١) ما بين [] بياض بالأصل.

٢٣
المنهل العذب الرَّوي في ترجمة قطب الأولياء النووي
في الوراقة، فلم أخالف أمره وفي قلبي منها حسرات.
قلت: ومن تصانيفه أيضاً، كتاب ((جامع السنة))، شرع في أوائله وكتب منه دون
كراسة، و ((مختصر صحيح مسلم)) توقف ابن الملقن في نسبته له قال: وكأن مصنفه
أخذ تراجمه من شرح ((صحيح مسلم)) له وركب عليها متونه وعزاه إليه، ومختصر ((أسد
الغابة في معرفة الصحابة))، لابن الأثير، كما نبه عليه في مصنفه التقريب، و ((بستان
العارفين)) في الزهد والتصوف بديع جداً (١) وأجوبة عن أحاديث سئل عنها في دون
كراس، ومناقب الشافعي التي لا يسع طالب العلم أن يجهلها اختصر فيها كتاب
((البيهقي))(٢) الحافل في ذلك بحذف الأسانيد وهي في مجلد، وحزب أدعية رأيته
بمكة (٣)، و ((دقائق الروضة)) وصل فيها إلى أثناء الصلاة، وهي نفيسة، سماها
((الإشارات لما وقع في الروضة من الأسماء واللغات))، و ((مختصر التذنيب))
الرافعي (٤)، سماه ((المنتخب))، وقد أسقط منه في آخر الفصل السادس أوراقاً تزيد على
الكراس فلم يختصرها، و ((مختصر التنبيه)) كتب منه ورقة، و ((مهمات الأحكام))، قال
بعضهم: وهو قريب من التحقيق(٥) في كثرة الأحكام لكنه لم يذكر فيه خلافاً وصل فيه
إلى أثناء طهارة البدن والثوب، والأصول والضوابط (٦) وهي أوراق لطيفة تشتمل على
شيء من قواعد الفقه وضوابط لذكر العقود اللازمة والجائزة وما هو تقريب أو تحديد،
ونحو ذلك، ومشكلات الوسيط .
لكن قال الأسنوي: نسب ابن الرفعة إليه كتاباً في أغاليط الوسيط يشتمل على
خمسين موضعاً بعضها فقهية وبعضها حديثية، وليس هو له وإنما هو الشخص
حموي (٧)، وكذا قال ابن الملقن: الظاهر أنها ليست له وإن عزاها إليه صاحب المطلب
وغيره، يعني كالكمال الأدفوي، فإنه سماه البدر السافر من تصانيفه مع إشكالات على
المهذب، وقال: إنهما لم يكملا وزعم غيره أنه كامل حيث ذكر في تصانيفه إيضاح
الأغاليط الموجودة في الوسيط كامل في كراريس، والله أعلم.
(١) وهو يدل على تصوفه وزهده.
(٢) يعني مناقب الشافعي.
(٣) وهو مطبوع ضمن جامع الأوراد الكبير، وقد شرحه سيدي مصطفى بن كمال البكري قدس الله
سره .
(٤)
طبع التذنيب مع الوجيز لأول مرة - بتحقيقنا - طبع دار الكتب العلمية، بيروت.
(٥) طبع محققاً، وقد وصل فيه المصنف إلى الصلاة.
(٦) منه نسخة ضمن مجموع بدار الكتب المصرية، وهو مطبوع.
(٧) طبع ضمن الوسيط للغزالي رضي الله عنه بدار السلام، مصر.

٢٤
المنهل العذب الرَّوي في ترجمة قطب الأولياء النووي
وكذا سمى فيها أغاليط المهذب وقال: فيه فوائد والغاية في الفقه، قال ابن
الملقن: وعندي أنها ليست له وإن كانت له فلعلها مما صنفه في أول أمره وسماها غيره
((النهاية في الاختصار للغاية))، وجزم الأسنوي بأنها ليست له. و ((مختصر البسملة))
لأبي شامة، رأيته بخطه وهو في شرح المهذب بتمامه ومسألة نية الاغتراف، ومختصر
آداب الاستسقاء ورؤوس المسائل وتحفة طلاب الفضائل ذكر فيه من التفسير والحديث
والفقه واللغة وضوابط ومسائل من العربية وغير ذلك جليل في معناه، وأفرد من شرح
المهذب أدب المفتي والمستفتي وهو نفيس وقد سبقه لتصنيف هذا أبو عمرو بن
الصلاح ومن قبله أبو القاسم الصيمري، وفتاوى أخر رتبها بخطه مما لم يذكر في
فتاویه .
فهذه نحو من خمسين تصنيفاً، كل ذلك كما قال الكمال الأدفوي، في زمن يسير
وعمر قصير اهـ. وعمَّ النفع بتصانيفه وانتشر في الأقطار ذكرها وأكبوا على تحصيلها
حتى رأيت من كان يشنؤها في حياته مجهداً في تحصيلها والانتفاع بها بعد مماته.
قلت: قال اليافعي: ولقد بلغني أنه حصلت له نظرة جمالية من نظرات الحق
سبحانه وتعالى بعد موته فظهرت بركتها على كتبه فحظيت بقبول العباد والنفع في سائر
البلاد .
وقال العثماني قاضي صفد في ترجمته من طبقات الشافعية له: سمعت الخطيب
جمال الدين محمود بن جملة الخطيب بالجامع الأموي يقول بحضرة جماعة من مشايخ
العصر أنه سمع من شخص يخاطبه وهو بين النائم واليقظان: أن الله أفاض على النووي
في قبره فيضاً صرف ذلك الفيض إلى كتبه فمن ثم شاعت وذاعت اهـ. وحفظ المنهاج
بعد موته خلائق أثنى حجة العرب الحمال بن مالك على حسن اختصاره وعذوبة ألفاظه
حتى قال لي: والله لو استقبلت من أمري ما استدبرت لحفظته. وامتدحه شيخنا الأديب
الفاضل الرشيد أبو حفص عمر بن إسماعيل بن مسعود الفارقي شيخ الأدب في وقته
بأبيات وقف عليها الشيخ بخطه، فقال :
عن بسيط بوجيز نافع
إعتنى بالفضل محبي فاغتنى
وانحلى بتقاه فضله
ناصب أعلام علم جازماً
فكان ابن صلاح حاضراً
فتحلى بلطيف جامع
بمقال رافعاً للرافعي
وكأن ما غاب عنا الشافعي
قلت: وقال فيه الأسنوي أيضاً :
يا ناهجاً منهاج خير ناسك
دقت دقائق فكره وحقائقه

٢٥
المنهل العذب الرَّوي في ترجمة قطب الأولياء النووي
بادر لمحيي الدين فيما رمته يا حبذا منهاجه ودقائقه
وقال غيره:
فعليك ياذا الذهن بالمنهاج
إن رمت فقهاً صافياً كالعاج
مقياس والحكام والحجاج
غبن ومن حسد وشر مزاج
فیہ الصحیح مع الفصيح وعمدة الـ
من قاسه بسواه مات وذاك من
وللبرهان الجعبري :
للَّه درّ إمام زاهد ورع
ألفاظه كعقود الدر ساطعة
فاسلكه تحظ بأحكام تنيف على
وانهل الروضة الغناء زاهرة
أحيى لنا الدين (محييه) فألبسه
ثوب حتى يرى يحيى وثم له
بوَّأه ربك في الفردوس منزلة
وقال شاعر العصر الشمس النواحي :
يمم حمى النووي ولذ بعلومه
واصرف لها ساعات وقتك ترتقي
أبدى لنا من فتاوى الفقه منهاجاً
على الرياض تزيد الحسن إيهاجاً
علم المحرر تأويباً وإدلاجاً
بحراً من الفقه عذب الورد ثجاجاً
بما تنوع من تصنيفه تاجاً
نوراً يسير به في العرض ثجاجاً
مع الذي نال في مسراه معراجاً
وأنخ بروضته تفز بحقائقه
درجاً إلى منهاجه ودقائقه
وقال التقي السبكي في أول القطعة التي شرحها ما نصه: هذا الكتاب في هذا
الوقت هو عمدة الطلبة وكثير من الفقهاء في معرفة المذهب اهـ كلام السبكي.
وممن علمته شرحه من الأئمة، البهاء أبو العباس أحمد بن أبي بكر بن عوام
السكندري والد المتقي محمد، ففي ترجمته أنه علق على المنهاج، والكمال أبو
المعالي محمد بن علي بن عبد الواحد بن الرملكان الدمشقي، والبرهان إبراهيم بن
التاج عبد الرحمن بن إبراهيم بن الفركاح، علق كل منهما عليه تعليقاً كما رأيته في
ترجمتهما وأن أولهما سمى شرحه، السراج الوهاج في إيضاح المنهاج، وقطعته جيدة
وفي أوقاف كتب الباسطية لابن الفركاح، عليه نكت صغيرة الحجم سماها بعض غرض
المحتاج، وشرحه المجد أبو بكر بن إسماعيل بن عبد العزيز الزنكلوني نحو شرحه
على التنبيه في الحجم لكن ذاك أحسن من هذا، وكذا شرحه الشيخ نور الدين فرج بن
أحمد بن مجد الأردبيلي كتب منه ست مجلدات وهي بالمدرسة المحمودية، والشيخ

٢٦
المنهل العذب الرَّوي في ترجمة قطب الأولياء النووي
تقي الدين أبو الحسن علي بن عبد الكافي السبكي سماه الابتهاج(١)، لكنه لم يكمل
وصل إلى الطلاق ثمانية أجزاء وشرع ولده البهاء أبو حامد أحمد في إكماله فمات قبل
أن يتم أيضاً، وكذا كمل على السبكي من المتأخرين الشيخ نور الدين محمود بن
أحمد بن محمد الحموي، عرف بابن خطيب الدهشة(٢)، وما أعرف هل تم أم لا،
وكتب عليه الشيخ شهاب الدين أبو العباس أحمد بن لؤلؤ بن النقيب شرحاً لم يكمل
ولا اشتهر، ونكتاً كملت وانتفع بها وهي كثيرة الفائدة، والشيخ جمال الدين أبو محمد
عبد الرحيم بن الحسن الأسنوي وما أحسنه وأتقنه لكنه لم يكمل وصل فيه إلى المساقاة
فكمل عليه الشيخ بدر الدين محمد بن بهادر الزركشي ثم استأنف فصار شرحه مستقلاً
لكن التكملة أكثر تداولاً، وللبدر عليه أيضاً الديباج في مجلد(٣)، وكذا كمل على
الأسنوي تلميذه الشيخ زين الدين أبو بكر بن الحسين المراغي، ثم استأنف أيضاً فيما
أظن فصار شرحه مستقلاً والقاضي عز الدين أبو عمر عبد العزيز بن محمد إبراهيم بن
جماعة تكلم على مواضع فيه .
وقال الولي العراقي إنه صنف عليه شرحاً لم يكمله، والعماد أبو الفداء
إسماعيل بن خليفة الحناتي له شرح في عشر مجلدات فيه نقول كثيرة وأبحاث نفيسة
لكنه كما قال ابن قاضي شهبه: لم يشتهر لأن ولده لم يمكن أحداً من كتابته فاحترق
غالبه في الفتنة. قال: ورأيت منه مجلداً بخط الأذرعي وكأنه كتب لنفسه منه نسخة
وهو ينقل غالب ما فيه من النقول والبحوث في العون، والجمال محمد بن أحمد بن
محمد بن أحمد الشرشي في أربعة أجزاء اختصره من شرح الرافعي الصغير، والشيخ
شهاب الدين أحمد بن أحمد أن الأذرعي له ((غنية المحتاج))، و ((قوت المحتاج))
وحجمهما متقارب وفي كل منهما ما ليس في الآخر إلاّ أنه كان في الأصل وضع
أحدهما لحل ألفاظ الكتاب فقط فما انضبط له ذلك بل انتشر جداً، وشرح قطعة منه
القاضي برهان الدين إبراهيم بن عبد الرحيم بن البدر بن جماعة في مجلد رأيته بخطه،
وشرحه الشرف أبو الروح عيسى بن عثمان العديمي مصنف أدب القضاء في كبير نحو
عشر مجلدات، وصغير في مجلدين لخصه من كلام الأذرعي مع فوائد كثيرة من
الأنوار وله شرح ثالث متوسط بينهما، والشيخ سراج الدين أبو حفص عمر بن علي ابن
الملقن في كبير عدم وسماه، كما قال قاضي صفد فيما أرسل به إليه، جامع الجوامع
(١) طبع ببيروت.
(٢) صاحب مختصر قواعد العلائي، طبع بتحقيقنا، دار الكتب العلمية.
(٣) هو الديباج شرح المنهاج للزركشي، بحوزتي جزء منه، وهو عدّة مجلدات.

٢٧
المنهل العذب الرَّوي في ترجمة قطب الأولياء النووي
وأنه نحو ثلاثين جزءاً ومتوسط سماه العمدة ومختصر سماه العجالة، وله أيضاً نهاية
المحتاج لتوجيه المنهاج قدر المتن وخرج أحاديثه وضبط لغاته(١) وغير ذلك.
والشيخ سراج الدين أبو حفص عمر بن رسلان البلقيني كتب على ربع الخراج
كتابة أطال فيها النفيس في خمس مجلدات، وكذا كتب منه قطعاً غير ذلك، من ذلك
من النكاح نحو مجلد، والشيخ شهاب الدين أبو العباس أحمد بن العماد الأفقهسي في
مطوله لم يوجد منه الآن سوى قطعة يسيرة تنتهي إلى صلاة الجماعة في ثلاث
مجلدات، ومختصر في مجلدين، والشيخ كمال الدين محمد بن موسى الدميري في
أربع مجلدات(٢) ضمنه فوائد كثيرة خارجة عن الفقه. قال في خطبته: وأول من شرحه
الشيخ الإمام العلامة تقي الدين السبكي بسبك أتريره، ثم شيخنا الشيخ جمال الدين
لخصه بعبارته الوجيزة، ثم العلامة شيخنا الشيخ سراج الدين بن أبي الحسن فبين من
أدلته الصحيح والغريب والحسن ونقى شرحه ولغاته عن الطرف الوسن، ثم شرحه
العلامة الأذرعي فسكت ونكت، ثم النقاب ابن النقيب نقب عليه ونكت فكان
كالجدول من البحر المحيط والخلاصة من البسيط والوسيط، ثم علق عليه أئمة من
علماء العصر كتبوا فأحسنوا ما صنفوا وقوم أطنبوا وقوم تمموا فتعبوا وأتعبوا، وكل
منهم عادت عليه بركة علامة نوی فبلغ وهدی ولكل امرىء ما نوی.
وقل من جد في أمر يحاوله واستصحب الصبر إلاَّ فاز بالظفر
انتهى كلام الدميري. وقد ظهر مما قلناه أن السبكي ليس أول من شرحه، نعم
إن كان بالنظر إلى الوفاء بالمقصود فالأولية صحيحة، ثم إن في تقديمه لابن الملقن
على الأوزاعي مع الإتيان بثم، إشارة إلى أنه وإن تأخرت وفاته عن الأذرعي فإنه صنف
شرحه قديماً في أيام شيخه الأسنوي، حتى إن الأذرعي وقف عليه واستفاد منه
واعترض عليه في مواضع، وأما تعيين من أبهم فيمكن أن يكون أشار إلى البدر
الزركشي والمراغي أو أحدهما والله أعلم.
وفي ترجمة القاضي فخر الدين محمد بن محمد بن أسعد القاياني، حدثتنا
شيختنا أم هانىء الهورسية والدة العلامة سيف الدين الحنفي بارك الله في حياته لأمها
من معجم شيخنا، أنه حفظ المنهاج وكتبه بخطه وكتب عليه مع قلة بضاعته، وشرحه
أيضاً الشيخ شمس الدين محمد بن محمد بن الخضر العيزري في شرحين، أحدهما
((كنز المحتاج إلى إيضاح المنهاج»، والآخر ((السراج الوهاج في حل المنهاج)، وشرح
(١) هو نهاية المحتاج الأدلة المنهاج، طبع في مجلدين، بيروت.
(٢) توجد منه عدة مجلدات مصورة بمعهد المخطوطات العربية، ناقص الأجزاء.

٢٨
المنهل العذب الرَّوي في ترجمة قطب الأولياء النووي
فرائضه الجمال يوسف بن الحسن بن محمد الحموي خطيب المنصورية وهو في مجلد
عند العلامة النجم بن حجي بورك في حياته وشرحه الجمال عبد الله بن محمد بن
طيمان الطيماني اختصره من شرح الشرف العمري، وكذا كتب عليه ملخصاً من
الأذرعي وغيره شيئاً لم يشتهر لغلاقة لفظه واختصاره. وكتب على خطبته شرحاً مطولاً
الشيخ شهاب الدين أبو العباس أحمد بن محمد بن عماد، عرف بابن الهائم الفرضي،
والشيخ عز الدين محمد بن أبي بكر بن جماعة عليه زاد ((المحتاج في نكت المنهاج))
و ((منهج المحتاج في نكت المنهاج)) و((بغية المحتاج إلى نكت المنهاج))، و((القصد
الوهاج في حواشي المنهاج))، و((المنهج الوهاج في شرح المنهاج))، و ((وسائل
الابتهاج في شرح المنهاج))، و ((منبع الابتهاج في شرح فرائض المنهاج))، و((السبيل
الوهاج في شرح فرائض المنهاج))، وغير ذلك مما وجد منه شرح الخطبة، وأماكن
معرفة عند ابن حجي المذكور، وشرحه الشيخ شهاب الدين أحمد بن عبد الله بن
بدر بن مفرح العدي في ثلاثة أسفار، ورأيت في طبقات ابن قاضي شهبة أنه كتب عليه
قطعة مطولة في مجلدين إلى الصلاة فأظنه غير الأول، وعمل عليه نكتاً القاضي جلال
الدين البلقيني لكنها لم تكمل وصل إلى الخراج، وشرحه الشيخ برهان الدين أبو
إسحق إبراهيم بن محمد بن عيسى بن خطيب عذراء غالبه مأخوذ من الرافعي ومن
فوائد غريبة، والتقى أبو بكر بن محمد بن عبد المؤمن الحصني في خمس مجلدات،
وفقيه الشام التقي أبو بكر بن أحمد بن محمد بن عمر بن قاضي شهبة وكتب على
خطبته، وإلى التيمم الشيخ العلامة القاضي شمس الدين محمد بن علي القاياتي وعلى
مناسكه ومواضع منه شيخنا شيخ الإسلام أبو الفضل ابن حجر رحمه الله، وعلى جميع
الكتاب شيخي الشرف أبو الفتح محمد بن أبي بكر المداعي ولد الماضي، والشيخ
المحقق جلال محمد بن أحمد المحلى وهو مختصر في مجلد في غاية التحرير، وشرع
فقيه المذهب الشرف المناوي في شرح مطول عليه فكتب منه قطعة، وآخرون هم الآن
في مبدأ الحياة بمصر والشام كثّر الله منهم وأبقاهم ليؤخذ عنهم العلم.
وكذا بلغني أن لابن صوراء ونور الدين البكري عليه شرحين لم يكملا فتجر
أمرهما، ويقال: إن الذي لابن صوراء إنما هو الجمع بينه وبين الحاوي سماه
(الابتهاج))، ونظمه الشيخ شمس الدين أبو عبد الله محمد بن محمد بن عبد الكريم بن
رضوان الموصلي، والعلامة الشهاب أحمد بن ناصر التاغوني قاضي دمشق ووالد
قاضيها جمال الدين يوسف بارك الله في حياته، ونظم فرائضه فقط ناصر الدين
محمد بن محمد بن يوسف المبدلي عرف بابن سويدان سماه ((وجهة المحتاج ونزهة
المنهاج))، واختصره الشيخ أثير الدين أبو حيان الأندلسي وسماه ((الوهاج»، وكتب عليه

٢٩
المنهل العذب الرَّوي في ترجمة قطب الأولياء النووي
مضموماً مع التنبيه الشيخ تاج الدين أبو نصر السبكي في ((التوشيح)) (١)، وكذا الشيخ
ولي الدين أبو زرعة العراقي وأضاف إليهما الحاوي، ومن وفور جلالته وجلالة مؤلفه
انتساب جماعة ممن حفظه إليه فيقال له: المنهاجي، وهذه خصوصية لا أعلمها الآن
لغيره من الكتب.
وحكى لي صاحبنا الزين عبد الرحمن بن أحمد الهمامي الدمشقي الحنفي أن
أخاه الشمس محمد القدسي حصل له توعك في صغره أدى إلى خرسه حتى بلغ السنة
السادسة، وأن والدهما توجه به إلى الشيخ عبد الله العجلوني أحد جماعة التقي
الحصني، وإمام جامع ابن منجك بالقبيبات ملتمساً بركته ودعاءه فدعا له وبشره بالعافية
وألزمه بأن يجعله شافعياً يقرئه المنهاج بقصد بركة مؤلفه مع كون سلفه وإخوته كلهم
حنفية، فامتثل ذلك فعوفي عن قريب وحفظ القرآن والمنهاج في أربع سنين وهو الآن
عين الدماشقة في كتابة المصاحف. وكتابه ((شرح المهذب)) لم يصنّف في المذهب
على مثل أسلوبه .
قال الأسنوي وابن الملقن: وليته أكمله وانخرمت باقي كتبه، وبه عرف مقداره.
وقال الذهبي أنه في غاية الحسن والجودة. وقال العماد بن كثير في تاريخه: إنه لو
كمل لم يكن له نظير في بابه فإنه أبدع فيه وأجاد وأفاد وأحسن الانتقاد وحرر الفقه في
المذهب وغيره، والحديث على ما ينبغي واللغة والعربية وأشياء مهمة لا أعرف في
كتب الفقه أحسن منه. قال: على أنه يحتاج إلى أشياء كثيرة تزاد عليه وتضاف إليه.
وقال في ((طبقات الشافعية)»: سلك فيه طريقة وسطة حسنة مهذبة سهلة جامعة
لأشتات الفضائل وعيون المسائل ومجامع الأوائل ومذاهب العلماء ومفردات الفقهاء،
وتحرير الألفاظ ومسالك الأئمة الحفاظ، وبيان صحة الحديث من سقمه ومشهوره ومن
عكسه. وبالجملة فهو كتاب ما رأيت على منواله لأحد من المتقدمين ولا حذى على
مثاله متأخر من المصنفين، وقال العثماني قاضي صفد: إنه لا نظير له لم يصنف مثله
ولكنه ما أكمله، ولا حول ولا قوة إلاّ بالله إذ لو أكمله ما احتيج إلى غيره وبه عرف
قدره واشتهر فضله.
وقال التقي السبكي في أول التكملة التي عملها تلوه وقد وصف المؤلف بالشيخ
الإمام العلامة علم الزهاد قدوة العباد أوحد عصره وفريد دهره محيي علوم الأولين
وممهد سنن الصالحين أن بعضهم طالت - يعني في تكملة ((شرح المهذب)) - رغبته إلي
(١) مجلد ضخم، يسَّر الله تحقيقه.

٣٠
المنهل العذب الرَّوي في ترجمة قطب الأولياء النووي
وكثر إلحاحه عليَّ وأنا في ذلك أقدم رجلاً وأؤخر أخرى، وأسهل الخطب وأراه شيئاً
أمراً، وهو في ذلك لا يقبل عذراً، وأقول: قد يكون تعرضي لذلك مع قصوري عن
مقام هذا الشارح إساءة إليه وجناية مني عليه، وأني أنهض بما نهض به وقد أسعف
بالتأييد وساعدته المقادير فقربت منه كل بعيد، ولا شك أن ذلك يحتاج بعد الأهلية إلى
ثلاثة أشياء :
أحدها: فراغ البال واتساع الزمان، وكان رحمه الله قد أوتي من ذلك الحظ
الأوفى بحيث لم يكن له شاغل عن ذلك من تعيش ولا أهل .
والثاني: جمع الكتب التي يستعان بها على النظر والاطلاع على كلام العلماء،
وكان رحمه الله تعالى قد حصل له من ذلك حظ وافر لسهولة ذلك في بلده في ذلك
الوقت .
والثالث: حسن النية وكثرة الورع والزهد والأعمال الصالحة التي أشرقت
أنوارها، وكان رحمه الله تعالى قد اكتال من ذلك بالمكيال الأوفى.
فمن تكون اجتمعت فيه هذه الخلال الثلاث أنى يضاهيه أو يدانيه من ليست فيه
واحدة منها، إلى أن قال: وقد استخرت الله تعالى وقلت في نفسي: لعل ببركة صاحبه
ونيّته يعينني الله تعالى عليه إنه يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم فإن من الله بإكماله
فلا شك أن ذلك من فضل الله تعالى وبركة صاحبه ونيّته إذا كان مقصوده النفع للناس
ممن كان. انتهى كلام السبكي وانتهت كتابته كما رأيته بخطه في أربع مجلدات إلى
التفليس .
ولم يتهيأ إكماله لأحد ممن انتدب لذلك لا العماد إسماعيل الحسباني ولا التاج
السبكي ولا الشهاب ابن النقيب ولا السراج البلقيني، وسماه النبوغ في تكملة
المجموع، كتب منه مجلداً من النكاح ولا الزين العراقي ولا ولده رحمة الله عليهم
أجمعين. وعدّ ذلك من كرامات مؤلفه، وكتب الكمال جعفر الأدفري على مقدمة
(شرح المهذب)) أشياء حسنة وزاد أموراً مهمة وشرع شيخنا في نكت عليه فكتب يسيراً
من أوائلها .
وأما ((الروضة)) فقد انتدب لاختصارها القطب محمد بن عبد الصمد بن عبد
القادر السنباطي لكنه لم يكمل، والشمسان محمد بن المنعم المنفلوطي ومحمد بن
أحمد بن عبد المؤمن بن اللبان، لكنه لم يشهر لغلاقة لفظه. والنجم عبد الرحمن بن
يوسف الأصفوني والجمال محمد بن أحمد بن محمد الشريشي، وفتح الدين محمد بن
علي بن إسماعيل البستاني قاضي المرتاحية في مجلدين لطيفين، وكان حياً في سنة

٣١
المنهل العذب الرَّوي في ترجمة قطب الأولياء النووي
أربع وتسعين، والشرف أبو الروح عيسى بن عثمان العمدي مصنف أدب القضاء
اختصرها مع زيادات كثيرة أخذها من المنتقى وغيره، والزين أبو العباس أحمد بن
الشيخ ناصر الدين محمد بن أحمد بن محمد البكري، جد القاضي جلال الدين دام
النفع به وهو بمدرسة الجمال ناظر الخواص كما ذكره لي حفيده وأنه سماه ((عمدة
المفيد وتذكرة المستفيد».
قال: واختصرها من قبله والده لكنه لم يكمل، وكذا اختصرها الشمس محمد بن
علي بن جعفر البلالي ومحيى الدين أحمد بن النحاس نزيل دمياط لكنه لم يكمل
أيضاً، والشرف بن المعري اليماني في الروض وقد كثر تداوله في هذا التاريخ،
والشهاب بن رسلان المقدسي، وهو عند صاحبنا الشيخ زين الدين بن قاضي عجلون
والشمس محمد بن محمد بن أحمد الحجازي. وأفرد المجد الزنكلوني زوائدها
ووصف الشيخ في أولها بالإمام الأجل الفاضل الكامل الورع مفتي الشام علامة عصره
محيي الدين أبو زكريا نور الله ضريحه وجعل من الرحيق المختوم غبوقه وصبوحه.
وكتب عليها نكتاً على قدر المنهاج النشائي وهي في كتب النجم بن حجي، وكتب
عليها الشيخ سراج الدين البلقيني حواشي جردها البدر الزركشي قديماً ورأيته بخطه،
واستدرك شيخنا عليه بخطه ما تجرد بعد تجريده من الحواشي، وجردها أيضاً الولي
العراقي، وكذا لولده القاضي جلال الدين عليها حواشي أيضاً جردها أخوه شيخنا
القاضي علم الدين وجمع بينها وبين حواشي والدهما رحمة الله عليهم، وشرح قطعاً
منها شيخنا العسقلاني في آخرين ممن كتب عليها مضمومة مع الشرح الكبير أصلها،
كالأسنوي والأذرعي والزركشي، وكذا من المتأخرين فقيه طرابلس الشمس محمد بن
يحيى بن أحمد بن زهرة، وكان للزين أبي حفص عمر بن أبي الحرم بن الكسائي على
نسخته بالروضة حواشي لأنه ولع في آخر عمره بمناقشاته، وقد جرد هذه الحواشي
بعض أصحابه من غير علمه وليس فيها كبير طائل، بل في غالبها تعنت، وقد وقف
التقي السبكي على بعضها، وأجاب عن كلامه.
وأثنى على ((الروضة)) الأئمة، فقال الأذرعي في أول التوسط: هي عمدة اتباع
المذهب في هذه الأمصار بل سار ذكرها في النواحي والأقطار فصارت كتاب المذهب
المطول، وإليها المفزع في النقل وعليها المعول، فإليها يلجأ الطالب النبيه وعليها
يعتمد الحاكم في أحكامه، والمفتي في فتاويه، وما ذاك إلاَّ لحسن النية وإخلاص
الطوية، غير أنه رحمه الله اختصرها من كتاب الإمام الرافعي رحمه الله من نسخ فيها
سقم فجاء في مواضع منها خلل، فإنه اعتمد في اختصاره على نسخة الإمام البادر أي
التي بحران مدرسته بدمشق المحروسة وفيها سقم واستعان عليها بنحوها فحصل بذلك

٣٢
المنهل العذب الرَّوي في ترجمة قطب الأولياء النووي
نقص وخلل يخفى على المبتدي ويشكل على المنتهي، وكان مع ذلك رحمه الله تعالى
كالسائق المجد حتى قيل إن تصنيفه بلغ في كل يوم كراستين أو أكثر فهو كما قال
القائل :
وطويل باع الهم قد قعدت له غرماؤه رصداً بكل طريق
ورضى السبوق وخجلة المسبوق
فإذا ونى أذكرته قصر المدى
إلى أن قال: واعلم وفقني الله وإياك لمرضاته وجعلنا ممن يتقيه حق تقاته أني لم
أقصد بما أشرت إليه الاعتراض على الشيخ ولا التعقب لكلامه بالتوهم والإزراء معاذ
الله، وإنما أردت النصيحة له وللمسلمين وإفادة المتعلمين، فلقد كان من أحرص الناس
على ذلك وبذل وسعه فيه وإنما سبب ما اتفق له من ذلك ما أشرت إليه ودللتك عليه،
هذا مع استغراقه أكثر الأوقات بالطاعات والأوراد والأعمال الزكيات، ولو تأمل ذلك
بعض التأمل لوضح لديه وبرهن عليه، ولكنه كان كالجواد المسرع في ميدانه، ولقد
حکي عنه أنه کان یکتب حتى تكل يده فتعجزه فيضع القلم ثم ينشد :
لئن كان هذا الدمع يجري صبابة على غير سعدى فهو دمع مضيع
وهذا منه رضي الله عنه من باب قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَآ ءَاتَواْ وَّقُلُوبُهُمْ
®﴾ [المؤمنون:
وَجِلَةُّ ◌َهُمْ إِلَى رَبِهِمْ رَحِعُونَ ﴿ أُوْلَكَ يُسَرِعُونَ فِ الْخَرَتِ وَهُمْ لَهَا سَبِقُونَ
الآيتان ٦٠، ٦١].
قال الحسن رحمه الله: كانوا يعملون أعمال البر ويخشون أن لا تتقبل منهم،
ولقد حكي عنه رحمه الله أنه همَّ قبل وفاته بقليل لغسل الروضة كما غسل نحو ألف
كراسة من تعليقاته فقيل له: قد سارت بها الركبان، فقال: في نفسي منها أشياء، أو
كما قال، ولم تتفق له مراجعتها وتحريرها بل هجمت عليه المنية قبل إدراك الخمسين
فرضي الله عنه وعن جميع عباده الصالحين، فإنه من أمن الأصحاب على في سلوك
المذهب، فمن كتبه تفقهت وبكلامه بصرت، وفي منهاجه سلكت، وبدعائه انتفعت.
وذلك أنه كان قد حصل لي فترة عن الطلب في حدود الثلاثين وسبعمائة مدة
مديدة، فرأيت كأني أسير على غير جادة، ثم حانت مني التفاتة إلى جهة القبلة فإذا
خلق كثير مشاة عليهم ثياب بيض نفيسة، فوقع لي أنه الشيخ وأتباعه فنزلت عن دابتي
ومشيت معهم على الجادة نحو دمشق، فما هو إلاَّ ونحن بميدان الحصى وإذا شخص
من أقاربي قد تلقاني فسلم عليَّ وأطال وقوفه معي، فالتفت فلم أر منهم أحداً فلمته
وجعلت أقفو آثارهم وأسأل عن سبيلهم، فأرشدت إليه حتى صرت بين الناس التي بين
المدينة والصالحية، وإذا بيسير من ذلك الجمع منقطعين في الطرقات، فمن جالس

٣٣
المنهل العذب الرَّوي في ترجمة قطب الأولياء النووي
مسند ظهره إلى جدار، ومن ماد ساقيه من الإعياء، ومن مضطجع ومستلق بان
كالمريض، فجعلت أدوس ثياب بعضهم أو شيئاً من بدنه من شدة الإسراع إلى أن
بلغت المدرسة الشبلية الحنفية المشهورة، وإذا بالشيخ ومعه رجلان فقط، فلما قربت
منهم التفت فرآني فالتمست منه الدعاء، وأقسمت عليه فتبسم وسعى وحده نحوي
خطوات ثم أخذ في الدعاء لي، فالتفت فإذا والدي رحمه الله واقف يؤمن على دعائه،
ثم انصرف إلى صاحبيه ومضوا فاستيقظت مسروراً وراجعت طلب المذهب. ثم ظهر
لي أثر الرؤيا صبيحتها كفلق الصبح، وذلك أن القريب الذي أوقفني عنهم يقرب إلى
بعد الرؤيا بأيام واجتهد في صحبتي وملازمتي بحيث لا يفارقني في أغلب الأوقات
ويحول بيني وبين الطلب، إلى أن درج إلى رحمة الله فتماثل الحال فكانت تلك الوقفة
معه في المنام ما ذكرته، فرحمه الله وإيانا .
ثم إني أكببت على تحصيل مؤلفات الشيخ والنظر فيها، فرأيت من قضاء حقه أن
أنبه على ما يتفق لي العثور عليه في روضته وغيرها، وكذا أثنى على الروضة بل وعلى
سائر تصانيفه التاج السبكي، حيث قال في طبقاته الكبرى ما نصه: لا يخفى على ذي
بصيرة أن الله تعالى بالنووي عناية وبمصنفاته، واستدل على ذلك بما يقع في ضمنه
فوائد حتى لا تخلو ترجمته عن العوائد.
فأقول: ربما غير لفظاً من ألفاظ الرافعي إذا تأمله المتأمل استدركه عليه، وقال:
لم يف بالاختصار ولا جاء بالمراد ثم يجده عند التنقيب قد وافق الصواب ونطق بفصل
الخطاب، وما يكون من ذلك عن قصد منه لا يعجب منه فإن المختصر ربما غير كلام
من يختصر كلامه لمثل ذلك، وإنما العجب من مغير يشهد العقل بأنه لم يقصد إليه ثم
وقع منه على الصواب.
وله أمثلة، منها، قال الرافعي في كتاب الشهادات في فصل التوبة عن المعاصي
العقلية في التائب: إنه يختبر مدة يغلب على الظن فيها أنه أصلح عمله وسريرته، وأنه
صادق في توبته، وهل تقدر تلك المدة؟ قال قائلون: لا، إنما المعتبر حصول غلبة
الظن بصدقه، ويختلف الأمر فيه بالأشخاص وأمارات الصدق، وهذا ما اختاره الإمام
والعبادي وإليه أشار صاحب الكتاب بقوله: حتى يستبرأ مدة فيعلم إلى آخره، وذهب
آخرون إلى تقديره.
وفيه وجهان، قال أكثرهم: يستبرأ سنة، انتهى بلفظه، فإذا تأملت قوله: قال
أكثرهم، وجدت الضمير فيه مستحق العود على الآخرين الذاهبين إلى تقديرها لا إلى
مطلق الأصحاب فلا يلزم أن يكون أكثر الأصحاب على التقدير فضلاً عن التقدير سنة،
بل المقدر بعضهم.

٣٤
المنهل العذب الرَّوي في ترجمة قطب الأولياء النووي
واختلف المقدرون في المدة، وأكثرهم على أنها سنة، فهذا ما يعطيه لفظ
الرافعي في ((الشرح الكبير))، وصرح النووي في ((الروضة)) بأن الأكثرين على تقدير
المدة سنة، فمن عارض بينها وبين الرافعي متأملاً قضى بمخالفتها له لأن عبارة الشرح
لا تقتضي أن أكثر الأصحاب على التقدير وأنه سنة، بل أن أكثر المقدرين الذين هم من
الأصحاب على ذلك، ثم يتأيد هذا القاضي بالمخالفة بأن عبارة الشافعي رضي الله عنه
ليس فيها تقدير بسنة ولا بستة أشهر، وإنما قال أشهراً وأطلق الأشهر رضي الله عنه
إطلاقاً، إلاَّ أن هذا إذا عاود كتب المذهب وجد الصواب ما فعل النووي فقد عزى
التقدير، وأن مقداره سنة، إلى أصحابنا قاطبة، فضلاً عن أكثرهم الشيخ أبو حامد
الإسفراييني في تعليقه، وهذه عبارته :
قال الشافعي: ويختبر مدة أشهر ينتقل فيها من السيئة إلى الحسنة، ويعف عن
المعاصي .
وقال أصحابنا: ويختبر سنة اهـ. وكذلك قال القاضي حسين في تعليقه ولفظه:
مدة من المدد، قال أصحابنا: سنة اهـ. وكذلك الماوردي ولفظه: وصلاح عمله معتبر
بزمان اختلف الفقهاء في حده، فاعتبره بعضهم بستة أشهر واعتبره أصحابنا بسنة كاملة،
انتهى، وكذلك الشيخ أبو إسحق فإنه قال في ((المهذب)): وقدر أصحابنا المدة بسنة
وكذلك البغوي في ((التهذيب)) وجماعات كلهم عزوا التقدير بالسنة إلى الأصحاب
فضلاً عن أكثرهم، ولم يقل بعض الأصحاب إلاَّ القاضي أبو الطيب والإمام، ومن
تبعهما فإنهم قالوا: قال بعض أصحابنا: بقدر سنة، وقال بعضهم: زاد الإمام أن
المحققين على عدم التقدير، ومن تأمل ما نقلناه أيقن بأن الأكثرين على التقدير بسنة،
وبه صرح الرافعي في المحرر ولوح إليه تلويحاً في ((الشرح الصغير))، وظهر حسن
صنع النووي وإن لم يقصده عناية من الله تعالى به، انتهى كلام التاج.
وكأن الحامل له على جزمه بكونه لم يقصده عدم تصريحه بأنه من زياداته وذلك
غير لازم والله أعلم.
وقال قاضي صفد العثماني: هي خلاصة مذهب الشافعي، وهي عمدة المفتين
والحكام بعصرنا. أخبرنا الشيخ الصالح شهاب الدين أحمد بن خفاجة الصفدي، وكان
من العلماء العاملين، قال: رأيت رسول الله وَله بمنامي فقلت: يا رسول الله ما تقول
في النووي؟ قال: نعم الرجل النووي، فقلت: صنّف كتاباً وسماه ((الروضة)) فما تقول
فيها؟ قال: هي الروضة كما سماها.
وقال ابن كثير في وصف شرح مسلم: أنه جمع فيه شروحات من تقوم من

٣٥
المنهل العذب الرَّوي في ترجمة قطب الأولياء النووي
المغاربة وغيرهم وزاد فيه ونقص(١).
قلت: وقد اختصره الشيخ شمس الدين محمد بن يوسف بن الياس القونوي
الحنفي صاحب درر البحار وتعقب عليه فيه مواضع، وقال مرة هو أزهد مني لكني،
وذكر شيئاً لا أبينه .
وكذا انتقى منه الحافظ شمس الدين بن عبد الهادي، واستدرك عليه في كثير
منه، فالتقط شيخنا من كلامه الاستدراك خاصة في كراسة، وكذا استدرك شيخنا على
الشيخ مواضع كان غرضه إفرادها من هوامش نسخته، فما اتفق مع أنه كان شديد
الأدب معه حتى سمعه مراراً يقول: لا أعلم نظيره في قبول مقال عند سائر أرباب
الطوائف .
قال: وفي التعقبات لابن العماد على الجمال الأسنوي بركة ظاهرة للشيخين،
وكتب على متن يتعلق بمسألة إفراد الصلاة عن السلام بعد مخالفته له في الكراهة،
ولعله يعني الشيخ اطلع لذلك على دليل خاص، وأنشد:
إذا قالت حزام فصدقوها فإن القول ما قالت حزام
ثم وقفت على كراسة من أول نكت شيخنا على شرح مسلم قال فيها: قصدت
بجمعها بركة الشارح إذا كان ذلك أمراً متفقاً عليه، ولقد حكى لي العلامة الرباني
الكمال إمام الكاملية وشيخها بورك في حياته، أنه رآه في النوم وعليه ثوب طرح مدقوق
غسيل، قال: فقبلت يده وسلمت عليه ودعا لي كثيراً وقلت له: أنه يشق على من
يعترض عليك، فقال: إنهم يعملون وجه الحسنة سيئة، انتهى المنام.
ولم يزل أهل التحقيق ممن أدركناهم وأخذنا عنهم لا ينفكون عن الاعتناء بكلامه
والجواب عما لعل فيه بعض الإبهام رحمة الله عليهم، وشرع الشهاب ابن النقيب في
تكملة كتاب التحقيق فكتب منه يسيراً وأفرد ابن الملقن ما في طبقات الشافعية له من
أقوال في جزء، وكذا كتب على التحرير جزءاً كما تقدم، ((وشرح الأربعين)) له جماعة
أول من علمته منهم الشهاب أبو العباس أحمد بن فرج الإشبيلي الشافعي، والنجم
سليمان بن عبد القوي الطوافي الحنبلي، والتاج عمر بن علي بن سالم الفاكهاني
المالكي وسماه ((المنهج المتين في شرح الأربعين))، والشهاب أحمد بن موسى بن
(١) قلت: أصل شرح مسلم للإمام النووي للقاضي عياض اليحصبي، سماه إكمال المعلم، طبع
بتحقيقنا - مع عدة كتب أخرى - بدار الكتب العلمية، بيروت. وقد استفاد من شرح النووي على
مسلم كأنه اختصره وزاد عليه، مصدراً به شرحه العلامة صديق بن حسن خان القنُّوجي في السراج
الوهاج شرح مختصر مسلم بن الحجاج للمنذري - طبع بدار الكتب العلمية بيروت، بتحقيقنا .

٣٦
المنهل العذب الرَّوي في ترجمة قطب الأولياء النووي
خفاجة الشافعي في مجلد ضخم، والحافظ الزين أبو الفرج عبد الرحمن بن أحمد بن
رجب الحنبلي وهو نفيس، والبدر أبو عبد الله الزركشي، والسراج أبو حفص بن
الملقن، وسماه ((المعين على تفهيم الأربعين))، والعز يوسف بن الحسن بن محمود
الحلواني، والعز محمد بن أبي بكر بن جماعة، وسماه ((التبيين في شرح الأربعين))،
والتقي أبو بكر بن محمد الحصني وآخرون منهم، ممن في قيد الحياة شيخ الكاملية
وإمامها، وخرّج أحاديثها محمد بن أحمد بن محمد المصري السعودي عرف بابن شيخ
المنبر، بل كتب عليها شرحاً جمع فيه بين الثلاثة الأولين، وأملى الحافظ الزين أبو
الفضل العراقي تخريج أحاديثها، وكذا أخرج أحاديثها شيخنا (١) وأملى نحو النصف من
تخريج الأذكار له(٢)، وقد شرعت في تكملته فأمليت منه إلى هذا اليوم أزيد من سبعين
مجلساً، يسر الله إتمامه في خير بلا محنة، ثم بلغت إلى مائة وثلاثين ولوالد شيخنا
على الأذكار بعض حواشي - شرح الغاية المنسوبة له -، الجمال الأسنوي والكمال
الشيائي والتقي الحصني والشمس محمد بن أحمد بن موسى العجلوني، وولي رحمه
الله من الوظائف الدينية مشيخة دار الحديث الأشرفية، قال الذهبي: مع صغر سنه
ونزول روايته في حياة مشايخه بعد الإمام أبي شامة عبد الرحمن بن إسماعيل بن
إبراهيم بن عثمان سنة خمس وستين إلى أن مات، انتهى كلام الذهبي.
وفي رسالة الشيخ لابن البحار ما يشعر بكونه لم يوافق على توليها إلاَّ بعد جهد،
فإنه قال فيها مجيباً له عن تهديده بعزله عنها ما نصه كما سيأتي: أو ما علمت لو
أنصفت كيف كان ابتداء أمرها أو ما كنت حاضراً مشاهداً أخذي لها؟ إلى آخر كلامه .
ونشر كما قال القطب اليونيني بها علماً جماً وأفاد الطلبة، قال: والذي أظهره وقدمه
على أقرانه ومن هو أفقه منه كثرة زهده في الدنيا وعظم ديانته وورعه وليس فيمن
اشتغل عليه من يلتحق به، انتهى كلام القطب.
ووهم من قال: أنه أقام في الأشرفية نحو عشرين سنة وقد استقر فيها بعد الشيخ
الزين أبو محمد عبد الله بن مروان بن عبد الله الفارقي.
وقال القطب اليونيني: إن الشيخ باشر أيضاً تدريس الإقبالية والفلكية والدكنية
للشافعية نيابة عن قاضي القضاة الشمس أحمد بن خلكان في ولايته الأولى اهـ.
(١) قلت: شرح الأربعين النووية عدد غفير من أهل العلم كالشيخ ابن حجر الهيثمي، والشيخ
الكرماني، والشرنوبي، وابن العطار، والقنَّوجي، وغيرهم كثير.
(٢) شرح الأذكار جمع من العلماء بوضع حواشي وتعليقات، كابن علامة الصديقي في الفتوحات
الإلهية شرح الأذكار النووية، وكذلك اختصرها وخرجها العلامة القسطلاني والحافظ ابن حجر.

٣٧
المنهل العذب الرَّوي في ترجمة قطب الأولياء النووي
وحدث بالصحيحين بدار الحديث الأشرفية سماعاً وبحثاً، وبقطعة من سنن أبي داود
وبالرسالة للقشيري وصفوة التصوف، والحجة على تارك المحجة لنصر المقدسي، كلها
سماعاً وبحثاً، وشرح معاني الآثار للطحاوي، قلت: ووجد بحاشية نسخة من الروضة
أنه وجد بخطه من الشعر :
وأنت الذي أرجوه في الأمر كله عليك اعتمادي في جميع النوائب
وأنت الذي أدعوك سراً وجهراً أجرني بلفظ من جميع المصائب
وبخط تلميذه العلاء بن العطار أنه وجد بخطه أيضاً:
فيا ليت من يقرأ كتابى دعا ليا
أموت ويبقى كل ما قد كتبته
ويرحم تقصيري وسوء فعاليا
لعل إلهي أن يمنَّ بلطفه
وكذا وجد بخطه :
جرى قلم القضاء بما يكون فسيان التحرك والسكون
ويرزق في غشاوته الجنين
جنون منك أن تسعى لرزق
ويشبه أن يكون ذلك مما تمثل به وليس من نظمه، وقيل: إنه سمع من الشيخ
قرب وفاته ووجد في موضع آخر نسبتها إلى نظمه وأنه ليس له نظم غيره:
ويا لسروري يوم سيري إليهم
بشائر قلبي في قدومي عليهم
مقام به حط الرحال إليهم
وفي رحلتي يصفو مقامي وحبذا
ولا زاد لي إلاَّ يقيني بأنهم لهم كرم يغني الوفود عليهم
اهـ. وسمع منه خلق من العلماء والحفاظ والصدور والرؤساء، وتخرج به خلق
كثير من الآفاق وسار علمه وفتاويه في البلدان، وكنت مدة صحبتي له متبصراً عليه دون
غيره من أول سنة سبعين وقبلها بيسير إلى حين وفاته، وقرأت عليه الفقه تصحيحاً
وعرضاً وشرحاً وضبطاً خاصاً وعاماً، وقرأت عليه كثيراً من تصانيفه ضبطاً واتقاناً،
وأذن لي في إصلاح ما يقع في تصانيفه فأصلحت بحضرته أشياء أقرني عليها وكتبها
بخطه وكان رفيقاً بي شفيقاً علي، لا يمكن أحداً من خدمته غيري على جهد مني في
طلب ذلك منه، مع مراقبته لي في حركاتي وسكناتي ولطفه بي في جميع ذلك
وتواضعه معي في جميع الحالات وتأديبه لي في كل شيء حتى الخطرات، وأعجز عن
حصر ذلك .
وممن أخذ عنه الشيخ أيضاً الصدر الرئيس الفاضل أبو العباس أحمد بن
إبراهيم بن مصعب قرأ عليه قطعة من ((المنهاج)) واستنسخ ((الروضة)) وقابل ابن العطار

٣٨
المنهل العذب الرَّوي في ترجمة قطب الأولياء النووي
له بعضها مع الشيخ وأصلح بخطه مواضع فيها بإملاء الشيخ رحمهم الله، والشهاب أبو
العباس أحمد بن محمد بن سليمان بن حمايل الجعفري عن ابن غانم والمحدث أبو
العباس أحمد بن فرج الإشبيلي، كان له ميعاد عليه يوم الثلاثاء والسبت شرح في
أحدهما ((البخاري)) وفي الآخر ((صحيح مسلم))، والرشيد إسماعيل بن المعلم الحنفي
قرأ عليه في ((شرح معاني الآثار)) للطحاوي، وأبو عبد الله محمد بن أبي الفتح
الحنبلي .
قلت: وكذا أخذ عنه الشيخ شهاب الدين أحمد بن محمد بن عباس بن جعوان،
والفقيه المعري أبو العباس أحمد الضرير الواسطي الملقب بالخلال، والنجم
إسماعيل بن إبراهيم بن سالم بن الخباز، والشيخ الناسك جبريل الكردي.
قال اليافعي: وعليه سمعت الأربعين، والأمين سالم بن أبي الدر، والفقيه
الأديب سلطان إمام الروحانية، والقاضي جمال الدين سليمان بن عمر بن سالم
الدرعي، والقاضي صدر الدين سليمان الجعفري خطيب دارنا، وأبو الفرج عبد
الرحمن بن محمد بن عبد الحميد بن عبد الهادي المقدسي، والعلاء علي بن أيوب بن
منصور المقدسي الذي نسخ ((المنهاج) بخطه وحرره ضبطاً واتقاناً وهو بخطه في
المحمودية، وعلي بن الموفق، والبدر محمد بن إبراهيم بن سعد الله بن جماعة،
ويقال: إن فتواه عرضت على الشيخ فاستحسن كتابته عليها، والشمس محمد بن أبي
بكر بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن النقيب وهو آخر من كان من أعيان أصحابه،
والشهاب محمد بن عبد الخالق بن عثمان بن مزهر الأنصاري الدمشقي المقري،
وتأخرت وفاته حين مات في سنة تسعين وستمائة، قرأ عليه وسمع جميع الأذكار
ووصف قراءته في بعض البلاغات بالمتقنة المهذبة، ودعى له في البلاغات بدعوات
جمة، منها: أدام الله نعمه عليه وأدام الله ألطافه به وأدام الله سعادته وأدام الله له
الخيرات ورضي الله عنه.
وكتب له بآخر النسخة: قابلت جميع هذا الكتاب بأصلي مع صاحبه كاتبه الشيخ
الإمام العالم الفاضل العامل الصدر شهاب الدين أبي عبد الله محمد بن عبد الخالق بن
عثمان بن مزهر الأنصاري الشافعي الدمشقي أدام الله له الخيرات وضاعف له الحسنات
وأمده في طاعته بالمعونات، وتولاه بالحسنى وجمع له بين خيرات الآخرة والأولى،
وجمعني وإياه وسائر أحبابنا في دار كرامته بفضله ورحمته. فسمعه الشيخ الإمام شهاب
الدين المذكور سماعاً متقناً وقابلت معه نسخته هذه مقابلة مرضية بأصلي في مجالس
آخرها يوم الاثنين الرابع والعشرين من ذي القعدة سنة ثلاث وسبعين وستمائة، وأجزت له
كل ما يجوز لي تسميعته لابن يحيى بن شرف بن مري بن حسن النواوي عفا الله عنه.

٣٩
المنهل العذب الرَّوي في ترجمة قطب الأولياء النووي
قلت: ونقلت جميع ذلك من خطه على نسخة بالأذكار، والإمام الأوحد ناصر
الدين منصور العدباوي سمع عليه الأربعين بإشارتها وحدّث بها، سمعها منه البدر
محمود بن علي بن هلال العجلوني شيخ ناصر الدين محمد بن حسن القاموسي في
ذلك بالسماع والشرف هبة الله بن عبد الرحيم بن إبراهيم بن الباردي، والحافظ الجمال
أبو الحجاج يوسف بن الزكي عبد الرحمن بن يوسف المزي، والمحدث الفاضل
الأديب الكامل أبو الفضل يوسف بن محمد بن عبد الله المصري ثم الدمشقي، وهو
كان قارىء دار الحديث الأشرفية وآخرون.
قال قاضي صفد العثماني: وأدركت جماعة من أصحابه كشيخنا شمس الدين بن
النقيب مدرس الشامية، يعني المذكور، والقاضي ناصر الدين القدتي، ولعله الماضي،
والقاضي ضياء الدين علي بن سليم وشمس الدين البيطار المعبر، انتهى كلام العثماني.
ولأبي نعيم أحمد بن التقي عبيد الأسعردي وأبي العباس أحمد بن كشتعدي
المغربي، وأبي بكر بن قاسم بن أبي بكر الرحبي، والسيف أبي بكر بن محمد بن
يحيى بن سنقد المعالي، والشمس أبي عبد الله محمد بن أحمد بن إبراهيم بن حيدرة بن
القماح وأبي عبد الله محمد بن النجم إسماعيل بن الخباز الماضي أبوه، وأبي عبد الله
محمد بن أبي بكر بن أبي البركات النعماني، وناصر الدين محمد بن كشتعدي أخي
الماضي، والصدر أبي الفتح محمد بن محمد بن إبراهيم الميدومي وغيرهم إجازة منه.
ورأيت فيمن يروي عن النووي رحمه الله، السيد تاج الدين عبد الوهاب بن داود
القوصي المصري، روى عنه ولده بعد شيخ لقيه السيد صفي الدين عبد الرحمن
الأبجي، ومن خط ابن أخيه السيد علاء الدين لخصت، وكذا رأيت في شيوخ الشرف
عبد الرحيم أبجر هي الشمس حسام الدين أوليا بن الفخر أبي بكر المهرنجاني نزيل
مكة وأنه يروي عن النووي، وفي ترجمة عيسى بن أحمد بن عيسى العجلوني: أنه
يروي عن جماعة من أصحاب النووي منهم الشيخ مسعود الحجار، والشيخ معمور
الصمفا العجلونيات، ويحتاج كل ذلك لتحقيق، ورأيت أيضاً في أسانيد المجد اللغوي
صاحب القاموس، أنه قرأ ((الأربعين)) للشيخ علي محيى الدين أبي زكريا يحيى بن أبي
الحسن علي بن طاهر بدكان الدمشقي عرف بابن الحداد بمنزله على مقربة من جامع
دمشق بسماعه لها بقراءة والده على مؤلفها .
لكن قد قال شيخنا في درره في يحيى المذكور، بعد أن نسبه بأنه يحيى بن
علي بن أبي الحسن علي بن أبي الفرج محمد بن الحداد الصالحي الحنفي ما نصه: أنه
كان يذكر أن والده أحضره إلى النووي وهو أمرد فاعتذر إليه وقال: أنا أرى أن النظر
إلى الأمرد حرام فاذهب به إلى الشيخ تاج الدين، ثم عقبه شيخنا بقوله: قال شيخنا