Indexed OCR Text

Pages 1-20

المَْل العَذْب الَّوي
في
تَرْحَتَ قَطُ الأَوْلِيَاء النّوَوَى
لِلِهَا مُ الحَافِظ شمس الدّينِ عُمَّدِ بْن عَبْد الرّحمن السّخَاوِيُّ
المتوفى ٩٠٢ من
ويليه
تحفَة الكرام
في مناقب سيدي أبي بكربن قوام
الحفيرة الشّيخ محمّد بن عمر بن أبى بكر بن قوامٌ
المتوفى٨ الاهنة
ويليه
مَنَاتِب سيدي أبي العَبَّاسِ الشَّيْتِى
ويليه
الرّوضة الريا
فيمن دُفن بداريًا
للإمَامِ عَبد الرحمن بن محمّد العماديُ
المتوفى ٠٥ أهمية
تحققه
أحمد فرنشر المزيدي
DKI
دار الكتب العلمية
أسسها محمد علي بيضون سنة 1971
بيروت - لبنان

المثَل
العَذْبِ الرَّوي
في
تَرَجَةَ قَطِ الْأَوْلِيَاءِالْوَقُ
لِلإِمَا مُ الَحَافِظ شمس الدِّيْنْ مُحَمَّدِين ◌َيِّد الرّحمن السّخَاوِيُّ
المتوفى٩٢ھنھ
ويليه
تحفَة الكرام فى مناقب سيدي أبي بكربن قوام
لحفيدُه الشّيخ محمَّ بُ عمريُِ أبي بكربنُ قوامٌ
المتوفى ٨ الاهنة
ويليجه
مِنَاقِب سيِّدِي إِلَى العَبَّاسِ التَّبِىّ والروضة الريًّا فيمن دُفن بداريًا
للإمَام عَبد الرحمن بنُّ محمّ العُماديُ
المتوفى ٠٥١ اهنة
تحقيعن
أحمد فراجبر المزيدي
DKO
دار الكتب العلمية
أسسها محمد علي بيضون سنة 1971
بيروت - لبنان

مَنْشوراتْ محمَّد ◌َعَلِي بيضوت
دار الكتب العلمية بكثير
جميع الحقوق محفوظة
Copyright
All rights reserved
Tous droits réservés
C
جميع حقوق الملكية الأدبية والفنية محفوظة
لدار الكتب العلمية بيروت - لبنان
ويحظر طبع أو تصوير أو ترجمة أو إعادة تنضيد الكتاب كاملاً أو
مجزّاً أو تسجيله على أشرطة كاسيت أو إدخاله على الكمبيوتر
أو برمجته على اسطوانات ضوئية إلا بموافقة الناشر خطياً.
Exclusive rights by @
Dar Al-Kotob Al-Ilmiyah Beirut - Lebanon
No part of this publication may be translated,
reproduced, distributed in any form or by any means,
or stored in a data base or retrieval system, without the
prior written permission of the publisher.
Tous droits exclusivement réservés à C
Dar Al-Kotob Al-Ilmiyah Beyrouth - Liban
Toute représentation, édition, traduction ou reproduction
même partielle, par tous procédés, en tous pays, faite
sans autorisation préalable signée par l'éditeur est illicite
et exposerait le contrevenant à des poursuites
judiciaires.
الطبعة الأولى
٢٠٠٥ م. ١٤٢٦ هـ
مَنْشوراتٌ حَّد عليٌ بيضوت
دار الكتب العلمية.
بَيْرُوت - لبْنَان
Mohamad Ali Baydoun Publications Dar Al-Kotob Al-Ilmiyah
الإدارة : رمل الظريف، شارع البحتري، بناية ملكارت
Ramel Al-Zarif, Bohtory Str., Melkart Bidg., Ist Floor
هاتف وفاكس: ٣٦٤٣٩٨ - ٣٦٦١٣٥ (٩٦١١)
فرع عرمون. القبة. مبنى دار الكتب العلمية
Aramoun Branch - Dar Al-Kotob Al-ilmiyah Bldg.
ص.ب: ٩٤٢٤ - ١١ بيروت - لبنان
هاتف: ١٢ / ١١ / ٠٩٦١٥٨٠٤٨١٠
فاكس: ٠٩٦١٥٨٠٤٨١٣
رياض الصلح - بيروت ٢٢٩٠ ١١٠٧
http://www.al-ilmiyah.com
e-mail: sales@al-ilmiyah.com
info@al-ilmiyah.com
baydoun-ilmiyah.com
Title: Four books in Sufism
Author: Al-Sahawi, and others
Editor: Ahmad Farīd Al-Miziyadi
Publisher: Dar Al-kotob Al-Ilmiyah
Pages: 168
Year: 2005
Printed in: Lebanon
Edition: 1 st .
الكتاب: المنهل العذب الروي في ترجمة قطب الأولياء النووي
المؤلف: السخاوي
المحقق: أحمد فريد المزيدي
الناشر: دار الكتب العلمية - بيروت
عدد الصفحات : 168
سنة الطباعة: 2005 م
بلد الطباعة: لبنان
الطبعة: الأولى
90000 >
ISBN 2-7451-4656-4
9 782745 146564

لِسم الله الرحمن الرحيم
المقدمة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على إمام الأنبياء وخاتم المرسلين،
سيدنا محمدٍ وعلى آله الطيبين الطاهرين، وصحبه المقربين، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى
يوم الدين .
وبعد، فهذا كتاب يجمع نفائس من أنوار العارفين، الذين هم نقطة من صاحب
الحقائق وسيد الخلائق، وجامع أسرار الدقائق، سيدنا محمدٍ وَلـ
فأُولاهم: إمام الأئمة وشيخ الإسلام شرف الدين محيي الدين النووي رضي الله
عنه، جمع له ترجمة، جزء من كلٍ عن مناقبه وفضائله، وشيوخه وتلامذته ومصنفاته
ونحوه، قام بذلك علم من الأعلام هو الشيخ الإمام شمس الدين السخاوي الشافعي،
وأصل الكتاب، طبعة لجنة النشر والتأليف بمصر، طبعة قديمة، فقمنا بالضبط
والتحقيق والتخريج والعزو والتعليق، والترجمة للسخاوي.
وثانيهم: كتاب مناقب الإمام أبي بكر بن قوامُّ قدّس الله سره. تُذكر فيه شيئاً من
كراماته، وأحواله، ليكون سبيلاً للعارفين، ودليلاً للطالبين المتحققين بعين حياة
الواصلين.
وثالثهم: مناقب سيدي أبي العباس السبتي المغربي قدس الله سره، أحد أقطاب
المغرب وأوتاد الكون المتصرفين، وهو يذكر فيه أحواله وكراماته، جمعه حفيده الإمام
الشيخ محمد بن عمر بن أبي بكر بن قوَّام البالسي وكلاهما أصلهما معاً عن نسخة
خطية محفوظة بدار الكتب المصرية تحت رقم (٢٥٩٧) تاريخ.
ورابعهما: الروضة الزّيّا فيمن دُفن بداريّا - غوطة دمشق الفيحاء -، قال فيه ابن
الأثير: ((خرج منها جماعة من العلماء والصالحين)) (اللباب ٢٤٣/١).
٣

٤
المقدمة
قام بتصنيفه الإمام الكبير عبد الرحمن العمادي فذكرجماعة من الصحابة والتابعين
كأبي ثعلبة الخشني، وأبي سليمان الداراني رضي الله عنهما.
وأصل الكتاب مصورة معهد المخطوطات بالقاهرة عن النسخة بالمكتبة الظاهرية
بدمشق تحت رقم (١١٣٨٠ عام) تقع في ٢٦ ورقة ذات وجهين.
وكذلك النسخة المطبوعة ببيروت، فقد بذل فيها جهداً طبياً، فجزى الله كل من
قام على نشر العلم وإخراجه خير الجزاء في الدنيا والآخرة.

المفْعَل العَذْب الَّوي
في
بَنَةُ قَطِ الأولِالنَّوَى
لِمَا مُ الْحَافِظ شمس الدّيْنِ مِىُمَّد بْن ◌َيْدِالرّحمَنْ الْحَاوِيُّ
المتوفى ٩٠٢ هنه
تحقيقن
أحمد فر جار المزيدي

١

ترجمة مختصرة للمصنف
هو الشيخ الإمام العلامة الحافظ الفقيه المؤرخ: محمد بن عبد الرحمن بن
محمد بن أبي بكر بن عثمان بن محمد، الملقب بشمس الدين، وأبي الخير، وأبي عبد
الله بن الزّين، والجلال أبي الفضل، وأبي محمد، السخاوي الأصل، القاهري،
الشافعي .
ولد في ربيع الأول سنة ٨٣١هـ بحارة بهاء الدين، علو الدرب المجاور لمدرسة
شيخ الإسلام البلقيني، ثم تحول لسكن آخر بجوار شيخه الحافظ ابن حجر
العسقلاني.
وأخذ العلم وتتلمذ على كثير من أهل العلم من مشايخ عصره، بمصر ونواحيها،
حتى بلغوا أربعمائة نفس، وأخذ في حلب عن قريب من مائة نفس، وفي الإسكندرية،
ودمياط، والمحلة، ومنوف العليا، والمنصورة، وما جاورها - وقد صنّف كتاباً في
تراجم شيوخه، جمعه في ثلاث مجلدات، أسماه «بغية الراوي بمن أخذ عنه
السخاوي)).
من تصانيفه :
١ - فتح المغيث بشرح ألفية الحديث.
٢ - الغاية شرح الهداية لابن الجزري، بتحقيقنا.
٣ - الإعلان بالتوبيخ لمن ذم التاريخ.
٤ - الضوء اللامع لأهل القرن التاسع.
٥ - الذيل على تاريخ الدول للذهبي.
٦ - الجواهر والدرر على ترجمة شيخ الإسلام ابن حجر.
٧ - القول البديع في الصلاة على الحبيب الشفيع.
٨ - المقاصد الحسنة في الأحاديث المشتهرة.
٩ - التماس السعد في الوفاء بالوعد.
٧

٨
المنهل العذب الرَّوي في ترجمة قطب الأولياء النووي
١٠ - الذيل على رفع الإصر عن قضاة مصر لابن حجر.
١١ - التبر المسبوك.
١٢ - المنهل العذب الروي في ترجمة قطب الأولياء النووي.
١٣ - عمدة القارىء والسامع في ختم الصحيح الجامع.
١٤ - غنية المحتاج في ختم صحيح مسلم بن الحجاج.
١٥ - بغية الراغب المتمني في ختم النسائي رواية ابن السني.
١٦ - الابتهاج بأذكار المسافر الحاج.
١٧ - القول المنبي في ترجمة الشيخ ابن عربي.
١٨ - تجريد أسماء الآخذين عن الشيخ ابن عربي.
١٩ - الإيقاظ في الوعظ.
وتوفي رحمه الله عصر يوم الأحد من شعبان سنة ٩٠٢هـ بطيبة. وانظر في
ترجمته :
١ - شذرات الذهب لابن العماد الحنبلي (١٥/٨).
٢ - البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع، للشوكاني (١٨٦/٢).

بِسم الله الرحمن الرحيم
وما توفيقي إلاّ بالله عليه توكلت
الحمد لله الذي منح رجالاً بسلوكهم المنهاج ذكراً به المجالس تعطر والقلب
يحيى، وفتح بتيسيره لهم أقفالاً زاد بإنفاقهم من كنوزها الابتهاج، فهم في روضة بل
في رياض في الآخرة والدنيا، وجعل العمدة عليهم في التصحيح والإيضاح، والمفزع
في الشدة إليهم في الغدو والرواح، فهم كذلك لا ترخيص عندهم في القيام بالدين،
بل قائمون بالتبيان إلى الغاية والتحقيق المتين، أحمده على الإرشاد للاهتمام بالسنة
التي فيها بستان العارفين، وأشكره لما اتضح من الأصول والضوابط التي بها قلب كل
مسلم ينشرح بيقين، وأستعينه في فهم مجموع المشكلات وأستهديه سلوك طريق أولي
الولايات، وأسأله التوفيق لنشر ما لهم من المكرمات بالدلائل النيرات، وأستغفره من
الذنوب الخفيات والجليات، وأرجوه في إخلاص الأعمال والنيات، وأشهد أن لا إله
إلاَّ الله وحده لا شريك له ربّ الأرضين والسماوات وأشهد أن سيدنا محمداً عبده
ورسوله ذو المعجزات الباهرات صلّى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم في
الحركات والسكنات صلاة وسلاماً دائمين في الحياة وبعد الممات .
وبعد، فهذا جزء استوفيت فيه أحوال شيخ الإسلام، وإمام الأئمة الأعلام،
وقطب الأولياء الكرام، ونادرة الزهاد الوافر في ورعهم السهام، المجتهد في الصيام
والقيام، والقائم بخدمة الملك العلام، محيي الدين النووي رضي الله عنه ورضي عنا به
ومنح كلامنا في الخير منتهى أربه، التي أفردها خادمه العلامة علاء الدين بن العطار مع
زيادات جمة ميزتها بقولي (قلت ثم أنتهي) قصداً للتمييز لا للاستكثار من نسبه ونسبته
ومولده ونشأته وذكر شيوخه وتصانيفه الدالة على تقدمه في رسوخه ونبذة من كلام
الأئمة فيها ومن انتدب منهم للتكلم عليها وما وليه من الوظائف الدينية، ومن علمته
عنه ممن سلكوا الطريق المرضية، وجملة من أوصافه المصرحة بولايته، وعظيم إنصافه
وكونه من الصادقين، وعموم بركته وانتفاع من يعرفه به في القيامة عند رب العالمين،
٩

١٠
المنهل العذب الرَّوي في ترجمة قطب الأولياء النووي
وزهده وعلمه وأمره بالمعروف ونهيه عن المنكر بلسانه وقلمه وظهور كراماته وتعظيمه
الله ورسوله، وتأدبه مع الصالحين في جميع أوقاته، وخدمته بنفسه لشيوخه، ومكاشافاته
وتقدمه في الفقه والحديث واللغة والعلوم، وشدة اجتهاده في المطالعة لمنطوق العلوم
والمفهوم ومداومة سهره وتهجده وإخلاصه وتعبده وعدم مجادلته ورفع صوته في
تقريره ومباحثته، وتمام ورعه وتمنعه في قبول الهدية، وكون المهدى إليه ممن لا يقرأ
عليه ولا له معه قضية، وعدم تعاطيه ما يرطب بدنه من ثلج وشهد وتركه جميع ملاذ
الدنيا من أكل ولبس وحمام وسائر ما يعتمده المرء في تفكهه وكونه لم يجمع بين
أدمين مختلفين إلاَّ في النادر، ومداومته على الصوم وظمأ الهواجر، واقتدائه بالسلف
الصالحين إلى غير ذلك مما قل أن يجتمع في غيره من المحققين وإسناده في الفقه وما
وقع من تصانيفه عندنا بالسند، وثلاثة أحاديث من طريقه المعتمدة، وتعيين وقت وفاته
وما يلتحق بجميع ذلك من تتماته رجاء شمول بركته وإظهاراً لما عندي من محبته،
والله المسؤول أن ينفعنا بذلك ويرشدنا إلى أحسن المسالك بمنه وكرمه .
أما نسبه ونسبته، فهو يحيى بن شرف بن مري بن حسن بن حسين بن محمد بن
جمعة بن حزام - بمهملة ثم زاي ـ محيي الدين أبو زكريا بن الشيخ الزاهد الورع وليّ
الله تعالى أبي يحيى الحزامي، نسبة لجده حزام المذكور. وكان بعض أجداد الشيخ
يزعم أنها نسبة لوالد الصحابي حكيم بن حزام رضي الله عنه. قال الشيخ: وهو غلط.
النووي نسبة لنوى والنسبة إليها بحذف الألف على الأصل، ويجوز كتبها بالألف على
العادة .
قلت: وبإثباتها وحذفها قرأته بخط الشيخ، لكن قال الشهاب بن الهائم: أنه
بإثباتها خلاف القياس، قال: وأما الألف التي هي بدل من لام الكلمة فلا يجوز حذفها
بل يجب قلبها في النسبة واواً كما في النسبة إلى فتى ونحوه، فيقال: نووي كما يقال:
فتوى اهـ.
ونوى: قاعدة الجولان الآن من أرض حوران من أعمال دمشق(١)، فهو الدمشقي
أيضاً خصوصاً.
وقد أقام الشيخ بدمشق نحواً من ثمانية وعشرين سنة، وابن المبارك رحمه الله
يقول: من أقام ببلد أربع سنين نسب إليها .
وكان حزام جده الأعلى نزل الجولان بقرية نوى على عادة العرب فأقام بها
(١) ونوى: بلدة تقع على بُعد ٩٠ كيلومتراً جنوب دمشق.

١١
المنهل العذب الرَّوي في ترجمة قطب الأولياء النووي
ورزقه الله تعالى ذرية إلى أن صار منهم عدد كثير.
وأما مولده ونشأته فكان في العشر الأوسط من المحرم سنة إحدى وثلاثين
وستمائة .
قلت: وهذا هو المعتمد، لكن قال الجمال الإسنوي: إنه في العشر الأول. قال
اللخمي وصح عنه أنه قال: لا أجعل في حل من لقبني محيي الدين. ونشأ كما صرح
به الحافظ الذهبي في (سير النبلاء)) في ستر وخير اهـ (١).
ولما بلغ من العمر سبع سنين، كان نائماً ليلة السابع والعشرين من رمضان
بجانب والده، كما ذكره لي والده، قال: فانتبه نحو نصف الليل وأيقظني وقال: يا
أبتي ما هذا الضوء الذي قد ملأ الدار، فاستيقظ أهله جميعاً فلم نر كلنا شيئاً، قال
والده: فعرفت أنها ليلة القدر.
وذكر لي وليّ الله الشيخ ياسين بن يوسف المراكشي قال: رأيت الشيخ وهو ابن
عشر سنين بنوى والصبيان يكرهونه على اللعب معهم وهو يهرب منهم ويبكي
لإكراههم ويقرأ القرآن في تلك الحال. قال: فوقع في قلبي محبته وكان قد جعله أبوه
في دكان فجعل لا يشتغل بالبيع والشراء عن القرآن. قال: فأتيت معلمه فوصيته به
وقلت له: إنه يرجى أن يكون أعلم أهل زمانه وأزهدهم وينتفع الناس به، فقال لي:
أمنجم أنت؟ فقلت: لا، وإنما أنطقني الله بذلك. قال: فذكر المعلم ذلك لوالده
فحرص عليه إلى أن ختم القرآن وقد ناهز الحلم.
قلت: وما هذا أولى من قول الذهبي: أنه بقي يتعيش في الدكان لأبيه مدة وإن
أباه كان دكانياً بنوى مع أنه قد لا ينافيه. وقد ذكر - أعني الذهبي - في تاريخ الإسلام
ياسين هذا، وأشار لما تقدم، فقال ياسين بن عبد الله المقري الحجام الأسود الصالح،
كان له دكان بظاهر باب الجابية وكان صاحب كشف وكرامات وقد حج أكثر من
عشرين مرة وبلغ الثمانين، اتفق أنه سنة نيف وأربعين مر بقرية نوى فرأى الشيخ محيي
الدين النووي وهو صبي فتفرس فيه النجابة واجتمع بأبيه الحاج شرف ووصاه به
وحرضه على حفظ القرآن والعلم، فكان الشيخ فيما بعد يخرج إليه ويتأدّب معه ويزوره
ويرجو بركته ويستشيره في أموره، توفي في ثالث ربيع الأول سنة سبع وثمانين وستمائة
ودفن بمقبرة باب شرقي رحمه الله، وقد أخبر بموت النووي والده وقال: أين تختار أن
(١) انظر: تحفة الطالبين لابن العطار (ص ٤٨)، وتذكرة الحفاظ للذهبي (١٤٧٢/٤)، وشذرات
الذهب لابن العماد (٣٥٦/٥)، وطبقات الشافعية للإسنوي (٤٧٦/٢)، وتوضيح المشتبه (٧)
٦٥).

١٢
المنهل العذب الرَّوي في ترجمة قطب الأولياء النووي
يموت، عندكم أو في دمشق. ويقال: إنه قتله بالحال لأمر ثم ندم. انتهى كلام
الذهبي .
وفيه أيضاً مخالفة لكلام ابن العطار، وإن كان يمكن الجمع بينهما بأن الشيخ
ياسين بعد أن أخبر المعلم شافه بذلك والده أيضاً. وأما قوله: ويقال إنه قتله بالحال
فمنكر، وقد استبعده التقي ابن قاضي شهبة حيث قال: وهذا بعيد جداً أن يقع أن مثل
النووي يقع منه ما يوجب أن وليَّ الله يتغير عليه حتى يصل إلى قتله، وبعيد من الوليِّ
أيضاً قتل مثل النووي. قال: وإنما هذه - يعني على تقدير الصحة - نزعة شيطانية نعوذ
بالله من ذلك، انتهى.
قال الشيخ: فلما كان عمري تسع عشرة سنة قدم بي والدي في سنة تسع وأربعين
إلى دمشق فسكنت المدرسة الرواحية .
قلت: واستمر بها حتى مات، لم ينتقل منها حتى ولا بعد ولايته الأشرفية كما
قاله التاج السبكي في الطبقات الوسطى، قال: وبيته فيها بيت لطيف عجيب الحال.
قال اليافعي: وسمعت أنه إنما اختار الإقامة بها على غيرها لحلها اهـ.
قال: وبقيت نحو سنتين لا أضع جنبي بالأرض وأتقوت بجراية المدرسة لا غير،
قلت: بل كان يتصدق منها أيضاً كما قاله اللخمي. قال: ثم ترك تعاطيها اهـ. وحفظت
التنبيه في نحو أربعة أشهر ونصف.
قلت: وعرضه في سنة خمسين فقد قرأت بخط العز القاضي أبي عمر بن
جماعة: وقفت على ورقة بخط الحافظ عفيف الدين أبي السيادة المطري أنه شاهد على
نسخة صاحبه الفقيه الإمام بدر الدين بن الصائغ الدمشقي الشافعي من كتاب ((التنبيه)) ما
مثاله: ((الحمد لله كما هو أهله، عرض علي الفقيه أبو زكريا يحيى بن شرف بن مري
النووي من أول كتاب ((التنبيه)) في الفقه، هذا وإلى آخره مواضع امتحنت بها حفظه
دلت على ذلك وأذنت بتكراره على جمعه وتحصيله وحرصه على العلم، وفّقني الله
وإياه له وللعمل به، وذلك في مجلس واحد لسبع مضين من شهر ربيع الأول سنة
خمسين وستمائة)). كتبه محمد بن الحسين بن رزين الشافعي حامداً مسلماً مستغفراً،
وابن رزين هذا هو قاضي القضاة تقي الدين أبو عبد الله كان ممن أخذ عن ابن الصلاح
ودرس بالشامية الحسامية وأم بدار الحديث الأشرفية ثم ولي قضاء مصر، وكان كبير
القدر، حميد الذكر، مات بعد الشيخ بأربع سنين في رجب سنة ثمانين.
قال شيخنا في ((رفع الإصر)) في ترجمته: روى عنه الدمياطي والبدر بن جماعة
مے

١٣
المنهل العذب الرَّوي في ترجمة قطب الأولياء النووي
ومن قبلهما الشيخ محيي الدين النووي اهـ، ثم حفظت ربع العبادات من ((المهذب)) في
باقي السنة .
قلت: وأدرج الذهبي في ((تاريخ الإسلام)) في كلام لابن العطار هنا مما لم أره
في النسخة التي وقفت عليها أنه قال: وبقيت أكثر من شهرين أو أقل لما قرأت في
التنبيه يجب الغسل من إيلاج الحشفة في الفرج، أعتقد أن ذلك قرقرة البطن، فكنت
أستحم بالماء البارد كلما قرقر بطني. انتهى كلام الذهبي والظاهر أن الحياء كان يمنعه
السؤال عن ذلك. اهـ.
قال: وجعلت أشرح وأصحح على شيخنا الكمال إسحق المغربي ولازمته
فأعجب بي لما رأى من ملازمتي للاشتغال وعدم اختلاطي بالناس وأحبني محبة شديدة
وجعلني معيد الدرس بحلقته لأكثر الجماعة، فلما كانت سنة إحدى وخمسين حججت
مع والدي، ارتحلنا من أول رجب فحصلت الإقامة بالمدينة النبوية نحواً من شهر
ونصف شهر، وكانت الوقفة تلك السنة يوم الجمعة.
وحكى لي والده أنه من حين توجهنا من نوى أخذت الشيخ حمى فلم تفارقه إلى
يوم عرفة وهو صابر لم يتأوه قط، فلما تمّ الحج ووصلنا إلى نوى ورجع هو إلى دمشق
صب الله عليه العلم صباً(١).
قلت: وكانت هذه حجة الإسلام، وفي كلام الكمال الدميري كما سيأتي أنه حج
مرة أخرى ويستأنس له بقول العماد ابن كثير في تاريخه أنه حج في مدة إقامته بدمشق،
ولما رجع من حجة الإسلام لاحت عليه، كما قال الذهبي في ((سير النبلاء))، أمارات
النجابة والفهم. انتهى.
ولم يزل يشتغل بالعلم ويقتفي آثار شيخه المذكور في العبادة من الصلاة وصيام
الدهر والزهد والورع وعدم إضاعة شيء من أوقاته لا سيما بعد وفاة شيخه، فإنه زاد
في الاشتغال بالعلم والعمل بحيث ذكر الشيخ لي أنه كان يقرأ كل يوم اثني عشر درساً
على المشايخ شرحاً وتصحيحاً، درسين في ((الوسيط))(٢) وثالثاً في ((المهذب))(٣) ودرساً
في ((الجمع بين الصحيحين))، وخامساً في ((صحيح مسلم))، ودرساً في ((اللمح)) لابن
جني في النحو، ودرساً في ((إصلاح المنطق)) لابن السكيت في اللغة، ودروساً في
التصريف، ودرساً في أصول الفقه تارة في ((اللمع)) لأبي إسحاق وتارة في ((المنتخب))
(١) انظر: تحفة الطالبين لابن العطار (ص ٤٨).
(٢) هو الوسيط في الفقه الشافعي لحجة الإسلام الغزالي، مطبوع بمصر وبيروت.
(٣) هو المهذب في الفقه الشافعي.

١٤
المنهل العذب الرَّوي في ترجمة قطب الأولياء النووي
للفخر الرازي، ودرساً في أسماء الرجال ودرساً في أصول الدين، قال: وكنت أعلق
جميع ما يتعلق بها من شرح مشكل وإيضاح عبارة وضبط لغة وبارك الله لي في وقتي
واشتغالي وأعانني عليه.
قال: وخطر لي الاشتغال بعلم الطب، فاشتريت القانون وعزمت على الاشتغال
فيه، فأظلم على قلبي وبقيت أياماً لا أقدر على الاشتغال بشيء، ففكرت في أمري من
أين دخل علي الداخل فألهمني الله أن اشتغالي بالطب سببه، فبعت في الحال الكتاب
المذكور وأخرجت من بيتي كل ما يتعلق بعلم الطب فاستنار قلبي ورجع إليّ حالي
وعدت لما كنت عليه أولاً .
قلت: فإن قيل: كيف هذا مع ما نقل كما روينا في ((مناقب الشافعي)) للبيهقي من
طريق الربيع بن سليمان، سمعت الشافعي يقول: العلم علمان، علم فقه للأديان وعلم
طب للأبدان، ونحوه عن ابن عبد الحكم عن الشافعي وزاد: وما سوى ذلك فبلغة
مجلس. ورواه محمد بن يحيى بن حسان عن الشافعي فقال: وما سوى ذلك من الشعر
ونحوه فهو عناء وتعب .
فالجواب: أن الذي مدحه الشافعي رحمه الله هو الطب النبوي أو المجرد عن
أصول الفلاسفة الذي صرح صاحب القانون في أوله بابتناء الطب المورد في كتابه عليها
وأن الطبيب يتعلم ما يبني عليه من العلم الطبيعي، ولذلك اعترى الشيخ رحمه الله
بمجرد عزمه على الاشتغال في الكتاب المذكور ما أشار إليه لما رزقه الله من نور
البصيرة وأبداه له بصلاح السريرة خصوصاً وعنده من الطب المحمود ما يفوق الوصف
على أن أبا بكر بن طاهر سئل عن معنى قول الشافعي، فقال: عند العوام أن علم
الأديان هو ظاهر الفقه وعلم الأبدان هو ظاهر الطب، وعند الحكماء أن علم الأديان
هو علم مشاهدة القلوب بالمعاملات بصنع الله وتدبيره، وهو الفقه النافع، وعلم
الأبدان هو ظاهر أوامر الله تعالى ذكره، ونواهيه في الحلال والحرام وهو حجة الله على
خلقه، وهو الطب النافع، فعلم القلوب عين الإسلام وحقائقه، وعلم الأبدان هو آداب
الإسلام وشرائعه .
وقد قال حرملة بن يحيى: إن الشافعي يتلهف على ما ضيع المسلمون من الطب
ويقول: ضيّعوا ثلث العلم ووكلوه إلى اليهود والنصارى اهـ الإيراد وجوابه.
وضرب به المثل في إكبابه على طلب العلم ليلاً ونهاراً وهجره النوم إلاَّ عن غلبة
وضبط أوقاته بلزوم الدرس أو الكتابة أو المطالعة أو التردد إلى الشيوخ. قاله الذهبي
في ((سير النبلاء)) اهـ.

١٥
المنهل العذب الرَّوي في ترجمة قطب الأولياء النووي
وأول شيوخه في الفقه، كما قال رحمه الله، الإمام المتفق على علمه وزهده
وورعه وكثرة عبادته وعظم فصله وتميزه على أشكاله أبو إبراهيم إسحاق بن أحمد بن
عثمان المغربي ثم المقدسي (١).
قلت: وكان معظم انتفاعه عليه، اهـ، ثم الإمام العارف الزاهد العابد الورع
المتقن مفتي دمشق في وقته أبو محمد عبد الرحمن بن نوح بن محمد بن إبراهيم بن
موسى المقدسي ثم الدمشقي ثم الإمام المتقن المفتي أبو حفص عمر بن أسعد بن أبي
غالب الربعي الإربلي، قال ابن العطار: وقد أدركته وحضرت بين يديه وسمعت عليه
رأي الجهم، ثم الإمام العالم المجمع على إمامته وجلالته وتقديمه في علم المذهب
على أهل عصره بهذه النواحي أبو الحسن سلار بن الحسن الإربلي ثم الحلبي ثم
الدمشقي .
قال ابن العطار: وقد أدركته أيضاً وحضرت جنازته مع شيخنا، أخذ الشيخ عنهم
الفقه قراءة وتصحيحاً وسماعاً وشرحاً وتعليقاً.
قلت: وقال القطب اليونيني: أن الشيخ أول ما قدم دمشق اجتمع بالشيخ جمال
الدين عبد الكافي، أظنه ابن عبد الملك بن عبد الكافي الربعي الدمشقي خطيب الجامع
الأموي وإمامه، وعرفه رحمه الله مقصده، فأخذه وتوجه به إلى حلقة الشيخ تاج الدين
عبد الرحمن بن إبراهيم بن ضياء الفزاري عرف بابن الفركاح رحمه الله(٢)، فقرأ عليه
دروساً وبقي يلازمه مدة ولم يكن له موضع يأوي إليه فسأل من التاج موضعاً يسكنه
ولم يكن بيد التاج إذ ذاك من المدارس سوى الصارمية ولا بيوت لها، فدله على
الكمال إسحاق المغربي بالرواحية، فتوجه إليه ولازمه واشتغل عليه وصار منه ما صار.
ونحوه قول التقي ابن قاضي شهبة: ولما قدم النووي من بلده أحضروه ليشتغل
عليه، يعني الفزاري، فحمل همه وبعث به إلى المدرسة الرواحية ليحصل له بها بيت
ويرتفق بعلومها، قال: ثم إنه كانت بينهما وحشة كعادة النظراء. قال: وكان النووي
أنقل للمذهب وأكثر محفوظاً منه. انتهى كلام التقي ولم يذكر سبب الوحشة الذي سبقه
الذهبي إلى ذكرها في ترجمة التاج من المعجم المختص حيث قال: وكان بينه وبين
(١) هو أبو المعالي إسحاق بن أحمد بن عثمان المغربي المقدسي، الشافعي، من فقهاء الشام
وأُدبائهم، قال فيه النووي: أول شيوخي المتفق على علمه وزهده وورعه، وكثرة عبادته وعظم
فضله وتميّزه في ذلك على أشكاله، توفي سنة ٦٦٨هـ، وانظر: تهذيب الأسماء واللغات (١/
١٨)، وشذرات الذهب (٢٤٩/٥).
(٢) صاحب شرح الورقات، ورسالة الغنيمة، وهو من فقهاء الشافعية وأئمتها.

١٦
المنهل العذب الرَّوي في ترجمة قطب الأولياء النووي
النووي رحمهما الله وحشة كعادة النظراء، انتهى كلام الذهبي، وقد ذكره القطب
اليونيني فقال: بعد حكاية ما تقدم قريباً واتفق أن الظاهر عندما فتح الفتوحات
المشهورة وعمَّ الناس الجواري، وتسروا بهن، سئل التاج فرخص في ذلك وصنف
جزءاً في إباحة ذلك من غير تخميس، واستدل بأشياء منها قسم رسول الله وَّ غنائم
بدر وأعطى منها من لم يشهدها، وربما فضل بعض حاضريها على بعض. ثم نقل بعد
ذلك في الغنائم أحوالاً مختلفة تقلب على حسب المصلحة، ثم ذكر غزوة حنين وقسم
غنائمها، وأنه ◌َّ أكثر لأهل مكة من قريش وغيرهم حتى إنه يعطي الرجل الواحد مائة
ناقة والآخر ألف شاة، ومعلوم أنه لم يحصل لكل حاضر في هذه الغزاة مثل هذه العدة
من الإبل والشياه، ولم يعط الأنصار شيئاً وكانوا أعظم الكتيبة وجلّ العسكر وأهل
النجدة حتى عتبوا، وهذا حديث صحيح مخرج في جميع الأصول المعتمدة من كتب
الحديث وليس في شيء من طرقه: ((إني إنما نفلت الناس من الخمس أو إني قسمت
فيكم ما أوجبه قسم الغنيمة وزدت من استألفته من مال المصالح)) وكان ◌َلو أعدل
الناس في قسمه، وأعدلهم في بيان حق وأحقهم في إزالة شبهة، فلما اقتصر على مدح
الأنصار بما رزقهم الله من السابقة في الإسلام وما خصهم به من محبته ◌ّ وإياهم
وسلوك فجهم دون فج غيرهم، ورجوعهم إلى منازلهم به عوضاً عما رجع به غيرهم
من الأموال والأنعام، علم كل ذي نظر صحيح أنه عليه السلام فعل في هذه الغنائم ما
اقتضاه الحال من المصالحة من عطاء وحرمان وزيادة ونقصان، ثم لم يعلم بعد هذا
الحكم ناسخ ولا ناقض بل فعل الأئمة بعده ما يؤكده.
ثم قال: ولولا خشية الإطالة لتقصينا الآثار الواردة في قسم الغنائم من الأئمة
الراشدين ومن بعدهم حتى أن المتأمل المتبع الآثار لو أراد أن يبين أن غنيمة واحدة
قسمت على جميع ما يقال في كتب الفقهاء من النفل والرضخ والسلب وكيفية إعطاء
الفارس والراجل وتعميم كل حاضر، لم يكد يجد ذلك منقولاً من طريق معتمد
واستدل بأشياء كثيرة .
قال القطب: فحصل للناس بقوله خير عظيم لأن الناس لم يزالوا يغنمون
ويستولدون الجواري ويبيعوهن فيحكم الحكام بصحة بيعهم وشرائهم وإجراء جميع ما
يتعلق بهم على حكم الصحة، ولو فتحوا باب وجوب تخميس الغنائم لحرم وطىء كل
جارية تغنم قبل تخميسها لأن نكاح الجارية المشتركة حرام، فيؤول ذلك إلى مفاسد
كثيرة .
فلما وقف الشيخ رضي الله عنه على ذلك نقضه كلمة كلمة وبالغ في الرد عليه
ونسبه إلى أنه خرق الإجماع في ذلك وأطلق لسانه وقلمه في هذا المعنى.

١٧
المنهل العذب الرَّوي في ترجمة قطب الأولياء النووي
قال القطب: ولا شك أن الذي قاله النووي هو مذهب الشافعي وغيره إلا أنه لم
يعمل به في عصر من الأعصار، ولا قيل إن غنيمة خمست في زمن من الأزمان بعد
الصحابة والتابعين ولولا القول بصحة ذلك لكان الناس كلهم بسبب شرائهم الجواري
واستيلادهم إياهن في محرم، وسائر عمل الناس قاطبة على ما أفتى به التاج ولم يعمل
أحد بما أفتى به الشيخ .
قال: وما كان ينبغي له أن يرد عليه هذا الرد لعلمه أن بعض العلماء ذهب إليه .
قال: وحكي لي أن الفتاوى كانت إذا جاءت إلى الشيخ وعليها خط الشيخ يمتنع
من الكتابة فيها. وذكر القطب بعد ذلك كلاماً فيه بعض تحامل مع ما أسلفه من أنه
كانت مقاصده جميلة وأفعاله لله تعالى رحمهم الله أجمعين .
ولما ترجم العثماني قاضي منقذ الشهاب أبا شامة عبد الرحمن بن إسماعيل
الدمشقي قال: وهو من مشايخ الإمام النووي وما رأيته الآن في كلام غيره وليس ببعيد.
وأفاد التاج السبكي في الطبقات الكبرى: أن شيخه في الطريق الشيخ ياسين
المراكشي الماضي ويشهد له ما أسلفناه عن الذهبي في ترجمته أن الشيخ كان يخرج
إليه ويتأدب معه ويزوره ويرجو بركته ويستشيره في أمور.
ووصفه اللخمي بالعلم بالقراءات السبع لكن لم يتبين عن من أخذها مع أني لم
أر الذهبي ولا ابن الجوزي ولا من بينهما ممن أفرد تراجم القراء ذكره فيهم، فالله
أعلم، انتھی .
وأخذ فقه الحديث عن الشيخ المحقق أبي إسحق إبراهيم بن عيسى المرادي
الأندلسي الشافعي، شرح عليه ((مسلماً)) ومعظم ((البخاري)) وجملة مستكثرة من ((الجمع
بين الصحيحين)) للحميدي، وقرأ على الشيخ الحافظ الدين أبي البقاء خالد بن
يوسف بن سعد النابلسي، ((الكمال في أسماء الرجال)) للحافظ عبد الغني المقدسي،
وعلق عليه حواشي وضبط عنه أشياء حسنة .
قلت: وكذا رأيته علق فوائد على الأنساب لابن الأثير، ولازم، كما قال القاضي
عبد القادر في طبقات الحنفية، الإمام المحدث الكبير الضياء بن تمام الحنفي في سماع
الحديث وما يتعلق به قال: وعليه تخرج وبه انتفع، انتهى.
وأخذ عن جماعة من أصحاب الحافظ أبي عمرو بن الصلاح علوم الحديث له
وقرأ على الفخر المالكي ((اللمع)) لابن جني، وعلى الشيخ أبي العباس أحمد بن سالم
المصري النحوي اللغوي التصريفي ((إصلاح المنطق)) لابن السكيت بحثاً، وكذا كتاباً
في التصريف، قال: وكان لي عليه درس إما في كتاب سيبويه وإما في غيره - الشك

١٨
المنهل العذب الرَّوي في ترجمة قطب الأولياء النووي
مني - وقرأ على شيخنا العلامة الجمال أبي عبد الله محمد بن عبد الله بن مالك الجبائي
كتاباً من تصانيفه وعلّق عليه شيئاً، وقرأ على العلامة القاضي أبي الفتح عمر بن بندار بن
عمر بن علي التفليسي الشافعي ((المنتخب)) للفخر الرازي وقطعة من ((المستصفى))
للغزالي وعلى غيره غيرهما من كتب الفن.
وسمع الحديث على أبي إسحاق إبراهيم بن علي بن أحمد بن فضل الواسطي،
وأبي العباس أحمد بن عبد الدائم المقدسي، وأبي محمد إسماعيل بن إبراهيم بن أبي
اليسر التنوخي، وأبي البقاء خالد النابلسي، والضياء بن تمام الحنفي - يعني الماضي
ذكرهما - وأبي محمد عبد الرحمن بن سالم بن يحيى الأنباري والشمس أبي الفرج عبد
الرحمن بن الشيخ أبي عمر محمد بن أحمد بن قدامة المقدسي، وهو أجلّ شيوخه،
وشيخ الشيوخ الشرف أبي محمد عبد العزيز بن أبي عبد الله محمد بن عبد المحسن
الأنصاري، والقاضي عماد الدين أبي الفضائل عبد الكريم بن عبد الصمد بن
الخراستاني خطيب دمشق، وأبي الفضل محمد بن محمد بن محمد النكري الحافظ،
وأبي زكريا يحيى بن أبي الفتح الحراني الصيرفي، وغيرهم.
قلت: منهم الرضي أبو إسحق إبراهيم بن عمر بن مصر الواسطي، فإنه سمع
عليه ((صحيح مسلم)) كما ذكر الشيخ في أول شرحه له وأفاد الذهبي أن النجم بن الخباز
أورد عنه أول حديث من البخاري، قال: أنا عبد الرحمن بن أبي عمر بن قدامة الفقيه،
أنا عبد الله بن الزبيدي بسنده فكأنه سمع جميع الصحيح على ابن أبي عمر ولو سمع
رحمه الله كما قاله الذهبي في (سير النبلاء)) أول قدومه دمشق للحق الرشيد بن مسلمة
ومكي بن علان والكبار، ولكنه بقي مدة لا يسمع الحديث اهـ.
وسمعت أنا من معظم شيوخه ومسموعاته الكتب الستة ((والموطأ) لمالك
و ((المسند)) للشافعي ولأحمد والدارمي وأبي يعلى و ((صحيح أبي عوانة)) والسنن
للدارقطني وللبيهقي و ((شرح السنة)) للبغوي و ((معالم التنزيل في التفسير)) له و ((عمل
اليوم والليلة)) لابن السني و((الجامع الآداب الراوي)) و ((السامع)) للخطيب و ((الرسالة))
للقشيري و ((الأنساب)) للزبير بن بكار و ((الخطب النباتية)) وأجزاء كثيرة غير ذلك.
قلت: منها كما رأيته بخط الشيخ وهو عندي أتبرك برؤيته كل قليل، كتاب
((الأربعين)) للحاكم على الشيخ خالد النابلسي، وأجزاء من كتاب ((المستقصى في فضل
المسجد الأقصى))، لأبي محمد القاسم بن علي بن عساكر (١) علي التقي إسماعيل بن
-
(١) هو الجامع المستقصى في فضائل المسجد الأقصى، من أعظم ما صُنف في موضوعه، وهو
مسند، مخطوط بدار الكتب المصرية، به نقص.

١٩
المنهل العذب الرَّوي في ترجمة قطب الأولياء النووي
إبراهيم بن أبي اليسر في سنة ست وستين وستمائة بجامع دمشق وما علمت اسمه تاماً
أم لا، انتهى.
وذكر لي رحمه الله أنه كان لا يضيع له وقتاً في ليل ولا نهار إلاَّ في وظيفة من
الاشتغال بالعلم، حتى إنه في ذهابه في الطريق وإيابه يشتغل في تكرار محفوظة أو
مطالعة، وأنه بقي على التحصيل على هذا الوجه نحو ست سنين.
قلت: وقال القطب التونيني أنه كان كثير التلاوة للقرآن والذكر معرضاً عن الدنيا
مقبلاً على الآخرة من حال ترعرعه، أنتهى.
ثم إنه اشتغل بالتصنيف والأشغال والإفادة فصنف المنهاج(١)، وشرح
((مسلم))(٢)، قلت: وهو عظيم البركة، انتهى.
وقطعة من شرح ((البخاري)). قلت: انتهى فيها إلى كتاب العلم سماه ((التلخيص))
اهـ.
وقطعة من شرح ((أبي داود))، قلت: وصل فيها إلى أثناء الوضوء سماها الإيجاز،
وسمعت أن زاهد عصره الشهاب بن رسلان أودعها يومها في شرحه الذي كتبه على
السنن وبنى عليها اهـ.
وقطعة من الإملاء على حديث الأعمال بالنيات، قلت: وسمى بعضهم في
تصانيفه كتاب الأمالي في الحديث في أوراق، وقال: إنه مهم نفيس صنفه قريب موته
فلا أدري أهو الأول أو غيره اهـ.
وقطعة من الأحكام، قلت: سماها ((الخلاصة في أحاديث الأحكام)) وصل فيها
إلى أثناء الزكاة(٣). قال ابن الملقن: رأيتها بخطه ولو كملت كانت في بابها عديمة
النظير. وقال غيره: إنه لا يستغني المحدث عنها خصوصاً الفقيه، وهذه الخلاصة بخط
المؤلف في كتب أوقاف الجمالية اهـ.
والمبهمات(٤)، قلت: اختصر فيها كتاب الخطيب أبي بكر البغدادي الحافظ في
(١) هو منهاج الطالبين، وهو من أهم أشهر كتب المذهب، وقد عني باهتمام العلماء وشرحهم، فقد
شرح كثيراً، فضلاً عن شرح المصنف نفسه .
(٢) ويُسمى المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج، وقد طبع طبعات كثيرة، وله عدة نسخ خطية،
بحوزتي ٤ نسخ منهما أهمها نسخة أبي عبد الرحمن السلمي، وأبي الخير الإشبيلي.
(٣) طبع في مجلدين بمؤسسة الرسالة، ثم طُبع بدار الكتب العلمية - بيروت، في مجلد.
(٤) وهو مطبوع، ويسمى المهمات.