Indexed OCR Text
Pages 1201-1220
بموته وهي مرعوبة، وقالت: سمعتُ قائلاً يقولُ: الصَّلاةُ على شيخ مِنْ آل بيت النبوة . ومنه ما بلغني عن الشيخ يحيى العجيسي المغربي نزيل النَّاصرية أنه سمع بعد موته في اليقظة هاتفاً يقول: بعد أحمد وسعد ما يضحك أو يفرح أحد . وكذا حكى البدرُ حسن الطنتدائي الضَّرير أنَّ شخصاً أخبره في سنة موت صاحب الترجمة أنَّه رأى في منامه كأن اثنين واقفين عند بابي زُوَيْلَة، وأحدهما يقول للآخر: أين تريد؟ فقال: أريد خَسْفَ لهذه البلدة. فقال: ما دامَ هذا - وأشار إلى شيخ الإسلام - وكان جالساً بإيوان هناك ومعه آخر. قال: وفي الظَّنِّ أَنَّه أشار إلى الآخر أيضاً - لِمٍ يَضُرَّها شيءٌ. قال البدر: فحكيتُه لصاحب التَّرجمة فتبسَّم، ثم حكيتُه للظّاهر جُقَمُق، فقال: نفعنا الله بیر کته . وتوارد الأخبار عن غير واحد ممَّن ناوأ صاحبُ التَّرجمة سرّاً أو جهراً ممَّن مات في حياته أو بعده، أنَّهم في عدم راحةٍ مِنْ أجله انتقاماً مِنْ ربِّ العزّة المنصِف المظلوم ممَّن ظلمه، أحببتُ الإضرابَ عن تفصيل ذلك. ومنه ممَّا أخبرني به الشيخ عزالدين السُّنباطي، نفع الله به، قال: رأيتُ كأني بين يدي صاحب التَّرجمة أنا والقاضي ولي الدين ابن تقي الدين البلقيني، وكان صاحبُ التَّرجمة دفعَ لوليِّ الدين المذكور مِنَ القصب الأبيض قلماً بغير برايةٍ، وقال له: قُل لصاحبك - وسمَّى الشَّرف يحيى ابن العطار -: قد تقدَّم الخصمُ والمدَّعى عليه في الطَّلب، والحاكم لا يحتاجُ إلى بيِّنَةٍ. قال: فلم يلبث إلا دُون شهرٍ ومات الشَّرفُ المذكور. قلت: ونحو هذا قول القاضي بكار لأحمد بن طولون عن نفسه وقد ظلمه: شيخُ فانٍ وعليل مُدْنَفٌ، والملتقى قريبٌ، والله القاضي. انتهى. وكذا تواترت المناماتُ عنه نفسه، أَّه في رفعَةٍ إلى الغاية، حتى إنَّ فقيه الشَّافعية الشرف المناوي حكى أنَّه رأى في المنامِ غيرَ واحدٍ ممَّن وليَ القضاء وليس فيهم أحسنَ رؤيةً منه، قال: وما هذا إلا ببركة السُّنَّ النَّبوية. ١٢٠١ وبلغني عن بعض الأعيان المعتبرين ممَّن أخذتُ عنه أنَّه رأى عَقِبَ وفاته كُلّ مِنَ الإمام الأعظم محمد بن إدريس الشافعي والليث بن سعد الفهمي أعاد الله علينا مِنْ بركاتهما، وهما في همَّةٍ، وأنَّه سألهما أو أحدهما أو واحداً ممَّن حضر عن سببٍ ذلك، فأجيب بالاهتمام بضيافة ابن حجر رحمة الله عليهم أجمعين. وأخبرني العلاَّمةُ الزَّين قاسم الحنفي أنَّه رآه بعد موته، وسأله عن حاله، فقال: بَشَّرني بِشَّرني بشَّرني، وكررها، ومدَّ يده. قال: فقلتُ له: طيِّب طيِّب، أو كما قال في منام طويل. ورأيتُ أنا في ربيع الأول سنة ثلاث وسبعين قاضي القضاة وليَّ الدِّين السُّنباطي المالكي وهو راكب بغلةً ولا وجع بعينيه، فنزل وسلَّم عليَّ، فَقِلْت له: كيف حالُ شيخنا، وأشرت إلى صاحب الترجمة؟ فقال: بخير، واستيقظت وكنت أضمرتُ أشياء كثيرة أسأله عنها، فما تيسّر. وأخبرني الشيخ برهان الدين ابن سابق نزيل المنكوتمرية وإمامها أنه رأى وهو ببيت المقدس صاحب الترجمة في المنام وعليه حُلٌَّ بيضاءُ حریر، بطائنها مِنْ ذهبٍ يلمع، وعلى رأسه عمامة بيضاءُ، في هيئة لم يُرَ أبهجَ منه فيها، وأنه ناوله شيئاً، وأمره بالسَّلام على أهل بيته. ولو أردت تتبّع ذلك، لجاء في كراريس، لكن في لهذه الإشارة كفايةٌ، والله تعالى يحشرُنا معه في زُمرة المصطفى وَّه، ويزيدُنا بمحبته والانتساب لجنابه في الدَّارين شرفاً، إنَّه قريب مجيب. .ومما يلتحق بذلك أنَّ أبا البركات محمد بن إبراهيم العسقلاني والد الزَّين أبي بكر الخانكي رأى قُبيل موت صاحب الترجمة بيسير في اليقظة الشيخ عمر [بن الشيخ علي](١) الزَّيني. وكان مِنْ صُلحاء تلك النَّاخية. وهو في بئر ممتلئة طيناً وقد تضمَّخ منه، فسأله: لأيِّ سبب [عملت ذلك؟ فقال: سببُه موتٌ ابن حجر. قال: فلم يلبث أن مات بعد أن] (٢) توجه أبو البركات (١)(٢) ما بين حاصرتين ساقط من (ب). ١٢٠٢ المذكور إلى الشمس الشطنوفي الماضي عند ذكر محنة صاحب الترجمة، وأعلمه بذلك وحذَّره مِنْ تغيُّر خاطر شيخ الإسلام عليه، وأنه ينبغي له تدارُكُ ذُلك قبل الوفاة بالتَّوجُّه إليه والاعتذار والاستغفار، وأنَّه فعل ذلك رحمه الله ونفعنا ببركته. ولو أردت استيعابَ المنامات المتعلّقة بصاحب الترجمة - خصوصاً قُبيل وفاته - لطال، مع كونه كان يتوقَّفُ في صحَّةٍ كثيرٍ منها. وقد رأيته ضَبَطَ بعضاً مما رآه هو مِنَ المنامات رحمة الله عليه. [وصيته]: وأما وصيته، فله عدَّةُ وصايا، اعتمدوا الأخيرة منها. وقد كتب لي سبطُه نسختها، ونصُّها: يقول راجى رحمة ربه جلَّ وعز، كاتب لهذه الأسطر، أحمد بن علي بن حجر: إنَّ لهذه الوصية صدرت عنِّي امتثالاً لأمر خيرة الله تعالى مِنْ خلقه، محمَّدٍ وََّ، أَنَّني أوصيتُ بثلث ما تحتَ يدي مِنْ مالِ الله سبحانه لمن يُذكر فيه مِنْ معيَّن ومُبْهم، وأن يباشر تفرقة ذلك ممن بيديه أخي في الله تعالى القاضي ناظر الجيوش المنصورة محبُّ الدِّين، رزقه الله تعالى العفو والعافية في الدنيا والآخرة، كذلك مع ولدي محمد، فمن ذلك ما هو في ذمتي لامرأتي أنْس خاتون ابنة القاضي ناظر الجيوش كريم الدين بن(١) عبدالعزيز رحمة الله تعالى عليه، بقية قيمة (٢) كساوي ثلاثمائة دينار ذهباً أشرفياً وظاهرياً، وما هو تحت يدي بقيَّةُ وصية ابن الدَّاراني تقدير خمسين ديناراً، تُدفع للمولى زين الدين عبدالغني القِمَني، يصرفها مصرفها، ومما (٣) هو في ذِمَّتي ممَّا يُصْرَفُ مصرِفَ الزَّكاة المفروضة مائة دينار. وأنَّ تحت يدي على سبيل الوديعة لبلقيس بنت المرحوم شمس (١) في (أ): ((أبو))، تحريف. (٢) ((قيمة)) ساقطة من (ط). (٣) في (ب، ط): ((وما)). ١٢٠٣ الكَمَاخِي، وهي زوج فخر الدين القاياتي، مِنَ الذَّهب الأفلوري مائتي دينار وتسعة وثمانين ديناراً تنقص عن الثلاثمائة أحد عشر ديناراً. وما هو في مصرف الوصية لفخر الدين سليمان ابن المرحوم: سراج الدين الخروبي خمسُون ديناراً، ولولد أخيه أبي الخير ابن بدر الدين ابن سراج الدين ثلاثون ديناراً، ولولدَيْ أخيه الآخر نور الدين علي ابن عزالدين ابن سراج الدين، وأخيه نظير ذلك، وما هو لولدَيْ شرف الدين ابن سراج الدين، الموجودين الآن بالسَّوية بينهما خمسون ديناراً،: ولبنت آمنة بنت سراج الدين من ابن مشرِّف عشرون ديناراً، ولفاطمة بنت نور الدين علي بن أحمد بن يسير(١) [خمسون ديناراً ولمحمد بن شرف الدين محمد بن أحمد بن يسير](٢) ولأخيه أربعون ديناراً بالسوية. بينهما. ولخاص بنت ناصرالدين محمد بن حجر زوج ابن مرزوق ولولدها جمال الدين بالسوية بينهما أربعون ديناراً. وأن يخرج من الثلث مائة دينار يفرِّقها القاضي محب الدين المشار إليه أعلاه على من يختار مِنْ معارفه بحسب ما يقتضيه رأيه في ذلك. وقد أوصيتُ لكلِّ مِنْ طلبة الحديث النَّبويِّ المتحقِّقين(٣) بطلبه والاشتغال به أكثر مِنَ الإشتغال بغيره مِن سائر العلوم الدِّينيّة ممَّن شهد لهم بذلك جماعة أهل العلم بالحديث، وهم: القاضي نور الدِّين ابن سالم، وبرهان الدِّين البقاعي، وتقي الدين القلقشندي، ونجم الدِّين عمر بن فهد المكي، وقطب الدين الخَيضري، وشمس الدين بن قمر إمام المدرسة الرُّكنية بيبرس، ومحمد بن عبدالرحمن السَّخاوي، وفخر الدين عُثْمَان الدِّيمي، وزين الدين قاسم بن قطلوبغا الحنفي، بمائتي دينار، تقسم بينهم بالسَّويَّة، ولكلِّ مَنْ كان يواظبُ مجلس الإملاء بالسوية بينهم مائة دينار، (١) في (ب): (بشير)) ن. وهو تحريف. وترجم المصنف لفاطمة هذه في الضوء اللامع ٩٦/١٢، فقال: ابنة أبي القاسم البالسي المصري، ويعرف بابن اليسير - بمهملة - ككبير. . (٢) ما بين حاصرتين ساقط من (ب). (٣) في (أ): ((المحقين)). ١٢٠٤ ولكل من كان يتعاهد ذلك أحياناً وأحياناً منهم مائة دينار بينهم بالسَّوية، يقدَّمُ الأحوجُ فالأحوج. ولكل مَنْ سُجِنَ على دَيْنِ شرعيٍّ وشهد أهل سوقِه أنَّه عَجَزَ عَنْ وفاء ما سُجِنَ لأجله مِنْ غير إنفاق في معصيةٍ مائتي دينار على المحاصصة بینھم. ولزين الدين القمني عشرون ديناراً، ولعمر الإسكندراني عشرة دنانير، والشهاب الداودار عشرة دنانير، ولولَدَيْ ولَدِي محمد أربعمائة دينار بالسَّوية بينهما، ولسِبطي يوسف ثلاثمائة دينار، يشتري بها مِنْ كتبي ما يختار، ولحَمْل مستولدتهِ منه مائة دينار بالشَّرح، خارجاً عما كنتُ ملكتُه مِنْ مصنَّاتي التي بخطِّي في حال صحَّتي، ليَقِفَه على طلبة العلم الشَّريف مِنْ أهل الحديث النبوي، ويكون مقرُّ ذلك تحت يده في طُول حياته، ثمَّ مِنْ بعده يستقرُّ ذُلك في المدرسةِ المحمودية بخط الموازنيِّين. ومن جملته الأجزاء الحديثيَّ النَّثرية، المجلِّداتُ منها والأجزاء النثرية، وفيها جملةٌ كثيرة مِنْ أجزاء المحمودية مِنْ أوقاف المحمودية، وليعجل بإفرادها وتحويلها إلى المدرسة المحمودية . وجميع ما أقررت به يخرُج من رأس المال، وجميع ما أوصيت به يخرجِ مِنْ ثمن الفلفل الذي بالإسكندرية والذي بمصر، فالأول عشرون حملاً، والثاني خمسة وثلاثون حملاً، وإن كان لا يوفي ذلك، فليكمل مِنْ سائر التعلقات . وأوصيت للمصونة فرح خاتون أختِ امرأتي شقيقتها بمائة دينار في مقابل أُجرة حِصَّتها مِنَ القاعة سكني. وأقررت بأنّي لا أستحقُّ في قاعة خالي صلاح الدين الزِّفتاوي الكائنة بمصر مقابل المقياس شيئاً، بعد أن وَضَح لي أن الاستحقاق لربع ذلك بعد والدتي قبلي انتقَّلَ إلى غيري بطريقٍ معتبرٍ شرعيٍّ، وأنَّ الذي تحصَّلَ في طول المدَّة صُرِفَ في ترميم المكان المذكور، إلا قدر سنتين وأزيد من ذلك ١٢٠٥ في ذمَّة تاج الدين ابن حِتِّي(١) التاجر، المذكور، وأن تحت يدي مسطوراً شرعياً لورثة المرحوم جلال الدين محمد (٢) ولد(٣) المرحوم نورالدين علي الطَّئْبَذِي في ذمَّة شهاب الدين أحمد البرماوي بقية معاملة بينه وبين. تاج الدين ابن حِتِّي، وأنه كان يُبدي بمقتضى مسطور شرعيٍّ في ذمَّة المقرِّ الكمالي كاتب السِّرِّ الشريف ألف دينار، وتسلمَ المسطورَ المذكور لما انفصلتُ مِنْ وظيفةِ القضاء في أول سنة إحدى وخمسين أمينُ الحكم العزيز (٤) إذ ذاك، بمقتضى إشهاد عليه، وهو القاضي ولي الدين الأسيوطي، وتسلم منِّي أيضاً مسطورَ المعاملة بين ولَدَي الطَّنبَذِي جلال الدين وبين تاج الدين [ابن حِتِّي المتضمن الرهن الزَّركش على ما وقع البيع فيه وبرئت ذمة ابن](٥) حتِّي منه إلاَّ قدر معيّن، بشهادة زين الدين القمني. وأن فخرالدين بن ذُؤيب تسلَّم مني ألف دينار ذهباً، منها خمسمائة دينار على أن يشتري بها(٦) مِنْ أصناف التِّجارة بالإسكندرية، فيُسْألِ عمَّا فعلٍ فيها، والقولُ قولُه، وللوارِثِ تحليفُه. وأنَّ المسطورَ المكتتَبَ عليه أنَّ الذي تسلّم مِنِّي مِنَ الفلوس المضرُوبة وغيرها ممَّا يشهدُ بها(٧) المسطور المذكور، وذكر أنّه اشترى به الكودة ما ذكر، أنَّه خَزَنَهُ بالمخزن المنسوب إليَّ بفندق الکارم، لم يقع بيني وبينه فيه حسابٌ ولا مفاصَلَةٌ، وعليه الخروجُ مِنْ عهدته، فإنّي ما أمضيتُ ذلك، وعليه خلاصُ نفِه مِنْ تَبِعَتِه. وكذا عليه خزوجُه مِنْ تَبِعَةِ السَّفرة (١) ضبطه المصنف في الضوء اللامع ٢٤٣/١١، فقال: بكسر ثم فوقانية مشددة مكسورة، ثم قال: أحد التجار، ذكر في وصية شيخنا، وكان حياً في سنة خمس وخمسين. (٢) «محمد» لم ترد في (ب). (٣) في (أ): ((والد»، خطأ، فقد ذكره المصنف فيمن نسبته الطنبذي من الضوء اللامع ٢١٣/١١، فقال: نورالدين علي ابن التاجر الشهير وابنه الجلال محمد، توفي قبل: شيخنا، وله ذکر في وصيته. (٤) (العزيز)) لم ترد في (ب، ط). (٥) ما بين حاصرتين ساقط من (ب). (٦) في (ب): ((يشتري لها بها))، وفي (ح، ط): ((يشتري لي بها)). (٧) في (ب، ط): ((به)). ١٢٠٦ المجهّزة إلى الإسكندرية على سبيل الشركة بيني وبينه، فإنه لم يخلُص مِنْ تبعتها، ولا تحرَّر بيني وبينَهُ في ذلك حسابٌ. هذا ما كتبه إلي السِّبْطُ، ونقَّذَ ولدُه وباقي الورثة غالبَ ذلك. وأمّا الكتبُ، فما وفَوْا بقصده، حتىٍ ولا في كتب الأوقاف التي كانت تحت يده والأجزاء الحديثية، وتفرق كلّ ذلك والكثير منه، لا سيما مصنَّفات الغير التي بخطُّه، حمل إلى الجمالي ناظر الخواصِّ صفواً عفواً من غير مقابل في ذلك، وكان الابتداء فيه بواسطة السِّبط، وتعطل الانتفاعُ به، بل وبسائرها إلا ما كان بُيِّضَ منها في حياته، وكذا ما بيَّضتُه بعد موته، وكانت في ذلك حركات وقلاقل واضطراب شديد، لا أطيل بإيرادها، والأمر بيد الله يفعل ما يشاء . [زوجاته وبنوه وذريته] وأما من علمته من زوجاته وبنيه وذريته: [زوجته أنس خاتون]: فأوَّل زوجاته: شيختُنا الرئيسة الأصيلة أَنْس(١) ابنةُ القاضي ناظر الجيش - كان - كريم الدين عبدالكريم بن أحمد بن عبدالعزيز بن عبدالكريم بن أبي طالب بن (علي بن)(٢) سيدهم اللخمي النستراوي الأصل المصري . وأمُّها ماتت في المحرم سنة إحدى وعشرين، وهي سارة بنت ناصرالدين محمد بن أنس بنت منكوتمر نائب السَّلطنة، المتوفَّى مُتاخم القرن الثامن، وهو صاحب المدرسة والقاعة المتجاورتين. كان مولد أُنْس تقريباً في سنة ثمانين وسبعمائة، وتزوَّجها شیخُنا (١) مترجمة في الضوء اللامع ١٠/١٢ - ١١، وقال المصنف: وقد أطلت ترجمتها في الجواهر. (٢) ما بين قوسين ساقط من (أ). ١٢٠٧ بإشارة وصِيِّه العلاَّمة ابن القطّان في شعبان سنة ثمان وتسعين وسبعمائة، وحصل لها بواسطة ذلك خيرٌ كثير، وهي - وإن كانت مِنْ بِيت رئاسة وحشمة، ولوالدها سماعٌ مِنَ الجمال ابن نباتة وابن البُوري وغيرهما، وسمع منه صاحبُ التَّرجمة قليلاً، وكذا كان عمُّه البدر حسن بن عبدالعزيز ممَّن سمع على الحجَّار وعبدالرحمن بن مخلوف بن جماعة وآخرين، وكتب عنه الحُفَّاظُ - لكِنَّه لم يعتن بها بالنّسبة إلى السَّماع والإجازة أحدٌ مِنْ أقاربها، فأسمعها زوجُها مِنْ شيخه حافظ العصر العراقي، حيث جاء إلى منزله لوداعه عند توجُّهه لبعض سفراته ((الحديث المسلسل بالأولية)»، وكذا أسمعها إياه مِنْ لفظ الشَّرف ابن الكُويك في يوم ختمه ((صحيح مسلم))، وأجاز لها باستدعاءٍ شاميٍّ مؤرَّخ في ذي القعدة سنة ثمان وتسعين جماعةٌ؛ منهم: أبو الخير ابن (١) الحافظّ العلائي، وأبو هريرة ابن الحافظ الذّهبي، وباستدعاءٍ بمنى، مؤرَّخ بصفر سنة ثمان مائة، جماعةٌ، وبآخر بمنى أيضاً مؤرَّخ بربيع الآخرِ مِنَ السَّنة شخصٌ واحدٌ، وبآخر مع ابنتها زين خاتون في سنة اثنتين وثمان مائة غالبُ مَنْ لقيه زوجُها في رحلته الشاميَّة، وبآخر مع ابنتَيْها زين خاتون وفرحة، مؤرَّخ بربيع الأول سنة سبع وثمان مائة، جماعةٌ مِنَ الشاميِّين أيضاً، إلى غير ذلك مِنَ الاستدعاءات المتأخّرة. واستولدها صاحبُ التَّرجمة عدَّة أولاد، زين خاتونٍ وفرحةِ السَّابقُ ذكرهما، وغالية، ورابعة، وفاطمة. ولم تأتٍ منه بذكرٍ قطّ. نعم، كانت تجيءُ بين كل بطنين بسقطٍ ذكراً. [ابنته زين خاتون]: فأما أولتهن(٢)، وهي بكرُ أولاده، فمولدها في ثاني عشر ربيع الآخر سنة اثنتين وثماني مائة، واعتنى بها أبوها، فاستجاز لها في السَّنة المذكورة : (١) (ابن)) ساقطة من (أ). (٢) وهي زين خاتون، ترجمها المصنف في الضوء اللامع ٥١/١٢. ١٢٠٨ فما بعدها خلقاً(١)، وأسمعها على شيخه العراقي والهيثمي، وأحضرها على ابن خطيب داريًّا في الثالثة الجزء الثَّالثَ مِنْ أول ((حديث المخلص)). وتزوجها الأمير شاهين العلائي قطلوبغا الكركي، الذي صار داوداراً صغيراً عند المؤيَّد، ثم بطل إلى أن مات في ذي القعدة سنة ستين وثماني مائة بدمشق كما قرأته بخط ولده، وقال: إنه قرأ القرآن وصلى به، وكتب بخطه ((الشفاء) و((الموطأ)) وغيرهما، لكنه خسَّ بالورق، فلم ينتفع بها. قال: وكان في خُلُقِه شدَّةٌ وزعارَّة، وأثنى على فروسيَّتِّه. انتهى. فاستولدها عدَّة أولاد، ماتوا كلَّهم في حياة أمهم؛ منهم: أحمد. ذكره شيخي في استدعاء ولده محمد في سنة خمس وعشرين وثماني مائة، وعزيزة. ذكرها الشَّيخ رضوان في استدعاء مؤرّخ بذي القعدة سنة ثلاثين. ولم يتأخر من أولادها إلا أبو المحاسن يوسف الآتي ذكره. وكانت قد تعلَّمت الكتابة والقراءة، وماتت وهي حاملٌ بالطّعون سنة ثلاث وثلاثين وثماني مائة، فجُمِعَتْ لها شهادتان. [ابنته فرحة]: وأما فرحة(٢)، فمولدها في رابع عشري رجب سنة أربع وثماني مائة، واستجيز لها - كما تقدَّم - في سنة سبع وثمان مائة، ثم بعد ذلك [ في ذي القعدة سنة ثمان عشرة] (٣). وتزوجها (بكراً)(٤) شيخ الشيوخ محب الدين ابن الأشقر، الذي وَلِيَ نظر الجيش وكتابة السِّرِّ، وكان أحد أعيان الدِّيار المصرية، ومات فى أوائل رجب سنة ثلاث وستين، وعمل بعضُ الأَدباء صدَاقها في أرجوزة كما تقدّم(٥). (١) في الأصول: ((خلق))، والصواب ما أثبت، وهو كذلك في ترجمتها من الضوء اللامع ٥١/١٢. (٢) مترجمة في الضوء اللامع ١١٥/١٢. (٣) ما بين حاصرتين ساقط من (ب). (٤) ساقطة من (أ). (٥) ٥٠٥/١. ١٢٠٩ واستولدها ولداً مات صغيراً في حياة أُمّه(١). وكانت وفاتُها في ربيع الآخر سنة ثمان وعشرين، بعد أن حجَّت في العام قبلَهُ مع زوجها، ورجعت مُوعَكَةً حتَّى ماتت عن ثلاث وعشرين سنة وتسعة أشهر. [ابنته غالية]: وأما غالية (٢)، فمولدها في ذي القعدة سنة سبع وثماني مائة، واستجيز لها جماعةٌ، وماتت هي وفاطمة الآتية بالطاعون في ربيع الأول سنة تسع عشرة وثمان مائة مع بعض عيال أبيها . [ابنته رابعة]: وأما رابعة(٣)، فوُلِدَت في رجب سنة إحدى عشرة وثمان مائة. وأسمعها والدُها على المراغي بمكة في سنة خمس عشرة، وأجاز لها جمعٌ مِنَ الشَّاميين والمصريين. وتزوجها الشهابُ أحمد بن محمد بن مكنون، ودخل بها بكراً، وهي ابنةُ خمس عشرة سنة، فولدت منه بنتاً أسماها غالية، ماتت في حياتهما بعد أن استدعى لها الشَّيخ رضوان وغيره، ثم ماتَ زوجُها عنها في رمضان سنة تسع وعشرين(٤)، فتزوجها المحبُّ ابن الأشقر المذكور أيضاً، واستمرت حتى ماتت عنده في سنة اثنتين وثلاثين وثمان مائة. وعمل صداقها في أرجوزة الهيثميُّ وهي بكر، ثم الصَّلاح الأسيوطيُّ (١) في (ط): «في حياة أبيه)». (٢) مترجمة في الضوء اللامع ٨٥/١٢. (٣) مترجمة في الضوء اللامع ٣٤/١٢. (٤) في (ب، ط): ((تسع عشرة))، وهو خطأ. وقد أرخ المصنف وفاته سنة ٨٢٩ في ترجمته من الضوء اللامع ٢٠٨/٢. وكذا ذكره الحافظ ابن حجر في ((إنباء الغمر)) ١٠٩/٨ في وفيات هذه السنة. ١٢١٠ الشَّريف وهي ثيّبٌ، كما قدَّمتُ ذُلك في كلٍّ منهما مِنَ الباب الثَّالث(١). [ابنته فاطمة]: وأما فاطمة، فمولدها في ربيع الآخر سنة سبع عشرة، وماتت كما تقدَّم قريباً. وحَجَّت أمُّهُنَّ صُحبَةً شيخنا في سنة خمس عشرة، وكذا حجَّت بعد ذلك في سنة أربع وثلاثين بمفردها، وجاورت ومعها سبطُها المشارُ إليه وهو صغیرٌ. وحدَّثت بحضور شيخنا، قرأ عليها الفُضلاءُ، وكانت تحتفل بذلك، وتُكرم الجماعة. وقد خرَّجْتُ لها ((أربعين حديثاً عن أربعين شيخاً))، قرأتُها عليها بحضورِهِ أيضاً. وكان أسلف لها بالإعلام بذلك على سبيل المُداعبة بقوله: قد صِرْتِ شِيخةً، إلى غير ذلك ممّا يثقُلُ على النِّساء. وكانت كثيرةً الإمداد لشيخنا العلامة ابن خضر، وهو الذي كان يقرأ لها ((البخاري)) في رجب وشعبان مِن كلِّ سنةٍ بالمدرسة، وتحتفل يومَ الختم بأنواعٍ مِنَ الحلوى والفاكهة وغير ذلك، ويهرعُ الكبارُ والصِّغار لحضور لهذا اليوم، وَهو قُبَيْل رمضان، بين يدي صاحب الترجمة. ولما مات ابن خضر قرأه لها سبطُها سنةً واحدةً في حياة جدَّه، وكان في أوائل ما لَبِسَ زيَّ الفُقَهاء، واستمر حتى الآن. ولم تزل على جلالتها وتصوُّنها لم تُضْبط لها هفوةٌ ولا زِلَّةٌ، بل مات كلُّ أولادها (بين يديها)(٢) فصبرت واحتَسبَّت، إلى أن ماتت بعد أن كانت مِنْ مدَّةٍ أوقفت ما بقيَ مِنْ أملاكها على سبطها وذرِّيَّته. وكذا كانت رغِبَتٍ له عن رزقةٍ باسمها. وكان شيخُنا رحمه الله كثيرَ التَّبجيل لها والتَّعظيم، لا سيما وهي (١) ١/ ٥٠٠ و ٥٤٣. (٢) مترجمة في الضوء اللامع ٨٨/١٢. (٣) ما بين قوسين ساقط من (ب). ١٢١١ عظيمةُ الرَّغبة فيه، بحيث إنَّه لما تسرّى وغضبت أمُّها الست سارة، كانت معه في ذلك أخفَّ حالاً: مِنْ أمِّها، وبلغني أنَّها حينئذٍ عَتِبَتْهُ. فاعتذر بميله للأولاد الذكور، فدعت عليه أن لا يُرْزَقَ ولداً عالماً، فتألم لذلك، وخشي مِنْ دُعائها، وقال لها: أجرقتِ قلبي، أو كما قال. حكاه لي سبطُها، وقال: إِنَّها كانت مجابةَ الدُّعاء، وإنَّها رأت ليلةَ القدر عياناً. وكانت وفاتُها في يوم الثلاثاء ثاني عشري(١) في ربيع الأول سنة سبع(٢) وستين وثماني مائة، وصُلِّيَ عليها بجامع المارداني، ودُفِئَتْ بتربة سلفها بالقرب من الجامع المذكور عند أولادها، ولم تخلف بالنّسبة لما كان في حوزتها إلاّ اليسير، لكونها كانت ذا عيال وحشمة، ولها مكارمُ، بحيث لا تزال تستدين وتنفقُ وتِهَبُ وتعطي سِبْطَها العطاءَ الجزيل، وولد ابن أختها، وسبط أختها، ومَنْ يدخلُ إليها مِنَ العجائز وغيرهن ممن يلُذْنَ بالرُّؤساء ونحوهم. ولو عاشت قليلاً، لانكشف الحال، ولكن جمَّلَ الله ولطف، وما شك أنَّ ذُلك حصل ببركةِ زوجها، بل مِنْ بركته أنَّها خُطِبَتْ غير مرَّة، وأرسل لها القاضي علم الدين البُلقيني على يد ولده أبي البَقاء رحمهم الله المهر، ذاكراً أنَّه إنما قصد صونَ بيته(٣)، بجلالتها وما أشبه ذلك، فأقام عندَها المهرُ مَّة، ويقال: إنَّها لم تكن تأبى ذلك، لكن عصمها الله تعالى ببركة زوجها. ولي في ذلك شائبة عمل، فإنّي عند سماع ذلك حصل عندي انزعاجٌ كبير مِنْ أجل ما كان بين الشَّيخين رحمهما الله تعالى، لا سيما وتزويجه بها يؤدي إلى سكناه بمنزله وغير ذلك، فاجتمعتُ به. وكان رحمه الله سليم الباطن، فخيَّلته بأمور أبديتُها له، فصرَّح لي بالرجوع، ولم أجد عنده هو كبير اكتراث بذلك، وإنَّما الوسائطُ هم الآفاتُ. وبالجملة، فأراد الله تعالى بها خيراً، فإنها إن شاء الله تعالى تكونُ (١) في (أ): ((عشر)). (٢) (سبع)) ساقطة من (أ). (٣) في (أ): ((بيتها)). ١٢١٢ ٠٫ زوجة شيخنا في الآخرة. ومن الاتفاقيات الغريبة أنَّ عمَّ والدها البدرَ حسن كان جواداً، كثير المكارم، وركبه بسببٍ ذلك دَيْنٌ كثير، وهو لا يترك عادته في العطايا والجود لحُسْنِ ظنِّه بالله تعالىٍ، فاتفق أنْ ماتت زوجتُه، وتركت مالاً جزيلاً، فورثها، ثم مات عقبها، فوفَّى ميراثه منها بديونه طبقاً بطبق، ولم يورث شيئاً. ونحوه ما اتَّفق لابن أخيه كريم الدين عبدالكريم والد المترجمة لما مات، لم يخلف إلا ستمائة درهم، أخرج بها مع ثياب يسيرة وأثاث قليل. وقريب منه ما اتفق لهذه كما أسلفته. [سبط ابن حجر]: ولم تخلف - كما أسلفتُ - مِنْ بنيها أحداً. بلى خلفت سبطها الجمال أبا المحاسن يوسف بن شاهين الكركي(١). ومولده - كما قرأتُه بخطِّ جدِّه صاحب الترجمة - في ليلة الإثنين عند صلاة العشاء ثامن ربيع الأول سنة ثمان وعشرين وثمان مائة، ونشأ عزيزاً مكرماً في حجر جدَّيه، واستُجيز له غير واحد من المسندين، منهم الكمال بن خير، وسمع على جدِّه كثيراً، بل أسمعه بقراءته (٢) على تِجار البالسيَّة جزءاً، وسمع على غيره يسيراً. وكان بزيِّ أبناء الجُند، حتى في المذهب، فأَشِيرَ عليه بالتزيِّي بالفقهاء وبالانتماء للشَّافعيَّة، وقُرِّر في نظر المنكوتمرية، لكونه أرشدَ الموجودين مِنْ ذرِّيَّة الواقف، وقرأ حينئذٍ على البُرهان بن خضر والبدر بن القطان يسيراً، وقرأ على جدِّه - فيما شاهدناه - (التقريب)) وغيره، وكتب عنه في ((الأمالي»، وقابل عليه أشياءَ مِنْ تصانيفه. وقرأ عليه ((البخاري)) و((النُّخبة)) داخل البيت. (١) ترجمه المصنف في الضوء اللامع ٣١٣/١٠ - ٣١٧ وترجمته فيه شبيهة جداً بما ترجمه هنا، كما له تراجم في كل من الأعلام ٢٣٤/٨، بدائع الزهور ١٩٨/٣، البدر الطالع ٣٥٤/٢ - ٣٥٥، فهرس الفهارس ١١٣٩/٢ - ١١٤١، معجم المؤلفين ٣٠٤/١٣، المنجم في المعجم ص ٢٣٩، نظم العقيان ص ١٧٩، هدية العارفين ٥٦٣/٢. (٢) (ابقراءته)) ساقطة من (ط). ١٢١٣ وتردّد معنا يسيراً إلى العز ابن الفرات، وقرىء عنده اليسير على غيره من المسندِينَ، وما أكثر مِنْ ذُلك، بل كنتُ أقصد التجوُّه به عند ابنِ الفُرات، فلا يتَّفِقُ إلا في اليسير من الأوقات. ولما مات جدُّه، اشتغل يسيراً، فأخذ الفرائضَ عَنِ الشَّيخ أبي(١) الجود المالكي، وحضر التَّقسيم عند العلاء القلقشندي، ويسيراً عندَ الجلال المحلّي، وكذا حضر عند الشَّيخ أحمد الأبدي(٢) في العروض ونحوه، وتردَّد لغيرهم، وعاونَه الشَّمسُ المحلّي الذي كان منتمِياً لصهره ابن البلقيني في نظم أشياء، وقرأ على الرَّشيدي جُملةً، وحصَّل. وصاهر أكبر القائمين في مقاهرة جدِّه، وهو ولي الدين ابن تقي الدين البلقيني، فتزوج أخته، واستولدها عدَّة أولاد، تأخّر منهم حينَ تبييضٍ هذا الكتاب عزيزُ الدِّين محمد، الملقَّب حجر، الذي توفي بعد ذلك في الطاعون في ليلة الأحد خامس رمضان سنة ثلاث(٣) وسبعين وثمان مائة عن دون ثمان سنين، ودُفِنَ بمدرسة خاله ولي الدين ابن تقي الدِّين البلقيني. وأنكر العقلاءُ عليه التَّزويج المذكور، وقاسى منها مشقَّةٍ، وآل الأمرُ إلى الفِراقَ، وهجوِها بقصيدةٍ بعد أن سافر إلى الشَّام وكيلاً عنها وعن أختها في ضبط تركة(٤) أخيهما المذكور، ممَّا كان الأوْلَى به خلافُه، ولم يحصُّل على طائلٍ. وفي هذه السَّفرة أخذ عن مَنْ أدركه هُناك مِنْ بقايا المسندين، ومدحَ صهرَه المذكور لمَّا ولي الشَّامَ بقوله، كما رأيته بخطه: (١) في (أ): ((أبو))، خطأ. : (٢) بضم الهمزة وتشديد الموحدة، نسبة إلى بلدة بالأندلس، وهو شهاب الدين أحمد بن محمد بن محمد بن عبدالرحمن، توفي سنة ستين وثمانمائة، مترجم في الضوء اللامع ١٨٠/٢ - ١٨١ .. (٣) في (ب، ط): ((اثنتين وسبعين). (٤) (تركة)) ساقطة من (أ). ١٢١٤ بَشِّرْ بِلادَ الشَّامِ مَحْ سُكّانها حَبْرٌ إمامٌ نَاسِكٌ مُتَعَفُفْ بولِيٌّ بِينٍ قَدْ وَلِيهَا حَاكِما بالعِزّ لم يَبْرَحْ مُهاباً راحما وبقوله أيضاً: ويَا عَالِماً حازَ الكَمَالَ بَأَسْرِهِ لِتَهْنَ بِكَ العَلْيَاءُ يَا شَيْخَ عَصْرِهِ فَدُمْ في أمَانٍ بالوَلاَءِ ونَصْرِهِ ويا مُفْرَداً في وَقْتِنا بولائه وهجا خاله بما سيأتي في ترجمته. وكان مِنْ مدَّة شرع في ترتيب ((طبقات الحفاظ)) [للذهبي على الحروف بإشارة جده، بعد أن أعطاه نصف ((ترتيبها)) له، فكمل عليه، ثم التمس من القاضي علم الدين التقريض](١) عليها فرآه نقل عن جدِّه أشياء فأفْحَشَ في إنكارها بهامش النُّسخة في غير ما موضع ممَّا لا أحبُّ ذكره، لكونه انتقصَ فيه شيخَنا، ثم استرضى حتَّى كتب. وكذا كتب له على الكتاب اسمه صاحبنا القطب الخيضري بعد أن وصف هو القطب في الخُطْبة بشيخه العلاَّمة حافظ الوقت، وكذا وصف تقيَّ الدين القلقشندي بشيخه، وما علمتُه قرأ على واحدٍ منهُما، ورأيتُ بخطُّه أنَّه مدح أولهما بقوله: ويا حافِظاً حازّ الفَخَارَ بِأسْرِهِ لتهنَ بِكَ العلياءُ يا قُطْبَ عَصْرِهِ قدُمْ في أمانٍ بالهَنَاءِ ونَصْرِهِ ويا مُفْرَداً في وَقْتِنَا بِذَكائِه واختصر ((قُضاة مصر)) لجدِّه، فأساء الصَّنيع، خصوصاً حيثُ وصف الأصل بقوله: وجدتُ فيه بعضَ إعوازٍ في مواضع، منها إسهابُه في بعض التراجم، وإجحافُه في بعضها، ومنها: إخلاله بتحرير مَنْ تكرَّرت ولايتُه، والاقتصار على ذكر بعضها، ومنها: إغفالُه ذكرَ مَنْ أُخذَ المترجم عنه، وبمِن صُرِفَ في الغالب، ومنها: إهمالُه بعضَ تراجم أسقطَها أصلاً ورأساً، ولعلَّها (١) ما بين حاصرتين ساقط من (أ). ١٢١٥ كانت في زجاجات(!) فلم يظفر بها المبيِّضُ. إلى أن قال: فأُناقِشُ المؤلِّفَ في مواضع قد قلّد فيها غيره، وهي منكرَةٌ، وقال في موضع آخر من الكتاب: وإذا تأمل المنصفُ يتحقق أنَّ الصواب ما حرَّرناه، وأنَّ شيخنا رحمه الله لم يحرِّر هذا الكتاب، فهذا الموضع مِنَ المواضع التي قلّد فيها بعض مَنْ صِنَّف في القُضاة، ولم يحرِّزها، وفوقَ كلِّ ذي علم عليم. انتهى. ولذلك كتب قاضي القُضاة المحبُّ الحنفي الذي تزوَّج السِّبْطُ ابنته بعدُ في سنة تسع وسبعين، إذ وقف على ذلك ما نصُّه: كأنَّه ينسُبُ جدَّه إلى القُصُور في البلاغة، وإلى قلَّة المعرفة بالأدب، وأنَّه أبصر منه بذلك، ثمَّ بَيَّن أنَّ الصَّواب جُزازات لا زجاجات. قلت: والإنكار عليه في ذلك أن لو فُرِضَ صحَّةُ قوله، فكيف وتلك كلمات رام أن يعلُوَ فيها فهبَط . ومن القبائح التي رأيتُها في لهذا المختصر: أنَّه عقد فصلاً في مَنْ حصلت له محنةٌ بعد دخوله في المنصب بضربٍ أو سجن أو إتلافٍ روح، وكأنّه جعل لمَنْ تأخَّر مستنداً، وكذا عقد لمن وَلِيَ القضاءَ مِنَ الموالي ترجمةً، وذكر لبعض أصحابه أنه قصد بذلك أن يكون له بهم أسوة إذا ولميَ. وبالله يا أخي، اعذُرني في ما أشرتُ إليه، فحقُّ شيخنا مقدَّم. وعمل ((جزءاً)) جرَّد فيه أسماء الشُّيوخ الذين أجازوا له ونحوهم في كراريس، لا تراجم فيها، وقع له فيه تحريفُ أسماء، لكون اعتماده فيها على النَّقْل مِنَ الاستدعاءات، ومواضع سقط عليه مِنَ الأنساب، فلزم تكريرُ الواحد في موضعينٍ فأكثر وهو لا يشعر، ورُبما يكون تكرارُها في موضعٍ واحدٍ وأماكن يضبطُها بالخروف أو بالقلم وهي خطأً، ومواضع لا يُحْسِنُ قراءتها، فيخليها مِنَ النَّقْطِ، فضلاً عَنِ الضَّبط، وأماكن يحذف ما يكونُ شُهرة الشّخص به، بحيث يمرُّ عليه مَنْ يعرفُه فيظنُّه آخر لعدم اشتهاره بذلك، بل ربما يكون في ذلك الوصفِ مع ذلك للمذكور تنقيصاً، إلى غير ذلك ممَّا الحامل على التَّعرُّض له ما سبق. ومن كان هذا شأنه في شيوخه، لا يليق به ما تقدم. ١٢١٦ ودَرَّس للمحدثين بالقُبَّة البَيبَرسية برغبةِ الشَّيخ قاسم الحنفي لهُ عنها، وعمل حينئذٍ إجلاساً بحضرة القاضي علم الدين البُلقيني وصهره ولي الدين وغيرهما، ولم أكن إذ ذاك بمصر، وشرع في شرح ((بلوغ المرام» وكأنّه اعتمد على القطعة التي عملها جدَّه من ((شرح المحرر)» لابن عبدالهادي، وكذا استنزل أولادَ الشَّيخ بدرالدين ابن الأمانة عَنْ تدريس الحديث بالقبَّة المنصورية بنحو ثلاثمائة دينار، وافتتح الدَّرس بالكلام على حديث قبض العلم، وذلك في سنة أربع وسبعينٍ، وعند انتهاء غالبٍ المعتبرين من شيوخ الرواية، قام فطلب ودار على المتأخّرين. وأكثرَ مِنْ كتابة الأجزاء وغيرها، وليس خطه في ذلك بالطائل، لا سنداً ولا متناً، وفارقتُه وهو يكتبُ في ((الخادم)» للزركشي، ثم بعد أن كتب منه نحوَ الرُّبع باعَهُ للشّيخ شمس الدين بن قاسم، واستنسخه(١) في باقيه. وحَّ في حياة جدَّيْهِ سنةً ثمان وأربعين وثمان مائة، وصُحبَتُه الطَّواشي سُنبل فتى جدَّتِه وغيره، وكتب معه جدَّه إلى القاضي أبي اليمن ما نصُّه: إنَّ مُحضرها الولد العزيز يوسف سبط العبد تهيَّأ لقضاء فريضة الحج، وما كان العبدُ يتمثَّى إلاَّ أن يكون صُحبتَه، ولكن الأمُورَ تجري بقدرٍ، وليس للعبد حيلَةٌ في دفع المقدور، ولا غِنَى له عن ملاحظتكم ومؤانستكم، فإنَّه صغيرُ السِّنِّ، وما سافر قطَّ ولا تغرَّب عَنْ أهله ليلةً واحدةً، ولكن أوقعَ الله تعالى في قلبه هُجران أرضه والميلَ الكلِّيَّ إلى قضاءِ فرضِهِ، فنسأل الله تعالى أنْ يبلغَه منيَتَه، ويعيدَه إلى وطنِه بعد قضاء وطره، إنَّه سميعٌ مجيب. ورجع فأخبر جده بإكرام المذكور له، فراسله صُحْبَةَ ناصرِ الدِّين ابن المهندس موقع الحكم في جمادى الآخرة سنة تسع وأربعين وثمان مائة، وصدرُ الرِّسالة: بوصف المكتوب إليه بالإمام الفاضل الكامل قاضي المسلمين، خطيب الخُطباء، أبي اليمن. إلى أن قال: وأن محضرها الولد ناصر الدين موقع الحكم العزيز، عزم على المجاورة بالحرم الشّريف، وتوجّه (١) في (أ): ((فاستحسنه))، تحريف. ١٢١٧ وصُحَبتَه أهلُه وعيالُه، ولا غنى به في مُدَّة إقامته عَنْ ملاحظتُكم ومساعدتكم، والمسؤول شمولُه بنظركم العزيز، وعنايتكم به، ولهذا بحسب الإِدلال، وقد وقف العبدُ على مطالعتكم إلى الجناب العالي الظهيري ابن الطَّرابلسي، وفيه السَّلام على العبد، فالله المسؤول أن يسلم عليكم ويسلمكم، والعبدُ يسلّمُ عليكم ثانياً، وعلى الولد العزيز نورُالدين. وقد وصل الولد يوسف والطّواشي سُنبل، وكلٌّ مِنهُما رطبُ اللِّسَّانِ بالدُّعاء والثَّناء والاغتباط بالوالد والولد، ولهذا هو المعهودُ، ووصل ما تفضَّل به الولدُ العزيز مِنَ الهدية الطَّيبة، فالله تعالى يُجازيكم خير الجزاء، ويعينكم على ما أنتم فيه مِنْ جميع الأشياء، ويُمدكم بمعونته، ويؤیدکم بعنايته، ويجمعُ الشَّمل بكم في الحرم الشّريف قريباً إن شاء الله تعالى. ثم حج في حياة جدَّته سنة إحدى وستين وثماني مائة. وكانت للمدرسة المنكوتمرية جهةٌ بالشَّام، فلم يزل به الجماليُّ ناظر الخاص بواسطة السُّوء عنده، حتَّى عوَّضَه عنها أقطاعاً كان باسمه اشتراه منه بثمن، ثم عمله رزقةً بدلاً عَنِ الجِهَة المذكورة، ولذلك تلاشى حالُ المدرسة، لا سيما وهو لِيِّنُ الجانب، ولا يستشير أحبابه، وثوقاً بنفسه. وكَثُرَ الخللُ في تصرُّفاته لذلك، حتى كان مِنْ جملة أفعاله استبدالُه سكنَ جدِّه، ثم اشتراه لنفسه وهدمه، وبالغ في أمور كان الوقت في غُنْيَة عنها، وتحمل لذلك دُيوناً كثيرةً، وباع نفائِس كُتُبِهِ، واستبدل غيره مِنَ الأماکن، ومع ذلك فلم یتھیًّا له إنهاء موضع صالح للسُكنى. وبالجملة، فهو إنسانٌ خيِّرٌ ساكنٌ، حَسَنُ الفَهْمِ، متعبِّدٌ بالصَّوم، منجمعِ عَنِ النَّاس، والله تعالى يُعينه ويسدِّدُه. [شُرِّيَّتُه خاص ترك]: إذا علم هذا فنقول: إنَّ صاحب الترجمة لمَّا رأى كثرةَ ما تَلِدُه أمُّ أولاده مِنَ الإناث، وأحبَّ أن يكون له ولدٌ ذكرٌ، ولم يمكنه التَّزويج مراعاةً لخاطرها، اختار التَّسَرِّي، وكانت لزوجته جاريةٌ جميلةٌ، يقال: إنَّها ططرية، اسمُها خاص ١٢١٨ تُرك، فوقع في خاطره الميلُ إليها، فاقتضى رأيُه الشّريفُ أن أظهر تغيُّظاً منها بسببٍ تقصيرها في بعض الخدمة، وحلف أنَّها لا تقيمُ بمنزله، فبادرت زوجتُه لبيعها بعد أن أمرها أن تأمرَ القاصد بعدم التوقّف في بيعها بأيِّ ثمنٍ كان. قال: وكلَّ ما رُمْتِيه مِنَ الزِّيادة على ذلك، أقومُّ لك به، ففعلَتْ. وأرسل هو الشيخَ شمس الدِّين ابن الضياء الحنبلي، فاشتراها له بطريقٍ الوكالة، وأقامت ببعضٍ الأماكن حتى استبرأها، ثم وطئها، فحملت بولده القاضي بدرالدين أبي المعالي محمد. وكان مولده في ثامن عشر صفر سنة خمس عشرة وثمانمائة، واستدعى صاحبُ التَّرجمة بالطَّلبة ونحوهِم يومَ السَّابع إلى منزلِ أمِّ أولاده، وعمل لهم شواءً، فكانت العقيقةُ عندها وهي لا تشعر. وأقام عند أمِّه وشيخُنا يتردّدُ إليهما حتَّى بلغ الخبرُ أَّ أولاده قبل انفصالِ الولد عَنِ الرَّضاع، فركبت هي أو أمها (١) مِنْ فورها إلى المكان الذي كانا به، وأحضرتهما معها إلى منزلها، فتركتهما ببعض المعازل إلى أن حضر شيخُنا مِنَ الركوب وليس عنده شعورٌ بما وقع، فاستخبرته عَنْ ذُلك، فما اعترف ولا أنكر، بل ورَّى بما يُفْهَمُ منه الإنكارُ، فقامت وأخرجتِ الولدَ وأمَّه، فسُقِطَ في يده، وبادر فاختطفَ الولدَ، وذهب به إلى بعضٍ مَنْ يثقُ به مِنَ النِّسْوَةِ بمصر، ثم توجهت إليه أمُّه بعد ذلك. ولم تزل به إلى أن زوَّجها بالزّين عبدالصمد ابن صاحبِهِ الشَّيخ شمس الدين الزركشي، أحد من سمعنا عليه الحديثَ، واستمرت معه حتى ماتت(٢). [ابنه محمد]: وأما الولد(٣)، فأشغله والدُه بحفظ القرآن، فختمه. (١) في (ب): ((هي وأمها)). (٢) في (ب): «حتی مات)). (٣) مترجم في الضوء اللامع ٢٠/٧. ١٢١٩ وصلى بالنَّاس على جاري العادة في رمضان سنة ست وعشرين وثماني مائة بالخانقاه الرُّكنيَّة البَيْبَرْية، وحضر الأعيان، وكتب قاضي القضاة العلاءُ ابن المغلي لصاحب التَّرجمة حينئذٍ ما سلفٍ في الباب الخامس في فصل المطارحات. وأسمعه الحديثَ على الواسطي والفخر الدَّنديلي وجماعة . وأجاز له باستدعاءٍ والده في سنة مولده فما بعدها خلقٌ مِنْ كِبار المسندين، ذكر الكثيرَ منهم والدُه في ((معجم شيوخه))، ومنهم عائشةُ ابنَة محمد بن عبدالهادي، وأبو بكر بن الحسين المراغي. وأثبت الحافظُ أبو النَّعيم اسمه قديماً فيمن يستجاز. وترجمه، فقال: سمع بقراءتي على عُثمان الدَّندِيلي ((جزء ابن حذلم))، وكتب عن والده باستملائي كثيراً، وأجاز له خلقٌ لا يُحْصَوْنَ، منهم عائشةُ ابنةُ ابن عبدالهادي. انتهى. وكنتُ أسمع أنَّ والده صنَّف ((بلوغ المرام)) لأجله، ولا أستبعد ذلك، فإنَّه كما تقدم - فرغ مِنْ تأليفه سنة ثمان وعشرين، لكنه ما تيسر له حفظه، بلى، حفظ يسيراً منه ومِنْ غيره، وكتب عَنْ والده كثيراً مِنْ مجالس الإملاء كما قرأت [ذلك بخط المستملي الذي أسلفت حكايته، ورأيت كثيراً منها](١) بخط البدر المذكور. ولازم مجلسَه، حتَّى سمع عليه شيئاً كثيراً مِنَ الكتب الكبار في رمضان وغيره. : واشتغل بالقيام بأمر القضاة والأوقاف ونحوها حتى فاق، وصارت له خبرةٌ تامَّة بالمباشرة والحساب، واشتدت محبَّة والده له، بحيث لا يصده عنه صادٌّ، ولا يردُّه عنه رادٌّ، ولله درُّ القائل ممَّن توفي له عدَّة أولاد، ثم وُلِدَ له بعدَ تعطّشٍ واشتياقٍ: أُحِبُّه حُبَّ الشَّحيح مالَه قد كان ذاقَ الفَقْرَ ثُمَّ نَالَه انتھی. (١) ما بين حاصرتين ساقط من (أ). ١٢٢٠