Indexed OCR Text

Pages 921-940

وأمَّا الحديث الذي فيه أنَّ النبي ◌َ ◌ّل# دخل مكة وعلى سيفه ذهب
وفضة، فأخرجه التّرمذي في الجهاد مِنْ طريق هُود بن عبد الله بن سعد،
عن جده مَزْيَدَة - بفتح الميم وسكون الزاي وفتح المثنَّة التحتانية - وهو جدّ
هودٍ لأمّهِ، باللفظ المذكور في السؤال، وبقية الحديث: وكان قبيعةُ السَّيف
فضَّة. وقال: غريب، وفي الباب عن أنس رضي الله عنه، ثم ساق حديث
أنس رضي الله عنه في قبيعة السّيف، ولم أرَ في النّسخة المعتمدة في ((جامع
الترمذي)) لفظة حسن، وكذا في الأصل الذي بخطّ الكروخي، قال: ((حديث
غريب)) فقط، ليس فيه ((حسن))، والله أعلم.
[حديث: مَنْ مَلَكَ ذا رحم محرم فهو حرّ]
ومنها: ما سأله شيخنا العلامة جلال الدين المحلّي، ونصه: المقرَّر
في مذهب الشَّافعي أنَّ مَنْ ملك غيرَ أصوله وفروعه مِنَ الحواشي لا يعتق
عليه، وحديث السُّنن الأربعة ((من ملك ذا رحم محرم، فهو حر)، وفي
رواية ((عتق عليه)) أجيبَ بضَعْفه من رواية ضمرة بن ربيعة عن سفيان
الثوري، قال النَّسائي: لا نعلمُ أحداً روى هذا الحديث(١) عن سفيان عن
ضَمرة، وهو حديثٌ منكر. وقال الترمذي: لا يُتابَعُ ضَمْرَةُ على هذا
الحديث، وهو خطأ عندَ أهلِ الحديث. لكن رواه الأربعة عَنِ الحسن، عن
سَمُرَة، وصحَّحه الحاكم، وقال التِّرمذي: العملُ عليه عندَ أهلِ العلم.
فيحتاج في مذهب الشافعي إلى بيان مخصِّص بالأصول والفروع، فما
الجواب عن ذلك؟
ثم قال: تنبيه: وقع لمحمد بن معن الدمشقي في كلامه على ((المهذب)) عزو هذا
=
الحديث عن عائشة إلى ((سنن أبي داود)) و((الترمذي))، وهو غلط قبيح.
انتهى كلام صاحب الترجمة في تخريج أحاديث الرافعي، وبه يحصل الجواب عمّا في
السؤال .
قلت: وهو في ((التلخيص الحبير) ٢٠/١ - ٢١.
(١) في (أ): ((الخبر)).
٩٢١

فأجاب بقوله، وسمعته عليه: نقل البيهقيُّ في ((معرفة السُّننَّ والآثار))
أن الشافعيَّ اعتمدَ في هذا الحكم على النَّظر، فقال: لا يثبُتُ للولدِ المِلْكُ
على شيءٍ خُلِقَ منه، كما لو ملك نفسه، وعلى أنَّ الفرع بَضْعَةٌ مِنَّ (١)
الأصل، فلو استقر ملكه عليه، لكان كمن ملك بعضه، واستأنسوا بالحديث
الصَّحيح المخرج في الصحيح من حديث المِسْوَرِ بنِ مَخْرَمَة، رفعه في
حديث طويل، وفيه: ((إنما فاطمة بَضْعة مني)) [وذكروا أن منع الأصل بطريق
الأولى، وأجابوا به عن الحديث الصحيح الذي أخرجه مسلم عن أبي
هريرة](٢) رفعهُ: ((لا يَجْزي ولدٌ عن والدِه إلا أن يجدّه مملوكاً فيشتريه
فیعتِقَّه)) .
فإن احتجّ به مَنْ لا يرى العِثْقَ أصلاً في الأقارب مِنَ الظَّاهريةِ، لكونه
أضافَ العِثْقَ إلى الولد، فكان باختياره.
وحاصلُ الجواب أنَّه لما تعلَّق بابتياعه إضافة إليه، لكونه مِنَ اكتسابِه.
وقال البيهقي: معناه: أن شراءه له يستلزِمُ عِثْقَه مِنْ غير إنشاء إعتاق.
وأما حديث سمرة رضي الله عنه، فهو عُمْدَةُ مَنْ قال بظاهر الخبر
المذكور، وهو ((من ملك ذا رحم محرم، فهو حرّ))، وروي بلفظ آخر كما
في السؤال وبتشديد («محرم» وتخفيفه. أخرجوه مِنْ رواية حمَّاد بن سلمة،
عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة رضي الله عنه، وأعلُّوه بعلل:
أحدها: الاختلاف في سماع الحسن من سَمُرَة، والجمهور أنه لم
يسمع منه إلا حديث العقيقة.
ثانيها: أنَّ قتادة مدلْسٌ، فتوقف التصحيح على سماعه له مِنَ الحسن.
ثالثها: أنَّه انفرد عنه بوصله حمّاد بنُ سلمَةَ، وكان مع ذلك يشكُ
فيه، حيث قال في رواية أبي داود: بالسَّند عَنِ الحسن، عن سَمُرَة فيما
یحسِبُ حماد.
(١) في (أ): ((عن)).
(٢) ما بين حاصرتين ساقط من (أ).
٩٢٢
۔۔

رابعها: أنه خالف حماداً في وصله مَنْ هو أحفظ منه عَنْ قتادة، وهو
سعيدُ بنُ أبي عَرُوبَةَ، فقال: عن قتادة، عن الحسن قولَه. وقال مرَّة أخرى:
عن قتادة، عن عمر رضي الله عنه قوله.
قال أبو داود: سعيدٌ أحفظُ مِنْ حمَّاد. ووافق سعيداً هشامٌ الدَّسْتُوائيُّ
عن قتادة، عن الحسن وجابر بن زيد، قالا: فذكره موقوفاً عليهما، وهشامٌ
مِنْ حُفَّاظ أصحاب قتادة.
خامسها: الاختلاف فيه على حمَّاد، فرواه كثيرون عنه كما تقدم عن
قتادة، عن الحسن، عن سَمُرة. وخالفهم عبدُ الرحمن بنُ مهدي، وهو مِنْ
أكابر الحُفَّاظ والنُّقَّاد، فقال: عن حماد، عن مَطَر الورَّاق، عَنِ الحكم بن
عُتَيْبة، عن إبراهيمَ النَّخعي، عن عُمر رضي الله عنه من قوله منقطعاً. وعن
إبراهيم، عن الأسود، عن عمر رضي الله عنه موصولاً موقوفاً عليه. وقال
عَقِبه: قال إبراهيم: لا يعتِقُ إلا الوالد والولد. أورده البيهقي مِنْ طريقه.
وهذا تخصيصٌ للعموم، لا يقولُه إبراهيم النَّخعي، وهو فقيهُ الكوفة في
زمانه، إلا عن أصل.
ومما يتمسك به للمذهب اتّفاقُ أئمَّة الاجتهاد - إلاَّ مَنْ شِذَّ مِنَ
الظَّاهرية - على عِثْقِ الأصل والفرع، واختلاف الأقل منهم فيه، والاختلافُ
الأكثرُ في الحواشي.
فعلى تقدير صحَّة الخبر، فقد عُمِلَ به، إلا أنَّ الجمهور لم يقولوا
بعمومه، والشَّافعي منهم، وهو مِنْ باب تخصيص الخبرِ بالقياس.
وقد أطبق علماءُ الحديث النُّقَّاد منهم على القدح في حديث سَمُرَة
رضي الله عنه من جهة تفرُّد حماد به، ومُخالفة مَنْ هو أحفظُ منه له في
وصله، فلا يُلتَفَتُ إلى تساهُلِ الحاكم في تصحيحه ولا إلى قول من مال(١)
إلى تصحيحه، أو جزم به كابنٍ حَزْمٍ وأبي الحسن بنِ القطان والضّياء
المقدسي والقرطبيِّ في ((المفهم)).
(١) في (أ): ((قول مالك))، خطأ.
٩٢٣

وأمَّا قول التِّرمذي: والعملُ عليه عندَ أهلِ العلم، فهو محمولٌ على
أنَّهم عمِلُوا به في الجملةِ، لكن منهم مَنْ قال بعمومه، ومنهم من خصَّصِهِ ..
وأما الحديث الذي تفرد به ضَمْرَةُ، فهو مِنْ مسند ابن عمر رضي الله
عنهما، أخرجه الترمذي وابن ماجه مِنْ طريق ضَمْرَةَ بنِ ربيعة، عن سفيانَ
الثّوري، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر رضي الله عنهما مرفوعاً.
قال النَّسائي: لا نعرِفُ أحداً روى هذا الحديث عن سفيان غير
ضَمْرَةً، وهو حديثٌ منكر. وقال الترمذي: هو خطأ عندَ أهلِ الحديث،
تفرد به ضَمْرَةُ. وقال البيهقي: لو كان هذا محفوظاً، لكن كالأخذ باليد، :
لكنهم أطبقُوا على أنَّ ضُمِرَةَ غلِطَ فيه، وتفرَّد به عن الثوري، وكأنه دخل له :
حديثٌ في حديث، فإنه جاء عنه: عن الثوري، عن ابن دينار، عن ابن عمر
رضي الله عنهما، قال: نهى النبيُّ ◌َ لتر عن بيع الولاء وعن هبته، [وقال:
(مَنْ ملك ذا رحم محرم، فهو حر)). وخالفه حفّاظُ أصحاب الثَّوري، فَرَوَوْه
عنه إلى قوله: ((وعِنْ هَبْته))](١)، ولم يذكروا ما بعده، فحكَمَ الحفّاظُ على
ضَمْرَةً بالوهم فيهِ.
وأمَّا مَنْ صحَّحه، فمشى على ظاهر السَّند، ولم يلتفت إلى علَّته، ولا
يقع في ذلك إلا مَنْ لم يتبخّر مِنَ اصطلاح أئمّة أهلِ الفنِّ، فقد تقرَّر أنهم
لقُوَّة ملكَتِهم فيه كالصَّيرفي في نقدِ الدِّرهم. وهذا إنَّما هو فيما لم يُبرِهِنُوا:
على سبب علَّته، وأمَّا ما برهَنُوا عليه، كهذا الحديث، فلا التفَاتَ لِمَنْ.
خالفهم. وما زالَ الشَّافعيُّ في تعليل الأحاديث يحيل بذلك على أهل العلم
بالحديث. حيث يقول: لا يُثبته أهلُ العلم بالحديث. والله الهادي
للصواب.
[قلت: وعندي من أسئلة المحلي أيضاً عدَّةٌ، أجابه عنها بما أفردته في
محلٌّ آخر](٢).
(١) ما بين حاصرتين ساقط من (ب).
(٢) ما بين حاصرتين لم يرد في (ب).
٩٢٤

[حديث فضل الصلاة في المسجد النبوي]
ومنها: أنه سئل عن الجمع بين قوله ميل ر: ((صلاة في مسجدي هذا
بألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام)»، وما بالمسجد النّبويِّ مِنَ الحُجَر
الذي جعل علامة لقدره على عهده وَّ*، وتخصيص النَّووي فيما نُقِلَ عنه
هذا الفضل بمن صلى داخل الحجر، وبين ما يُروى عنهِ وَلَهُ مِنْ قوله: ((لو
زيدَ فيه إلى صنعاء اليمن، فهو مسجدي)) بعد تبيين صحَّةٍ كلّ ذلك، وهل
تبقى الصَّلاةُ في بقية حرم المدينة مما زاده الخلفاء مضاعفةً أم لا؟
فأجاب: نعم، الحديث الأول مخرَّج في ((البخاري)) و((مسلم)) مِنْ
حديث أبي هريرة رضي الله عنه، والمنقولُ عَنِ الشّيخ محيي الدين النووي
رحمةُ الله تعالى عليه موجودٌ في ((شرح المهذب)) و((شرح صحيح مسلم»،
فإنَّه قال فيه بعد أن ذكرَ الحديثَ وما يتعلق به ما نصه: واعلم أنَّ هذه
الفضيلة - يعني المضاعفة - مختصَّةٌ بنفس مسجده الذي كان في زمانه دون
ما زيد فيه، فينبغي أن يحرِصَ المصلّي على ذلك، ويتفطّن لما ذكرناه.
وأما الحديث المتعلق بالزّيادة، فليس له أصل مِنْ كلام النَّبي ◌َّ،
وإنما نُقِلَ شيءٌ مِنْ ذلك عن عُمَرَ رضي الله عنه أنه قال حين زاد في
المسجد النبوي، وكذا نقله بلفظه ابنُ النَّجار في («أخبار المدينة)» مرفوعاً عن
أبي هريرة رضي الله عنه.
وقد خُولِف الشَّيخُ محيي الدِّينِ النَّوويُّ فيما ذكره مِنْ عدم المضاعفة
في زيادة المسجد، مع أنَّ لها حكمَ المسجد، وعُمْدَتُه ما وقع في الصحيح:
«في مسجدي هذا».
وأما قول السائل: في بقية حرم المدينة، فإن أراد به المسجد
المحوَّط(١) الآن، فالجواب ظاهر، لأنه - على ما ذكر الشيخ محيي الدين -
لا يتعدَّى الموضع الأول، وعلى رأي غيره يتعدَّى.
(١) في (ب) وجمان الدرر: ((المحفوظ)) وكذا هي في مختصر السفيري، وكتب في هامشه
(«المحوط ن)).
٩٢٥

وإن أراد ما يحرُمُ به صيدُه مِنَ المدينة على رأي مَنْ ذهب إلى ذلك،
فالمُضاعَفَةُ مختصَّةٌ بالمسجد النبوي، إما مع الزيادة أو مع الاختصاص. وأمَّا
ما عدا ذلك، فلا خلافَ في عدم مضاعفة الصَّلاة فيه، وهذا بخلاف مكّة،
فإنَّه وقع الاختلافُ: هل تختصُّ المضاعَفَةُ بالكعبة وما حولها، أو تزيدُ إلى
المطاف أو تزيدُ إلى جميع المسجدِ المُحَوَّطِ الآن، أو تزيد بدخول
الجدران(١)، أو تمتد إلى جميع مكة، أو إلى جميع الحرم. وفي تحرير
ذلك ونقله طُولٌ، وبقية السُّؤال يُعرَفُ جوابُه ممَّا تقدَّم. والله أعلم
بالصواب.
[ حكم لبس الأحمر]
ومنها أنه سئل عن لُيس الأحمر مِنَ الصُّوف والكثّان والجُوخِ: أحرامٌ
أم مكروة؟ وإذا كُرِهَ، فما السَّبب في كراهته، وهل يعزَّرُ مَنْ قال: إنَّه
حرامٌ؟
فأجاب: لا يحرُمُ لُبْسُ الأحمر، وإنَّما الخلاف في الكراهية بين
العلماء فيه مشهور، فلبسه خلاف الأولى عند من يعتقدُ أن لا كراهية فيه
للخروج مِنَ الخلاف.
والقائلُ بتحريمه ينظر فيه، فإن كان مِنْ أهل العلم، سُئِلَ عَنْ مستنده
فيه، وأُزيلتْ شبهتُه، وإن كان بخلاف ذلك فإنه يؤذَّبُ بما يليق به، لإقدامه
على القَوْلِ بما لا عِلْمَ له به والحالة هذه، والله سبحانه وتعالى أعلم.
[زنة خاتم النبي { [*]
ومنها أنه سئل عن زنَة خاتمه ◌َّ﴾. وإذا عُلِمَتْ، فهل تجوزُ الزِّيَادَةُ
عليها، وهل تحرم الزيادة على المثقال للحديث الوارد فيه؟
فأجاب: هذه المسألة لم أرَ مَنْ تعرَّض لها مِنَ الأئمة الشافعية إلا
(١) في (ب): ((الجدار))، وفي (ح): ((الجدُر».
٩٢٦

صاحب («القوت»، فإنه قال: لم يتعرَّضُوا لمقدار الخاتم المباح، ولعلهم
اكتفوا بالعرف، فما (١) خرج عنه كان إسرافاً كما قالوا في خلخال المرأة.
قال: ولكن الصواب الضبط بما نصَّ عليه الحديثُ، وهو ما أخرجه أبو
داود وصحَّحهُ ابنُ حِبَّان عن أبي هريرة رضي الله عنه، أنَّ النبيَّ قال للابس
خاتم الحديد: ((ما لي أرى عليك حِلْيَةَ أهل النَّار)»؟ فطرحه، وقال: يا .
رسول الله، مِنْ أيّ شيء أتخذُه؟ قال وَلَّمَ: ((اتَّخِذْهُ مِنْ ورِقٍ ولا تِتْمَّه
مثقالاً). انتهى.
ونسْبَةُ الحديثِ إلى أبي هريرة رضي الله عنه سهوّ، فهو في الكتابين
المذكورين من حديث بريدة بن الحصيب رضي الله عنه.
وأخرجه أيضاً النَّسائي والتّرمذي، وقال: غريب. وأخرجه أيضاً
أحمد بن حنبل وأبو يعلى في ((مسنديهما))، وأورده(٢) الحافظ الضياء
المقدسي في ((الأحاديث المختارة مما ليس في الصحيحين))، ورجاله رجال
الصَّحيح، إلا عبد الله بن مسلم، المعروف بأبي طيبة، فهو محدِّثْ
مشهور، وتصحيحُ ابن حبان لحديثه دالٌّ على قَبُوله. فأقلُّ أحواله أن يكونَ
مِنْ درجة الحسن.
وقوله: إنَّهم لم يتعرَّضُوا له إلا ما استنبطه مِنْ مسألة الخلخال، فيه
نظر، فإنَّه يُؤْخَذُ مِنْ كلام بعضهم اعتبارُه بما دلَّ عليه هذا الحديث، وذلك
أنَّ الفُوراني قال: يُكْرَهُ الخاتمُ مِنْ حديدِ أو شَبَهِ، لحديثٍ ورد فيه. انتهى.
والحديثُ المذكور هو المراد، فإنَّ فيه ذكر الحديد والشَّبَه. فإذا احتج
به لكراهة الحديد مِنْ جهة ما ذُكِرَ، لزمه الاحتجاجُ به لمنع أن يبلُغ به
مثقالاً لصريح النّهي فيه. وقد جزم بعضُ مَنْ أدركناه مِنَ الشّيوخ بأنَّ
الحديثَ المذكور إن ثبت، وجبَ الضَّبط به. وقد بيّنت أنه صالحٌ للحجة،
فليُضْبَط به، والله الهادي للصواب.
(١) في (ب): ((كما».
(٢) في (أ): ((ورواه).
٩٢٧

[حديث بريدة في خاتم الحديد]
وكُتِبَ إليه مرة أخرى وقد سُئِلَ عن الحديث المشار إليه: أهو صحيحٌ
أم حسنٌ أم غيرُ ذلك؟ وإذا كان صحيحاً، فهل هو محمولٌ على ظاهره أو
مؤوَّلٌ؟ وإذا كان على ظاهره، فهل هو المذهب أم لا؟
فأجاب بما نقلته مِنْ خطّه أيضاً: الحديثُ المذكور حَسَنٌ يُحتَجُ به،
وهو صحيحٌ على طريقة مَّنْ لا يفرِّقُ بين الصَّحيح والحسن، بل يُسمِّي الكَلِّ
صحيحاً، كأبي حاتم بن حبان.
وأمَّا الحكمُ الشّرعي، ففي ثلاثة مواضع:
أحدها: كراهةُ اتخاذ الخاتم من شبهٍ - وهو بفتح الشِّين المعجمة والباء
الموحّدة - صنف مِنَ النُّجاس يشبه لون بعض الذهب، ويشبهه أيضاً في أنه
: لا يتصدأ. وهذا لا أعرفُ التَّصريح بكراهته إلا في هذا الحديث، وليس في
سياقه ما يقتضي التحريم.
والحكمُ الثاني: في خاتم الحديد والقول فيه كالأول، ويزداد هذا أنَّه
ثبت في حديث المرأة التي عرضت نفسها ((التمِسْ ولو خاتماً مِن حديد))،
ففيه إشعارٌ بجواز اتّخاذ خَاتَم الحديد، مع أنه ليس فيه تصريحٌ بكراهته.
والحكم الثالث: اتخاذُ الخاتم مِنْ فضة بشرطه في الوزن المذكور،
وجواز خاتم الفضَّة للرجال لا نزاع فيه، وأمَّا شرط الوزن، فقال بمقتضاه
جماعةٌ مِنَ العلماء، ومن الشافعية أبو سعد المتولّي وغيرُه. والله أعلم.
[حديث الظالم عَدْلُ الله في الأرض]
ومنها أنه سئل عن قولهم: ((الظَّالم عدل الله في الأرض)): هل ورد،
وهل لفظه «عبد)» أو «عدل)»؟ وأن بعضهم أنكره بلفظ ((عدل»، واستشكل
الجَمْعُ بين الوصفين.
فقال: هذا الحديث لا أستحضره، ومعناه دائرٌ على الألسنة، وعلى
. ٩٢٨ .

تقدير وجوده، فلا إشكال فيه، بل الرّواية بلفظ ((عدل الله)) أظهرُ في المعنى
مِنَ الرُّواية بلفظ ((عبد الله)).
وأما قولُ القائل: كيف يجوزُ وصفُه بالظُلم، ويُنْسَبُ إلى أنه عَدْلٌ
مِنَ الله تعالى؟
فجوابه: أنَّ المراد بالعدل هنا ما يقابل الفَضْلَ، والعدلُ أن يعامَلَ كلُّ
أحدٍ بفعله إن خيراً فخير وإن شراً فشر، والفضل أن يعفُوَ مثلاً عَنِ المُسيء
وهذا على طريق أهل السُّنَّةِ، بخلاف المعتزلة، فإِنَّهم يُوجِبُون عُقوبة
المُسيء، ويدَّعُون أنَّ ذلك هو العدلُ، ومِنْ ثم سمَّوا أنفسهم أهل العدل
والعدلية .
وإلى ما صار إليه أهلُ السُّنَّةِ يشير قوله تعالى: ﴿قَلَ رَبِّ أَحْكُ بِآلْمِّ
[الأنبياء: ١١٢] أي: لا تُمهِلِ الظّالم ولا تتجاوز عنه، بل عجِّل عقوبته،
لكن الله يُمهل مَنْ يشاءُ ويتجاوز عمَّن يشاء، ويعطي من يشاء، لا يُسأل
عما يفعل.
وهذا الذي فتح الله به من الجواب عن هذا الإشكال، وربنا الرحمن،
وهو المستعان (١).
[قلت: ويقرُب مِنْ هذا معنى السُّؤال حديث ((إنَّ الله يؤيِّدُ هذا الدِّين
بالرّجل الفاجر)).
وفي ترجمة مالك بن دينار من ((الحلية)) أنَّه قال: قرأتُ في ((الزَّبور)):
إنّي لأنتقم مِنَ المُنافق بالمنافق، ثم أنتقمُ مِنَ المنافقين جميعاً. ونظيرُ ذلك
في كتاب الله عز وجل ﴿وَكَذَلِكَ نُوَلِ بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾
[الأنعام: ١٢٩].
وأخرج الطَّبراني في ((الأوسط)) في [ترجمة] (٢) جعفر بن محمد بن
(١) أورد المصنف جواب صاحب الترجمة عن هذا الحديث في ((المقاصد الحسنة))
ص ٤٤٨.
(٢) من ((المقاصد الحسنة)).
٩٢٩

ماجد مِنْ طريق الحجّاج بن أرطاة، عن محمد بن المُنكَدِر، عن جابر،
قال: قال رسول الله وَله: ((إنَّ الله يقولُ: أنتَقِمُ ممن أَبغض بمَن أبغض، ثمَّ
أُصَيِّرُ كلاَّ إلى النار)).
وهو في الجزء الرابع عشر مِنَ ((المجالسة)» للدِّينوري مِنْ طريق:
الحجاج بن أرطاة عن محمد بن المنكدر، قال: يقول الله عز وجل: أنتصر:
لِمَنْ(١) أبغض ممن أبغض، ثمَّ أَصَيِّر كلاًّ إلى النار)] (٢)
[حديث لا يدخل الجنة ولد زنا]
ومنها: أنه سُئِلَ عن حديث ((لا يدخُلُ الجنَّةَ ولدُ زِنا ولا ولدُه ولا
ولدُ ولدِه)). هل هو صحيحٌ؟ وما معناه؟.
فأجاب: ليس هذا الحديث بهذا اللَّفظ صحيحاً، وورد في حديث
: ((لا يدخل ولدُ زنا الجنَّةِ)). فسره العلماء - على تقدير صحته - بأنَّ معناه
إذا عمل بمثل عمل أبويه، واتفقوا أنه لا يُحْمَلُ على ظاهره، والله أعلم.
[حديث من كان ذا مال ولم يحج]
ومنها: أنه سئل عن حديث ((من كان ذا مال، ولم يحُجَّ هذا البيت،
إن شاء يموتُ يهودياً أو إن شاء يموتُ نصرانياً)) لقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَ
النَّاسِ حِبُّ الْبَيْتِ مَنِ أَسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً ﴾ [آل عمران: ٩٧].
فأجاب: نعم، هذا الحديث ورد عن النَّبي ◌َّ* وسندهُ ضعيفٌ،
أخرجه الترمذي في «جامعه» والبيهقي في ((سننه)) وله طرق.
وحمله أهلُ العلم - على تقدير ثُبوته - علی مَنْ لم یعتقد وجوبه. وعن
(١) في (أ): ((بمن)).
(٢) ما بين حاصرتين لم يرد في (ب)، وزاده المصنف في هامش (ح).
٩٣٠

بعضهم أنه ورد على سبيل التَّغليظ والتَّفير والتَّحريض على المُبادرة إلى قضاء
الفرض، ولا يُرادُ به أنَّ الذي يؤخّرُ الفرضَ(١) يموتُ يهودياً أو نصرانياً.
وعن بعضهم أنه على سبيل التَّمثيل، لأنَّ اليهودي والنَّصراني لا
يحجّ، فمن مات ولم يحج، كان كاليهوديّ والنصرانيِّ.
[المفاضلة بين عائشة وفاطمة رضي الله عنهما]
ومنها: ما قرأته بخطه بعد أن قرىء عليه وأنا أسمع ما نصه: سألتم -
أعزكم الله تعالى بعزّه - عَنِ السُّؤال المشهور في التفضيل بين أَمَّي المؤمنين
خديجة وعائشة رضي الله عنهما، وعن السؤال الثاني في التّفضيل بين عائشة
وفاطمة الزهراء ابنة النبي ◌َّر ورضي عنهما.
والجواب على سبيل الاختصار عن الأول بعد تقديم أنَّ للعلماء في
ذلك أقوالاً ثالثها الوقف عَنِ الجواب في السؤالين، وهو أسلم.
وقد احتجَّ كلٌّ مِنَ الفريقين لقوله بأدلَّةٍ نقليَّةٍ ونظريَّةٍ، فرأيتُ الاقتصارَ
على طرفٍ كافٍ مِنْ أدلّة أهلِ السُّؤال الثاني، فأقول:
حاصلُ ما استدل به مَنْ فضَّل الزهراء رضي الله عنها نقليٍّ ونظري،
فمن النقلي ما أخرجه أحمد وغيره وصحَّحه ابن حبان وغيرُه مِنْ حديث ابن
عباس رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله وَه: «أفضلُ نساءِ أهلِ الجنَّة
خديجةُ بنتُ خويلد وفاطمة بنتُ محمد ومريم بنت عمران وآسية بنت
(٢)
مزاحم)). وهذا صريح في الأفضلية وفي ..
ومنَّ النظري: أنها بَضْعَةٌ لرسول الله وَلـ
ومِنَ النَّقلي لمَنِ استدلَّ بتفضيل أمِّ المؤمنين حديث ((فضلُ عائشة على
النّساءِ كفضلِ الثَّريد على غيره مِنَ الطعام)). وهو في الصحيح.
(١) في (ح): ((الحج)).
(٢) بياض في الأصول. وفي هامش مختصر السفيري ما نصه: هكذا رأيت هذا البياض
في المنقول منها، وكأنه: في تفضيل خديجة على عائشة.
٩٣١

لكن يطرُقه احتمالُ الجمع بأن يكون ذلك بالنسبة لمن لم يصرّح
بأفضليتها منهن، فيكون المراد بقوله: ((على النِّساء))، أي مِنْ عدا الأربعة،
وذلك جائزٌ في طريق الجمع.
ومن النظري، كثرةُ ما نُقل عنها مِنّ الحديث، فحصل الانتفاعُ به في
الأحكام الشّرعيَّة، وتلقَّوه بالقبُول، واحتجُوا به، ووافقها على كثير منه كثيرٌ
مِنَ الصَّحابة رضي الله عنهم، وانفردت منه بأشياء كثيرةٍ يلزَمُ منه تكِثِيرُ
أجرها، لأنَّ مَنْ علم علماً فله أجرُهُ وأجرُ مَنْ عمل به إلى يوم القيامة. ولا
يخفى أنَّ كثرة الأجر يُوجَبُ التفضيل.
واعترض على ما استدلَّ به للزهراء رضي الله عنها أنَّ أخواتها زينبَ
ورقيَّة وأمَّ كلثوم رضي الله عنهن يشاركنها في الصُّفة المذكورة، لأن كلاً
منهن بَضْعَةٌ مِنْهِ وََّ، وإِنَّمَا يفيد التّفضيلَ بأمرٍ يختصُّ به المفضَّلُ على غيره.
وأجاب مَنْ فضَّلَ الزَّهراء رضي الله عنها بأنها امتازت عن أخواتها
بأنهنَّ مِتْنَ في حياتِهِ وَّ، فكنَّ في صحيفته، ومات النبي ◌َّ في حياة
الزَّهراء، فكان في صحيفتها، ولا يُقدَّرُ قدرُ ذلك، فقد جاء عنه ◌َِّ أنَّ.
: المسلمين لم يصابوا مثل مصابهم، فمن وقع له ذلك وصبر واحتسب،
حصل له مِنَ الأجرِ بقدر مُصابه، والمصابُ به لا يُقَدَّرُ قدرُه، فانفردت
الزَّهراءُ رضي الله عنها دُون سائر بناته، فامتازت بذلك بأن بشِّرها في مرض
موته بأنّها سيِّدةُ نساءِ أهلِ الجنَّة، أي: مِنْ أهلِ هذه الأمَّة المحمدية، وبأنها
أولُ أهلِهِ لُحوقاً به.
وقدِ انضافَ إلى فاطمةَ رضي الله عنها مِنْ هذا الجنس ما امتازت به .
على أمهات المؤمنين اللاتي مات النبيُّ ◌َ﴿ وهنَّ موجودات، لأن مصيبتهن
به في صحائفهنَّ، وذلك أنَّها أُصيبت أولاً بأمّها خديجة رضي الله عنها،
والمصابُ بها عظيمٌ جداً، لأنَّها أفضلُ أمَّهات المؤمنين، لأنها أولُ مَنْ أسلمَ
مطلقاً وأوَّلُ مَنْ نصرَ دينَ الإسلامِ مِنَ النِّساء، فلها مِنْ كلُ مَنْ شاركها في
شيءٍ مِنْ ذلك بعد ذلك مِنَ الأجر مثلُ ما لهُ. ويُعْرَفُ بذلك أنَّ الذي
يتحصَّلُ لها مِنَ الأجور لا يعرف، ويدخُلُ في عموم مَنْ جاء بعدها عائشة
٩٣٢

وغيرُها مِنْ أُمَّهات المؤمنين، فمهما فُرِضَ لعائشة رضي الله عنها مِنَ الأجر
يكونُ لخديجة رضي الله عنها نظيرُه، فلا يحصُلُ لامرأةٍ مِن هذه الأمة
كفضل خديجة رضي الله عنها.
وقد أصيبت فاطمةُ رضي الله عنها بها، لكنَّه شاركها في ذلك
أخواتها، ثم سكنت فاطمةُ إلى أخواتها رضي الله عنهن وأكبرهن زينب،
فماتت فئكلّتها فاطمةُ، وكذا ماتت رقيّةُ وأمّ كلثوم رضي الله عنهما، فكُنَّ
جميعاً في صحيفةِ فاطمةَ رضي الله عنها.
ثم مع فقدها مَنْ كانت تُسَرُّ به مِنْ أمّها وأخواتها، ثكلّت والدها عليه
الصلاة والسلام، فلم يبق بعده مِنْ ذلك النوع ما تُسَرُّ به، فلذلك كمِدَتْ
ولم تَعِشْ بعده وََّ إلا سنَّةَ أشهرٍ على الصَّحيح.
فإذا عُرِفَ قدرُ ما حصل لها مِنْ ذلك، عُرِفَ أنَّه لا يقدر قدره، فما
يشاركها غيرُها فيما حصل لها مِنَ الأجُور عن ذلك. فلذلك اختصت بما
اختصت به.
ثمّ إنَّ ما لم يحصل بها مِنَ الانتفاع بالعلم لم يكن مِنْ تقصيرها، بل
لسُرعة انتقالها بعده وَّ، وجاز أنَّها لو عاشت مثلاً، لانتشر عنها مِنْ ذلك
قدر ما انتشر عَنْ غيرها، والله أعلم.
[هل أذَّن الرسول {َ]
ومنها أنه سئل: هل صحَّ أنه نَّ أَذَّن في بعض أسفاره؟
فأجاب: وقع في ((التّرمذي)» ذلك، لكن أخرجه أحمدُ في ((المسند))
مِنَ الطَّريق الذي أخرجه الترمذي، فقال فيه: فأمرَ بلالاً رضي الله عنه فأذَّنَ،
فظهر بذلك أنَّ مَنْ أطلقَ أَنَّه أذَّنَ تجوَّزَ في ذلك، كما يقال: أعطى الخليفةُ
فلاناً كذا وكذا، والذي يباشر العطيَّة هو الخازن مثلاً، فيكون معنى ((أذن)):
أمر بالأذان(١).
(١) قال السفيري في مختصره: قلت: قال شيخُنا الجلال السيوطي في ((شرحه)) على =
٩٣٣

[المراد بالأحرف السبعة]
ومنها: ما المراد بالأحرف السبعة في قوله {َّ: ((إنَّ هذا القرآن أُنزِلَ
على سبعة أحرف» هل هي القراءات السَّبعُ المشهورة أو غيرها؟
وما المراد بالقراءة الشَّاذَّة إذا أطلقت: هل هو ما وراء العشرة
والسبعة. وإذا ثبت ذلك، فما حكم من قرأ بها في الصلاة أو خارجها.
وهل يحرم إقراؤُها ويسُوغُ لوليّ الأمرِ المنعُ مِنْ قراءتها والإقراء بها؟ وهل
إذا وردت روايةٌ عَنْ شيخ مِنَ المشايخِ السَّبعة مِنْ غير طريق ((الشاطبية))
و((التيسير)) و(العنوان)) يجوزُ القراءة به. وما يجبُ على الطّاعن في شيءٍ مِنّ
القراءات السَّبع كالإمالة ونحوها؟
أجاب: قد صنّف العلاَّمة شيخُ الفُقهاء والقرَّاء أبو شامة الدِّمشقي في
هذه المسألة تصنيفاً بليغاً سماه ((الوجيز في علوم تتعلق بالكتاب العزيز))،
أتقن الكلام على هذه المسألة، وأظهر جهلَ مَنْ يظُنُّ أنَّ المراد بالأحرف
السَّبعة في الحديث القراءات السبعة التي إذا أطلقت في هذه الأعصار، كان
المرادُ بها قراءة ابنِ كثيرٍ ونافعٍ وابنِ عامرٍ وعاصم وأبي عمروٍ وحمزة :
والكِسَائيِّ، وهي التي دونها أبو بكر بن مُجاهد على رأس الثلاثمائة، وتبِعَه
الدَّانِيُّ في ((التيسير))، ونظمها الشّاطبي في قصيدته المشهورة.
وحاصل ما حرَّره: أنَّ هذه القراءات المنسوبة إلى هؤلاء الأئمّةِ السَّبعة
لا تخرُج عن المصحف العثماني الذي استقرَّت عليه آراءُ الصَّحابة في زمن
((البخاري))، بعد أن قال: كثر السؤال: هل باشر النبي ◌َّ الأذان بنفسه؟ وقد أجاب
السهيلي والنووي بأنه أذن مرَّة في سفرة، أخرجه الترمذي.
وبعد أن نقل كلام صاحب الترجمة المذكور هنا، وأنه أوَّلَ ((أذَّن)) بأمره بالأذان ما
نصه : :
قلت: قد ظفرت بحديث مرسل أخرجه سعيد بن منصور في ((سننه): حدثنا أبو
معاوية، حدثنا عبد الرحمن بن أبي بكر القرشي، عن ابن أبي مليكة، قال: أَذِّن
رسول الله 9 مرَّة، فقال: حي على الفلاح. وهذه رواية لا تقبل التأويل. انتهى.
وفي هذا ترجيح لما قاله السهيليَّ والنووي من أنه باشر الأذان مرَّة بنفسه.
٩٣٤

عثمانَ رضي الله عنه، فأرسل إلى كلِّ أُفق بمصحف، وأمرهم بالاقتصار مِنَ
القراءات التي كانوا تلقَّوْها عَنِ النبي وَل﴿ وعن أصحابه على ما تضمَّنه
المصحف المذكور.
ووقع في بعض المصاحف المذكورة اختلافٌ كثير بالزّيادة الخفيفة
والنّقص اليسير مثل ((من)) في قوله تعالى: ﴿تَجْرِى تَحْتَهَا الْأَنْهَرُ ﴾ في
أواخر سورة براءة (١)، فإنها في المصحف المكي ثابتةٌ، وليست ثابتةً في
المدني ولا الشَّامي ولا غيرهما، ولم يكن في المصاحف المذكورة نقط،
ولا شكل، فقرأ أهل كل مصر بما وافق مصحفهم واقتصروا عليه، وهو في
الأصل حرف واحدٌ مِنَ الأحرف السَّبعة التي جرى ذكرُها في الحديث
الصَّحيح. وأمَّا السُّتَّة الأخرى فمهما وافق الحرفَ المذكورَ منها فهي منه،
ومهما خالفه بتغيير النَّقط أو الشّكل أو الزيادة أو النّقص، فهو الشَّاذُّ
اصطلاحاً، وقد يقع فيه ما هُو في نفس الأمر غيرُ شاذٌ، لكنه من جهة
الاقتصار على المصحف العثماني خفيَ أمرُه، فسُمِّيَ شاذّاً، مع أنَّ كثيراً مِنَ
القراءات التي لا تُنْسَبُ للأئمَّةِ السَّبعة المتقدِّم ذكرُهم غيرُ شاذٌ، لأنَّ الذي
استقرَّ عليه الأمرُ أن ضابطَ المشهور ما وافق رسمَ المصحف العثماني،
وصحَّ سندُه إلى إمام مشهور مِنْ أئمّة القراءة، ووافق اللسانَ العربيَّ لُغة
وإعراباً. ولا يشترط كونُه أفصحَ، بل يكفي كونُه فصيحاً.
ولا يرتابُ العارف بالقراءات في قراءة أبي جعفر بن القعقاع ويعقوب
وغيرهما مِنْ هذا الجنس الشيء الكثير، فهذا تحقيق الأمر في ذلك.
ومهما خالفَ الضَّابط المذكور، فهو مِنَ الشّاذُ، سواءٌ نُسِبَ إِلى إمام
منَ الأئمة السَّبعة المذكورين أم إلى غيرهم. وأمَّا القراءة بالشَّاذُ، فلها
حالان :
الأولى: في الصلاة، ولها حالان:
أحدهما: تحريمُ القراءة بها، والثاني: صحة الصلاة.
(١) الآية رقم ١٠٠.
٩٣٥

فأمَّا التحريمُ، فيأتي بيانُه في خارج الصَّلاة.
وأمَّا الصِّحَّة، فضابطُها أن لا يختلِّ المعنى ولا يتغيّرَ رسمُ المصحف
بالزيادة والنقص.
والشرط الثاني: يختصُّ بالفاتحة عند مَنْ يشترط قراءتها في القيام،
سواءٌ كان في كلُ الصَّلاةِ أم في بعضها.
الثاني: خارج الصلاة، ولها حالان:
:الأول: أن يكونَ في مقام التّعليم، لقصد ضَبْطِ ذلك وتحمُّلِه عن
الأشياخ، لِمَا في ذلك مِنَ الإعانة على معرفة إعرابه، فيجوز. وعلى هذا
يُخْمَلُ عَمَلُ الأئمةِ شرقاً وغرباً في تصانيفهم في التَّفسير وغيره، وفي
الاحتجاج بذلك في الأحكام الشرعية عند مَنْ يقولُ به.
والثاني: القراءة بها على أنها قرآن، فهذا لا يجوزُ، وعليه ينزِلُ كَلامُ
الأئمة في منعه مِنَ الفقهاء والأصوليين.
وأمَّا مَنْعُ وليّ الأمر مِنْ ذلك، فعلى التَّفصيل المذكور بأن يُقالَ مثلاً:
يجوز بشرط كذا، ولا يجوز إلا بشرط كذا كما قدَّمتُه.
وإذا وردت روايةٌ عَنْ إمامٍ مِنَ الأئمّة اتَّصلت القراءةُ بها، ودُوَّنت في:
كتب بعض الأئمة الذين: دوَّنوا القراءاتِ المشهورة غير الكتب الثلاثة، ككتاب
ابن مُجاهد الذي هو أصل ((التيسير))، و((الإقناع)) لأبي جعفر بن الباذِشِ،
وقد وصفه أبو حيان في مقدمة ((تفسيره)) بأنه أحسنُ المجموعات في
القراءات السبع، و((المصباح)) لأبي الكرم، وهو في القراءات العشر، وغيرها.
مِنَ التَّصانيف، وهي كثيرةٌ ومعروفةٌ عند أهل هذا الفن.
وأمّا مَنْ طعن في الإمالة ونحوها، فإنَّها مسألةُ خلافٍ مشهور. ومِمَّن:
جزم بمنع الثَّواتر فيها: إمامُ العربية والقراءات أبو عمرو بن الحاجب، كما
صرَّح به في ((المختصر الأصلي))، ولكن [الأكثر على خلاف ذلك، ولم
يطعن أحدٌ في أصل الإمالة ولا الهمز ولا غيرهما، وإنما طعنوا في](١)
(١) ما بين حاصرتين ساقط من (أ).
٩٣٦

الإفراط في كلٌّ من ذلك، والذي ينكر ذلك مِنْ غيرٍ أهل العلم بالعربية
والقراءة يُمْنَعُ ويُردَعُ، فطريقُ مثله أن يوافِقَ الجمهور ولا يخالِفَهم، ولا يتابِعُ
مَنْ شذّ منهم عن جماعتهم(١).
وأمَّا مَنْ كان مِنْ أهل العلم بذلك، ووضح له دليلُ المسألة، ورجح
عنده مُسْتَتَدُها، فلا يتوجه عليه شيءٌ مِنْ ذلك، لكن إن انتصبَ لترجيح
ذلك، وحمل النَّاس عليه، فإنَّه يُمْنَعُ، لأنَّ متابعة السَّوادِ الأعظم أولى مِنْ
متابعة مَنِ انفرد، والله أعلم.
وسئل أيضاً في القراءة بالشاذِّ: هل تحرُم، كما جزم به النوويُّ في
كتبه والسبكيُّ في صفة الصلاة من ((شرح المنهاج)) وابن الصلاح في
(«فتاويه)»، وكما نقل ابنُ عبد البرِّ الإجماع عليه، ونقل تحريم الصَّلاة خلف
مَنْ يصلّي بها، كما نقل ابنُ عبد البر الإجماع عليه، وهل يُعزَّرُ فاعِلُ ذلك،
ويجب على الحاكم منعه أم لا، وهل الشَّاذُّ ما زاد على السبع كما جزم به
النَّووي في ((التبيان))، وهو ظاهر كلام ابن عطية في «تفسيره)»، أو ما زاد
على العشر كما صحَّحه التاجُ السُّبكي في ((جمع الجوامع))، وجزم به ابن
الجزري في ((منجده»؟
فقال: نعم، تحرُم القراءة بالشّواذُ، وفي الصَّلاة أشدُّ، ولا نعرف
خلافاً عن أئمة الشَّافعية في تفسير الشّاذُ أنَّه ما زاد على العشر، بل منهم مَنْ
ضَيَّق، فقال: ما زاد على السَّبع، وهو إطلاقُ الأكثر منهم، ولا ينبغي
للحاكم، خصوصاً إذا كان قاضي الشّرع، أن يترُكَ مَنْ يجعل ذلك ديدنه،
بل يمنعُه بما يليقُ به، فإن أصرَّ فيما هو أشدُ مِنْ ذلك، كما فعل السّلفُ
بالإمام أبي بكر بن شنبوذ، مع جلالته، فإنَّ الاسترسال في ذلك غيرُ
مرضيٍّ، ويُثابُ أولياء الأمور - أيدهم الله - على ذلك صيانةً لكتابِ الله عز
وجل، والله أعلم.
وكذا كتب مِنَ الشافعية البدر بن الأمانة والونائي والقاياتي والبلقيني،
(١) في (أ): ((عن جماعته)).
٩٣٧

ومن الحنفية العيني وابن الديري، ومِنَ المالكية الشهابُ بنُ تقي، حسبما نبَّه
عليه الشيخُ أبو القاسمِ النُّويري في «القول الجاذ لِمَنْ قرأ بالشَّاذُ)) مِنْ
تصانيفه، رحمة الله عليهم أجمعين.
[رواية الحسن البصري عن علي]
ومنها: أنه سئل عن قول الحافظ تقي الدين محمد بن الحسن اللخمي
ابن الصيرفي: مَنْ قال من الأئمة: إن الحسن لم يَلْقَ علياً، أو لم يثبت له
سماع منه، فهو مشكل، ولم يَقُمْ عليه دليلٌ ظاهرٌ، وهو معارَضٌ بما رواه
الحافظُ أبو يعلى، قال: حدَّثنا أبو عامر حَوْثَرَةُ بن أشرس العدوي، أخبرني
عُقبةُ بن أبي الصَّهباء الباهلي، سمعتُ الحسنَ يقول: سمعتُ عليّاً رضي الله
عنه يقول: قال رسول الله وَله: «مَثَلُ أُمَّتي مَثَلُ المطر، لا يُدرَى أوله خيرٌ
أو آخره. إن الإسلام بدأ غريباً وسيعود غريباً كما بدأ، طوبى للغرباء))، فهو
نصُّ صريحٌ في سماعه منه، ورواتُه ثقاةٌ، مثَّصِلٌ بالإخبار والتحديث
والسماع. حوثرةُ وثَّقه أحمد، وهو معروف بالرواية عَنْ عُقبةَ، وعُقبةُ وثَّقه
أحمد وابن حبان وابنُ معين، انتهى. هل هو صحيح أم لا؟
فأجاب بما نقلتُه مِنْ خطه: هذا البحث الذي أبداه الصَّيرفيُّ لا يستقيم
على قواعِدِ أثمَّةِ الحديث، وإنما يستقيم على قواعد بعضٍ أهل الأصول
والفقه، لأنَّ مِنْ قاعدة أئمة الحديث عندَ اختلافِ الرُّواة في التَّنافي، تقديمَ
قولٍ الأكثر والأحفظ والأعرف بالشّيخ الذي وقع الاختلافُ علیه، بأن یکون
طويلَ المُلازمة له، إمَّا لقرابته منه، لكونه ولدَه أو أخاه أو مِنْ عصابته أو
ذوي رحمه، أو لكونه مِنْ جيرانه، إلى غير ذلك. ونشأ لهم ذلك من
اشتراطهم في الصّحيح وفي الحسن أن لا يكون شاذّاً بعد أن يعرِقُوا الشُّذوذَ
: الذي يشترط نفيه هنا أن يخالف الراوي في روايته مَنْ هو أرجحُ عندَ مَنْ
يَعتبِرُ الجمع بين الروايتين، بخلافِ الفقيه والأصولي الذي أشرت إليه، فإنَّ ..
مِنْ قاعدته تقديمَ مَنْ معه زيادة، فإذا أثبت الراوي عن شيخه شيئاً، فنفاه مَنْ.
هو أحفظُ منه أو أكثرُ عدداً أو أكثرُ ملازمةٌ، قالوا: المثبِتُ مُقدّم على
النافي، فقيل: ومِنْ ثمّ قال ابن دقيق العيد: إن كثيراً مِنَ العلل التي يرُدُّ بها
٩٣٨

أهلُ الحديث لا يردُ بها الفقيهُ والأصوليُّ الحديث. واحترز بقوله ((كثيراً» عن
مَنْ وافقَ المحدث في بعض ذلك. وقد نصَّ الشافعي على موافقة أهلِ
· الحديث في تفسير الشَّاذُ وفي تقديم الأحفظِ، فقال: ليس الشَّاذُّ أن يرويّ
الثقةُ شيئاً، فينفرد به. الشاذُّ أن يروي شيئاً فيخالِفَ فيه مَنْ هو أرجحُ منه.
هذا معنى كلامه.
وقال في خبرٍ احتجَّ به عليه بعضُ أصحاب مالك، لأنَّ مالكاً رواه
على وفقِ ما ذهبوا إليه، فقال له الشافعي: خالفه ستةٌ أو سبعةٌ لقيتُهم
متَّفقين على خلافٍ ما روى مالك، والعدد الكثير أولى بالحفظ مِنَ الواحد،
وقرَّره بعضُ أصحابه بأنَّ ردَّ قولِ الجماعة بقولِ الواحد بعيدٌ، مع أن تطرُّقَ
السَّهو إلى الواحد أقربُ مِنْ تطرُّقِه إلى العدد الكثير، ومِنْ ثمَّ اشترط في
قبول شهادة المرأة أن يُضم إليها أخرى ليتعاونا على ضبط ما يشهدان به،
لأنَّ تطرُّقَ السَّهو إلى المرأة أكثرُ مِنْ تطرُّقه إلى الرجل لنقصها.
وقد وافق بعضُ أهلِ الأصول والفقه هذه القاعدة في بعض الصُّوَرِ،
وهي ما إذا اتحد مجلس التحديث، كما لو سمع جماعةٌ مِنْ شيخٍ في
مجلسٍ واحدٍ حديثاً، ثم خرجوا مِنْ عنده، فحدثوا بما سمعوه منه،
فخالفهم واحدٌ منهم، فأتى بزيادةٍ تُنافي ما اتّفق عليه الجماعةُ، فإنَّ روايتهم
تقدَّمُ على روايته للعلّة التي تقدَّمت.
فإذا تقرّرَ(١) هذا، فالذين جزموا بأنَّ الحسنَ البصريَّ لم يسمع مِنْ عليٍّ
لما ثبت عندهم مِنْ أنَّ الحَسَنَ لمَّا كان منشؤُه بالمدينة النبوية حتى قُتِلَ عثمانُ
رضي الله عنه، وله يومئذٍ أربعة عشر عاماً، لم ينقل عنه أنّه طلب العلم، ولا
تشاغل بسماع الحديث، فلما استخلف عليٍّ رضي الله عنه، وخرج مِنَ المدينة
إلى العراق بعد ثلاثة أشهر أو نحوها، استمرَّ الحسنُ بالمدينة، ولم يرجع
عليٍّ رضي الله عنه إليها، بل استمرَّ مشتغلاً بحربِ الذين خالفوه إلى أن قُتِلَ
عليٍّ رضي الله عنه بعد أربع سنين وثمانية أشهر مِنْ أوَّلٍ خلافته، فتوجَّه في
(١) في (ح): ((تفرّد)).
٩٣٩

ذلك الوقت الحسنُ إلى البصرة، فسكنها واستمرَّ إلى أن مات، إلا أنه حجَّ
في أثناء ذلك، وخرج إلى خراسان في خلافة معاوية رضي الله عنه كاتباً
للربيع بن زياد الحارثي حين استخلفه عبد الله بن عامر على خراسان، وكان
أميرَها: لمعاوية رضي الله عنه. ثم رجع الحسنُ إلى البصرة، فأقام بها مشتغلاً
بالعبادة والقصص على النَّاس وتعليمهم الأحكام الشّرعية، ووَلِيَ القضاء في
خلال ذلك في خلافة عمرَ بن عبد العزيز رضي الله عنه مدَّة يسيرة بالبصرة،
ثم ترك ذلك، وأقبل على شأنه حتَّی مات.
ومِنْ حجَّتهم في أنَّه في خلافة عُثمان رضي الله عنه لم يكن تصدّى
للاشتغال بالسماع ثم التحديث: أنَّ الجُمهورَ أطبقوا على أنه لم يسمع من
أبي هريرة رضي الله عنه، مع أنه في تلك المدَّة كان أبو هريرة رضي الله
عنه فيها وفيما بعدها قد تصدّى للتحديث، حتى انتهت إليه رحلةُ طُلَّب
الحديث لتفرُّده عن أقرانه، لكثرة حديثه وطُولٍ عُمره، فلو كان الحسنُ
يتشاغل بطلب الحديث، لحصل له عن أبي هريرة رضي الله عنه الشّيءُ
الكثيرُ، لإقامتهما بالمدينة تلك المدة.
وعلى تقدير التنزّل، لا يلزَمُ مِنْ صحة سماعه من عليٍّ رضي الله عنه.
لهذا الحديث أنْ يكونَ جميعُ ما نُقِلَ عنه عَنْ علي رضي الله عنه مسموعاً له :
مِنْ عليٍّ رضي الله عنه؛ لأنَّه اشتهر عنه أنه كان يرسِلُ عَنْ مَنْ عاصرَه،
سواءً اجتمع به أم لا .
ومَنْ هذا سبيلُه كان ما يرويه بالعَنْعَنَةِ عن مَنْ عاصره أو اجتمع به [إمّا
مرسلاً] (١)، وإما مدلساً. وكذا القولُ في كلٌ مَنِ اختُلِفَ فيه ممِّن روى عنه،
هل سمع منه أم لا؛ كأبي هريرة رضي الله عنه، والعلم عند الله تعالى.
[خرقة التصوف]
ومنها أنه سئل عن حديث الخرقة، وما لذلك مِنَ الطُّرق، فقال: إنَّ
ذلك ما لم أتشاغل به قطّ، لتحقُّق بُطلان كلُ ما ورد في ذلك.
(١) ساقطة من (أ).
٩٤٠