Indexed OCR Text

Pages 881-900

أيهما أولى؟ فقال: المقدَّم مؤخّر.
قلت: وأظن المقتضي لتأخّرِه الإتيان بألف الإطلاق، بخلاف الثاني،
فقد جاء بالآية على وجهها.
وسئل عن قول بعضهم:
حبي الذي سادُوا رِقَاب الأعادي دَاسْ
والقَلْبُ في شاطْ بَخرِ العِشْقْ لأجْلُو طَاشْ
لو قَذْ قَذْ سام غُصن البان لمَّا ماس
إذا سعى شام طرفي في بدر مِضري ماس
ولو ترى ساق يحلي الماء وقَلْبُو قاسْ
عشقي له شاع بل غيري بوَضْلُو عَاشْ
كم شابْ مُذْ ساز مِنْ هجر وصَدْ وراسْ
واللَّحظ لو شان كالهندي ويُوقِذْ ناس
وقول الآخر:
حبي الذي ماس سوء البُعْذ قلبي سامُ
والعِشْقْ لو نار تَغْشَى القَلْبْ لاجْلُو رانْ
والوَصْلُ ما ماح بل جارِخ لحَاظُو حام
وكم (مِنْ)(١) فتى ناح مِنْ هَجْرُو وحَتْفُو خانْ
والقذْ قَدْ مَالْ والعاذِلْ بجَهْلُو لام
هذا وقد نال ميل الغُصْنْ لمّا لانْ
والرِّذف قَدْ ماجْ لما أن تعاطى حام
والذَّهر لو ناب يوقد غُصني بان(٢)
(١) ساقطة من (ح).
(٢) في (ب): ((مذ بان)).
٨٨١

فكتب ما صورته: لله الأمر. الذي يشهد به الذَّوْقُ السَّليم أنَّ كلاً منهما
في النّظم مستقيم، وليس لهما في قسم البلاغة قسيم، إلا أنَّ الثاني أبعدُ في
إيجابه مِنَ السلب، وأقربُ في آدابه إلى القَلْب، وفوقَ كل ذي علم عليم
ويلتحق بهذا أنَّ الشيخ شهاب الدين الأبشيطي نزيلَ المدينة النبوية،
على ساكنها أفضلُ الصَّلاةِ والسلام، سألَ فقيه الوقتِ الشّرفَ يحيى المناوي
عَنْ بعض الأسئلة نظماً، وأجابه المشارُ إليه كذلك نظماً، وأرسل بالجواب
لصاحب الترجمة، ليقفَ عليه، ويقرِّضَه، فكان في ذلك عدَّةُ أبياتٍ امتدح
الشرف بها صاحبَ التَّرجمة، علمتُ منها الآن قوله:
حَلِيف الجدى مُجلِي الصَّدى أو حدَالعَصْرِ
إمامَ الهدى غَيْظَ العِدَا ضَيْبَ النَّدى
على جيد قولي فهو في الحُسْنِ کالدُّرٌ
لأَجْعَلَ منه جوهرَ اللَّفْظِ حِلْيةً
فكتب صاحب الترجمة - رحمه الله - ما نصُّه - مع أنَّه لم يكن القَصْدُ:
أن يكون كتابته إلا نظماً -: تأملت هذا الجواب، فوجدتُه بعون الملك
الوهاب في غاية الصواب.
وكتب إليه الشَّيخُ شهاب الدين ابن أبي السعود ما نصّه (١): الحمد لله،
لا حولَ ولا قوَّةً إلا بالله العلي العظيم.
وفي الطُّروس يُرِينا زَهْرَ بُسْتَانِ
يَا بَخْرَ عِلْم أرانا لفظُهْ دُرَرَاً
جَنَى فَصُلْ واحتكم وانقُمْ عَلَى الجاني
رَوْضُ القَرِيضِ أتى يشكُو إليكَ فتىّ
شكواي مِنْ خائنٍ في النّظم أوزانِ
فالشّعْرُ نادى وقد قامتْ قرائِنُه
هذا شخص، ولا أقولُ مِنَ النَّاس سمع بَيْتَي الصَّفِيِّ الحليِّ، وهما:
وجاءَ لقَلْع ضِرْسِكَ بالمُخَالِ
لحَى الله المزيِّنَ قَدْ تَعَدَّى.
وَسَلَّطَ كَلْبَتَيْنٍ على غَزَالٍ
أعاقَ الظَّبْيَ في كِلْما بَدَیْه
(١) في هامش (ح) بخط المصنف ما نصه: بلغ الشيخ عبد العزيز بن فهد الهاشمي قراءة
علي في ٢٥ سماعاً.
٨٨٢

فقلع رجلٌ يلقَّبُ وليَّ الدِّين ضرسه، فنظم ذلك الشخص، وأعَرب
عَنْ قدره، وبُرغمِي أن أقول في شعره هذين البيتين، وزعم أنَّهما مِنْ منخلع
البسيط، ومن خطُّه نقلتُ، وهما:
في قلع ضِرْسِك العَلِيًّا
إنَّ المزيِّن قَدْ تَعَدَّى
وضلَّ إذ آذى وَلِيْا
أغرى على الظّبْيٍ كَلْبَتَيْنِ
فماذا يستحقُّ مِنَ الإجازة على هذا المدح الذي جَمَعَ في النَّخلُفِ أبلغَ
الوجازة، وفي التَّكلَّفِ والتعجرف ما لا يستطيع طبيب علاجه، افعلوا ذلك
مثابین .
فكتب: الحمدُ لله واهب العافية. يستحقُّ مَنْ سَلَحَ هذا المقطوعَ أنْ
يُقْطَعَ، ويستوجب مَنْ رَضِيَ بنسبة هذين البيتين إليه أن يُضْفَع، فلو رآه
الصَّفدي، لرجع عَنٍ ((اختراع الخراع))، ولقضى على من نازعه في هذه
الطريقة بالموت بعد النزاع، فما بلغ هذه الغاية إلا وهو في (١) اختيار انبساطٍ
الإخوان، فقد جاوز النهاية، والسلام.
قلت: وكذا كتب على هذين البيتين الشّهابُ الحجازي والشّهابُ ابنُ
أبي السُّعود المذكور، وكتابتُه عندي بخطُّه، والشهابُ بنُ صالح، حتى قيل:
إنَّ قائلهما رُمي بالشُّهبِ الأربعة.
ومما اتّفق: أنَّ شيخنا جلس مرَّةً ومعه الشِّهاب بنُ تَقِيِّ والشِّهاب
الشَّيْرَجِي والشّهاب الريشي والشّهاب الحجازي والشّهاب بنُ يعقوب وشهاب
آخر، بحيثُ صاروا بصاحب التَّرجمة سبعةً، فقال الحجازي: يا مولانا
لقبتم (٢) ذنوابكم (٣) بالسبع السيارة، وقد اجتمعَتْ هنا، فقال شيخُنا بديهةً:
فمن جاء بينهم فقد احترق. ولله در القائل: مَنِ ادَّعى عِلْمَ ما لا يعلم،
كذب فيما يعلم، فما بالك فيمن يُنازِعُ في الجميع!
(١) ((في)) ساقطة من (أ، ط).
(٢) ((لقبتم)) لم ترد في غير (ح).
(٣) كذا فى ((الأصول)) وأظنها ((ديوانكم)).
٨٨٣

وما الناس إلاَّ كالصَّحائِفِ عُوْدَّتْ وألسُنُهم إلا كمِثْلِ الْتَّراجِم
فمِقْوَلُه في ذاك أعدَلُ حاكِم
إذا اشتَجَرَ الخصمان في فِطْنَة الفتى
وروينا في ((المجالسة)» للدينوري مِنْ طريقِ النَّضر بن شُمَيْل، قال:
كنتُ عند الخليل بن أحمد، إذ دخل عليه شيخٌ مِنْ أهله، فقال له: لو
اشتغلتَ بمعاشك، كان أعودَ عليك مِنْ هذا، فأنشأ الخليل يقولُ:
أو كنتَ تعقِلُ ما تقولُ عذَلْتُكَا
لو كنتَ تَعْقِلُ ما أقولُ عذرتني
وعَلِمْتُ أنَّكَ حَامِلٌ فعذَزْتُكا
لكن جَهِلْتَ مقالتي فعذلتني
ثم التفت إلينا، فقال: الرِّجال أربعة: رجلٌ يدري ولا يدري أنَّه
يدري، فذاك غافلٌ فأفهموه، ورجلٌ يدري، ويدري أنَّه يدري، فذاك عاقلٌ
فاعرِفُوه، ورجلٌ لا يدري، ويدري أنَّه لا يدري، فذاك جاهلٌ فعلُمُوه؛
ورجلٌ لا يدري، ولا يدري أنَّه لا يدري، فذاكَ مائِقٌ فاحذَرُوه.
وروينا عن عمرو بن مُرَّة، قال: حدَّثتُ إبراهيم بحديثٍ عَنْ رجلٍ،
فقال: ذاك صاحبُ أمراء، يعني: ليس مثلَ غيره في الحديث.
قلت: وهذا المبهمُ اسمُهِ عبدُ الرحمن.
إذا جَمَعَتْ بينَ امرأيْنِ صناعةٌ فأحبَبْتَ أن تدري الّذِي هُوَ أخْذَقُ
به لهما الأرزاق حين تُفَرَّق
فلا تتأمَّل مِنْهُما غيرُّ مَا جَرَت
وحيثُ يكونُ العِلْمُ فالرِّزْقُ ضَيُق
فحيثُ یکونُ الجَھْلُ فالرّزْقُ واسِعْ
نسأل الله تعالى التوفيق والهداية إلى أقوم طريق. وكل(١) هذا استطراد.
وكتب إليه القاضي الحنفي - وما علمت الآن من هو - [بل عندي في
كونها من نظمه نظر] (٢):
(١) من هنا إلى قوله: ((وابق كنزا)) في الصفحة التالية ورد في (ب) قبل باب الألغاز مباشرة.
(٢) ما بين حاصرتين لم يرد في (ب).
٨٨٤

أيُّها الحاكمُ الذي قطُّ ما مال
والإمامُ الذي سما في سماء العلم
ما ترى في عُدُولٍ قاضٍ أقاموا
إِنْ يُكذبهم فقد ثبتَ الحقُّ
ويرد القاضي الشهادة مع
هل أصابَ التفضل إذ عكس الأمر
مُنَّ بالكَشْفِ عنه لا زلتَ في
[فأجابه هذا المبهم](١) :
وإنْ كان مذهباً يتحتَّفْ
إياساً وفاق في الحِلْم أحنف
كلمتا الحق عنده في مكلّف
عليه وإن يصدق يحلّف
فقد المعاداة بينهم إذا توقف
جهاراً أم فيه سِرٍّ سيُوصَفْ
مسرَّة مِنَ الله دائماً ليس تُكشفْ
وكتب إلى بعض العلماء ممن لم أعلمه الآن، [وفي صحة نسبتها إليه
أيضاً نظر] (٢):
زادك الله في مثالِك عزّا
يا إماماً له الفضائل تُعزى
ضعيفِ المشي على الأرضِ أزّا
ما الجوابُ السَّديد في رجل أزّ
سقطا عِنْدَ وكزِهِ الصَّغْبِ وَكُزَا
فتثنَّت ثنيَّتاه إلى أن
دِيَّةً كي يكونَ في الناس حِرزا
حيثُ يعفو عَنِ القِصاصِ ويَرْضَى
الثنايا يا أوّلاً أفِدْ وابْقَ كَنْزَا
هل لذاك ارتجاعها أن تعد تلك
فأجابه هذا المبهم(٣) ...
ولنقتصر على ما أوردناه مِنْ نثره الذي فاق فيه أهلَ عصره، ثم على ما
أوردناه مِنْ منظومه الذي لم يُلحق فيه، (مع)(٤) ما منحه الله مِنْ شريفٍ علومه؛
فما مِنْ نوعٍ مِنْ أنواعه إلا ولو أَفْرِدَ بالتَّصنيف، لكان جديراً بذلك لاتساعه،
(١) ما بين حاصرتين لم يرد في (ب).
(٢) ما بين حاصرتين لم يرد في (ب) وبعده في (أ) بياض مقداره ثلاثة أسطر.
(٣) هذه العبارة لم ترد في (ب)، وبعدها بياض في (أ).
(٤) ساقطة من (ب).
٨٨٥

على أنَّ الإحاطة بجميعه لا تُستطاع، وحصرُه غير ممكن بالإجماع، فتقاريظُه -
مع كثرتها - إليها المنتهى بالاتّفاق، ورسائلُه فاقت مع سيرها في الآفاق،
وأجوبته عَنِ الألغاز غاية في الإيجاز والاحتراز، وكتابتُه لمن عَرَضَ عليه، أو
جلس مستفيداً بين يديه، أو سمع عليه الحديثَ في القديم والحديث، أو قرأ :
عليه شيئاً مِنْ مصنفاته أو شافهه بإملائه ورواياته، فأشهر مِنْ أن تُذْكَر، وأظهر
مِنْ أن تُحصر، ومنظومه الذي ليس له فيه شرك وإن جَمَعَهُ في سلك فلم نلتزم
(فيه)(١) الاستيعاب، إنما (٢) اقتصر منه على الكثير مما يحلُو ويُستطاب، إذ منه.
على طريقة أهل الأدب ذوي الحجا والرتب ما كان يستغفر الله منه، ويعتذر:
لخواصه عنه، كما سمعت ذلك منه مراراً، سراً وجهاراً، لوفور ديانته وعظيم:
أمانته، على أنَّ بعض أعدائه وحُسَّاده قد دسَّ فيه ما ليس وَفْقَ مُراده مِمَّا يتحقّقُه
أهلُ العرفان المخالفين حظ النفس واتّباع الشيطان. ومما ينسب إليه أبياتٌ(٣) في
قصِّ الأظفار أيام الأسبوع، ولا يجوز نسبتها إليه (٤).
وبالجملة ففي عُلُوٌّ منزلته وشريفِ مرتبته ما يمنعُ الافتخارَ بما ذكرناه
ورتَّبناه وحرَّرناه، لكن إنَّما أردنا الاقتطاف مِنْ تلك الأزهار والاستجناء مِنْ
تلك الثمار، لارتياح النفوس إليها، وتجدُّدِ العهد القديم لديها، والله تعالى
يتفضِّلُ عليه بالقَبُول، ويبلِّغه في الآخرة وإيَّايَ خيرَ مأمول، بمنه وكرمه ..
ولنختم هذه الفصول بقصيدةٍ له فيها مواعظُ وآداب على طريقة ابن
القيم، حيث ذمَّ نفسَه وازدراها في الأبيات التي أولها (بُنَيَّ أبي بكر))، قالها
شيخُنا لمَّا وعك في سنة اثنتين وثلاثين وثمانمائة، فقال - وسمَّاها ((الموقظة)) .:
فلیس علی من خاض في عِرضِهِ وِزْرُ
بُنَيَّ عليٍّ قد تفاقم وِزْرُه
ظلُومٌ كُنُودٌ شأنُه الغَدْرُ والمَكْرُ
بُنَيَّ عليٍّ مثلما قال ربُّه
(١) ساقطة من (ب).
(٢) في (أ): ((بما)».
(٣) في (أ): «أبياتاً»، خطأ.
(٤) وقد أوردها السفيري في ((مختصره)) ثم قال: وقال شيخنا السيوطي في ((الإسفار عن قلم
الأظفار)»: وقد اشتهر على الألسنة هذه الأبيات، ولا ندري قائلها ولا هي صحيحة في نفسها.
٨٨٦

بُشَيَّ عليٍّ خاب والله سعيُه
بُنَيَّ عليّ يأمرُ النَّاسَ بالثُّقى
بُنيَّ عليٍّ قد غدا متصدِّرَاً
بُنيَّ عليّ صار يُفتي ويجْغَري
بُنَيَّ عليٍّ ليس يُذْكَرُ إذْ نَشَا
بُنَيَّ عليٍّ صار مِنْ بعد يُتمه
بُنَيَّ عليٍّ صار مِنْ بعدٍ ذُلِّه
بُنَيَّ عليٍّ صارَ مِنْ بعدٍ جهلِه
بُنَيَّ عليّ كلّ ما يَشْتهي جَرَى
بُنَيَّ عليٍّ ما أحبَّ رَأيٍ ولا
بُنَيَّ عليٍّ صار للأمرِ مالكاً
بُنَيَّ عليٍّ قد أتاه نذيرُه
بَنَيَّ عليٍّ جاز في العمر سِنَّ مَنْ
بُنَيَّ عليّ ما الذي ترتجيه مِنْ
إلهي أنا الخَطَّاءُ للذَّنْبِ عامداً
إلهي قد خوَّلْتَنِي فَوْقَ ما أَنَا لَهُ
إلهي كم نِعْمَةٍ إثرَ نعمةٍ
إلهي فما قابَلْتَ بالشُّكْر نِعْمَةً
إلهي كم نجَّيتني مِنْ مُلِمَّة
إلهي أنا العبدُ المُسيءُ وأنت يا
إذا لم يكُنْ في الصّالحین له ذِكْرُ
ويغفُلُ عمَّا يقتضي النَّهْيُ والأمرُ
لِفَقْدِ أُولِي العَلْيَا وأنَّى له الصَّدْرُ
عليها ولا فَهْمْ لديه ولا ذِكْرُ
ذليلاً يتيماً ما لَهُ في الوری قَدْرُ
وحظُ اليتامَى عِنْدَه النَّهْرُ والقَهْرُ
عزيزَ أُناسٍ دَأْبُه البَأْوُ والفَخْرُ
عَليماً وبعد القِلْ صارَ له وَقْرُ
على وَفْقِ ما يَهْوَى وليس له شُكرُ
يميلُ إلى الثَّقوى فهلْ يُؤْمَنُ المَكْرُ
وهيهات عَنْ قُرْبٍ لقد قُضِيَ الأمرُ
وليس لمَنْ جاء النَّذيرُ له عُذْرُ
مضى مِنْ أبٍ وابنٍ كذا العمُّ والصِّهرُ
سوى الله هيهات انقضى الأمَلُ الغِرُّ
وكم نِلتُ(١) أطماعاً وما كنت اضطرُّ
الأهل(٢) والتقصير وَصْفِيَ والعُذْرُ
أَزَلْتَ بها بُؤسِي فما مَسَّني الضُّرِّ
ولكني بجَهْلٍ لاح للنّعَمِ الكُفْرُ
فأذْعَنَ لي في سَيْريَ البرُّ والبَخْرُ
إلهي المليكُ المحسنُ المُنعمُ البَرُّ
(١) ساقطة من (أ).
(٢) كذا في الأصول، وفي ((جمان الدرر)) للبصروي ((إلهي)).
٨٨٧

إلهي أنتَ الرَّبُّ شِيمَتُك الغِنَا
إلهي عاملني بما أنْتَ أهلُه
إلهي تداركني برخمتِّكَ التي
إلهي كما أنعمتَ زِدْ وأدِمْ ولا
إلهي بذنبي بُؤتُ فاغفره لي عسى
وإنّي لعبد السوء شيمَتِيَّ الفَقْرُ
فللذَّنب في ظهري إذا لم تُعِنْ وَقْرُ
يقابلُها مِنْ فيضٍ فضلِكَ لي الجَبْرُ
تُغَيِّرْ فَتُشْمِتْ بِي عَدُوا بِه غَمِرُ
أكون كمن في الحشر أوجُهُهُمْ زُهْرُ
فوافاك بعدَ الموت بالعفو يَنْشَرُّ
إلهي كم عبدٍ أدَمْتَ سُرورَه
فإن شفيعي أحمدُ المصطفى الطُّهْرُ
إليه أنتمي عُسري بحبهم يُسْرُ
إنْهي فاجعلني برحماك منهمُ
فلا عملٌ أرجو سوى حبِّه ومَنْ
۔۔
وأفاد رضي الله عنه أنَّ أصلَ هذه الطريقة سبق إليها محمدُ بنُ كثير
· المصّيصي، فذكر الحاكم، قال: سمعت أبا منصور الحسن بن أحمد
المعادي يقول: سمعت موسى بن العباس الجُوَيني - ونزل في دارنا - يُنشِد
أبياتاً بعد أن يقوم اللّيلِ، فيصلِّي ثمَّ يبكي طويلاً، فسُئِلَ عنها، فقال:
سمعتُ محمَّدَ بنَ عوفٍ يقول: سمعتُ محمَّدَ بنَ كثيرٍ المصِّيصي يقول:
فِي الحِلِّ والبلُ مَنْ كان سبَّةْ
بُنَيَّ كثيرٍ كثيرُ الذُّنوبِ
رياءٌ وعُجْبٌ يخالِطْنَ قَلِبِهُ
بُنيَّ كثيرٍ دَهَتْهِ اثْنَتَانِ
وما ذاك فعل مَنْ خاف ربَّهُ
بُنيَّ كثيرٍ أكولٌ نَؤُومٌ
أعْوَزَ الصَّوفَ مَنْ جزَّ كلبة
بُنَيَّ كثيرٍ يُعلِّم علماً لقد (١)
قلت: وقرأتُ في ((شرح الشاطبية)) للجعبري ما نصّه: وسأله - أي
عبدَ الله بنَ كثيرٍ القارىء - الناسُ أن يجلس للإقراء بعد شيخه، فأنشد في
ذم نفسه تواضعاً، وساق الأبيات، وعندي أنَّ نسبتها لابن كثيرِ المقرىء
سهو، والله الموفق.
(١) في (أ): ((لنا))، وكانت كذلك في (ح)، ثم عدلها المصنف بقلمه.
٨٨٨

ثم رأيت في ترجمة محمد بن الخضر بن إبراهيم المخوَلي خطيب
المحول، أحد القراء من ((ذيل تاريخ بغداد))، لأبي سعد السمعاني، أنشدنا
محمد بن الخضر بن إبراهيم المحولي بها في داره، أنشدنا أحمد بن
علي بن سوار المقرىء أنشدنا شيخنا أبو علي الحسن(١) بن علي بن عبد الله
العطار المقرىء، أنشدني أبو الحسين محمد بن عبد الله الفرضي، أنشدنا
أشياخُنا، عن عبد الله بن كثير أنَّه قال في ذمُ نفسه، حيث(٢) سأله أهلُ مكّةً
أن يُقرِئَهم القرآنَ بعدَ وفاة مجاهدِ بن جبرٍ، فذكرها. سمع هذا مِنْ أبي سعد
السمعاني أبو رَوحِ الهروي، فالله أعلم.
وإذا(٣) تأملتَ هذا مِنْ صنيع هؤلاء، واستحضرتَ جلالَتَهم وتقدُّمَهم
في السُّنَّة وغيرها، علمتَ شدة حُمْقِ القائل في مدح نفسه، زاعماً أنه السنة،
مِنْ أبيات أودعها في مجلد يطول التعرض لما فيه مِنْ منكر، يعظّم فيه
نفسه، ويترفّعُ فيه عَلى كلِ أهلِ عصرِهِ، بحيثُ يشهد العقل والنَّقل بأنَّ ذلك
هو المذموم من ضربي مدح المرءِ نفسَه.
ترى خبراً صُمَّت له الأُذْنانِ (٤)
كأنك بي أُنْعَى إليك وعندها
فينطِقُ في مدحي بأيِّ معَانٍ
فلا حَسَدٌ يَبْقَى لديك ولا قِلَى
عَلَتْ عَنْ مُدانٍ في أعزّ مكانٍ
وتنظُرُ أوصافي فتعلمُ أنَّها
فمدمَعُهم لي دائِمُ الهملانِ
ويُمسي رجالٌ قد تهدَّمَ رُكنُهم
ويطمَعُ فيه ذو شقا وهوانٍ
فكم مِنْ عزيزٍ بي يذل جماحَه
ولو كنتُ موجوداً إليه دعاني
فيا ربِّ مَنْ يُفْجَأ بِهَولٍ يؤودُه
لها القلبُ أمسى دائمَ الخَفَقَانِ
ويا ربِّ شخصٌ قد دَهَتْهُ مصيبةٌ
(١) في (أ): ((الحسين)).
(٢) في (ب، ط): ((حين)).
(٣) من هنا إلى بداية الفصل السادس لم يرد في (ب)، وقد ألحقها المصنف في ورقة
مفردة في نسخة (ح).
(٤) في (أ): ((الآذان))، خطأ.
٨٨٩

•ولو كنتُ جَلَتْها يدي ولِسَاني
فيَطلُبُ مَنْ يجلو صداها فلا یَرَی
مِنَ الجُور داني النّفْعِ حيثُ رجاني
عَدوّي قاصٍ عنه ظُلمي آمن.
فإن يَرْثنِي مَنْ كنت أجْمَعُ شملَه
بتشتيتٍ شملي، فالوفاء رثاني
بِه هِمَمي عَنْ شائِنٍ وبكاني
وإلا نعاني كلُّ خَلْقِ ترفْعَتْ
وهي أكثر مِنْ هذا.
وقد استحضرتُ حكايةً لطيفة رويتُها مِنْ طريق محمد بن يزيد الضَّریر،
قال: حدثني عبد الرحمن بن مسهر - وهو المذكور بخفّة العقل - قال:
ولأني أبو يوسُف القاضي قضاء جَبُّل، فانحدر الرَّشيد هارون إلى البصرة،
فسألت مِنْ أهل جَبُّل أن يُثْتُوا عليَّ، فوعدوني أن يفعلوا، فلمَّا قرُبَ تفرَّقُوا،
وأيسْتُ منهم، فسرَّحت لحيتي، فوافى أبو يوسف مَعَ الرَّشيد في الحرَّاقة،
فقلتُ: يا أمير المؤمنين، نِعمَ القاضي قاضي جُبُّل، قد عدل فيها وفَعَلْ،
وجعلت أثني على نفسي، فطأطأ أبو يوسف رأسه وضحك، فقال له
الرشيد: ممَّنْ تضحك؟ فأخبره، فضحك حتى فَحَصَ برجليه، ثم قال: هذا
شيخ سخيفٌ عقلُه، فاعزِلْه، فعزلني، فلمَّا رجع أبو يوسُف، جعلت أختلف
إليه، وأسأله قضاء ناحيةٍ، فلم يفعل، فحدَّثت النّاسَ عن مُجالِد عن الشعبي
أنَّ كنية الدجال أبو يوسف، فبلغه ذلك، فقال: هذه بتلك فحسبُكِ، فصِرْ
إليَّ حتى أوليك ناحية، ففعل وأمسكت عنه.
نسأل الله أن يلهمَنا رشدنا، ويعيذنا مِنْ شرور أنفسنا بمنِّه وكرمه.
٨٩٠

الفصل السادس
في نبذة من فتاويه المهمة المتلقاة بالقبول بين الأئمة
وكان مِنْ حقّه أن يُفتَتَحَ به البابُ لشرفه في الانتساب، لكنه لمَّا وقع
عندي التردُّدُ أولاً في إثباته أو حذفه مع إفراده مكمَّلاً، ثمَّ رأيتُ بعدَ كتابة
ما سبق والتَّحرير مِنَ الفُصول لما وسق، أنَّ خُلُوَّ الترجمة منها يكون نقصاً،
فاستخلصتُ منها ما كان بديعاً في معناه نصّاً، بل كنتُ عزمتُ أن أذكرَ منها
جميعَ ما عندي، وأستوعِب ما وقفتُ عليه، رجاء الانتفاع به في الحياة
وبَعدي، مرتباً على الأبواب، طلباً لمزيد الثواب، فأشارَ بعضُ الأصدقاء
عليَّ ممِّن أخلص في نصيحته للكافة - لا سيما إليَّ - بإفراده في تصنيفٍ
مفرد، فهو أولى وأجود، وأيضاً فربَّما طالَ الكتاب، ويكون وسيلة
للانتخاب، فامتثلتُ في هذا قوله، لكن مع الإتيان منها بجملة، فأبدأ بالمكيَّة
منها والمدنية، ثم بالقدسية والشاميَّة، ثم بالحلبيَّة واليمنيَّة، ثم بالقاهرية(١)
والمصرية. يسَّرّ الله ذلك بفضله، وأعان على فهمه ونقله.
فأما المكيات:
فعندي منها جملةٌ وردت على صاحبِ التَّرجمة مِنْ صاحبنا محدّث(٢)
(١) في (ب): ((القاهرة)»، خطأ.
(٢) أبدلت في (ح) إلى ((حافظ))، وكتب في الهامش ما نصه: لفظة (حافظ) من إصلاحه
قابله الله، وكأنها في الأصل كانت (محدث)، فأبدلها هذا المجترئ بحافظ، قابله الله ! .
٨٩١

الحجاز النَّجم بن فهدٍ الهاشميِّ مرَّةً بعد أخرى.
ومن جملتها قوله، وقد سئل عن طُول عِمامة النَّبي ◌َّ:
لا يحضرني في ذلك قدرٌ محرَّرٌ، وقد أخرج الطبراني في «المعجم
الكبير)) عن ابن عمر رضي الله عنهما، كان رسولُ الله ◌َ﴿ يدير كُورَ العمامة
على رأسه، ويغرِزُها مِنْ ورائه، ويرسلها بين كتفيه. وهذا يُستفاد منه صِفَةُ
التَّعميم، ولا دلالة فيه على قدرها، وقد سُئل الحافظُ عبدُ الغنيّ عن ذلك،
فلم یذکر فيه شيئاً. انتهى.
وعندي لصاحب الترجمة أيضاً الجواب في أنَّه هل كانت له وَلّ عَذَبَةٌ.
سيأتي بعدُ، وكذا وقفتُ على جواب للعراقي في نحو ذلك، أثبتُّه في غيرِ.
هذا الموضع.
ومن المكيات أيضاً: عدّة وردت عليه مِنَ العفيف محمد ابن الشرف
عبدالرحيم الجرهي والد الشيخ نعمة الله، من جملتها: قوله:
لم يصح أنَّ للخليل عليه السلام ولا للصِّدِّيق رضي الله عنه لحيةٌ في
الجنة، ولا أعرفُ ذلك في شيءٍ مِنْ كتب الحديث المشهورة، ولا الأجزاء
المنثورة. وعلى تقدير ورُوده، فيظهر لي أنَّ الحكمة في ذلك؛ أمَّا في حقٌّ.
الخليل، فلكونه مُنَزَّلاً منزلةَ الوالدِ للمسلمين؛ لأنه الذي سماهم بهذا
الاسم، وأقرُّوا له باتباع مَّته.
وأما في حقُ الصِّدِيقِ رضي الله عنه، فيُنْتَزَعُ مِنْ نحوِ ما ذُكر في حِقِّ الخليل
عليه السلام؛ فإنه كالوالد للمسلمين، إذ هو الفاتحُ لهم بابَ الدُّخول إلى الإسلام.
لكن أخرجَ الطَّبرانيُّ مِنْ حديث ابن مسعود رضي الله عنه بسندٍ
ضعيفٍ: ((أهلُ الجَنَّةِ جُزْدٌ مُزدٌ إلا موسى عليه السلام، فإن له لحية تضرِبُ
إلى سُرَّته)). وذكر القرطبي في ((تفسيره)) أنَّ ذلك ورد في حق هارون عليه:
السلام أيضاً. ورأيت بخط بعضٍ أهل العلم أنه ورد في حقٌ آدم عليه
السلام، ولا أعلم شيئاً من ذلك ثابتاً(١).
(١). قال السفيري في ((مختصره)): قلت: في هذا رد لما قاله شيخه ابن الملقن في شرح
حديث المعراج من أنه ورد في بعض الأحاديث المرفوعة ((أهل الجنة ليس لهم كنية -
٨٩٢

قلت: ووردت مِنْ مكّة قبل ذلك على صاحب الترجمة أسئلة مِنَ
العلامة الحافظ تقي الدين أبي الطّيْب الفاسي(١)، افتتحها مرة بقوله:
سيدي ومولاي الحافظ الأوحد الناقد شهاب الدين أحمد بن علي بن
حجر العسقلاني، [أدام الله به النّفع بمحمد وآله، يعلم أنَّ مملوكه ... ثم
إلاّ آدم، فإنه يُكنى أبا محمد، وأهل الجنة ليس لهم لحية إلاَّ آدم، له لحية سوداء إلى
=
سُرَّته، وذلك لأنه لم يكن له في الدنيا لحية، وإنما كانت اللحى لأولاده من بعده. انتهى.
ويحتمل أن يكون هو المراد بقول الشيخ [يعني السخاوي]: ((ورأيت بخط بعض أهل
العلم)) إلى آخره.
وقال البصروي في ((جمان الدرر)) في هذا الموضع: قلت: وذكر تلميذ صاحب الترجمة
العلامة البرهان الناجي الدمشقي في رسالته المسمّاة «حصول البغية فيمن يدخل الجنة
بلحية)) أن ابن جرير وابن أبي حاتم في ((تفسيرهما)» والبيهقي في ((دلائل النبوة)) وابن
عساكر في ((تاريخ دمشق)) وغيرهم أخرجوا من طريق أبي هارون العبدي، واسمه
عمارة بن جوين، بالجيم مصغراً، وهو متروك، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه،
عن النبي 983 في حديث الإسراء المطوّل، قال: ((ثم صعدت إلى السماء الخامسة، فإذا
أنا بهارون ونصف لحيته بيضاء ونصفها سوداء تكاد تضرب لسرته من طولها».
وذكر أبو حفص الميانسي وصاحب ((الفردوس)) لكن لم يخرجه ولده في ((مسنده) عن جابر بن
عبد الله مرفوعاً: ((أهل الجنة مُرْدٌ إلا موسى، فإن له لحية إلى سرَّته، ويُدعى أهل الجنة
بأسمائهم إلا آدم، فإنه یکنی بأبي محمد». وفي رواية ابن عباس: «فإن لحيته إلی سرته)).
وقال صاحب ((البحرة القاضي أبو المحاسن الروياني: أخبرنا أبو العباس أحمد بن
محمد، حدثنا الحسن بن داود بن مهران، حدثنا سويد بن الحكم، حدثنا حماد بن
سلمة، عن ليث، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: ((أهل الجنة مُرْدٌ إلا موسى بن
عمران عليه السلام، فإن لحيته إلى صدره، وكلُّهم يُدعى باسمه إلاَّ آدم، فإنه يُدعى
بأبي محمد». فيه مجاهيل، وليث هو ابن أبي سُليم صدوق فيه ضَعف يسير من سوء
حفظه، ثم اختلط ولم يتميز حديثه، فيترك.
أخرجه ابن جرير الطبري في تاريخه بسند ضعيف من حديث ابن مسعود مرفوعاً:
(«أهل الجنة مُرْدٌ إلا موسى عليه السلام، فإن له لحية تضرب إلى سُرَّته)).
قال: كذا نقله شيخنا قاضي القضاة ابن حجر في فُتياه، ولم يُبَيّن وجه ضعف سنده.
(١) في (ح): ((تقي الدين بن فهد الهاشمي)). وكأن أحدهم حرفها عن الأصل، حيث جاء
في الهامش: «كذلك أظن أنه كان في الأصل بعد (تقي الدين) (فلان الفاسي)، وهو
صاحب تاريخ مكة، فأبدله هذا بابن فهد الهاشمي. قابله الله ما أجرأه.
٨٩٣

ساقها، وقال: فمولانا يتفضَّلُ ببيانٍ ذلك بياناً شافياً.
ومرة أخرى بقوله: المسؤولُ مِنْ سيِّدنا العلامةِ الحافظِ الحجةِ شيخٍ
الإسلام أبي الفضل شهاب الدين أحمد بن علي بن حجر العسقلاني](١)".
أدام الله النَّفْعَ بعلومه - الجواب عما سطّر فيها مِنَ السؤالات، وذكرها،
وقال: بيِّنُوا لنا ذلك بياناً شافياً عاجلاً، بحيثُ لا يتأخّرُ ذلك عَنِ الحُجَّاحِ
في هذه السنة إن شاء الله تعالى، فضلاً وإحساناً.
وكتب له شيخُنا بالجوابِ عنهما.
وكذا وردت عليه مِنَ الحافظ جمال الدين محمد بن موسى المراكشي
أسئلةٌ صدَّرها بقوله: المسؤول مِنْ إحسان سيدنا الإمام الحافظ الناقد شهاب
الدين - سلَّمه الله تعالى - الإفادةُ فيما يُذكَرُ فيه مِنَ الأحاديث، وإرسالُ ذلك
إلينا عاجلاً. ثم ذكره، وراسله(٢) شيخُنا بالجواب، لكن أضربتُ عَنْ إيراد.
ذلك كلّه، مع كونه عندي؛ خشيةً الإطالة بما لا يمكن استيعابُه.
٣)
وأما المدنيات :.
وأما القدسيات:
فعندي من أسئلةِ كلِّ مِنَ الشَّيخ شمس الدين بن المصري، حیث کان
شيخَ الباسطيَّة هناك، وأسئلة الأوحد الزين عبد الكريم بن القلقشندي أشياء.
فمن أسئلة الثاني: سؤال يتعلق بمستدرك الحاكم، هل موضوعُه أن
يُخرّجَ ما هو على شرطِ الشَّيخين أو أحدهما ولم يخرّجاه، أو أعمُّ مِنْ:
ذلك، وهو كلُّ حديث صحَّ عنده، فإن كان الأوَّلَ، فليس بظاهر؛ لأن في
(المستدرك)) أحاديثَ لا يقول فيها: على شرطهما، ولا على شرط أحدهما،
(١) ما بين حاصرتين ساقط من (ب).
(٢) في (أ): ((وأرسله)).
(٣) بياض في (أ) مقداره تسعة أسطر وفي (ب) عشرون سطراً وفي (ح) مقدار صفحة
٨٩٤

بل يقول: هذا الحديث صحيح الإسناد فقط، أو يقول: لولا فلان أو جهالة
فلان، لحكمتُ للحديث بالصِّحَّة، وإن كان الثاني، فيخرُج موضوعُ الكتاب
عن أن يكون مستدركاً عليهما أو أحدهما. ثم ما المراد بشرطِهما؟
فأجاب بأن تصرُّفَه يقتضي أنَّه بنى على الثاني، وهو الأعمُّ، ويُعتَذَرُ
عما أُورِد عليه أنَّ الكتاب بذلك يخرج عَنْ أن يكونَ مستدركاً على
((الصحيحين)) بأن يقال: الأصلُ فيه أن يُخرِّج ما يُستدرك به على
((الصحيحين))(١)، وما زاد على ذلك، فهو بطريق التّبعيّةِ، لقصد تحصيل ما
يمكن أن يُطْلَقَ عليه اسم الصَّحيح، ولو على أدنى الوجوه.
وأمَّا المرادُ بقوله: على شرط فلان، فقد وقفتُ للعلامة الحافظ قُدوةٍ
الفقهاء والمحدثين صلاح الدين العلائي شيخ شيوخنا تغمده الله برحمته في
مقدمة كتاب ((الأحكام)) لهذا الغرض على كلام(٢) في غاية الإتقان، بحيثُ
لا مزيدَ عليه في الحُسْنِ، والذي اختارَهُ رجحانَ القول بأنَّ مُرادَ الحاكم
بقوله: على شرط فلان، أنَّ رجال ذلك السند يكون من نسب إليه الشرط
أخرج لكل منهم احتجاجاً. هذا هو الأصل، وقد يتسامَحُ الحاكمُ، فَيُغضي
عَنْ مَنْ يتّفق أنه وقع في السند ممَّن هو في مرتبة مَنْ أخرج له، وإن لم
يكن عيَّنَه، وذلك قليلٌ بالنّسبة إلى المثل، وتراه ينوٌعُ العبارةَ، فتارة يقول:
على شرطهما، وذلك حيثُ يتفرَّدُ أحدُهما بالتّخريج لراوٍ مِنْ ذلك السند،
كعكرمة بالنّسبة للبخاري، وحماد بن سلمة بالنسبة لمسلم؛ ففي الأول
يقول: على شرط البخاري، وفي الثاني يقول: على شرط مسلم، كما لو
اتّفق أنَّهما أخرجا للجميع، فيقول: على شرطهما. ومتى كان أكثرُ السَّندِ
ممَّن لم يخرجا له، قال: صحيح الإسناد، ولا ينسُبُه إلى شرطٍ واحدٍ
منهما، وربما أورد الخبر، ولا يتكلَّمُ عليه، فكأنَّه أراد تحصيلَه، وأخّرَ
التَّنقيب عليه، فعوجل بالموت مِنْ قبلِ أن يتقن ذلك، وقد وقفتُ على
(١) في (ب): ((الصحيح)).
(٢) في (ب) و((جمان الدرر)): ((لهذا الغرض كلاماً) وكانت كذلك في (ح)، ثم شطب
عليها المصنف، وكتبها في الهامش كما هنا.
٨٩٥

نسخةٍ مِنَ ((المستدرك)) في ستِ مجلدات، فوجدت في هامش صفحةٍ مِنْ
أثناءِ النّصف الثاني مِنَ المجلد الثاني: ((إلى هنا انتهى الحافظ الحاكم)).
فَفْهِمْتُ مِنْ هذا أنَّه قد حرَّر مِنْ أوَّلِ الكتاب إلى هنا، وأنَّ الباقي استمرَّ
بغيرِ تحريرِ، ولذلك يُوجَدُ فيه هذا النوع مِنْ أنه يورِدُ الحديثَ بسنده، ولا
یتکلّم عليه،
وأما اليمنيات:
فمن جملة ما ورد السُّؤال عنه مِنْ هناك مِنَ العلاَّمة السيد البدر
حسين بن عبد الرحمن بن محمد الأهدل عَنِ الخضرِ صاحب موسى عليهما
: السلام، وبيان الاختلاف في بقائه ونُهُوَّتِهِ وغير ذلك، وهي في غاية التحرير
في كتاب ((الإصابة)) للشّيخ، فلا نُطيلُ بإيرادها، لكن سمى هذه ((الزهر
النضر في نبأ(١) الخضر))، وختمها بزيادة، فقال: والذي تميلُ إليه النَّفْسُ مِنْ
حيثُ الأدلَّةِ القويَّةِ خلافُ ما يعتقدُه العوام مِنَ استمرارِ حياته.
لكن ربَّما عرضت شبهةٌ مِنْ جهةٍ كثرة النَّاقلين للأخبار الدالّة على
استمراره، فيقال: هب أنَّ أسانيدها واهيةً، إذ كلُّ طريقِ منها لا تسلَمُ مِنْ
سببٍ يقتضي تضعيفها، فماذا نصنع في المجموع؟ فإنَّه على هذه الصورة قد
يلتَحِقُ بالتواتُرِ المعنويِّ الذي مثَّلُوا له بجُودٍ حاتم، مع احتمال التأويل في
أدلة القائلين بعدم بقائه كآية ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلَّدَ ﴾ [الأنبياء:
٣٤]، وكحديث («رأس مائة سنة)»، وغيرِ ذلك ممَّا تقدم بيانه ..
وأقوى الأدلة على عدم بقائه: عدمُ مجيئه إلى رسول الله بَّه وانفراده
بالتعمير من بين أهل الأعصارِ المتقدّمةِ بغيرِ دليل شرعيِّ، والذي لا يتوقّفُ
فيه الجزم بنبوَّتِه(٢)، ولو ثبتَ أنه مَلَكْ مِنَ الملائكة، لارتفعَ الإشكال كما
تقدَّم، والله أعلم.
(١) في (أ، ح): ((بيان)).
: (٢) في (ب): «بثبوته))، تحريف.
٨٩٦

ومنه مسألة قاضي جِبْلة وعدن محمد بن عمر الحزيزي عن رجل
يصلّي بالنَّاسِ إماماً، فإذا سلَّمَ، تأخّرَ قليلاً، وجعل وجهه إلى المشرق
وظهره إلى المغرب، وأتى بالذِكرِ ثمَّ بالدُّعاءِ وهو على الحالة المذكورة،
وزعم أنَّ ذلك قد رُوي عَنِ النَّبيِّ نَّهِ، واستقرَّ حالُه دائماً على ذلك في
جميع الصلوات، فهل ذلك صوابٌ؟ وهل كان النَّبِيُّ وَ لَّ إذا فرغ مِنَ الصلاة
وقف في المصلى يأتي بالذكر والدعاء المأثور وهو على حالة الاستقبال، أو
على ما يفعله الإمام المذكور؟ وهل المراد بالانصراف من الصلاة
الانصراف(١) في الجهات عند الخروج مِنَ المسجد عن اليمين والشمال كما
ذكره صاحبُ ((البيان)) مفسِّراً به لما ذكره البغداديون، ما نقله عن صاحب
((الإبانة)) أنَّ المرادَ عن اليمينِ عند أكثرٍ أصحابنا أن يفتِلَ يدَه اليسرى،
ويجلس على الجانب الأيمن (٢) من المحراب. وقال القفال: الانصراف عن
اليمين هو أن يفتِل يده اليمنى، ويجلس على الجانب الأيسر من المحراب
كما في الطواف يجعل يده اليُسرى إلى الكعبة واليمين إلى الناس.
فهل لما قالاه دليلٌ مِنَ السُّنَّة؟ وهل صحَّ ما نقلاه عَنِ النَّبِيِّ وَّ قبل
الذكر أو بعده. ونصّ الشافعي رضي الله عنه على استحباب الانصراف
للإمام عَقِبَ السَّلام إن لم يكُنْ معه نساءٌ، كما ذكره الشيخ عز الدين بن
عبد السلام وغيره.
وهل في الأحاديث الصحيحة ما يخالِفُ هذا النص؟ وهل في حديث
البراء بن عازب رضي الله عنهما، حيث قال: كنا إذا صلينا خلف
رسول الله * أحببنا أن نكونَ عَنْ يمينِه يُقبِلُ علينا بوجهه. إلى آخر
الحديث، دليلٌ لما يفعلُه المصلّي المذكور مِنَ التأخّرٍ قليلاً واستقبال
المشرق، واستدبار المغرب دائماً أو لا؟ إذ قد يقال: إنَّ مراد البراء
رضي الله عنه بقوله: ((يُقبل علينا بوجهه)) حالة السلام، أو أنه انحرف، ولم
يكن انحرافُه وَلَّ ليذْكُرَ ويذْعُوَ مستقبلاً للمشرق، أو قد يكون لسببٍ ما.
(١) ساقطة من (أ).
(٢) في (ب): ((الآخر)).
٨٩٧

المراد إيضاح ذلك بجوابٍ شافٍ للنفس يشرَحُ الصَّدرَ، ويزيلُ اللَّبْسَ،
يحقّق ذلك كلّه، وما يُعتمَدَ وما يكون الآتي به متبعاً لا مبتدعاً.
فأجاب بما نصُّه:
أما ما وقع في السّؤال مِنْ أنَّ الإمام إذا سلَّم التسليمة الثانية، جعل
وجهه إلى المشرق وظهره إلى المغرب، فلعلَّه خصَّ ذلك بالبلد الذي هو
بها، حيثُ تكونُ القبلةُ بين المشرق والمغرب، فينحرِفُ هو إلى جهة
: المشرق، وهي جهةُ يسارِهِ، ويُقبِلُ بوجهه على مَنْ هو علی یمینه حين
الائتمام، وهذا هو الذي يظهر مِنْ حديث البراء بن عازب رضي الله عنهما،
ولكن الذي يتحصَّل مِنْ مجموع أحواله وَّرَ أَنَّه كان لا يفعلُ ذلك ديْدَناً، بل
هذا الفعل خاصَّ بما إذا أراد أن يجلِسَ في مصلاهُ بعدَ انقضاء الصَّلاةِ
للوعظ والإفتاء وغيرهما من مصالح المسلمين، وهو لائق بالصلاة التي لا
نافلة بعدها كالصبح، فقد صحَّ أنه ◌َّ كان يلبَثُ فِي مصلاه حتّى تطلُعَ
الشمسُ حسناء. وأما إذا كانت بعد الفريضة نافلةٌ كالظّهر، فإنه كان ينصرف
إلى منزله على يساره؛ لكون حجرة عائشة وغيرها مِنْ نسائه رضي الله عنهن
كان من جهة يسار القبلة، ولذلك قال بعضُ الصَّحابة رضي الله عنهم: كثيراً
ما رأيتُ رسول الله وَلا ينصرف عن يساره، راداً على من كان يرى
استحباب الانصراف عن يمينه، ويراه حتماً لا يعدل عنه (١). وهذا الانصراف
غير الانصراف الذي نُقِلَ في السُّؤال عَنِ الفقهاء، فإنَّ الانصرافَ الذي ذكروه
: هو الحركة بعد السلام مِنّ الصلاة، وهذا هو الحركةُ عندَ إرادةِ التوجُّهُ مِنْ
المسجد، وكان انصرافه هذا الثاني إلى منزله، ليستريح ويصلي فيه حينئذٍ
سنة الظهر التي بعدها، وكذا كان يصلّي سُنَّةَ الظّهر التي قبلها في منزله؛
لأنه كان إذا فرغ مِنَ المصالح، توجّه عند القيلولة إلى منزله ثمَّ يخرُجِ
لصلاة الظُّهر، كما جرى له حين جاءه وفدُ عبدِ القَيْسِ، فشغلُوهِ فلم يُصَلُ
الركعتين بعد الظهر حتى دخل منزله بعد صلاة العصر، فصلاهما فيه.
(١) في (ب) و((جمان الدرر)): ((ويراه احتمالاً يعدل عنه)).
(٢) في (أ): ((في الحركة)).
٨٩٨

وأمَّا الذِّكْرُ (بعد الفرائض)(١)، فقد صحَّ أنه كان لا يجلس في مصلاه
إلا قذْرَ ما يقول: ((اللهم أنت السلام، ومنك السلام ... إلى آخره))،
فالظَّاهِرُ أنَّ المأثور مِنَ الذكر والدعاء كان يكون في المسجد؛ حيثُ لا
يتوجّه منه، وفي منزله حيث يتوجه مِنَ المسجد.
وإذا تحرَّر هذا، يُستنبط منه أنَّ مَنْ ليس في مِثْلِ حاله من إرادة الوعظ
والإفتاء ونحوهما إذا ذكر الذكر والدعاء المأثور لكل صلاة يستمر على
استقبال القبلة حتى يفرغ وينصرف إلى منزله، وإنما كان ذلك، لأن الأمر
ورد باستقبال القبلة عند الدعاء، فإذا خُصّ منه شيءٌ للمصلحة المذكورة،
بَقِيَ ما عداه على عُمومه. وهذا مما غاب بيانُه عَنْ كثيرٍ مِنَ النَّاس، فحملوا
صنِيعَهِ وَّ﴿ في الهيئة المذكورة مِنَ الجلوس على عموم الأحوال، والذي
يظهر أن الذي يستحب التفصيل المذكور، والله الموفق.
[وكذا سأله الشّهابُ أحمد بن أبي القاسم الضَّراسي اليماني سؤالاً يتعلّق
بقوله ◌َّهِ (مَنْ صلَّى الصُّبْحَ، ثمَّ جلس في مُصلاَّه، إلى أن تطلُعَ الشَّمس)).
كتبته مع جوابه في غير هذا الموضع] (٢).
وأما الشاميات:
فقد ورد السُّؤال منها عَنْ واقفٍ وقفَ وَقْفاً على نفسه مدَّة حياته، ثم
من بعد موته (٣) على أولاده الموجودين، ثمَّ مِنْ بعدهم على أولادهم، ثم
على أولاد أولادهم، ثمَّ على أولاد أولاد أولادهم ونَسْلِهِم وعَقِبِهم بينهم
بالفريضة الشرعية للذّكرِ مِثْلُ حظّ الأنثيين مِنْ أولاده الظّهر والبطن، واحداً
كان أو أكثر، ذكوراً كانوا أو إناثاً بينهم بالفريضة الشرعية، يسْتَقِلُّ(٤) به
(١) هذه العبارة ساقطة من (أ).
(٢) ما بين حاصرتين لم يرد في (ب)، وقد أشار المصنف إلى هذا السؤال في ترجمة
الضراسي من الضوء اللامع ٦٤/٢، وقال: أوردته في فتاويه، يعني الحافظ بن حجر.
(٣) في (ح): ((من بعده)).
(٤) في (أ): ((يشتغل)).
٨٩٩

الواحد، ويشترك فيه الاثنان فما فوقهما مدة حياتهم مِنْ غيرِ مشاركٍ لهم فيه
ولا في شيء منه يحجُبُ الطّبقة العُليا منهم أبداً الطبقة السفلى مِنْ أولاد
الظّهر والبطن بالفريضة الشرعية، على أنه مَنْ تُوفّي مِنْ أهل هذا الوقف،
وترك ولداً أو ولدَ ولدٍ أو أسفلَ مِنْ ذلك مِنْ ولد الولد، انتقل نصيبهُ إليه،
واحداً كان أو أكثرَ على التَّرتيب المشروح أعلاه، فإن لم يكن للمتوفى منهم
ولدَّ ولا ولد ولدٍ ولا أسفل مِنْ ذلك، أو كانوا وانقرضوا، كان ما للمتوفى
مِنْ رُبع ذلك لإخوته وأخواته المشاركين له في استحقاق الوقف، ووجوب
الصَّرف إليه مِنَ الذُّكور والإناث مِنْ ولد الظّهر والبطن على ما شُرِحَ فِيهِ،
فإن لم يكن للمتوفَّى أخٌ ولا أختٌ، أو كانوا انقرضوا، كان ما(١) للمتوفى
مِنْ ذلك لأقرب الطبقات إليه من أهل الوقف المذكُور(٢) ممَّن يشاركه في
حال حياته في استحقاق الربع، ووجوب الصرف إليه من ولد الظهر والبطن
من أهل الوقف بينهم بالفريضة الشرعية، وحكم حاكم يرى صحة الوقف
على النفس، ثم مات الآن مِنَ المستحقين محمد وأحمد ولدا محمَّد بن أم
هانىء بنت عبد القادر بن أبي بكر ابن الواقف وعائشة وفاطمة بنت الشيخ
علي بن أنس بنت فاطمة بنت عائشة بنت الواقف عن(٣) غير ولد، ولا ولد
ولدٍ ولا إخوةٍ ولا أخواتِ. ثمَّ الآن مِنَ المستحقّين الموجودين بركةُ بنتُ
فاطمة بنت حسن بن محمد بن موسى ابن الواقف، وإبراهيم بن يوسف بن
إبراهيم بن يوسف بن سومَلَك بنت الواقف، وبي خاتون بنت أحمد بن .
إبراهيم بن يوسف بن سوملك بنت الواقف، ومحمد بن بلينة بنت أنس بن
سليمان بن موسى ابن الواقف، وبي خاتون وزينب بنتا عائشة بنت يونس بن
أبي بكر ابن الواقف، وقضاة بنت عائشة بنت فاطمة بنت إبراهيم ابن
الواقف، وتولت بنت إبراهيم بن يوسف بن سوملك بنت الواقف، ومحمد
وفاطمة ولدا عائشة بنت زينب بنت أبي بكر ابن الواقف، وأعُل بِنت
(١) ((ما)) ساقطة من (ب)، وفي ((جمان الدرر)): ((كان ما كان للمتوفى)).
(٢) في (أ): ((الذكور)).
(٣) في (أ): ((من)».
٩٠٠