Indexed OCR Text
Pages 721-740
عن وصفه، فكيف بمثلي، (وما عليه إذا لم يفهم البقرُ)، ورأيت(١) غرائبَ مِنْ براعته يردُّها العقل لو لم يشهد البصر، وقلت متجاهلاً مع معرفتي ببلاغته : (أهذه سير في المجد(٢) أم سُوَرُ)؟! فهو قاضي البلاغة الذي: أقرُّوا بحق جوهر الفضل عنده ولا عجب للبحرِ صَوْنُ الجَوَاهرِ والجواد البليغ الذي : يقول لنا دُرّا (٣) ويبدي سماحة فما البحرُ إلاَّ بين كفِّ وخاطرٍ ٠٦ وعالم المدينة الذي: على كلٌ رأس طال كعب مبارك له وهو للطُّلاَّبِ أفضلُ مالكِ وربُّ البديع الذي: مطالبة قد طوبقت بمهالك قد استخدم الأنظار إذ أصبحت لهم وفارس العربية الذي: غدا قبلةً للناس صَلَّوا وراءها وفاتهم سبقاً فليس يُجارى والكاتب الذي: إذا أبصروا في الطُّرْسِ أثر مِدادِه فذلك سَبْقٌ قد أثار غبارا وضّحَتْ من سجعه المعاني من بعد، فكم به للعلوم زرقاء يمامة. (١) في (ط): ((وسمعت ورأيت)). (٢) في (ط): ((الفضل)). (٣) في (ط): («درراً)). ٧٢١ وأضحت تصانيفُ الأدب الجليلة كالسّجلُ وتصنيفه(١) هذا الدَّقيق المعاني علامة، واحتوی علی دائرة الأدب، فقلنا: البدرُ قد سكن داره، وتزيَّنَتْ به المعالي، واستبشرت، وليهنها منه في الحالين بشارة، فلو رآه سحبان، لوافى لطلبٍ آدابه مشمراً، فقيل له: مِنْ أين، وإلى أين؟ والخليل بن أحمد صاحبُ العروض، لغرق في بُحور آدابه، وقدّم له ما يملكه مِنَ ((العين)»، وابنُ عبدِ ربِّه، لاعترف بأنه جمع الخرز في ((عقده)) وابن الصَّيرفي البليغ، لما ساوى معه حبّة، مع حُسن نقده. وأبو العلاء المعري، لأنشده هذا الناقد البصير: أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي وابن الرومي، لعرف الفرق ما بين العجميّ في الفصاحة والعربي، أو سمع فصاحتَه كلَّ بليغ، لأقرَّ أنَّه فنٌ من اللسان محروم، ونادى في ظُلمة الغي: انظرونا نقتبس مِن نُور فصاحتكم يا بني مخزوم، فنزول الغيث قد أخجل النّيل، والفاقد صبره للعجز عن مجاراته ينادي: كيف السبيل، ولا ريب عندَ صاحب الذَّوق أنَّ نقص خليل زاد، وأن هذا السيد هذب به من كلام الصلاح فساد، فلو صدر الصفديُّ إلى الدنيا بعد موته، لما وُجد منه إنكار ورد، ولو رام أن يهادى هذا المولى لهدايته له إلى الصواب ببلده، لقال له: ما لنا حاجة منك بصفد. على أنَّ هذا الصفدي كان كثيراً ما يقدم على العلوم - كالنحو . - من غير مبتدأ معرفة، ويستغني بتعديله وتجريحه، وتمريضه(٢) وتصحيحه، فلا یثری من صفة منصفة، ويرى أنَّه البصير بهذا، وهو في العمى ضائع العُكّاز، لا زال مولانا جائداً للطلبة بنقده آمناً من السرار (٣)، فلا يذوق(٤) مرارة فقده، ولا برح بأنوائه وأنواره يُخجل الشمس والغمام، ودام سالماً مِنَ النَّقص، فلا يخلو نعتُه - وهو البدر - مِنْ معنى الكمال والتمام، إن شاء الله تعالى. (١) في (ب، ط): «وتأليفه)». (٢) في (ب): ((ورد تمريضه)). (٣) في (ط): ((الأشرار)). (٤) في (أ): تدوم. ٧٢٢ [تقريظ بديعية الوجيه العلوي] ومن ذلك ما كتب به في ربيع الأول سنة ثمانمائة بزبيد على ((البديعية» التي نظمها الوجيه عبد الرحمن بن محمد بن يوسف العلوي، المسماة ((بالجوهر الرفيع ودوحة المعاني في معرفة أنواع البديع ومدح النبي العدناني)) ونصه : الحمد لله الذي أتقن ما صنع أبدع إتقان، وأحسن كلَّ شيءٍ خلَقَه وخلقَ الإنسان، وصلى الله على أشرف مُرسلٍ مفرد، لم يختلف في فضله من ذوي العقول اثنان، الذي نزّه تشريعه عن المراجعة والمناقضة، وجرّد تتميمه عن الاستدراك والمعارضة، فما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يُوحى، وما ظهر من معجزاته لامعة إلاَّ وأخجلت نجماً وقمراً وبوحاً(١)، ففي محل ألفاظه إشاراتٌ خفيَّات، يتلمَّح معانيها أهلُ البيان، وفي أخباره معجزات شتَّى لا يختصّ بها أهل زمان دون أهل زمان، ومنها قوله الصادق: ((إنك إن تُعطَ الإمارة عن غير مسألة، تُعَنْ عليها يا عبد الرحمن»، وسلَّم الله على رُوحه أتمَّ سلام، ورضي الله عن آله وصحبه البَرَرةِ الكرام الخيرة الأعلام. آمين. فأقول وإن لم أكُن مِنْ رجال هذا المجال المصيبين بنيل نبلهم مقاتل الأقوال: وقفتُ على هذا الجوهر الرفيع، وتفيَّأتُ ظلال هذه الدوحة، واجتنيت مِنْ زهرها المريع، ووقفت عنده وما وقفت عنه، وأطال ظامىءُ نظري الورود، وما ارتوى منه، ونثر (٢) فكري لوصفه سهامَ الألفاظ مِن كنانته، فما أصاب الغرض، وعرض جنودَ المعاني لمدح هذا الجوهر الفرد، فما قابله لما عرض، وقدحتُ زِنَادَ ذهني الكابي، فما أورى مِنَ القادح واستشعرت معثار إنساني، فتلا عليه العجز: ﴿يَأَيُّهَا الْإِنْسَنُ إِنَّكَ كَادِعُ﴾ [الانشقاق: ٦]، فلله درُّ منشىءٍ هذه المُلحة، والمتفضل بهذه المِنحة، لقد (١) البُوح: اسم الشمس. من القاموس المحيط. (٢) في (ط): ونشر. ٧٢٣ أطاب لما أطال، ووجد مكان القول ذا سَعَةٍ فقال، وسبق إلى غاية ما وراءها غاية، وأقام للبلغاء عند اختلاف آرائهم راية. شعر: : إذا أبصروا في الطُّرْسِ أثر مِدادِهِ فَذلك سَبْق قد أثار غُباراً فصليتُ وراء هذا السابق مسلماً، وصَمَتُ عجزاً عن وصف مجلس ذا الصدر، ولكن أبى قلبي أن يكون إلاَّ متكلماً، وقلتُ واستعنت بالعزيز القدير، ويدُ فكري جذيمة، ولسانُ التَّقصير قصير: جاءَ أخيراً وتجلَّى سابقا لله دَرَّ فاضلٍ مُبَرْزِ فما رأينا للوجيه لاحقا. والبُلِغاءُ عن مداه(١) قصَّروا" فلو رآه الحريري، لعقد عليه الخناصر، لعلمه بأنه من (٢) الطراز الأول، وابن أبي الأصبع، لنصَّ بإشارته إليه بأنَّ عليه في هذا الفن المعوّل، والحلْيُّ لحرم عليه النظم(٣) وخفي، ولما حام يوماً حول مورده الصَّفِي. بديعةً حُسْنٍ لا يقاومها نقدُ جلوت على الأسماعِ بنتَ قريحةٍ لما شكَّ فيه أنَّه الجوهرُ الفردُ فلو أبصر النَّظّام جوهرَ لفظِها وبالجملة، فسِنَانُ قِلمي عن واجب وصفِه غيرُ مسنون، وصَدَفُ كَلِمي لا أرضاها لهذا الجوهر المكنون، لا زال ناظمه في سعادة لازمة له لزوم الهمزة للاستعلاء(٤) على ما ألَّف، وكان المبتدأ صدر الكلام، واللام للتعريف من قبل(٥) الألف، ومنادى عيشه لا يرخّم، وأحمدُ زمانه لا (١) في (أ): ((والبلغاء مداده)، وفي (ط) عن مناه .. (٢) ((من)) ساقطة من (أ). ثـ (٣) في (ط): النظر. (٤) في (أ): ((للاستعلال))، تحريف. (٥) في (ط): ((بعد)). ٧٢٤ ينصرف، وأيَّد تصرُّفَه بحُكْم السُّيوف والأقلام، وأخدم مجلسه أفضل التّحية والإكرام، والسلام. [ما كتبه على قطعة لابن ناهض] ومن ذلك: ما كتب به [على قطعة لابن ناهض، ومن خطه نقلت: نظرت هذه المُذْهَبَة المعلّقة، وقيدت النظر](١) في هذه القوافي المطلقة، واغْتَرفت بالقصور عن وصف هذه البيوت العاليات الطّبقة، المترفعة غرفُها عن أن تكون مستَرَقَة، فألفيتُها حُرِّرت موازينها، وقُرُّرت دواوينها، وانشرحت الصدور من شدَّة ما أطربتها تلاحينها، وأزهرت أفانين غياضها، وزخرفت بأنواع الزينة أواوينُ رياضها. يا لها آداباً، لو رام معارضة منشئُها مادح بمصر ..... (٢)، وتأمَّل ما يهديه فكرُه لقال: ما أشدَّ بردَه، ولو بالغ في وصف مخترعاته، لرأى نقصَها متزايداً عنده، ولو فُتِحَ له بابُ تقريظها، لحُقَّ له سدُّ بابِ القريض بعده ما نُوظرت هذه المحاسن، ونظر الناظر إلى آدابه، إلاَّ قال لها: أبعدي، ولا قُوبلت بأدب متأدّب، إلا تبين في الحال حال المعتدي. لقد توحد منشئها في فنه حتى صار هو العَلَم الفرد ذكاءً وآداباً، واستحقَّ اسمَ أبيه، فأصبح في اقتناص الشوارد ناهضاً وثّاباً، وإذا كانت العقول مِنَحاً إلهية، والأفكارُ مواهبَ ربَّانيَّة، فلا بِذْعَ أن يبتدع الغريب إلى الغريب، ولا غَزْوَ أن ينشأ أديب يُنسي بما ينشئه إنشاءَ كلِّ أديب. والليالي - كما علمت - حُبالى مُقَرِّبات يَلِذْنَ كلَّ عجيبٍ [تقريظ سيرة ابن ناهض] ومنه ما كتب به على السّيرة التي عملها محمد بن ناهض الحلبي المذكور للمؤيد أبي النصر شيخ في سنة ثمان عشرة وثمانمائة، رفيقاً لدون ثلاثين نفساً، منهم: العز بن جماعة، والولي العراقي، والجلال البلقيني، (١) ما بين حاصرتين ساقط من (أ). (٢) بياض في الأصول، وكتب في (أ، ب، ح) عبارة ((كذا)). ٧٢٥ والشمس البلالي، والشمس البساطي، والشمس الحبتي، والبدر الدمياميني، والشّهاب القلقشندي، وناصر الدين بن البارزي، وولده الكمال، والتقي بن حجة، ونصه : "الحمد لله على كل حال. سبحتُ في هذا البحر الزَّاخر، فشاهدتُ: العجائب، فسأحدّثُ عن البحر ولا حرج، وتمتعت برؤية درِّه الفاخر، فإذا! هو في درج مصون لا ينالُه من دبَّ ولا مَنْ درج، ودخلت في أبواب هذه السّيرة السَّرِيَّة، متأملاً فيما حوته مِنَ المدائح المؤيدية، فهمتُ طرباً بمناقبها، واستعدت ممَّن أخطأ العروض والضرب وخرج، ولمحت فضل المعركة الميمون، فرمقت باب النصر، وصادفت فصل حصار(١) الحصون، فوافقتُ. بابَ الفُتوح، ونظرتُ فصل الظفر بالأدب، فلحظتُ بابَ السَّعادة، وتأمَّلتُ. فصل دفع الكُرَب، فشاهدت باب الفرج. يا لها سيرةَ هبَّت على راقم بُرودها وناظم سُعودها نسماتُ القَبُول، فهو يجول ويصول، ولا يبالي مَنَ هَرَج ولا مَرَج، وأسعدته بدرج الصعود، وأصعدته في مراقي السعود فعرج، ودانت له ممالكُ الكلام، فتصرَّف فيها. تصرُّفِ المالكين، غير متقيِّد بشرطِ غيره، وانفرد أمَّةً وحده، لا يُجارى ولا يُبارى، ولا يجسُر أحدٌ أن يسير في سياق السِّير الملوكية كسَيْره، وانطاعت له عصِيَّات المعاني الشاردة، فهو يقتنصها، لا بخيله ورچِلهِ، بل برجولیته وخيره. وماذا أقول ولم يُبقِ لي مَنْ تقدَّم كأساً مُترعاً، وماذا أترامى به من المعاني في الوصف، ولم أر في القوس منزعاً. نعم لست أوافق على ذكر شاعر، ولا مؤرخ في معارضة مخترعها، ولو كانت حياضهم مُترعة، ورياضُهم موشعة، إذ ليس فيهم من ينهض نهوض ابن ناهض في تصيُّد المعنى، حتى (٢) يستحقَّ أَن يُذكر معه، ولا يبارزه في ميدانه إلا مَنْ يرى في الحال مصرعه، ولا يقارب في تصرفاته في النظم، والشعراء فاعلمن أربعة. هيهات هيهات، كيف يمكن الترجيح وشرطه تقدم المساواة للنّدين؟ أم متى (١) في (أ): ((حصان)). (٢) في (ط): ((حيث)). ٧٢٦ تتهيّأ المساواة ومُحالٌ اجتماعُ النَّقيضين من الضُّدِّين، هذا الذي طلع في سماء أوصاف الملوك حلالاً، وصرع نواحيه طيور الأفئدة، فصار ما يتخيَّله فيه الناظر محالاً، ونبغ في شريعة التاريخ، فمن رام مجاراته أنشد: يا · صاحبي، ألا لا. هذا الذي أغرب، فأتى بفرائد لا تذكر معها ((قلائد العقيان)). وأطرب فلحن(١) السواجع لا يصغى إليه مع لحنه وإن أطربَ إنسان، وأقدم فرجع عنه الثُّبلاء القهقرى، وأعلم بأن كلُّ مَنْ رامَ معارضته مِنَ الفحول، صيَّره العجزُ وراء الورى، فلقد جلَّى مِنْ هذه السِّيرة المؤيدية عروشاً تأيدت بسلطانها، فيا لعجب تأؤَّدت ونطقت بفضل مخترعها الفرد في فنه، فقامت لها قلوبُ الألِيَّاء وقعدت، وأبدت من مفرداتها ومركباتها ما لم يطرق قبله لسامع أذُناً، وأسمعت من ألحانها المطربة في حانها ما لا يدرك المعارض له لفظاً ولا معنى. منطق صائب وتلحن أحياناً وخيرُ الكلام ما كان لحنًا فسبحان من أيَّد فكرته حتى أعربت عن لحن القول، وقوَّاها على البديهة حتى نادتها حوليَّات زهير لا قوَّة لي بهذا ولا حَوْل، وتبارك مَنْ أغناها عن التكلُّف (٢) في التصرُّف، فما أغناها، وأراحها مِنَ التوقف عن اتّباع كلام السُوى، فما أهياها(٣). لقد توسَّعت في فنون الكلام، حتى أهملت بجواهرها كتاب (الصُّحاح))، وترصَّعت بكلُ درَّةٍ خَفَضَ(٤) كلُّ لبيب لها الجَنّاح، وترفَّعت بعزّ سلطانها، فمن رآها نُصْبَ عينيه، قال: ليس على مخترعها مِنْ جُناح، وتنوَّعت بالفنون، فساح طَرْفُ ناظرها في معانٍ فساح. (هكذا هكذا وإلا فلا لا) طرق الجد غير طرق المزاح. (١) في (أ): ((فلحق))، تحريف. (٢) في (أ): (التكليف)). (٣) في (ح): ((السواء ما أهناها). (٤) في (أ): ((حفظ))، تحريف. ٧٢٧ فالله تعالى يُبقي منشئها، حتى يُسلي الهموم بما يطرب ويُغرب،. ويتحف النفوس من مبتكراته بما ليس في كتاب ((المرقص (١) والمطرب))، إن شاء الله تعالى. [تقريظ بديعية ابن حجّة] ومِنْ ذلك: ما كتب به على ((شرح بديعية)»(٢) المولى شيخ المتأدبين في عصره، التقي بن حجة: اللهمَّ غُفراً. كيف لا أسأل المغفرة، وقد أُلزمت بكشف عواري، وأُلجِئتُ من تقريظ هذه الدُّرَّةِ اليتيمة إلى رفع الحُجب عن بنات أفكاري، وأنا لا أزال أغطّي تلهُبي على أغراض المعاني الفائقة عني وأواري، وجهدي. أن أُحْسِنَ النَّظر فيما أقف عليه من اللطائف الزواهي بالزواهر والزَّواري، وكيف يضيء مصباحُ فكرٍ قليل المادّة في مدح (٣) هذه النجوم الدراري؟ وكيف أقنَعُ في موضع الإسهاب لها بالألفاظ الموجزة؟ ورَويَّتي عاجزة، وليست لي بديهة معجزة، لكن جرى القلم، فكتبتُ وتوفّرت سهامُ الحقوق، فطرحتُ رداء العصبية، ورميت الغرض فأصبت، وطالعت هذا الشرح، فتلا، لسانُ الحال: ﴿أَلَّ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾، ورفعتُ يدَ الابتهال للاقتدار على: مدحه مع قبول الاعتذار، فقيل لي: قد وضعنا عنك وزرك. فأقول: أشهد أنَّ أبا بكر مقدَّمٌ على أنظاره، ولا أعدل في هذه الشهادة: من أحمد، وأجزم برفعَةٍ قدره على كل من انتصب لهذا الفن، ولا أبلغ من: حاكم يشهد، لقد بلغ أشُدَّه في البلاغة واستوى، وثبت(٤) رشده عند غُواةٍ الأدب، لكن ما ضلَّ صاحبُهم وما غوى، ولا نطق في المديح النبوي إلاّ (١) في (أ): ((المراقص))، تحريف. وهو كتاب ((المرقص والمطرب في أخبار أهل المغرب» في الأدب، لأبي الحسن علي بن موسى بن سعيد الأندلسي المتوفى سنة ٦٧٣ هـ. انظر كشف الظنون ١٦٥٨/٢. (٢) في (أ): (بديعة)). (٣) في (ط): ((مقابلة)). (٤) في (ح): ((وبيت)). ٧٢٨ بالحق، وحاشى لهذا الصَّاحب أن ينطق عن الهوى، ولقد ظفَرَتْ حبائلُ فكرته(١) بكلٌ سانحة من ظباء البديع وبَارحة، وخطبته من ((يتيمة الدهر)» و((دمية القصر)» كل قرينة صالحة، وأتى طرسُه بكلُ دُرَّةٍ مونقة معجبة، وأخذ نفسه(٢) - الذي هو أبهجُ من النَّضار - بمجامع القلوب، لشدة ما بينهما في اللَّون من الشّبّه وأطنب في فَنِّي التورية والاستخدام، وهما قسما البدائع والكواكب الدراري فاستخدم فيما أطاعته من الاستخدامات رقائق الألفاظ فتمّ وصفها بالجواري، ووزّى فتوارى منه المُجاري، وحُقَّ له الهرب عند سماع تلك الاستخدامات الرائقة والتواري. فاق لما جارى ابن سرايا وابن جابر والموصلي. أما الحِلّي، فالشيعي المسرف قاصر الرُّتبة عن السُّني التقي، وأما الأعمى، فأَنَّى يستوي مع ذي النظر السَّوي، وأما العز، فأبو بكر أفضل من علي. نعم، هذا الذي نظر الأعمى إلى أدبه، واستفاض تقدمه، فحكم القاضي الفاضل بموجبه، وزاد كمالاً نقص عنده في النظم أبو تمام، وخرق العادة في النثر، فلا كرامة لصاحب ((المقامات)) ولا إقدام، وأمَّا قُدامة، فحقّه أن يدرس كتاب تأخر المعرفة، ويقول لعصريُّه نفطويه: لا شكُ أن ابن حجة مقدَّم على ابن عرفة، وظهرت من حلاوة نظمه حموضةُ ((الرَّمانية))، وشهد عبد القاهر أن ((الحموية)) أشهى من ((الجرجانية))، وأشار ابن أبي الأصبع أن يعقد البنصِر على إمامته، واتَّفق السَّكَّاكي والخلخالي وابن الصائغ على إتقان صياغته في صناعته، ولكن الأولى كفَّ العنان عن الجري في الميدان عن ذكر هؤلاء الفحول، والاقتصار على الكلم الجوامع، لئلا يُمَلَّ ما يملى، فأقول: إذا دعا هذا الإمام كل قديم ومحدث إلى الشهادة له بالإجادة في فنون النظم أجابه، وإذا ذُكر أبواب الإنشاءُ، فأبو بكر عليه الرضوان مقدم على جمع الصحابة (٣)، والسَّلام. (١) في (ب، ط): ((فكرتي)). (٢) في (ط): وأخف نفسه. والنقس: هو المِداد الذي يكتب به. (٣) في (ط): جميع أصحابه. ٧٢٩ [تقريظ آخر على بديعية ابن حجّة] ومنه ما كتب به على ((البديعية)» لابن حجة أيضاً، فقال: الحمد لله الذي أمر بتحميده، ووعد الشَّاكر لإحسانه بمزيده، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة مقرّ بتوحيده، معترف بكمال فضله وجوده، مخلص في الإيمان بوجوب وجوده، وأشهدُ أن محمداً. المصطفى سيد عبيده، وحامل لواء مدحه وتمجيده، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأنصاره وجنوده. أما بعد، فقد وقفتُ على هذه الجواهر المضيئة كالزواهر، والنوادر المنزهة للنواظر، وتأملت فصولها، فدخلت عليَّ المسرَّة من كل باب، وكرَّرت النّظر في معانيها وصحة مبانيها، فما أخطأ منها شيءٌ صَوْبَ الصَّواب، فتبارك مَنْ خصَّ أبا بكر بالتَّقديم وإن تأخر زمانُ سيره، وناسب بين المادح والممدوح في هذه الخصوصية، ولا ريب أن أبا بكر أخصُّ بمحمّد مِنْ غيره، دنا بفوائده من القلوب، فعقل مُجاريه قاص قاصر، ومهر فأمهر أبكار المعاني جواهر لفظه، فأكْرِمُ به في الحالين مِنْ ماهر، وسبق إلى غاية ما وراءها غاية، وأقام لطائفة الأدب إن اختلفت آراؤهم في البديع راية، فأمَّا الابتداء فما ألطف خبرُه، وأبهجَ ذهبه ودُرَرُه، وأمّا المخلص، فقسمه منه أوفر الأقسام، وحظُّه أتمُّ الحظوظ إذ اكتفى بمديح سيد الخلق عليه أفضل الصلاة والسلام، وأما المقطع، فهو أحسنُ مِنْ كلُ ما في دار الطراز، وأقسم أنَّه في هذا الباب مُقدَّم، وسواء على الحقيقة مجاز. وقد تجاسر العبدُ على تقريظها طوعاً لأوامر مخترعها، وامتثالاً لإشارة مُبدعها، فقدح زناد ذهنه الكابي، فما أورى ولا قدح، واستنار معثار إنسانه: فكلح، واقترح على قريحته الطواعية بما يناسب مقامه، فقالت: ومتى بلغك الحظ بعض مقترح، فصلى وراء (١) هذا السابق مسلماً، وأُصمِتَ ولو كان صدره بسيف العجز مُتكلماً. وكيف لا، وقد كان ذهنُه ولم يزل متبلداً، مع (١) في (أ): ((ورأى)). ٧٣٠ أنَّ نيران قلبه ذكية، ورَوِيَّتُه مثل بديهته سقيمة مما يقاسيه(١) مِنْ هذي البرية، وكان صدرُ قلمه أقسم أن لا يعود في العقد بسحر البيان نفَاثاً، وطلَّق أبكارَ هذا الفن الذي لا يلتفت إليه أحدٌ ثلاثاً، لكن لم يستطع مخالفة الإمام، * لأنَّها مما وجب، وامتثال المراسم - كما يقال - مِنْ سلوك الأدب. ومع ذلك، فسِنان قلمه عن واجب وصف هذا الإمام غير مسنون، وصدر كَلِمه لا يرضاها لهذا الجوهر المكنون، فلا برح هذا الإمام متمسكاً مِنْ ولاء ممدوحه بأمتن سبب، ولا زال كنزاً لجواهر الأدب، يستغني به إلى أن يستغني عن الأدب إن شاء الله تعالى بمنُّه وكرمه. [وقد قرض شيخنا لابن حجّة قصيدته الثانية التي امتدح بها البدري بن مزهر حسبما أشار إليه النواجي في ((الحجة))، فينظر](٢). [تقريظ عجالة القرى للتَّقي الفاسي] ومنه ما كتب به على ((عجالة القرى في مختصر تاريخ أم القرى)) للتقي الشريف الفاسي مما قرأته بخطه: الحمد لله الذي جعل من تولَّه بعنايته تقيّاً، وفضّل بعضَ خلقه على بعض، فرقّى منهم سعيداً، وأردى منهم شقياً، وشرَّف بعض الأمكنة على بعض، فاختصّ البلد الحرام بالأمن والمحبة والبركة، وكفى بذلك فخراً(٣) مرضياً. وصلى الله على سيدنا محمد أرفع العالمين قدراً علياً، وعلى آل محمد وصحبه الأبرار المتقين، الذين حفظوا السُّنَنَ ونقلوها، وعرفوا معانيها وعقلوها(٤)، ونظروا إلى الدنيا بعين الازدراء، فما مقلوها. صلى الله عليهم أجمعین وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين. ٠ (١) في (ب): ((يناسبه)). تحريف. (٢) ما بين حاصرتين لم يرد في (ب)، وأضافه المصنف بخطه في هامش (ح). (٣) ((فخراً» ساقطة من (ب). (٤) في (أ): ((وعلقوها))، تحريف. ٧٣١ أما بعد، فقد وقفتُ على هذا التاريخ البديع وضعاً، الغريب صُنعاً، فوجدتُه فاقَ المصنفات في هذا الفنٌ لصدق مغزاه، وتخصص بالشَّرف المطلق لفظه ومعناه، فهو تصنيفٌ شريف في معنى شريف لبلد شريف، اختاره الله وارتضاه. حَبَّره وأجاد في تأنيقه السيدُ الإمامُ الأوحد البارع المتفنن، ذو الأصل الزكي والذهن الوقّاد الذكي، تقي الدين، مفتي المسلمين، حامي حمى الفقه والحديث، مع ما انضاف إلى ذلك من تقوى صدقت لاسمه مسماه، وعبادة وزهادة وتواضع لائق بمن اصطفاه الله. فالله تعالى يلهمه شُكْرَ هذه المُنّة، ويبقيه لحفظ السُّنَّة .. [تقريظ الزهور المقتطفة من تاريخ مكة المشرفة للتقي الفاسي] ومنه ما كتب به أيضاً على ((الزهور المقتطفة من تاريخ مكة المشرّفة)) للتقي المذكور: أمَّا بعد، فقد وقفت على هذا التصنيف المفيد، والعقد الفريد، فرأيته قد أجاد تلخيصاً وتهذيباً، وفاق تبويباً وترتيباً، جمع جامعه - حفظه الله - فيه أشتات الفوائد، ومزج الأخبار التاريخية بالمسائل الحُكمية مَزْجَ العُقِيَان بالجواهر في القلائد، فلقد أبقى(١) بما ألَّف للبلد الأمين ذكراً مخلَّداً، وارتقى بما انتقى درجاً يعسُر على من رام اللَّحاق بها المدى، فالله المسؤول أن يحرُسَه بعينه، ويمُدَّه بعونه، ويحفظ نفسه، ويحمي حماه، ويوليه الثّواب الجزيلَ على ما تولاه. قال ذلك محبُّه الصادق في شعبان سنة عشرين وثمانمائة . [تقريظ تحفة الكرام للتقي الفاسي] ومنه ما كتب به أيضاً على ((تحفة الكرام)» للمذكور: وقفت على هذا التأليف الشريف، وعرفت فضل ما فيه مِنْ التَّنويع (١) في (ب): أتى. ٧٣٢ والتَّصريف، فوجدته مجموعاً جامعاً، وأعجوبةً حوت الحُسن والحسنى معاً، قد حرر مؤلفه وأتقن، وغاص على الدُّرِّ من مظانّه فأمعن، فجزاه الله عن بلده الحرام ومشاعره العظام أحسن جزاء، وكفاه جميع ما يتوقّاه مِنَ الأسواء. آمين آمين. قاله الفقير المعترف بالتقصير. [تقريظ مجموع تقي الدين الكرماني] ومنه ما كتب به على مجموع للإمام تقي الدين يحيى ابن شيخ الإسلام الكرماني: وقف العبدُ أحمد بن علي بن حجر الشافعي - عفا الله عنه - على هذا المجموع، الجامع للمحاسن، المانع من طعن الطاعن، فوجدتُه اشتملَ على فنون مِنَ الجدّ والهزل، [والرقيق والجزل] (١)، وعلى أنواع من العلوم القرآنية والحديثية والفقهية، وهي علوم الإسلام الشرعية، مع ما تخلَّلها مِنَ اللَّطائف التي تنشط نفس المُجدِّ في الاشتغال، وتوصله إلى غاية المجد في الحال والاستقبال. وما أحقّه بقولي: لها الفضلُ إذ راقت محاسنُها يُعزا نظرتُ لما سطّرتَه مِنْ فوائدٍ ولم يكفِ طرفي منه جزءٌ ولا أجزا وقد لذَّ ما أبديتَ منها بخاطري [تقريظ ديوان الملك الأشرف] [ومنه ما كتب به على ((ديوان)) شعر الملك الأشرف أحمد بن الملك العادل سليمان بن غازي الأيوبي صاحب حصن كيفا، حيث أحضره إليه أرغون دوادارُه في أوائل سنة إحدى وثلاثين مما غاب عني الآن. [تقريظ ديوان الملك الكامل] وكذا كتب على ((ديوان)) ولده الملك الكامل خليل، المستقرّ بعد قتل (١) ما بين حاصرتين ساقط من (أ). ٧٣٣ والده المذكور في سنة ستِّ وثلاثين](١). [تقريظ الرد الوافر لابن ناصر الدين الدمشقي] ومن ذلك ما كتب به على («الرد الوافر على من زعم أن ابن تيمية شيخ الإسلام كافر»، لحافظ الشام ابن ناصر الدين، في سنة خمس وثلاثين، وحَدَّث به في أواخر (السنة)(٢) التي تليها بالشام، بقراءة صاحبنا النجم الهاشمي: الحمد لله، وسلامٌ على عباده الذين اصطفى. وقفت على هذا التأليف النافع، والمجموع الذي هو للمقاصد التي جُمع لأجلها جامعٍ، فتحقّقتُ سَعَة اطلاع الإمام الذي صنَّفه، وتضلُّعَه مِنَ العلوم النافعة بما عظّمه بين العلماء وشرَّفه. وشهرة إمامه الشيخ تقي الدين ابن تيمية أشهرُ مِنَ الشَّمس، وتلقيبُه بشيخ الإسلام في عصره باقٍ إلى الآن على الألسنة الزكيّة، ويستمر غداً كما كان بالأمس، ولا يُنكِرُ ذلك إلاَّ من جهل مقداره، أو تجنّب الإنصاف، ممّا أكثر غلط مَنْ تعاطى ذلك وأكثر عثاره، فالله تعالى هو المسؤول أن يقينا شُرورَ أنفسنا وحصائد ألسنتا بمنّه وفضله. ولو لم يكن مِنَ الدَّليل على إمامة هذا الرّجل إلا ما نبَّه عليه الحافظُ الشَّهير علم الدين البرزالي في ((تاريخه)) أنَّه لم يُوجد في الإسلام مَنِ اجتمع في جنازته لمَّا مات ما اجتمع في جنازة الشيخ تقي الدين، وأشار إلى أن جنازة الإمام أحمد كانت حافلة جداً، شهدها مئو ألوف(٣)، ولكن لو كان بدمشق مِنَّ الخلائق نظيرُ مَنْ كان ببغداد، بل أضعافُ ذلك، لما تأخّر أحدٌ منهم عن شهود جنازته. وأيضاً فجميعُ مَنْ كان ببغداد إلاَّ الأقلَّ، كانوا يعتقدون إمامة الإمام أحمد، وكان أميرُ بغدادَ وخليفةُ الوقت إذ ذاك في غاية المحبَّة له والتعظيم، .-- (١) من قوله: ((ومنه ما كتب به على ديوان ... )) إلى هنا لم يرد في (ب)، وألحقه المصنف بخطه في (ح). (٢) ساقطة من (ب، ط). (٣) في (أ): ما بين مئو ألف، وفي (ب): ما بين ألوف. والمثبت من (ط). ٧٣٤ بخلاف ابن تيمية، فكان أميرُ البلد حين مات غائباً، وكان أكثر مَنْ بالبلد مِنْ الفقهاء قد تعصَّبُوا عليه حتى(١) مات محبوساً بالقلعة، ومع هذا، فلم يتخلّف منهم عن حضور جنازته والتّرحُّم عليه والتَّأسُّف عليه إلا ثلاثة أنفس، تأخّروا خشيةً على أنفسهم من العامة. ومَع حضور هذا الجمع العظيم، فلم يكن لذلك باعثّ إلا اعتقادُ إمامته وبركته، لا بجمع سُلطانٍ ولا غيره، وقد صح عن النبي وَاليه أنه قال: ((أنتم شُهودُ الله في الأرض)). ولقد قام على الشيخ تقي الدين جماعةٌ مِنَ العُلماء مراراً، بسبب أشياء أنكروها عليه مِنَ الأصول والفروع، وعُقِدَتْ له بسبب ذلك عدَّةُ مجالس بالقاهرة ودمشق، ولا يُحفظ عن أحد منهم أنَّه أفتى بزندقته، ولا حَكَمَ بسفك دمه، مع شدة المتعصبين عليه حينئذٍ مِنْ أهل الدولة، حتى حُبس بالقاهرة ثم بالإسكندرية، ومع ذلك، فكلُّهم معترِفٌ بسعة علمه(٢)، وكثرة ورعه وزُهده، ووصفه بالسَّخاء والشجاعة، وغير ذلك مِنْ قيامه في نُصرة الإسلام، والدُّعاء إلى الله تعالى في السُّرِّ والعلانية، فكيف لا ينكر على من أطلق أنه كافر(٣)، بل مَنْ أطلق على مَنْ سمّاه شيخ الإسلام الكفر، وليس في تسميته بذلك ما يقتضي ذلك، فإنَّه شيخٌ في الإسلام(٤) في عصره بلا ريب. والمسائل التي أنكرت عليه ما كان يقولُها بالتَّشهي، ولا يُصِرُّ على القول بها بعد قيام الدليل عليه عناداً، وهذه تصانيفُه طافحة بالرَّدِّ على مَنْ يقولُ بالتَّجسيم والتبرؤ منه، ومع ذلك فهو بشرّ يخطىءُ ويُصيبُ، فالذي أصاب فيه - وهو الأكثرُ - يُستفاد منه، ويُترحِّمُ عليه بسببه، والذي أخطأ فيه [لا يُقلَّدُ فيه] (٥)، بل هو معذورٌ؛ لأن أئمة عصره شهدوا له بأن أدواتٍ الاجتهاد اجتمعت فيه، حتى كان أشدُّ المتشغّبين عليه، القائمين في إيصال الشَّرُ إليه - وهو الشيخ كمال الدين الزملكاني - يشهدُ له بذلك، وكذلك (١) في (أ): ((حين)). (٢) في (ط): فضله. (٣) في (أ): ((كان كافر)). (٤) كذا كانت في (ح)، ثم غيرت فأصبحت: «شيخ مشايخ الإسلام)». (٥) ما بين حاصرتين ساقط من (أ). ٧٣٥ الشيخُ صدر الدين ابن الوكيل، الذي لم يثبت لمناظرته غيرُه. ومن أعجب العجب (١) أنَّ هذا الرجل كان أعظمَ النَّاس قياماً على أهلٍ البدع مِنَ الرَّوافض والحُلوليَّة والاتحاديَّة، وتصانيفُه في ذلك كثيرة شهيرة، وفتاويه فيهم لا تدخُل تحتّ الحصر، فيا قُرَّة أعينهم إذا سمعوا تكفيره (٢)، ويا سُرورَهم إذا رأوا مَنْ يكفِّره من أهل العلم! فالواجب(٣) على مَنْ تلبَّس بالعلم، وكان له عقلٌ أن يتأمَّل كلام الرَّجُلِ مِنْ تصانيفه المشهورة، أو من ألسِنَةٍ من يُوثَق(٤) به من أهل الثّقل، فيُفرد مِنْ ذلك ما ينكر، فيحذر منه على قصد النُّصح، ويثني عليه بفضائله فيما أصاب من ذلك، كدأب غيره من العلماء الأنجاب. ولو لم يكن للشيخ تقي الدين من المناقب إلا تلميذه الشهير الشيخ شمس الدين ابن قيم الجوزية، صاحب التصانيف النافعة السائرة، التي انتفع بها الموافق والمخالف، لكان غاية في الدلالة على عظيم منزلته، فكيف وقد شهد له بالتقدُّم في العلوم، والتميُّز في المنطوق والمفهوم أئمةُ عصرهٍ مِنَ الشَّافعية وغيرهم، فضلاً عَنِ الحنابلة . فالذي يُطلِقُ عليه - مع هذه الأشياء - الكفر، أو على مَنْ سمَّاه شيخ . الإسلام، لا يُلتفت إليه، ولا يُعوَّلُ في هذا المقام عليه، بل يجب ردعُهُ عَنْ ذلك، إلى أن يُراجع الحقِّ(٥)، ويُذعن للصَّواب، والله يقول الحقَّ، وهو يهدي السبيل، وحسبنا الله ونعم الوكيل .. [تقريظ شرح عقود الدرر في علوم الأثر لابن ناصر الدين] ومنه ما كتب به قبل ذلك في سنة ثلاث وثلاثين وثمانمائة على (١) في (ط): العجائب. (٢) في (ح): بكفره. (٣) في (ط): ((فالجواب))، تحريف. (٤) في (أ): ((یؤثر)). (٥) في (ط): ((إلى أن يرجع إلى الحق)). ٧٣٦ مصنّف المذكور ((شرح عقود الدرر في علوم الأثر»، ونصّه (١): أما بعد، فقد مررتُ على هذا التّأليف البديع المثال، العزيز المنال، الجامع لما تفرَّق فيما سواه، البالغ مِنَ الإحاطة بالفن الأمدَ المتناه، فحمدتُ الله تعالى على ما مَنَّ به مِنْ وجود هذا الحافظ الفريد حتى أتحفَ بشُهرة هذا الفن الغريب، ويسَّره وقرَّبه بعد التعسير والتبعيد، ووجدتُه احتوى على كل معنى باهٍ باهرٍ، وصدَّقه قولهم: كم ترك الأول للآخر(٢)، واللَّهَ تعالى أسألُه أن يبقيّه لهذا الشَّأن الذي صار جمعُ أهله في درجة القِلَة حتى تكثّروا ببركته، فيعز بوجودهم الملة. وقد تجاسرتُ فيه على كتابة موتضعات على سبيل التّذكرة، أتحقَّقُ أنَّها لدى هذا الحافظ الشهيرِ مشتهرة، وأسأله الإغضاء عمّا لعلّه وقع فيها مِنْ سقطِ زلَّ به القلم مِنْ غير رويَّة، لأن مِنْ شأنه قبولَ المعذرة. [وله أيضاً على ((منظومته)) في الحفّاظ و((شرحها)) ما أسلفته في الباب الذي قبله](٣). [تقريظ وجهة المختار لابن سويدان] ومنه ما كتب به على «وجهة المختار ونزهة المحتاج نظم فرائض المنهاج)) للشيخ ناصر الدين محمد بن محمد بن يوسف بن سويدان (٤) المنزلي. [تقريظ شرح منهاج البيضاوي لابن إمام الكاملية] ومنه ما كتب به على ((شرح منهاج البيضاوي)) للعلامة الكمال إمام الكاملية : (١) في (ب): ((ومنه). (٢) في (ط): ((والآخر). (٣) ما بين حاصرتين لم يرد في (ب). وقد تقدم ذلك ص ٦٨٤ برقم ٢٠١ عند سرد مصنفاته. (٤) بياض في الأصول. ٧٣٧ أما بعد، فإنني نظرتُ في هذا الكتاب الذي حَسُنَ موقعه من ذوي الأبصار والبصائر، وشَرُفَ موضعه لما اشتمل عليه مِنَ النَّفائس والذخائر، وعظُمَ موضعُه حتى صحَّ قولهم: كم ترك الأول للآخر، فشكرتُ همَّة مؤلفه الباهر، وصرفتُ الفكرة إلى الثَّناء على تصرُّفاته الزاهرة، فلقد مزج الشّرح بالمتن على الطَّريق التي قلَّ من ينهض بوافي حقُّها حتّى تُشرِقَ أنوارُ فكرته في نواحي أفقها، وتعزّ من يسير فيها مستقيماً إذا اشتبهت عليه تشعُبات طرقها. فالله تعالى يُبقيه للأصول يحفظُها على طالبيها، وللفروع يستنبطُها مِنْ قواعدها، حتَّى يقرِّب ثمارَها مِنْ جانيها، وقد حُقَّ له أن يُقرىء هذا الشرح وأصله، ويوصل سبب الطالب بسببه، حتى يقوى ببلوغ مراده حبلُه، فلذلك أذنتُ له أن يُقرىء العلوم الشرعية أصولاً أركانها ثابتة يقرِّبُ إلى أفهام الطالبين وصولها، ويقعِّدُ قواعدها محصلها وحاصلها ومنتهاها وسُؤلها، وفروعاً (١) يقتطف ثمارها الدانية منه كلُّ مَنْ رام يبلغ نفسه مأمولها، إلى غير ذلك مِنَ العلوم الآلية التي تاجُها فنونُ اللغة العربية التي يصلح معها اللسان: مِنَ الزَّلل، وزَيْنُها الذي يسلم به الذهن السليمُ مِنَ الخلل، والله يُسبغُ عليه مِنْ نعمه إفضالاً، ويزيده مع إمامته(٢) الكاملية كمالاً وجلالاً. [تقريظ الأربعين لجلال الدين البلقيني] ومنه ما كتب به على ((أربعي القاضي جلال الدين البلقيني تخريج الشيخ رضوان» : : وقفت على هذه ((الأربعين))، فقضيت مِنْ حُسنها عجباً، وقضيت بأنها تصبي سامعها حتى يهتز طرباً. وكيف لا، وهي مِنْ مرويات إمام فاق الأشياخَ، فضلاً عن الأقران، وراق الأسماعَ ذكرُه، فكيف بالعيان. فاللهَ يُبقي المخرجة له والمنتقي، ويُرقي درجاتهما حتى يعجز عن لحاقها مَنْ يروم أن يرتقي. (١) في (ط): ((وفروعها)). (٢) في (أ): «أمانته)). ٧٣٨ [تقريظ نزهة القصَّاد للشريف النسَّابة] ومنه ما كتب به على مصنف الشريف البدر النسَّابة المسمَّى «نزهة القّصَّاد)»، ونصّه: أما بعد، فقد تنزّهتُ في هذه النُّزهة، وشرحتُ صدري بها مِنَ الزَّمان بُرهة، انتهزتها مِنَ الشواغل، وتمنيت طول تلك البُرْهة، فتحقّقتُ أنَّ كلام الشريفِ شريفُ الكلام، وأن الكَلِمَ الطيِّبَ لا يُستغرب مِنَ البيت الطيب على أصله أفضل الصلاة والسلام، فالله المسؤول أن ينفعَ به كما نفعَ بسلفه، ويُديم على طلبة العلم بركة علمه وعظيمَ شرفه. [تقريظ الغيث الفائض في علم الفرائض للحسيني] ومنه ما كتب به على ((الغيث الفائض في علم الفرائض)) للسيد القاضي تاج الدين عبد الوهاب بن عمر بن الحسين الحسيني الشافعي الدمشقي: أمّا بعد، فقد تشرفت بالنظر في هذه الرياض (١) المونقة، وتصرفت في استيفاء العمل المستقبل مِنْ هذه الأفنان المُورقة، فيا لها روضة سقاها الغيثُ حتى أثمرت الفروع الزاهرة، وما أشرفها زهرة سطعت في منارات الشّرف الباهرة، لقد توسع منشئها في اقتناص الدُّرّ، حتى فاقت جواهر ((الصِّحاح)) وترفّعت لشرفها على النّظر، حتى خفض كلَّ لبيبٍ لها الجناح، وتفرّعت الفنون، فساح طَرْفُ ناظرها في معانٍ فِسَاح. (هكذا هكذاً وإلا فلا لا)، طرق الجد غير طرق المزاح. والله المسؤول أن ينفع بهذا التأليف كلَّ مستفيد سلَّم له وأذعَن وحيا، ويتقبَّل عمله الذي يشكره عليه الأموات والأحياء. آمين آمين. [تقريظ مسألة الساكت للسوبيني] ومنه ما كتب به على ((مسألة الساكت)) تصنيف الشيخ برهان الدين السُّوبيني(٢): (١) في (أ): «الرياضة». (٢) نسبة إلى سوبين، قرية من قرى حماة. وهو إبراهيم بن عمر بن إبراهيم، المتوفى = ٧٣٩ أما بعد، فقد وقفت على هذه الفوائد البديعة، الناشئة عن الهمة الرفيعة، فعرفت أنها جمع لا نظير له، يقرع السمع. (١) وضوابط للعقول السليمة في ميادين الفهوم الصحيحة، وروابط تؤذن بأن جامعها فاق مَنْ سبق إلى ضبط ذلك، اطّلاعاً وانتقاداً، وفات لحاقه من يجيء بعده طرداً واطّراداً، فعلمت به أن وحي التأمّل(٢) لم ينقطع، وأنَّ الله تعالى بقدرته يدخر للمتأخر ما لم يقف عليه المتقدِّم وإن كان يبذُل الوُسْعَ حين يطلع، فالله يُديم عليه نعمه تترى، ويجمع له بين خيري الدُّنيا والأخرى، ويسوق له أعناق السَّعادة في الدَّارين فرادى وزُمَرَاً، ويسلمه حيث حلَّ سفراً وحضراً. آمين آمين. ومنه ما كتب به على تصنيف صاحبنا العلامة عز الدين حمزة الحسيني (٤) الدمشقي أحد تلامذته [في ((تتمة خبايا الزوايا))](٣) [تقريظ منظومة الشغري في النحو] ومنه ما كتبه على ((منظومة في النحو)) لأبي العباس الشغري: وقفت على هذه المنحة السَّنِيَّة، واللَّمحة العربية، والدِّمنة الغزلية، فأعجبني انسجام ألفاظها، واشتقاق معانيها، وشدة أربها، وقوة مبانيها، وعلمت أنَّ مثلها لا يتأتَّى إلا ممِّن مارس العلوم، وبهر في المنثور : والمنظوم، فدعوتُ لمصنِّفها بالإعانة على حلُ رموزها، وفتح مُقفلها بإظهار كنوزها، ليجمع بين العلم والعمل به، وليشتهر بالفضل في مشرقه ومغربه . سنة ٨٥٨هـ. انظر الضوء اللامع ١٠٠/١ - ١٠١، ففيه إشارة إلى تقريظ الحافظ ابن = حجر لهذه الرسالة التي سماها السخاوي: ((جزء في مسائل تكون مستثناة من قاعدة: لا ينسب لساكت قول». (١) بياض في الأصول. (٢) في (ط): ((التأويل)). (٣) ما بين حاصرتين لم يرد في (ب). (٤) بياض في الأصول. ٧٤٠